Ibn 'AshurGhafir · 40:7–11

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:7–11

40:7Page 467

ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧

Those [angels] who carry the Throne and those around it exalt [Allāh] with praise of their Lord and believe in Him and ask forgiveness for those who have believed, [saying], "Our Lord, You have encompassed all things in mercy and knowledge, so forgive those who have repented and followed Your way and protect them from the punishment of Hellfire.

صفحة ٨٩

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ اقْتَضاهُ الِانْتِقالُ مِن ذِكْرِ الوَعِيدِ المُؤْذِنِ بِذَمِّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ الكَلامَ الجارِيَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ مِثْلُ الكَلامِ الجارِي عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ إذِ الجَمِيعُ مِن وحْيِ اللَّهِ، والمُناسَبَةُ المُضادَّةُ بَيْنَ الحالَيْنِ والمَقالَيْنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ وعِيدِ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ حالِ الَّذِينَ لا يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَآمَنُوا بِها.

وخَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ طائِفَةً مِنَ المَلائِكَةِ مَوْصُوفَةً بِأوْصافٍ تَقْتَضِي رِفْعَةَ شَأْنِهِمْ تَذَرُّعًا مِن ذَلِكَ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَسْتَغْفِرُ لَهم هَذِهِ الطّائِفَةُ الشَّرِيفَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أسْنَدَ مِثْلَ هَذا الِاسْتِغْفارِ لِعُمُومِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الشُّورى ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِيها بَعْدَهُ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] .

و﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ هُمُ المُوَكَّلُونَ بِرَفْعِ العَرْشِ المُحِيطِ بِالسَّماواتِ وهو أعْظَمُ السَّماواتِ ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] .

و(مَن حَوْلَهُ) طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ تَحُفُّ بِالعَرْشِ تَحْقِيقًا لِعَظَمَتِهِ قالَ تَعالى ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]، ولا حاجَةَ إلى الخَوْضِ في عَدَدِهِمْ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .

والإخْبارُ عَنْ صِنْفَيِ المَلائِكَةِ بِأنَّهم يُسَبِّحُونَ ويُؤْمِنُونَ بِهِ تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِلْإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ، فَقَدَّمَ لَهُ ما فِيهِ

صفحة ٩٠

تَحْقِيقُ اسْتِجابَةِ اسْتِغْفارِهِمْ لِصُدُورِهِ مِمَّنْ دَأْبُهُمُ التَّسْبِيحُ وصِفَتُهُمُ الإيمانُ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يُسَبِّحُونَ، ويُؤْمِنُونَ، ويَسْتَغْفِرُونَ“ مُفِيدَةٌ لِتَجَدُّدِ ذَلِكَ وتَكَرُّرِهِ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا كَما هو المُلائِمُ لِقَوْلِهِ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ وقَوْلِهِ (﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]) وقَوْلِهِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] إلَخْ، وقَدْ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما تَقَدَّمَ.

ومَعْنى تُجَدُّدِ الإيمانِ المُسْتَفادِ مِن (ويُؤْمِنُونَ) تَجَدُّدُ مُلاحَظَتِهِ في نُفُوسِ المَلائِكَةِ وإلّا فَإنَّ الإيمانَ عَقْدٌ ثابِتٌ في النُّفُوسِ وإنَّما تُجَدُّدُهُ بِتَجَدُّدِ دَلائِلِهِ وآثارِهِ.

وفائِدَةُ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا في جانِبِ المَلائِكَةِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الإيمانِ بِأنَّهُ حالُ المَلائِكَةِ، والتَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ أنْ لَمْ يَكُونُوا مِثْلَ أشْرَفِ أجْناسِ المَخْلُوقاتِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، وجُمْلَةُ ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِ (يَسْتَغْفِرُونَ)، وفِيها قَوْلٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ طَرِيقَةُ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِمْ (رَبَّنا) . والباءُ في (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَسْبِيحًا مُصاحِبًا لِلْحَمْدِ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ (يُسَبِّحُونَ) لِدَلالَةِ المُتَعَلِّقِ بِهِ عَلَيْهِ.

والمُرادُ بِ (الَّذِينَ آمَنُوا) المُؤْمِنُونَ المَعْهُودُونَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ وإنْ كانَ صالِحًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ.

وافْتُتِحَ دُعاءُ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنِّداءِ. لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّضَرُّعِ وأرْجى لِلْإجابَةِ، وتَوَجَّهُوا إلى اللَّهِ بِالثَّناءِ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وعِلْمِهِ لِأنَّ سَعَةَ الرَّحْمَةِ مِمّا يُطْمِعُ بِاسْتِجابَةِ الغُفْرانِ، وسَعَةَ العِلْمِ تَتَعَلَّقُ بِثُبُوتِ إيمانِ الَّذِينَ آمَنُوا.

ومَعْنى السَّعَةِ في الصِّفَتَيْنِ كَثْرَةُ تَعَلُّقاتِهِما، وذِكْرُ سَعَةِ العِلْمِ كِنايَةٌ عَنْ يَقِينِهِمْ بِصِدْقِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ، أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم آمَنُوا بِكَ - ووَحَّدُوكَ.

صفحة ٩١

وجِيءَ في وصْفِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ والعِلْمِ الواسِعِ بِأُسْلُوبِ التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ النِّسْبَةِ لِما في تَرْكِيبِهِ مِنَ المُبالَغَةِ بِإسْنادِ السَّعَةِ إلى الذّاتِ ظاهِرًا حَتّى كَأنَّ ذاتَهُ هي الَّتِي وسِعَتْ، فَذَلِكَ إجْمالٌ يَسْتَشْرِفُ بِهِ السّامِعُ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَيَجِيءُ بَعْدَهُ التَّمْيِيزُ المُبَيِّنُ لِنِسْبَةِ السَّعَةِ أنَّها مِن جانِبِ الرَّحْمَةِ وجانِبِ العِلْمِ، وهي فائِدَةُ تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ في كَلامِ العَرَبِ، لِأنَّ لِلتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ تَمْكِينًا لِلصِّفَةِ في النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] .

والمُرادُ أنَّ الرَّحْمَةَ والعِلْمَ وسِعا كُلَّ مَوْجُودٍ، الآنَ، أيْ في الدُّنْيا وذَلِكَ هو سِياقُ الدُّعاءِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَما مِن مَوْجُودٍ في الدُّنْيا إلّا وقَدْ نالَتْهُ قِسْمَةٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ سَواءٌ في ذَلِكَ المُؤْمِنُ والكافِرُ والإنْسانُ والحَيَوانُ.

و(كُلَّ شَيْءٍ) كُلَّ مَوْجُودٍ، وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِالعَقْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّحْمَةِ، أيْ كُلُّ شَيْءٍ مُحْتاجٌ إلى الرَّحْمَةِ، وتِلْكَ هي المَوْجُوداتُ الَّتِي لَها إدْراكٌ تُدْرِكُ بِهِ المُلائِمَ والمُنافِرَ والنّافِعَ والضّارَّ، مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ، إذْ لا فائِدَةَ في تَعَلُّقِ الرَّحْمَةِ بِالحَجَرِ والشَّجَرِ ونَحْوِهِما.

وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى العِلْمِ فالعُمُومُ عَلى بابِهِ قالَ تَعالى ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] .

ولَمّا كانَ سِياقُ هَذا الدُّعاءِ أنَّهُ واقِعٌ في الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ انْدَفَعَ ما عَسى أنْ يُقالَ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لا تَسَعُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ هم في عَذابٍ خالِدٍ فَلا حاجَةَ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ بِمُخَصَّصاتِ الأدِلَّةِ المُنْفَصِلَةِ القاضِيَةِ بِعَدَمِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ الحِسابِ.

وتَفَرَّعَ عَلى هَذِهِ التَّوْطِئَةِ بِمُناجاةِ اللَّهِ تَعالى ما هو المُتَوَسَّلُ إلَيْهِ مِنها وهو طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلَّذِينِ تابُوا لِأنَّهُ إذا كانَ قَدْ عَلِمَ صِدْقَ تَوْبَةِ مَن تابَ مِنهم وكانَتْ رَحْمَتُهُ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدِ اسْتَحَقُّوا أنْ تَشْمَلَهم رَحْمَتُهُ لِأنَّهم أحْرِياءُ بِها.

ومَفْعُولُ (فاغْفِرْ) مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ، أيِ اغْفِرْ لَهم ما تابُوا مِنهُ، أيْ ذُنُوبَ الَّذِينَ تابُوا.

والمُرادُ بِالتَّوْبَةِ: الإقْلاعُ عَنِ المَعاصِي، وأعْظَمُها الإشْراكُ بِاللَّهِ.

صفحة ٩٢

واتِّباعُ سَبِيلِ اللَّهِ هو العَمَلُ بِما أمَرَهم واجْتِنابُ ما نَهاهم عَنْهُ، فالإرْشادُ يُشْبِهُ الطَّرِيقَ الَّذِي رَسَمَهُ اللَّهُ لَهم ودَلَّهم عَلَيْهِ فَإذا عَمِلُوا بِهِ فَكَأنَّهُمُ اتَّبَعُوا السَّبِيلَ فَمَشَوْا فِيهِ فَوَصَلُوا إلى المَقْصُودِ.

﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ عَطْفٌ عَلى (فاغْفِرْ) فَهو مِن جُمْلَةِ التَّفْرِيعِ فَإنَّ الغُفْرانَ يَقْتَضِي هَذِهِ الوِقايَةَ لِأنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ هو عَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِهِ. وعَذابُ الجَحِيمِ جَعَلَهُ اللَّهُ لِجَزاءِ المُذْنِبِينَ، إلّا أنَّهم عَضَّدُوا دَلالَةَ الِالتِزامِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ إظْهارًا لِلْحِرْصِ عَلى المَطْلُوبِ.

والجَحِيمُ: شِدَّةُ الِالتِهابِ، وسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ دارَ الجَزاءِ عَلى الذُّنُوبِ.

40:8–9Page 468

رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨

Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩

And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."

﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

إعادَةُ النِّداءِ في خِلالِ جُمَلِ الدُّعاءِ اعْتِراضٌ لِلتَّأْكِيدِ بِزِيادَةِ التَّضَرُّعِ، وهَذا ارْتِقاءٌ مِن طَلَبِ وِقايَتِهِمُ العَذابَ إلى طَلَبِ إدْخالِهِمْ مَكانَ النَّعِيمِ.

والعَدْنُ: الإقامَةُ، أيِ الخُلُودُ.

والدُّعاءُ لَهم بِذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهم مَوْعُودُونَ بِهِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِمْ (وأدْخِلْهم) عَجِّلْ لَهم بِالدُّخُولِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِمْ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فَإنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مَوْعُودِينَ بِهِ صَرِيحًا. و(مَن صَلَحَ) عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (أدْخِلْهم) .

صفحة ٩٣

والمَعْنى دُعاءٌ بِأنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ مَعَهم في مَساكِنَ مُتَقارِبَةٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] في سُورَةِ يس وقَوْلِهِ ”﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]“ في سُورَةِ الطُّورِ.

ورُتِّبَتِ القَراباتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِها الطَّبِيعِيِّ فَإنَّ الآباءَ أسْبَقُ عَلاقَةً بِالأبْناءِ ثُمَّ الأزْواجَ ثُمَّ الذُّرِّيّاتِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الدَّعَواتِ اسْتِقْصاءً لِلرَّغْبَةِ في الإجابَةِ بِداعِي مَحَبَّةِ المَلائِكَةِ لِأهْلِ الصَّلاحِ لِما بَيْنَ نُفُوسِهِمْ والنُّفُوسِ المَلَكِيَّةِ مِنَ التَّناسُبِ.

واقْتِرانُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِها. و(إنَّ) في مِثْلِ هَذا المَقامِ تُغْنِي غِناءَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ، أيْ فَعِزَّتُكَ وحِكْمَتُكَ هُما اللَّتانِ جَرَّأتانا عَلى سُؤالِ ذَلِكَ مِن جَلالِكَ، فالعِزَّةُ تَقْتَضِي الِاسْتِغْناءَ عَنْ الِانْتِفاعِ بِالأشْياءِ النَّفِيسَةِ فَلَمّا وعَدَ الصّالِحِينَ الجَنَّةَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ ما يَضِنُّهُ بِذَلِكَ فَلا يَصْدُرُ مِنهُ مَطْلٌ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي مُعامَلَةَ المُحْسِنِ بِالإحْسانِ.

وأعْقَبُوا بِسُؤالِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ والنَّعِيمَ بِدارِ الثَّوابِ بِدُعاءٍ بِالسَّلامَةِ مِن عُمُومِ كُلِّ ما يَسُوءُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ وهو دُعاءٌ جامِعٌ إذِ السَّيِّئاتُ هُنا جَمْعُ سَيِّئَةٍ وهي الحالَةُ أوْ الفِعْلَةُ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَعَلَّقَتْ بِهِ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] صِيغَتْ عَلى وزْنِ فَيْعَلَةٍ لِلْمُبالَغَةِ في قِيامِ الوَصْفِ بِالمَوْصُوفِ مِثْلَ قَيِّمٍ وسَيِّدٍ وصَيْقَلٍ، فالمَعْنى: وقِهِمْ مِن كُلِّ ما يَسُوءُهم.

فالتَّعْرِيفُ في السَّيِّئاتِ لِلْجِنْسِ وهو صالِحٌ لِإفادَةِ الِاسْتِغْراقِ، فَوُقُوعُهُ في سِياقِ ما هو كالنَّفْيِ وهو فِعْلُ الوِقايَةِ يُفِيدُ عُمُومَ الجِنْسِ، عَلى أنَّ بِساطَ الدُّعاءِ يَقْتَضِي عُمُومَ الجِنْسِ ولَوْ بِدُونِ لامِ نَفْيٍ كَقَوْلِ الحَرِيرِيُّ:

يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا

صفحة ٩٤

وفِي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ومُمْسِكًا تَلَفًا» أيْ كُلَّ مُنْفِقٍ ومُمْسِكٍ.

والمُرادُ إبْلاغُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ أعْلى دَرَجاتِ الرِّضى والقَبُولِ يَوْمَ الجَزاءِ بِحَيْثُ لا يَنالُهُمُ العَذابُ ويَكُونُونَ في بُحْبُوحَةِ النَّعِيمِ ولا يَعْتَرِيهِمْ ما يُكَدِّرُهم مِن نَحْوِ التَّوْبِيخِ والفَضِيحَةِ.

وقَدْ جاءَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١] .

وجُمْلَةُ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ وكُلُّ مَن وُقِيَ السَّيِّئاتِ يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ نالَتْهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، أيْ نالَتْهُ الرَّحْمَةُ كامِلَةً فَفِعْلُ رَحْمَتِهِ مُرادٌ بِهِ تَعْظِيمُ مَصْدَرِهِ.

وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] إذْ أُشِيرَ إلى المَذْكُورِ مِن وِقايَةِ السَّيِّئاتِ إشارَةً لِلتَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ. ووُصِفَ الفَوْزُ بِالعَظِيمِ لِأنَّهُ فَوْزٌ بِالنَّعِيمِ خالِصًا مِنَ الكُدْراتِ الَّتِي تُنْقِصُ حَلاوَةَ النِّعْمَةِ.

‌‌ وتَنْوِينُ (يَوْمَئِذٍ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ يَوْمَ إذْ تُدْخِلُهم جَنّاتِ عَدْنٍ.

40:10Page 468

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠

Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ .

مُقابَلَةُ سُؤالِ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّعِيمِ الخالِصِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما يُخاطَبُ بِهِ المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ وما يُراجَعُونَ بِهِ مِن طَلَبِ العَفْوِ مُؤْذِنَةٌ بِتَقْدِيرِ مَعْنى الوَعْدِ بِاسْتِجابَةِ دُعاءِ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَطَيُّ ذِكْرِ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ.

والِانْتِقالُ مِنهُ إلى بَيانِ ما سَيَحِلُّ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ ضَرْبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ الآياتِ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا

صفحة ٩٥

سَألَ عَنْ تَقَبُّلِ دُعاءِ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَأُجِيبَ بِأنَّ الأهَمَّ أنْ يَسْألَ عَنْ ضِدِّ ذَلِكَ، وفي هَذا الأُسْلُوبِ إيماءٌ ورَمْزٌ إلى أنَّ المُهِمَّ مِن هَذِهِ الآياتِ كُلِّها هو مَوْعِظَةُ أهْلِ الشِّرْكِ رُجُوعًا إلى قَوْلِهِ ”﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦]“، والمُرادُ بِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) هُنا مُشْرِكُو أهِلِ مَكَّةَ، فَإنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهَذِهِ الأخْبارِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] .

والمَعْنى: أنَّهم يُنادِيهِمُ المَلائِكَةُ تَبْلِيغًا عَنْ رَبِّ العِزَّةِ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وهو بُعْدٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الجَلالِ، أيْ يُنادَوْنَ وهم في جَهَنَّمَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] .

واللّامُ في ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ لامُ القَسَمِ. والمَقْتُ: شِدَّةُ البُغْضِ.

و(إذْ تُدْعَوْنَ) ظَرْفٌ لِ ﴿مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ .

و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، أيْ حِينَ كُنْتُمْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ وذَلِكَ في الدُّنْيا بِقَرِينَةِ (تُدْعَوْنَ)، وجِيءَ بِالمُضارِعِ في تُدْعَوْنَ وتَكْفُرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ وتَكَرُّرَ كُفْرِهِمْ، أيْ تَجَدُّدِهِ.

‌ ومَعْنى (﴿مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾) حِينَئِذٍ أنَّهم فَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يُشْبِهُ المَقْتَ إذْ حَرَمُوها مِن فَضِيلَةِ الإيمانِ ومَحاسِنِ شَرائِعِهِ ورَضُوا لِأنْفُسِهِمْ دِينَ الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أُوقِظُوا عَلى ما فِيهِ مِن ضَلالٍ ومَغَبَّةِ سُوءٍ، فَكانَ فِعْلُهم ذَلِكَ شَبِيهًا بِفِعْلِ المَرْءِ لِبَغِيضِهِ مِنَ الضُّرِّ والكَيْدِ، وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ عَدُوُّ نَفْسِهِ. وفي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «أنْ عُمَرَ قالَ لِنِساءٍ مِن قُرَيْشٍ يَسْألْنَ النَّبِيءَ ﷺ ويَسْتَكْثِرْنَ فَلَمّا دَخَلَ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ الحِجابَ فَقالَ لَهُنَّ يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ أتَهَبْنَنِي ولا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .

فالمَقْتُ مُسْتَعارٌ لِقِلَّةِ التَّدَبُّرِ فِيما يَضُرُّ. وقَدْ أشارَ إلى وجْهِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ قَوْلُهُ ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ فَمَناطُ الكَلامِ هو (فَتَكْفُرُونَ) وفي ذِكْرِ (يُنادَوْنَ) ما يَدُلُّ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَمْقَتُهُمُ اللَّهُ ويُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ إلَخْ.

صفحة ٩٦

ومَعْنى (مَقْتُ اللَّهِ): بُغْضُهُ إيّاهم وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أُطْلِقَ عَلى المُعامَلَةِ بِآثارِ البُغْضِ مِنَ التَّحْقِيرِ والعِقابِ فَهو أقْرَبُ إلى حَقِيقَةِ البُغْضِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ أثَرُهُ وهو المُعامَلَةُ بِالنَّكالِ، وهو شائِعٌ شُيُوعَ نَظائِرِهِ مِمّا يُضافُ إلى اللَّهِ مِمّا تَسْتَحِيلُ حَقِيقَتُهُ عَلَيْهِ، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ.

و(أكْبَرُ) بِمَعْنى أشَدَّ وأخْطَرَ أثَرًا، فَإطْلاقُ الكِبَرِ عَلَيْهِ مَجازٌ لِأنَّ الكِبَرَ مِن أوْصافِ الأجْسامِ لَكِنَّهُ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى القُوَّةِ في المَعانِي. ولَمّا كانَ مَقْتُهم أنْفُسَهم حَرَمَهم مِنَ الإيمانِ الَّذِي هو سَبَبُ النَّجاةِ والصَّلاحِ وكانَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أوْقَعَهم في العَذابِ كانَ مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم أشَدَّ وأنْكى مِن مَقْتِهِمْ أنْفُسَهم لِأنَّ شِدَّةَ الإيلامِ أقْوى مِنَ الحِرْمانِ مِنَ الخَيْرِ.

والمَقْتُ الأوَّلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، والمَقْتُ الثّانِي قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ [فاطر: ٣٩] وهو مَقْتُ العَذابِ. هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ المُلاقِي لِتَناسُقِ نَظْمِها، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها وُجُوهٌ أُخَرُ تَدْنُو وتَبْعُدُ مِمّا ذَكَرْنا فاسْتَعْرِضْها واحْكم فِيها.

و(أنْفُسَكم) يَتَنازَعُهُ مَقْتُ اللَّهِ، و(مَقْتِكم) فَهو مَفْعُولُ المَصْدَرَيْنِ المُضافَيْنِ إلى فاعِلَيْهِما.

وبُنِيَ فِعْلُ (تُدْعَوْنَ) إلى النّائِبِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ لِظُهُورِ أنَّ الدّاعِيَ هو الرَّسُولُ ﷺ أوِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وتَفْرِيعُ (فَتَكْفُرُونَ) بِالفاءِ عَلى (تُدْعَوْنَ) يُفِيدُ أنَّهم أعْقَبُوا الدَّعْوَةَ بِالكُفْرِ، أيْ بِتَجْدِيدِ كُفْرِهِمُ السّابِقِ وبِإعْلانِهِ أيْ دُونَ أنْ يَتَمَهَّلُوا مُهْلَةَ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ فِيما دُعُوا إلَيْهِ.

40:11Page 468

قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١

They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"

صفحة ٩٧

﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ .

جَوابٌ عَنِ النِّداءِ الَّذِي نُودُوا بِهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى فَحَكى مَقالَهم عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِحَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ، طَمَعُوا أنْ يَكُونَ اعْتِرافُهم بِذُنُوبِهِمْ وسِيلَةً إلى مَنحِهِمْ خُرُوجًا مِنَ العَذابِ خُرُوجًا ما لِيَسْتَرِيحُوا مِنهُ ولَوْ بَعْضَ الزَّمَنِ، وذَلِكَ لِأنَّ النِّداءَ المُوَجَّهَ إلَيْهِمْ مِن قِبَلِ اللَّهِ أوْهَمَهم أنَّ فِيهِ إقْبالًا عَلَيْهِمْ.

والمَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِرافِ هو اعْتِرافُهم بِالحَياةِ الثّانِيَةِ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَها وأمّا المَوْتَتانِ والحَياةُ الأُولى فَإنَّما ذُكِرْنَ إدْماجًا لِلِاسْتِدْلالِ في صُلْبِ الِاعْتِرافِ تَزَلُّفًا مِنهم، أيْ أيْقَنّا أنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ حَقٌّ وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ إقْرارَهم صِدْقٌ لا مُوارَبَةَ فِيهِ ولا تَصَنُّعَ لِأنَّهُ حاصِلٌ عَنْ دَلِيلٍ، ولِذَلِكَ جُعِلَ مُسَبَّبًا عَلى هَذا الكَلامِ بِعَطْفِهِ بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ .

والمُرادُ بِإحْدى المَوْتَتَيْنِ: الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ بِها الجَنِينُ لَحْمًا لا حَياةَ فِيهِ في أوَّلِ تَكْوِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، وإطْلاقُ المَوْتِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مَجازٌ وهو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ والسَّكّاكِيِّ بِناءً عَلى أنَّ حَقِيقَةَ المَوْتِ انْعِدامُ الحَياةِ مِنَ الحَيِّ بَعْدَ أنِ اتَّصَفَ بِالحَياةِ، فَإطْلاقُهُ عَلى انْعِدامِ الحَياةِ قَبْلَ حُصُولِها فِيهِ اسْتِعارَةٌ، إلّا أنَّها شائِعَةٌ في القُرْآنِ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ أُمَّتِنا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، فَفي ذَلِكَ الفِعْلِ جَمْعٌ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ تَبَعًا لِجَرَيانِ الِاسْتِعارَةِ في المَصْدَرِ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ واقِعٌ ووارِدٌ في الكَلامِ البَلِيغِ كاسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ، والَّذِينَ لا يَرَوْنَ تَقْيِيدَ مَدْلُولِ المَوْتِ بِأنْ يَكُونَ حاصِلًا بَعْدَ الحَياةِ يَكُونُ إطْلاقُ المَوْتِ عَلى حالَةِ ما قَبْلَ الِاتِّصافِ بِالحَياةِ عِنْدَهم واضِحًا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، عَلى أنَّ إطْلاقَ المَوْتِ عَلى الحالَةِ الَّتِي قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ في هَذِهِ الآيَةِ أسْوَغُ لِأنَّ فِيهِ تَغْلِيبًا لِلْمَوْتَةِ الثّانِيَةِ.

وأمّا المَوْتَةُ الثّانِيَةُ فَهي المَوْتَةُ المُتَعارَفَةُ عِنْدَ انْتِهاءِ حَياةِ الإنْسانِ والحَيَوانِ.

والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: الإحْياءَةُ الأُولى عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ في الجَسَدِ بَعْدَ مَبْدَأِ تَكْوِينِهِ،

صفحة ٩٨

والإحْياءَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ البَعْثِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] .

وانْتَصَبَ (اثْنَتَيْنِ) في المَوْضِعَيْنِ عَلى الصِّفَةِ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: مَوْتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وإحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَيَجِيءُ في تَقْدِيرِ مَوْتَتَيْنِ تَغْلِيبُ الِاسْمِ الحَقِيقِيِّ عَلى الِاسْمِ المَجازِيِّ عِنْدَ مَن يُقَيِّدُ مَعْنى المَوْتِ.

وقَدْ أوْرَدَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشْكالَ أنَّ هُنالِكَ حَياةً ثالِثَةً لَمْ تُذْكَرْ هُنا وهي الحَياةُ في القَبْرِ الَّتِي أشارَ إلَيْها حَدِيثُ سُؤالِ القَبْرِ وهو حَدِيثٌ اشْتُهِرَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن عَهْدِ السَّلَفِ، وفي كَوْنِ سُؤالِ القَبْرِ يَقْتَضِي حَياةَ الجِسْمِ حَياةً كامِلَةً احْتِمالٌ، وقَدْ يُتَأوَّلُ بِسُؤالِ رُوحِ المَيِّتِ عِنْدَ جَسَدِهِ أوْ بِحُصُولِ حَياةِ بَعْضِ الجَسَدِ أوْ لِأنَّها حَياةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِمِقْدارِ السُّؤالِ لَيْسَ لِلْمُتَّصِفِ بِها تَصَرُّفُ الأحْياءِ في هَذا العالَمِ، لَمْ يُعْتَدْ بِها لا سِيَّما والكَلامُ مُرادٌ مِنهُ التَّوْطِئَةُ لِسُؤالِ خُرُوجِهِمْ مِن جَهَنَّمَ، وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها لِثُبُوتِ الحَياةِ عِنْدَ السُّؤالِ في القَبْرِ.

وتَفَرَّعَ قَوْلُهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اعْتِبارُ أنَّ إحْدى الإحْياءَتَيْنِ كانَتِ السَّبَبَ في تَحَقُّقِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي مِن أُصُولِها إنْكارُهُمُ البَعْثَ فَلَمّا رَأوُا البَعْثَ رَأْيَ العَيْنِ أيْقَنُوا بِأنَّهم مُذْنِبُونَ إذْ أنْكَرُوهُ ومُذْنِبُونَ بِما اسْتَكْثَرُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ لِاغْتِرارِهِمْ بِالأمْنِ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الحَياةِ العاجِلَةِ.

فَجُمْلَةُ ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ إنْشاءُ إقْرارٍ بِالذُّنُوبِ ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِالفِعْلِ الماضِي كَما هو غالِبُ صِيَغِ الخَبَرِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْشاءِ مِثْلَ صِيَغِ العُقُودِ نَحْوَ: بِعْتُ. والمَعْنى: نَعْتَرِفُ بِذُنُوبِنا.

وجَعَلُوا هَذا الِاعْتِرافَ ضَرْبًا مِنَ التَّوْبَةِ تَوَهُّمًا مِنهم أنَّ التَّوْبَةَ تَنْفَعُ يَوْمَئِذٍ فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ والِاسْتِعْطافِ كُلِّيًّا لِرَفْعِ العَذابِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ حِكايَةُ سُؤالِ أهْلِ النّارِ الخُرُوجَ أوِ التَّخْفِيفَ ولَوْ يَوْمًا.

صفحة ٩٩

والِاسْتِفْهامُ بِحَرْفِ (هَلْ) مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِعْطافِ.

وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِتَوْكِيدِ العُمُومِ الَّذِي في النَّكِرَةِ لِيُفِيدَ تَطَلُّبَهم كُلَّ سَبِيلٍ لِلْخُرُوجِ وشَأْنُ زِيادَةِ (مِن) أنْ تَكُونَ في النَّفْيِ وما مَعْناهُ دُونَ الإثْباتِ. وقَدْ عُدَّ الِاسْتِفْهامُ بِ (هَلْ) خاصَّةً مِن مَواقِعِ زِيادَةِ (مِن) لِتَوْكِيدِ العُمُومِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ [الأعراف: ٥٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وأنَّ وجْهَ اخْتِصاصِ (هَلْ) بِوُقُوعِ (مِنَ) الزّائِدَةِ في المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بِها أنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ بِها في مَعْنى النَّفْيِ، وزِيادَةُ (مِن) حِينَئِذٍ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَنْصِيصِ عُمُومِ النَّفْيِ، فَخَفَّ وُقُوعُها بَعْدَ (هَلْ) عَلى ألْسُنِ أهْلِ الِاسْتِعْمالِ.

وتَنْكِيرُ (خُرُوجٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ تَلَطُّفًا في السُّؤالِ، أيْ إلى شَيْءٍ مِنَ الخُرُوجِ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ لِأنَّ كُلَّ خُرُوجٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ راحَةٌ مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِمُ ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] .

والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ واسْتُعِيرَ إلى الوَسِيلَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الأمْرُ المَرْغُوبُ، وكَثُرَ تَصَرُّفُ الِاسْتِعْمالِ في إطْلاقاتِ السَّبِيلِ والطَّرِيقِ والمَسْلَكِ والبُلُوغِ عَلى الوَسِيلَةِ وبِحُصُولِ المَقْصُودِ.

وتَنْكِيرُ (سَبِيلٍ) كَتَنْكِيرِ (خُرُوجٍ) أيْ مِن وسِيلَةٍ كَيْفَ كانَتْ بِحَقٍّ أوْ بِعَفْوٍ، بِتَخْفِيفٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ في الكَشّافِ: وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ، يُرِيدُ أنَّ في اقْتِناعِهِمْ بِخُرُوجٍ ما دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَسْتَبْعِدُونَ حُصُولَ الخُرُوجِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском