Al-Ma'idah 5:76
The Table Spread · Juz 6 · Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 5:76
صفحة ٢٨٨
﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
لَمّا كانَ الكَلامُ السّابِقُ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ خِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنِفَةً أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُبَلِّغَهم ما عَنَوْا بِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ أتَعْبُدُونَ خِطابٌ لِجَمِيعِ مَن يَعْبُدُ شَيْئًا مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ والنَّصارى. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّغْلِيطِ مَجازًا.
ومَعْنى ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غَيْرُ اللَّهِ. فَمِن لِلتَّوْكِيدِ، و(دُونَ) اسْمٌ لِلْمُغايِرِ، فَهو مُرادِفٌ لِسِوى، أيْ أتَعْبُدُونَ مَعْبُودًا هو غَيْرُ اللَّهِ، أيْ أتُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ. ولَيْسَ المَعْنى أتَعْبُدُونَ مَعْبُودًا وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ. وانْظُرْ ما فَسَّرْنا بِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، فالمُخاطَبُونَ كُلُّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ في العِبادَةِ حَتّى الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فَهم ما عَبَدُوا المَسِيحَ إلّا لِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ حَلَّ فِيهِ فَقَدْ عَبَدُوا اللَّهَ فِيهِ، فَشَمَلَ هَذا الخِطابُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ونَصارى العَرَبِ كُلِّهِمْ.
ولِذَلِكَ جِيءَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ دُونَ (مَن) لِأنَّ مُعْظَمَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ أشْياءُ لا تَعْقِلُ، وقَدْ غَلَبَ (ما) لِما لا يَعْقِلُ. ولَوْ أُرِيدَ بِـ (ما لا يَمْلِكُ) عِيسى وأُمُّهُ كَما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ وجُعِلَ الخِطابُ خاصًّا بِالنَّصارى كانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِـ (ما) صَحِيحًا لِأنَّها تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ (مَن)، وكَثُرَ في الكَلامِ بِحَيْثُ يَكْثُرُ عَلى التَّأْوِيلِ. ولَكِنْ قَدْ يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِمَن أظْهَرَ.
ومَعْنى لا يَمْلِكُ ضَرًّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وحَقِيقَةُ مَعْنى المِلْكِ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِدُونِ مُعارِضٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى اسْتِطاعَةِ التَّصَرُّفِ في الأشْياءِ بِدُونِ عَجْزٍ، كَما قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرَ فَتْقَـهَـا يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها
صفحة ٢٨٩
فَإنَّ كَفَّهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ لا مَحالَةَ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ تَمَكَّنَ مِن كَفِّهِ تَمامَ التَّمَكُّنِ فَدَفَعَ بِهِ الرُّمْحَ دَفْعَةً عَظِيمَةً لَمْ تَخُنْهُ فِيها كَفُّهُ. ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ نَشَأ إطْلاقُ المِلْكِ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ القَوِيَّةِ الثّابِتَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ كَما وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [يونس: ٤٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧] . فَقَدْ تَعَلَّقَ فِعْلُ المِلْكِ فِيها بِمَعانٍ لا بِأشْياءَ وذَواتٍ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى جَعْلِ المِلْكَ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ القَوِيَّةِ، ألا تَرى إلى عَطْفِ نَفْيٍ عَلى نَفْيِ المِلْكِ عَلى وجْهِ التَّرَقِّي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] في سُورَةِ النَّحْلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا اسْتِعْمالٌ آخَرُ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
وقَدَّمَ الضَّرَّ عَلى النَّفْعِ لِأنَّ النُّفُوسَ أشَدُّ تَطَلُّعًا إلى دَفْعِهِ مِن تَطَلُّعِها إلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَكانَ أعْظَمُ ما يَدْفَعُهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ أنْ يَسْتَدْفِعُوا بِها الأضْرارَ بِالنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وبِتَجَنُّبِها إلْحاقَ الإضْرارِ بِعابِدِيها.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ لا تَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا وُقُوعُ الأضْرارِ بِهِمْ وتَخَلُّفُ النَّفْعِ عَنْهم.
فَجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، قُصِرَ بِواسِطَةِ تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ وضَمِيرِ الفَصْلِ، سَبَبُ النَّجْدَةِ والإغاثَةِ في حالَيِ السُّؤالِ وظُهُورِ الحالَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصْرَ ادِّعاءٍ بِمَعْنى الكَمالِ، أيْ ولا يَسْمَعُ كُلَّ دُعاءٍ ويَعْلَمُ كُلَّ احْتِياجٍ إلّا اللَّهُ تَعالى، أيْ لا عِيسى ولا غَيْرُهُ مِمّا عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ.
فالواوُ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ واوُ الحالِ. وفي مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَحْقِيقٌ لِإبْطالِ عِبادَتِهِمْ عِيسى ومَرْيَمَ مِن ثَلاثَةِ طُرُقٍ: طَرِيقُ القَصْرِ، وطَرِيقُ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وطَرِيقُ جُمْلَةِ الحالِ بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةٍ.
Page 120
5:71
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
5:72
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
5:73
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
1 translator’s note
- i.e., one part of three, referring to the Christian concept of trinity. ↩
5:74
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
5:75
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
1 translator’s note
- They were in need of sustenance, proving that they were creations of Allāh, not divine beings. ↩
5:76
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"