Al-An'am 6:98
The Cattle · Juz 7 · Page 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨
And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage.1 We have detailed the signs for a people who understand.
1 translator’s note
- In the earth. See 77:25-26. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 6:98
﴿وهْوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ .
هَذا تَذْكِيرٌ بِخَلْقِ الإنْسانِ وكَيْفَ نَشَأْ هَذا العَدَدُ العَظِيمُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ كَما هو مَعْلُومٌ لَهم، فالَّذِي أنْشَأ النّاسَ وخَلَقَهم هو الحَقِيقُ بِعِبادَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا أشْرَكُوا بِهِ، والنَّظَرُ في خِلْقَةِ الإنْسانِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأعْظَمِ الآياتِ. قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
والقَصْرُ الحاصِلُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، إذْ أشْرَكُوا في عِبادَتِهِمْ مَعَ خالِقِهِمْ غَيْرَ مَن خَلَقَهم عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْتُهُ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.
والإنْشاءُ: الإحْداثُ والإيجادُ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ مُرادٌ بِهِ البَشَرُ كُلُّهم. والنَّفْسُ الواحِدَةُ هي آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَوْلُهُ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ أنْشَأكم، وهو تَفْرِيعُ المُشْتَمَلِ عَلَيْهِ المُقارَنِ عَلى المُشْتَمِلِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] بِفَتْحِ القافِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ القافِ. فَعَلى قِراءَةِ فَتْحِ القافِ يَكُونُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا، ومُسْتَوْدَعٌ كَذَلِكَ، ورَفْعُهُما عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ،
صفحة ٣٩٦
تَقْدِيرُهُ: لَكم أوْ مِنكم، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَأنْتُمْ مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ. والوَصْفُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في الحاصِلِ بِهِ، أيْ فَتَفَرَّعَ عَنْ إنْشائِكُمُ اسْتِقْرارٌ واسْتِيداعٌ، أيْ لَكم.
وعَلى قِراءَةِ كَسْرِ القافِ يَكُونُ المُسْتَقِرُّ اسْمَ فاعِلٍ. والمُسْتَوْدَعُ اسْمَ مَفْعُولٍ مِنِ اسْتَوْدَعَهُ بِمَعْنى أوْدَعَهُ، أيْ فَمُسْتَقِرٌّ مِنكم أقْرَرْناهُ فَهو مُسْتَقِرٌّ، ومُسْتَوْدَعٌ مِنكم ودَّعْناهُ فَهو مُسْتَوْدَعٌ. والِاسْتِقْرارُ هو القَرارُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَجابَ. يُقالُ: اسْتَقَرَّ في المَكانِ بِمَعْنى قَرَّ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ في هَذِهِ السُّورَةِ.
والِاسْتِيداعُ: طَلَبُ التَّرْكِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَدْعِ، وهو التَّرْكُ عَلى أنْ يَسْتَرْجِعَ المُسْتَوْدَعَ. يُقالُ: اسْتَوْدَعَهُ مالًا إذا جَعَلَهُ عِنْدَهُ ودِيعَةً، فالِاسْتِيداعُ مُؤْذِنٌ بِوَضْعٍ مُوَقَّتٍ، والِاسْتِقْرارُ مُؤْذِنٌ بِوَضْعٍ دائِمٍ أوْ طَوِيلٍ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى انْهَما مُتَقابِلانِ. فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: المُسْتَقَرُّ الكَوْنُ فَوْقَ الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ الكَوْنُ في القَبْرِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الكَلامُ تَنْبِيهًا لَهم بِأنَّ حَياةَ النّاسِ في الدُّنْيا يَعْقُبُها الوَضْعُ في القُبُورِ وأنَّ ذَلِكَ الوَضْعَ اسْتِيداعٌ مُوَقَّتٌ إلى البَعْثِ الَّذِي هو الحَياةُ الأوْلى رَدًّا عَلى الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُسْتَقَرُّ في الرَّحِمِ والمُسْتَوْدَعِ في صُلْبِ الرَّجُلِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، وقالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعَطاءٌ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وفَسَّرَ بِهِ الزَّجّاجُ. قالَ الفَخْرُ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ النُّطْفَةَ الواحِدَةَ لا تَبْقى في صُلْبِ الأبِ زَمانًا طَوِيلًا، والجَنِينُ يَبْقى في رَحِمِ الأُمِّ زَمانًا طَوِيلًا. وعَنْ غَيْرِ هَؤُلاءِ تَفْسِيراتٌ أُخْرى لا يُثْلَجُ لَها الصَّدْرُ أعْرَضْنا عَنِ التَّطْوِيلِ بِها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ مَعْنًى دُونَ غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مِن بَنِي آدَمَ مُسْتَقِرًّا في الرَّحِمِ ومُسْتَوْدَعًا في الصُّلْبِ، ومِنهم مَن هو مُسْتَقِرٌّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ بَطْنِها ومُسْتَوْدَعٌ في أصْلابِ الرِّجالِ، ومِنهم مُسْتَقِرٌّ في
صفحة ٣٩٧
القَبْرِ مُسْتَوْدَعٌ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، فَكُلُّ مُسْتَقِرٍّ أوْ مُسْتَوْدَعٍ بِمَعْنًى مِن هَذِهِ المَعانِي داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ ا هـ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّ ابْنَ آدَمَ هو مُسْتَوْدَعٌ في ظَهْرِ أبِيهِ ولَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِلُ لا مَحالَةَ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الرَّحِمِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الدُّنْيا ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى القَبْرِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الحَشْرِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. وهو في كُلِّ رُتْبَةٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الظَّرْفَيْنِ مُسْتَقِرٌّ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي قَبْلَها ومُسْتَوْدَعٌ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي بَعْدَها. ا هـ.
والأظْهَرُ أنْ لا يُقَيَّدَ الِاسْتِيداعُ بِالقُبُورِ بَلْ هو اسْتِيداعٌ مِن وقْتِ الإنْشاءِ، لِأنَّ المَقْصُودَ التَّذْكِيرُ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ، ولِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ الواوَ لَيْسَتْ لِلتَّقْسِيمِ بَلِ الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ لِلْجَمْعِ، أيْ أنْشَأكم فَشَأْنُكُمُ اسْتِقْرارٌ واسْتِيداعٌ فَأنْتُمْ في حالِ اسْتِقْرارِكم في الأرْضِ ودائِعُ فِيها ومَرْجِعُكم إلى خالِقِكم كَما تَرْجِعُ الوَدِيعَةُ إلى مُودِعِها. وإيثارُ التَّعْبِيرِ بِهَذَيْنِ المَصْدَرَيْنِ ما كانَ إلّا لِإرادَةِ تَوْفِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ.
وعَلى قِراءَةِ كَسْرِ القافِ هو اسْمُ فاعِلٍ. ومُسْتَوْدَعٌ اسْمُ مَفْعُولِ، والمَعْنى هو هو.
وقَوْلُهُ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ، مَقْصُودٌ بِهِ التَّذْكِيرُ والإعْذارُ.
وعَدَلَ عَنْ (يَعْلَمُونَ) إلى يَفْقَهُونَ لِأنَّ دَلالَةَ إنْشائِهِمْ عَلى هَذِهِ الأطْوارِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ وما فِيهِما مِنَ الحِكْمَةِ دَلالَةٌ دَقِيقَةٌ تَحْتاجُ إلى تَدَبُّرٍ، فَإنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَعَبَّرَ عَنْ عِلْمِها بِأنَّهُ فِقْهٌ، بِخِلافِ دَلالَةِ النُّجُومِ عَلى حِكْمَةِ الِاهْتِداءِ بِها فَهي دَلالَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ ولا يَفْقَهُونَ، فَإنَّ العِلْمَ هو المَعْرِفَةُ المُوافَقَةُ لِلْحَقِيقَةِ،
صفحة ٣٩٨
والفِقْهُ هو إدْراكُ الأشْياءِ الدَّقِيقَةِ. فَحَصَلَ تَفْصِيلُ الآياتِ لِلْمُؤْمِنِينَ وانْتَفى الِانْتِفاعُ بِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَ هَذا ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
Page 140
6:95
۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥
Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?
1 translator’s note
- He (subḥānahu wa taʿālā) causes them to split and sprout. ↩
6:96
فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦
[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
1 translator’s note
- Or "according to calculation," referring to their precise movement. ↩
6:97
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧
And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.
6:98
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨
And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage.1 We have detailed the signs for a people who understand.
1 translator’s note
- In the earth. See 77:25-26. ↩
6:99
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩
And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.
6:100
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠
But they have attributed to Allāh partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters without knowledge. Exalted is He and high above what they describe.
6:101
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١
[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion [i.e., wife] and He created all things? And He is, of all things, Knowing.