Ibn 'AshurAl‑An'am · 6:97–99

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:97–99

6:97Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧

And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.

﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦])، وهَذا تَذْكِيرٌ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وبِعَظِيمِ خِلْقَةِ النُّجُومِ، وبِالنِّعْمَةِ الحاصِلَةِ مِن نِظامِ سَيْرِها إذْ كانَتْ هِدايَةً

صفحة ٣٩٣

لِلنّاسِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ يَهْتَدُونَ بِها. وقَدْ كانَ ضَبْطُ حَرَكاتِ النُّجُومِ ومَطالِعِها ومَغارِبِها مِن أقْدَمِ العُلُومِ البَشَرِيَّةِ ظَهَرَ بَيْنَ الكَلْدانِيِّينَ والمِصْرِيِّينَ القُدَماءِ. وذَلِكَ النِّظامُ هو الَّذِي أرْشَدُ العُلَماءِ إلى تَدْوِينِ عِلْمِ الهَيْئَةِ.

والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الخَبَرِ الِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَلِذَلِكَ صِيغَ بِصِيغَةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، لِأنَّ كَوْنَ خَلْقِ النُّجُومِ مِنَ اللَّهِ وكَوْنَها مِمّا يُهْتَدى بِها لا يُنْكِرُهُ المُخاطَبُونَ ولَكِنَّهم لَمْ يَجْرُوا عَلى ما يَقْتَضِيهِ مِن إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.

والنُّجُومُ جَمْعُ نَجْمٍ، وهو الكَوْكَبُ، أيِ الجِسْمُ الكُرَوِيُّ المُضِيءُ في الأُفُقِ لَيْلًا الَّذِي يَبْدُو لِلْعَيْنِ صَغِيرًا، فَلَيْسَ القَمَرُ بِنَجْمٍ.

وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ولَكُمُ. مُتَعَلِّقٌ بِـ جَعَلَ، والضَّمِيرُ لِلْبَشَرِ كُلِّهِمْ، فَلامُ لَكُمُ لِلْعِلَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿لِتَهْتَدُوا بِها﴾ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِـ جَعَلَ فاللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْضًا، وقَدْ دَلَّتِ الأُولى عَلى قَصْدِ الِامْتِنانِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلى ما يَدُلُّ عَلى الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى الذَّواتِ، كَقَوْلِهِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، واللّامُ الثّانِيَةُ دَلَّتْ عَلى حِكْمَةِ الجَعْلِ وسَبَبِ الِامْتِنانِ وهو ذَلِكَ النَّفْعُ العَظِيمُ. ولَمّا كانَ الِاهْتِداءُ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ المُخاطَبِينَ كانَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لِتَهْتَدُوا﴾ قَرِيبًا مِن مَوْقِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ بِإعادَةِ العامِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] في سُورَةِ المائِدَةِ.

والمُرادُ بِالظُّلُماتِ: الظُّلْمَةُ الشَّدِيدَةُ، فَصِيغَةُ الجَمْعِ مُسْتَعْمَلَةٌ في القُوَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الشّائِعَ أنْ يُقالَ: ظُلُماتٌ، ولا يُقالُ: ظُلْمَةٌ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَةُ ظُلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ عَلى مَعْنى (في) لِأنَّ الظُّلُماتِ واقِعَةٌ في

صفحة ٣٩٤

هَذَيْنِ المَكانَيْنِ، أيْ لِتَهْتَدُوا بِها في السَّيْرِ في الظُّلُماتِ. ومَن يَنْفِي الإضافَةَ عَلى مَعْنى (في) يَجْعَلُها إضافَةً عَلى مَعْنى اللّامِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَما في كَوْكَبِ الخَرْقاءِ.

والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، إمّا مَجازٌ لُغَوِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى المُشابَهَةِ، فَهو اسْتِعارَةٌ عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ المِفْتاحِ في مَبْحَثِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ إذْ جَعَلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ [هود: ٤٤] إضافَةَ الماءِ إلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ تَشْبِيهًا لِاتِّصالِ الماءِ بِالأرْضِ بِاتِّصالِ المِلْكِ بِالمالِكِ ا هـ. فاسْتَعْمَلَ فِيهِ الإضافَةَ الَّتِي هي عَلى مَعْنى لامِ المِلْكِ فَهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ؛ وإمّا مَجازٌ عَقْلِيٌّ عَلى رَأْيِ التَّفْتَزانِيِّ في مَوْضِعٍ آخَرَ إذْ قالَ في كَوْكَبِ الخَرْقاءِ حَقِيقَةُ الإضافَةِ اللّامِيَّةِ الِاخْتِصاصُ الكامِلُ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ تَكُونُ مَجازًا حُكْمِيًّا. ولَعَلَّ التَّفْتَزانِيَّ يَرى الِاخْتِلافَ في المَجازِ بِاخْتِلافِ قُرْبِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ مِن مَعْنى الِاخْتِصاصِ وبُعْدِها مِنهُ كَما يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ المِثالَيْنِ، عَلى أنَّ قَوْلَهم: لِأدْنى مُلابَسَةٍ، يُؤْذِنُ بِالمَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّهُ إسْنادُ الحُكْمِ أوْ مَعْناهُ إلى مَلابِسٍ لِما هو لَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّسْجِيلِ والتَّبْلِيغِ وقَطْعِ مَعْذِرَةِ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقٌ بِـ فَصَّلْنا كَقَوْلِهِ:

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعِذارى مَطِيَّتِي

أيْ فَصَّلْنا لِأجْلِ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

وتَفْصِيلُ الآياتِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجَعَلَ التَّفْصِيلَ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ تَعْرِيضًا بِمَن لَمْ يَنْتَفِعُوا مِن هَذا التَّفْصِيلِ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ.

صفحة ٣٩٥

والتَّعْرِيفُ في الآياتِ لِلِاسْتِغْراقِ فَيَشْمَلُ آيَةَ خَلْقِ النُّجُومِ وغَيْرَها.

والعِلْمُ في كَلامِ العَرَبِ إدْراكُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، قالَ السَّمَوْألُ أوْ عَبْدُ المَلِكِ الحارِثِيُّ:

فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ

وقالَ النّابِغَةُ:

ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما

والَّذِينَ يَعْلَمُونَ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِدَلائِلِ الآياتِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] .

6:98Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨

And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage.1 We have detailed the signs for a people who understand.

﴿وهْوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ .

هَذا تَذْكِيرٌ بِخَلْقِ الإنْسانِ وكَيْفَ نَشَأْ هَذا العَدَدُ العَظِيمُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ كَما هو مَعْلُومٌ لَهم، فالَّذِي أنْشَأ النّاسَ وخَلَقَهم هو الحَقِيقُ بِعِبادَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا أشْرَكُوا بِهِ، والنَّظَرُ في خِلْقَةِ الإنْسانِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأعْظَمِ الآياتِ. قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .

والقَصْرُ الحاصِلُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، إذْ أشْرَكُوا في عِبادَتِهِمْ مَعَ خالِقِهِمْ غَيْرَ مَن خَلَقَهم عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْتُهُ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.

والإنْشاءُ: الإحْداثُ والإيجادُ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ مُرادٌ بِهِ البَشَرُ كُلُّهم. والنَّفْسُ الواحِدَةُ هي آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَوْلُهُ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ أنْشَأكم، وهو تَفْرِيعُ المُشْتَمَلِ عَلَيْهِ المُقارَنِ عَلى المُشْتَمِلِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] بِفَتْحِ القافِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ القافِ. فَعَلى قِراءَةِ فَتْحِ القافِ يَكُونُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا، ومُسْتَوْدَعٌ كَذَلِكَ، ورَفْعُهُما عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ،

صفحة ٣٩٦

تَقْدِيرُهُ: لَكم أوْ مِنكم، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَأنْتُمْ مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ. والوَصْفُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في الحاصِلِ بِهِ، أيْ فَتَفَرَّعَ عَنْ إنْشائِكُمُ اسْتِقْرارٌ واسْتِيداعٌ، أيْ لَكم.

وعَلى قِراءَةِ كَسْرِ القافِ يَكُونُ المُسْتَقِرُّ اسْمَ فاعِلٍ. والمُسْتَوْدَعُ اسْمَ مَفْعُولٍ مِنِ اسْتَوْدَعَهُ بِمَعْنى أوْدَعَهُ، أيْ فَمُسْتَقِرٌّ مِنكم أقْرَرْناهُ فَهو مُسْتَقِرٌّ، ومُسْتَوْدَعٌ مِنكم ودَّعْناهُ فَهو مُسْتَوْدَعٌ. والِاسْتِقْرارُ هو القَرارُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَجابَ. يُقالُ: اسْتَقَرَّ في المَكانِ بِمَعْنى قَرَّ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ في هَذِهِ السُّورَةِ.

والِاسْتِيداعُ: طَلَبُ التَّرْكِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَدْعِ، وهو التَّرْكُ عَلى أنْ يَسْتَرْجِعَ المُسْتَوْدَعَ. يُقالُ: اسْتَوْدَعَهُ مالًا إذا جَعَلَهُ عِنْدَهُ ودِيعَةً، فالِاسْتِيداعُ مُؤْذِنٌ بِوَضْعٍ مُوَقَّتٍ، والِاسْتِقْرارُ مُؤْذِنٌ بِوَضْعٍ دائِمٍ أوْ طَوِيلٍ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى انْهَما مُتَقابِلانِ. فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: المُسْتَقَرُّ الكَوْنُ فَوْقَ الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ الكَوْنُ في القَبْرِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الكَلامُ تَنْبِيهًا لَهم بِأنَّ حَياةَ النّاسِ في الدُّنْيا يَعْقُبُها الوَضْعُ في القُبُورِ وأنَّ ذَلِكَ الوَضْعَ اسْتِيداعٌ مُوَقَّتٌ إلى البَعْثِ الَّذِي هو الحَياةُ الأوْلى رَدًّا عَلى الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُسْتَقَرُّ في الرَّحِمِ والمُسْتَوْدَعِ في صُلْبِ الرَّجُلِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، وقالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعَطاءٌ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وفَسَّرَ بِهِ الزَّجّاجُ. قالَ الفَخْرُ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ النُّطْفَةَ الواحِدَةَ لا تَبْقى في صُلْبِ الأبِ زَمانًا طَوِيلًا، والجَنِينُ يَبْقى في رَحِمِ الأُمِّ زَمانًا طَوِيلًا. وعَنْ غَيْرِ هَؤُلاءِ تَفْسِيراتٌ أُخْرى لا يُثْلَجُ لَها الصَّدْرُ أعْرَضْنا عَنِ التَّطْوِيلِ بِها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ مَعْنًى دُونَ غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مِن بَنِي آدَمَ مُسْتَقِرًّا في الرَّحِمِ ومُسْتَوْدَعًا في الصُّلْبِ، ومِنهم مَن هو مُسْتَقِرٌّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ بَطْنِها ومُسْتَوْدَعٌ في أصْلابِ الرِّجالِ، ومِنهم مُسْتَقِرٌّ في

صفحة ٣٩٧

القَبْرِ مُسْتَوْدَعٌ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، فَكُلُّ مُسْتَقِرٍّ أوْ مُسْتَوْدَعٍ بِمَعْنًى مِن هَذِهِ المَعانِي داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ ا هـ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّ ابْنَ آدَمَ هو مُسْتَوْدَعٌ في ظَهْرِ أبِيهِ ولَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِلُ لا مَحالَةَ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الرَّحِمِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الدُّنْيا ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى القَبْرِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الحَشْرِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. وهو في كُلِّ رُتْبَةٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الظَّرْفَيْنِ مُسْتَقِرٌّ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي قَبْلَها ومُسْتَوْدَعٌ بِالإضافَةِ إلى الَّتِي بَعْدَها. ا هـ.

والأظْهَرُ أنْ لا يُقَيَّدَ الِاسْتِيداعُ بِالقُبُورِ بَلْ هو اسْتِيداعٌ مِن وقْتِ الإنْشاءِ، لِأنَّ المَقْصُودَ التَّذْكِيرُ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ، ولِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ الواوَ لَيْسَتْ لِلتَّقْسِيمِ بَلِ الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ لِلْجَمْعِ، أيْ أنْشَأكم فَشَأْنُكُمُ اسْتِقْرارٌ واسْتِيداعٌ فَأنْتُمْ في حالِ اسْتِقْرارِكم في الأرْضِ ودائِعُ فِيها ومَرْجِعُكم إلى خالِقِكم كَما تَرْجِعُ الوَدِيعَةُ إلى مُودِعِها. وإيثارُ التَّعْبِيرِ بِهَذَيْنِ المَصْدَرَيْنِ ما كانَ إلّا لِإرادَةِ تَوْفِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

وعَلى قِراءَةِ كَسْرِ القافِ هو اسْمُ فاعِلٍ. ومُسْتَوْدَعٌ اسْمُ مَفْعُولِ، والمَعْنى هو هو.

وقَوْلُهُ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ، مَقْصُودٌ بِهِ التَّذْكِيرُ والإعْذارُ.

وعَدَلَ عَنْ (يَعْلَمُونَ) إلى يَفْقَهُونَ لِأنَّ دَلالَةَ إنْشائِهِمْ عَلى هَذِهِ الأطْوارِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ والِاسْتِيداعِ وما فِيهِما مِنَ الحِكْمَةِ دَلالَةٌ دَقِيقَةٌ تَحْتاجُ إلى تَدَبُّرٍ، فَإنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَعَبَّرَ عَنْ عِلْمِها بِأنَّهُ فِقْهٌ، بِخِلافِ دَلالَةِ النُّجُومِ عَلى حِكْمَةِ الِاهْتِداءِ بِها فَهي دَلالَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ ولا يَفْقَهُونَ، فَإنَّ العِلْمَ هو المَعْرِفَةُ المُوافَقَةُ لِلْحَقِيقَةِ،

صفحة ٣٩٨

والفِقْهُ هو إدْراكُ الأشْياءِ الدَّقِيقَةِ. فَحَصَلَ تَفْصِيلُ الآياتِ لِلْمُؤْمِنِينَ وانْتَفى الِانْتِفاعُ بِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَ هَذا ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] .

6:99Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿وهْوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

القَوْلُ في صِيغَةِ القَصْرِ مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ﴾ إلَخْ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ. ومِن في قَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ ماءَ المَطَرِ يَتَكَوَّنُ في طَبَقاتِ الجَوِّ العُلْيا الزَّمْهَرِيرِيَّةِ عِنْدَ تَصاعُدِ البُخارِ الأرْضِيِّ إلَيْها فَيَصِيرُ البُخارُ كَثِيفًا وهو السَّحابُ ثُمَّ يَسْتَحِيلُ ماءً.

فالسَّماءُ اسْمٌ لِأعْلى طَبَقاتِ الجَوِّ حَيْثُ تَتَكَوَّنُ الأمْطارُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ فَأخْرَجْنا عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ جَعَلَ اللَّهُ الماءَ سَبَبًا لِخُرُوجِ النَّباتِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى الماءِ.

والنَّباتُ اسْمٌ لِما يَنْبُتُ، وهو اسْمُ مَصْدَرِ ”نَبَتَ“، سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ الَّذِي صارَ حَقِيقَةً شائِعَةً فَصارَ النَّباتُ اسْمًا مُشْتَرِكًا مَعَ المَصْدَرِ.

صفحة ٣٩٩

وشَيْءٍ مُرادٌ بِهِ صِنْفٌ مِنَ النَّباتِ بِقَرِينَةِ إضافَةِ نَباتَ إلَيْهِ. والمَعْنى: فَأخْرَجْنا بِالماءِ ما يَنْبُتُ مِن أصْنافِ النَّبْتِ. فَإنَّ النَّبْتَ جِنْسٌ لَهُ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ؛ فَمِنهُ زَرْعُ وهو ما لَهُ ساقٌ لَيِّنَةٌ كالقَصَبِ، ومِنهُ شَجَرٌ وهو ما لَهُ ساقٌ غَلِيظَةٌ كالنَّخْلِ، والعِنَبِ؛ ومِنهُ نَجْمٌ وأبٌّ وهو ما يَنْبُتُ لاصِقًا بِالتُّرابِ، وهَذا التَّعْمِيمُ يُشِيرُ إلى أنَّها مُخْتَلِفَةُ الصِّفاتِ والثَّمَراتِ والطَّبائِعِ والخُصُوصِيّاتِ والمَذاقِ، وهي كُلُّها نابِتَةٌ مِن ماءِ السَّماءِ الَّذِي هو واحِدٌ، وذَلِكَ آيَةٌ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ، قالَ تَعالى ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] وهو تَنْبِيهٌ لِلنّاسِ لِيَعْتَبِرُوا بِدَقائِقِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ فِيها مِن مُخْتَلَفِ القُوى الَّتِي سَبَّبَتِ اخْتِلافَ أحْوالِها.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فاءُ التَّفْرِيعِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فالفاءُ لِلتَّفْصِيلِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدٌ إلى النَّباتِ، أيْ فَكانَ مِنَ النَّبْتِ خَضِرٌ ونَخْلٌ وجَنّاتٌ وشَجَرٌ، وهَذا تَقْسِيمُ الجِنْسِ إلى أنْواعِهِ.

والخَضِرُ: الشَّيْءُ الَّذِي لَوْنُهُ أخْضَرُ، يُقالُ: أخْضَرُ وخَضِرٌ كَما يُقالُ: أعْوَرُ وعُوِرٌ، ويُطْلَقُ الخَضِرُ اسْمًا لِلنَّبْتِ الرَّطِبِ الَّذِي لَيْسَ بِشَجَرٍ كالقَصِيلِ والقَضْبِ. وفي الحَدِيثِ «وإنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ لَما يَقْتُلُ حَبَطًا أوْ يُلِمُّ إلّا آكِلَةَ الخَضِرِ أكَلَتْ حَتّى إذا امْتَدَّتْ خاصِرَتاها» الحَدِيثَ. وهَذا هو المُرادُ هُنا لِقَوْلِهِ في وصْفِهِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾، فَإنَّ الحَبَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّبْتِ الرَّطْبِ.

وجُمْلَةُ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿خَضِرًا﴾ لِأنَّهُ صارَ اسْمًا، و(مِن) اتِّصالِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدٌ إلى ﴿خَضِرًا﴾ .

والحَبُّ: هو ثَمَرُ النَّباتِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ، والزَّرارِيعُ كُلُّها.

صفحة ٤٠٠

والمُتَراكِبُ: المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ في السُّنْبُلَةِ، مِثْلُ القَمْحِ وغَيْرِهِ، والتَّفاعُلُ لِلْمُبالَغَةِ في رُكُوبِ بَعْضِهِ بَعْضًا.

وجُمْلَةُ ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وقَوْلُهُ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿قِنْوانٌ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.

والمَقْصُودُ بِالإخْبارِ هُنا التَّعْجِيبُ مِن خُرُوجِ القِنْوانِ مِنَ الطَّلْعِ وما فِيهِ مِن بَهْجَةٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَغْيِيرِ أُسْلُوبِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ أسالِيبِ ما قَبْلَها وما بَعْدَها؛ إذْ لَمْ تُعْطَفْ أجْزاؤُها عَطْفَ المُفْرَداتِ، عَلى أنَّ مَوْقِعَ الجُمْلَةِ بَيْنَ أخَواتِها يُفِيدُ ما أفادَتْهُ أخَواتُها مِنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ.

والتَّعْرِيفُ في النَّخْلِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الجِنْسِيِّ، وإنَّما جِيءَ بِالتَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ الجِنْسُ المَأْلُوفُ المَعْهُودُ لِلْعَرَبِ، فَإنَّ النَّخْلَ شَجَرُهم وثَمَرَهُ قُوتُهم وحَوائِطَهُ مُنْبَسَطُ نُفُوسِهِمْ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ حالًا مِنَ النَّخْلِ اعْتِدادًا بِالتَّعْرِيفِ اللَّفْظِيِّ كَقَوْلِهِ ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِنَ النَّخْلِ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ الدّاخِلِ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ.

و﴿قِنْوانٌ﴾ بِكَسْرِ القافِ جَمْعُ قِنْوٍ بِكَسْرِ القافِ أيْضًا عَلى المَشْهُورِ فِيهِ عِنْدَ العَرَبِ غَيْرَ لُغَةِ قَيْسٍ وأهْلِ الحِجازِ فَإنَّهم يَضُمُّونَ القافَ. فَقِنْوانٌ بِالكَسْرِ جَمْعُ تَكْسِيرٍ. وهَذِهِ الصِّيغَةُ نادِرَةٌ، غَيْرَ جَمْعِ ”فُعَلٍ“ (بِضَمٍّ فَفَتْحٍ) و”فُعْلٍ“ (بِضَمٍّ فَسُكُونٍ) و”فَعْلٍ“ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) إذا كانا واوِيَّيِ العَيْنِ و”فُعالٍ“ .

والقِنْوُ: عُرْجُونُ التَّمْرِ، كالعُنْقُودِ لِلْعِنَبِ، ويُسَمّى العِذْقَ - بِكَسْرِ العَيْنِ - ويُسَمّى الكِباسَةُ بِكَسْرِ الكافِ.

والطَّلْعُ: وِعاءُ عُرْجُونِ التَّمْرِ الَّذِي يَبْدُو في أوَّلِ خُرُوجِهِ يَكُونُ كَشَكْلِ

صفحة ٤٠١

الأُتْرُجَّةِ العَظِيمَةِ مُغْلَقًا عَلى العُرْجُونِ، ثُمَّ يَنْفَتِحُ كَصُورَةِ نَعْلَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنهُ العُنْقُودُ مُجْتَمِعًا، ويُسَمّى حِينَئِذٍ الإغْرِيضَ، ثُمَّ يَصِيرُ قِنْوًا.

ودانِيَةٌ قَرِيبَةٌ. والمُرادُ قَرِيبَةُ التَّناوُلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] . والقِنْوانُ الدّانِيَةُ بَعْضُ قِنْوانِ النَّخْلِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ هُنا إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في خِلالِ التَّذْكِيرِ بِإتْقانِ الصَّنْعَةِ فَإنَّ المِنَّةَ بِالقِنْوانِ الدّانِيَةِ أتَمُّ، والدّانِيَةُ هي الَّتِي تَكُونُ نَخْلَتُها قَصِيرَةً لَمْ تَتَجاوَزْ طُولَ قامَةِ المُتَناوِلِ، ولا حاجَةَ لِذِكْرِ البَعِيدَةِ التَّناوُلِ لِأنَّ الذِّكْرى قَدْ حَصَلَتْ بِالدّانِيَةِ وزادَتْ بِالمِنَّةِ التّامَّةِ.

وجَنّاتٍ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى ﴿خَضِرًا﴾ . وما نُسِبَ إلى أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مِن رَفْعِ (جَنّاتٌ) لَمْ يَصِحَّ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ تَمْيِيزٌ مَجْرُورٌ بِـ (مِن) البَيانِيَّةِ لِأنَّ الجَنّاتِ لِلْأعْنابِ بِمَنزِلَةِ المَقادِيرِ كَما يُقالُ جَرِيبٌ تَمْرًا، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُدِّيَ فِعْلُ الإخْراجِ إلى الجَنّاتِ دُونَ الأعْنابِ، فَلَمْ يُقِلْ وأعْنابًا في جَنّاتٍ.

والأعْنابُ جَمْعُ عِنَبٍ وهو جَمْعُ عِنَبَةٍ، وهو في الأصْلِ ثَمَرُ شَجَرِ الكَرْمِ. ويُطْلَقُ عَلى شَجَرَةِ الكَرْمِ عِنَبٌ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ شَجَرَةِ عِنَبٍ، وشاعَ ذَلِكَ فَتُنُوسِيَ المُضافُ. قالَ الرّاغِبُ: العِنَبُ يُقالُ لِثَمَرَةِ الكَرْمِ ولِلْكَرْمِ نَفْسِهِ ا هـ.

ولا يُعْرَفُ إطْلاقُ المُفْرَدِ عَلى شَجَرَةِ الكَرْمِ، فَلَمْ أرَ في كَلامِهِمْ إطْلاقَ العِنَبَةِ بِالإفْرادِ عَلى شَجَرَةِ الكَرْمِ، ولَكِنْ يُطْلَقُ بِالجَمْعِ، يُقالُ: عِنَبٌ، مُرادٌ بِهِ الكَرْمُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٨]، ويُقالُ: أعْنابٌ كَذَلِكَ، كَما هُنا، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّهُ يُقالُ: عِنَبَةٌ لِشَجَرَةِ الكَرْمِ، فَإنَّهُ قالَ: العِنَبُ يُقالُ لِثَمَرَةِ الكَرْمِ ولِلْكَرْمِ نَفْسِهِ الواحِدَةُ عِنَبَةٌ.

﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ والتَّعْرِيفُ فِيهِما

صفحة ٤٠٢

الجِنْسُ كالتَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ . والمُرادُ بِالزَّيْتُونِ والرُّمّانِ شَجَرُهُما. وهُما في الأصْلِ اسْمانِ لِلثَّمَرَتَيْنِ ثُمَّ أُطْلِقا عَلى شَجَرَتَيْهِما كَما تَقَدَّمَ في الأعْنابِ. وهاتانِ الشَّجَرَتانِ وإنْ لَمْ تَكُونا مِثْلَ النَّخْلِ في الأهَمِّيَّةِ عِنْدَ العَرَبِ إلّا أنَّهُما لِعِزَّةِ وجُودِهِما في بِلادِ العَرَبِ ولِتُنافِسِ العَرَبِ في التَّفَكُّهِ بِثَمَرِهِما والإعْجابِ بِاقْتِنائِهِما ذُكِرا في مَقامِ التَّذْكِيرِ بِعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى ومِنَّتِهِ. وكانَتْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ مَوْجُودَةً بِالشّامِ وفي سَيْنا، وشَجَرَةُ الرُّمّانِ مَوْجُودَةً بِالطّائِفِ.

وقَوْلُهُ ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ حالٌ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والواوُ لِلتَّقْسِيمِ بِقَرِينَةِ أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ لا يَكُونُ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، أيْ بَعْضُهُ مُشْتَبَهٌ وبَعْضُهُ غَيْرُ مُتَشابِهٍ. وهُما حالانِ مِنَ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مَعًا، وإنَّما أُفْرِدَ ولَمْ يُجْمَعِ اعْتِبارًا بِإفْرادِ اللَّفْظِ.

والتَّشابُهُ والِاشْتِباهُ مُتَرادِفانِ كالتَّساوِي والِاسْتِواءِ، وهُما مُشْتَقّانِ مِنَ الشَّبَهِ. والجَمْعُ بَيْنَهُما في الآيَةِ لِلتَّفَنُّنِ كَراهِيَةَ إعادَةِ اللَّفْظِ، ولِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ مِنَ التَّشابُهِ أسْعَدُ بِالوَقْفِ لِما فِيهِ مِن مَدِّ الصَّوْتِ بِخِلافِ ﴿مُشْتَبِهًا﴾ . وهَذا مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ.

والتَّشابُهُ: التَّماثُلُ في حالَةٍ مَعَ الِاخْتِلافِ في غَيْرِها مِنَ الأحْوالِ، أيْ بَعْضُ شَجَرِهِ يُشْبِهُ بَعْضًا وبَعْضُهُ لا يُشْبِهُ بَعْضًا، أوْ بَعْضُ ثَمَرِهِ يُشْبِهُ بَعْضًا وبَعْضُهُ لا يُشْبِهُ بَعْضًا، فالتَّشابُهُ مِمّا تَقارَبَ لَوْنُهُ أوْ طَعْمُهُ أوْ شَكْلُهُ مِمّا يَتَطَلَّبُهُ النّاسُ مِن أحْوالِهِ عَلى اخْتِلافِ أمْيالِهِمْ، وعُدَّ التَّشابُهُ ما اخْتَلَفَ بَعْضُهُ عَنِ البَعْضِ الآخَرِ فِيما يَتَطَلَّبُهُ النّاسُ مِنَ الصِّفاتِ عَلى اخْتِلافِ شَهَواتِهِمْ، فَمِن أعْوادِ الشَّجَرِ غَلِيظٌ ودَقِيقٌ، ومِن ألْوانِ ورَقِهِ قاتِمٌ وداكِنٌ، ومِن ألْوانِ ثَمَرِهِ مُخْتَلِفٌ ومِن طَعْمِهِ كَذَلِكَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] . والمَقْصُودُ مِنَ التَّقْيِيدِ بِهَذِهِ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ بِالقَصْدِ والِاخْتِيارِ لا بِالصُّدْفَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الحالَ مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾،

صفحة ٤٠٣

فَإنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مُشْتَبِهٌ وغَيْرُ مُتَشابِهٍ. وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حالًا مِنَ الزَّيْتُونِ لِأنَّهُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وقَدَّرَ لِـ الرُّمّانَ حالًا أُخْرى تَدُلُّ عَلَيْها الأُولى، بِتَقْدِيرِ: والرُّمّانُ كَذَلِكَ. وإنَّما دَعاهُ إلى ذَلِكَ أنَّهُ لا يَرى تَعَدُّدَ صاحِبِ الحالِ الواحِدَةِ ولا التَّنازُعَ في الحالِ ونَظَرِهِ بِإفْرادِ الخَبَرِ بَعْدَ مُبْتَدَأٍ ومَعْطُوفٍ في قَوْلِ الأزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ الباهِلِيَّ، جَوابًا لِبَعْضِ بَنِي قُشَيْرٍ وقَدِ اخْتَصَما في بِئْرٍ فَقالَ القُشَيْرِيُّ: أنْتَ لِصٌّ ابْنُ لِصٍّ:

رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِيَ

ولا ضَيْرَ في هَذا الإعْرابِ مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّ التَّنْبِيهَ إلى ما في بَعْضِ النَّباتِ مِن دَلائِلِ الِاخْتِيارِ يُوَجِّهُ العُقُولَ إلى ما في مُماثِلِهِ مِن أمْثالِها.

وجُمْلَةُ ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ﴾ بَيانٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المَقْصُودُ مِنها الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ في ثَمَرِهِ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿مُشْتَبِهًا﴾ مِن تَخْصِيصٍ أوْ تَعْمِيمٍ.

والمَأْمُورُ بِهِ هو نَظَرُ الِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ بِأطْوارِهِ.

والثَّمَرُ: الجَنى الَّذِي يُخْرِجُهُ الشَّجَرُ. وهو بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ، جَمْعُ ثَمَرَةٍ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ، كَما جُمِعَتْ: خَشَبَةٌ عَلى خُشُبٍ، وناقَةٌ عَلى نُوقٍ.

واليَنْعُ: الطَّيِّبُ والنِّضِجُ. يُقالُ: يَنَعَ (بِفَتْحِ النُّونِ) يَيْنَعُ (بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها) ويُقالُ: أيْنَعَ يُونِعُ يَنْعًا بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ.

وإذًا ظَرْفٌ لِحُدُوثِ الفِعْلِ، فَهي بِمَعْنى الوَقْتِ الَّذِي يَبْتَدِئُ فِيهِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المُضافَ إلَيْها، أيْ حِينَ ابْتِداءِ أثْمارِهِ. وقَوْلُهُ ﴿ويَنْعِهِ﴾ لَمْ يُقَيَّدْ بِإذا أيْنَعَ لِأنَّهُ إذا يَنَعَ فَقَدْ تَمَّ تَطَوُّرُهُ وحانَ قِطافُهُ فَلَمْ تَبْقَ لِلنَّظَرِ فِيهِ عِبْرَةٌ لِأنَّهُ قَدِ انْتَهَتْ أطْوارُهُ.

صفحة ٤٠٤

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالنَّظَرِ. ومُوقِعُ (إنَّ) فِيهِ مَوْقِعُ لامِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِ بَشّارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

والإشارَةُ بِـ ذَلِكم إلى المَذْكُورِ كُلِّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَنْعِهِ﴾ فَتَوْحِيدُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وصْفٌ لِلْآياتِ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والمُعَلَّلُ هو ما في مَدْلُولِ الآياتِ مِن مُضَمَّنِ مَعْنى الدَّلالَةِ والنَّفْعِ. وقَدْ صَرَّحَ في هَذا بِأنَّ الآياتِ إنَّما تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ تَصْرِيحًا بِأنَّهُمُ المَقْصُودُ في الآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِقَوْلِهِ ”لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وقَوْلِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨]“، وإتْمامًا لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّ غَيْرَ العالَمِينَ وغَيْرَ الفاقِهِينَ هم غَيْرُ المُؤْمِنِينَ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском