Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:94–96
6:94Page 139
وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤
[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."
﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
إنْ كانَ القَوْلُ المُقَدَّرُ في جُمْلَةِ ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] قَوْلًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى كانَ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، أيْ يُقالُ لَهم حِينَ دَفَعَهُمُ المَلائِكَةُ إلى العَذابِ: أخْرِجُوا أنْفُسَكم، ويُقالُ لَهم: لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى. فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ. وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ ﴿غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] حَقِيقَةً، أيْ في حِينِ النَّزْعِ يَكُونُ فِعْلُ جِئْتُمُونا مِنَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ، مِثْلُ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ قارَبُوا أنْ يَرْجِعُوا إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ فِيهِمْ.
وإنْ كانَ القَوْلُ المُقَدَّرُ قَوْلَ المَلائِكَةِ فَجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] فانْتَقَلَ الكَلامُ مِن خِطابِ المُعْتَبِرِينَ بِحالِ الظّالِمِينَ إلى خِطابِ الظّالِمِينَ أنْفُسِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ بِما سَيَقُولُ لَهم يَوْمَئِذٍ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ جِئْتُمُونا حَقِيقَةً في الماضِي؛ لِأنَّهم حِينَما يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ قَدْ حَصَلَ مِنهُمُ المَجِيءُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ. و(قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ.
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ الماضِي مُعَبَّرًا بِهِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، وتَكُونُ (قَدْ) تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ.
صفحة ٣٨٢
وإخْبارُهم بِأنَّهم جاءُوا لَيْسَ المُرادُ بِهِ ظاهِرَ الإخْبارِ لِأنَّ مَجِيئَهم مَعْلُومٌ لَهم، ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في تَخْطِئَتِهِمْ وتَوْقِيفِهِمْ عَلى صِدْقِ ما كانُوا يُنْذِرُونَ بِهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ فَيُنْكِرُونَهُ وهو الرُّجُوعُ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.
وقَدْ يُقْصَدُ مَعَ هَذا المَعْنى مَعْنى الحُصُولِ في المِكْنَةِ والمَصِيرِ إلى ما كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم لا يَصِيرُونَ إلَيْهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩]، وقَوْلِ الرّاجِزِ:
قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ إمامَ السّارِي
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في جِئْتُمُونا ضَمِيرُ الجَلالَةِ ولَيْسَ ضَمِيرُ المَلائِكَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ .
وفُرادى حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في جِئْتُمُونا أيْ مُنْعَزِلِينَ عَنْ كُلِّ ما كُنْتُمْ تَعْتَزُّونَ بِهِ في الحَياةِ الأُولى مِن مالٍ ووَلَدٍ وأنْصارٍ، والأظْهَرُ أنَّ فُرادى جُمَعُ ”فَرْدانَ“ مِثْلُ سُكارى لِسَكْرانَ. ولَيْسَ فُرادى المَقْصُورُ مُرادِفًا لِفُرادَ المَعْدُولِ؛ لِأنَّ فُرادَ المَعْدُولَ يَدُلُّ عَلى مَعْنى فَرْدًا فَرْدًا، مِثْلُ ثَلاثٍ ورُباعٍ مِن أسْماءِ العَدَدِ المَعْدُولَةِ. وأمّا فُرادى المَقْصُورُ فَهو جَمْعُ ”فَرْدانَ“ بِمَعْنى المُنْفَرِدِ. ووَجْهُ جَمْعِهِ هُنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جاءَ مُنْفَرِدًا عَنْ مالِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ تَشْبِيهٌ لِلْمَجِيءِ أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ فَقَدْ رَأوْهُ رَأْيَ العَيْنِ، فالكافُ لِتَشْبِيهِ الخَلْقِ الجَدِيدِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ.
وما المَجْرُورَةُ بِالكافِ مَصْدَرِيَّةٌ. فالتَّقْدِيرُ: كَخَلْقِنا إيّاكم، أيْ جِئْتُمُونا مُعادِينَ مَخْلُوقِينَ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .
صفحة ٣٨٣
والتَّخْوِيلُ: التَّفَضُّلُ بِالعَطاءِ. قِيلَ: أصْلُهُ إعْطاءُ الخَوَلِ - بِفَتْحَتَيْنِ - وهو الخَدَمُ، أيْ إعْطاءُ العَبِيدِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في إعْطاءِ مُطَلَّقِ ما يَنْفَعُ، أيْ تَرَكْتُمْ ما أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْكم مِن مالٍ وغَيْرِهِ.
وما مَوْصُولَةٌ ومَعْنى تَرْكِهِمْ إيّاهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ بُعْدُهم عَنْهُ تَمْثِيلًا لِحالِ البَعِيدِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَن بارَحَهُ سائِرًا، فَهو يَتْرُكُ مَن يُبارِحُهُ وراءَهُ حِينَ مُبارَحَتِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ سارَ وهو بَيْنَ يَدَيْهِ لَبَلَغَ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ يُمَثِّلُ القاصِدَ لِلشَّيْءِ بِأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ويُقالُ لِلْأمْرِ الَّذِي يُهَيِّئُهُ المَرْءُ لِنَفْسِهِ: قَدْ قَدَّمَهُ.
وتَرَكْتُمْ عَطْفٌ عَلى جِئْتُمُونا وهو يُبَيِّنُ مَعْنى فُرادى إلّا أنَّ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ زِيادَةَ بَيانٍ لِمَعْنى الِانْفِرادِ بِذِكْرِ كَيْفِيَّةِ هَذا الِانْفِرادِ لِأنَ كِلا الخَبَرَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّخْطِئَةِ والتَّنْدِيمِ، إذْ جاءُوا إلى القِيامَةِ وكانُوا يَنْفُونَ ذَلِكَ المَجِيءَ وتَرَكُوا ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا وكانَ حالُهم حالَ مَن يَنْوِي الخَلْودَ. فَبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُفْصَلْ. وأبُو البَقاءِ جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا مِنَ الواوِ في جِئْتُمُونا فَيَصِيرُ تَرْكُ ما خُوِّلُوهُ هو مَحَلَّ التَّنْكِيلِ.
وكَذَلِكَ القَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جِئْتُمُونا وتَرَكْتُمْ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أيْضًا مُرادٌ بِهِ التَّخْطِئَةُ والتَّلْهِيفُ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا إذا اضْطَرَبَتْ قُلُوبُهم في أمْرِ الإسْلامِ عَلَّلُوا أنْفُسَهم بِأنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وقَدْ رَوى بَعْضُهم: أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ قالَ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ قالَهُ اسْتِسْخارًا أوْ جَهْلًا، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِ، أيْ أنَّ في الآيَةِ ما هو رَدُّ عَلَيْهِ لا أنَّها نَزَلَتْ لِإبْطالِ قَوْلِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ مُتَّصِلٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وفي قَوْلِهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ بَيانٌ أيْضًا وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿فُرادى﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم لا شُفَعاءَ لَهم، فَسِيقَ الخِطابُ إلَيْهِمْ مَساقَ كَلامِ مَن يَتَرَقَّبُ، أيْ يَرى شَيْئًا فَلَمْ يَرَهُ عَلى
صفحة ٣٨٤
نَحْوِ قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧]، بِناءً عَلى أنَّ نَفْيَ الوَصْفِ عَنْ شَيْءٍ يَدُلُّ غالِبًا عَلى وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَكانَ في هَذا القَوْلِ إيهامُ أنَّ شُفَعاءَهم مَوْجُودُونَ سِوى أنَّهم لَمْ يَحْضُرُوا، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالفِعْلِ المَنفِيِّ بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الحالِ دُونَ الماضِي لِيُشِيرَ إلى أنَّ انْتِفاءَ رُؤْيَةِ الشُّفَعاءِ حاصِلٌ إلى الآنِ، فَفِيهِ إيهامُ أنَّ رُؤْيَتَهم مُحْتَمَلَةُ الحُصُولِ بَعْدُ في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّهَكُّمِ.
وأُضِيفَ الشُّفَعاءُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِأنَّهُ أُرِيدَ شُفَعاءُ مَعْهُودُونَ، وهُمُ الآلِهَةُ الَّتِي عَبَدُوها وقالُوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] . وقَدْ زِيدَ تَقْرِيرُ هَذا المَعْنى بِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ .
والزَّعْمُ: القَوْلُ الباطِلُ، سَواءً كانَ عَنْ تَعَمَّدِ الباطِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠] أمْ كانَ عَنْ سُوءِ اعْتِقادٍ كَما هُنا، وقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ النِّساءِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿فِيكم شُرَكاءُ﴾ لِلِاهْتِمامِ الَّذِي وجَّهَهُ التَّعْجِيبُ مِن هَذا المَزْعُومِ، إذْ جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ في أنْفُسِهِمْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الخالِقَ هو اللَّهُ تَعالى فَهو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ فَمِن أيْنَ كانَتْ شَرِكَةُ الأصْنامِ لِلَّهِ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، يَعْنِي لَوِ ادَّعَوْا لِلْأصْنامِ شَيْئًا مُغَيَّبًا لا يُعْرَفُ أصْلُ تَكْوِينِهِ لَكانَ العَجَبُ أقَلَّ، لَكِنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ مِنِ ادِّعائِهِمْ لَهُمُ الشَّرِكَةَ في أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا عَبَدُوا الأصْنامَ وكانَتِ العِبادَةُ حَقًّا لِأجَلِ الخالِقِيَّةِ، كانَ قَدْ لَزِمَهم مِنَ العِبادَةِ أنْ يَزْعُمُوا أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لِلَّهِ في أنْفُسِ خَلْقِهِ، أيْ في خَلْقِهِمْ، فَلِذَلِكَ عُلِّقَتِ النُّفُوسُ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى الشَّرِكَةِ.
صفحة ٣٨٥
وتَقَدَّمَ مَعْنى الشَّفاعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ لِأنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ يَعْتادُهُمُ الطَّمَعُ في لِقاءِ شُفَعائِهِمْ فَيَتَشَوَّفُونَ لِأنْ يَعْلَمُوا سَبِيلَهم، فَقِيلَ لَهم: ”لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم“؛ تَأْيِيسًا لَهم بَعْدَ الإطْماعِ التَّهَكُّمِيِّ، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى المُخاطَبِينَ وشُفَعائِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ نُونِ ”بَيْنَكم“ . فَـ (بَيْنَ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ظَرْفُ مَكانٍ دالٌّ عَلى مَكانِ الِاجْتِماعِ والِاتِّصالِ فِيما يُضافُ هو إلَيْهِ. وقَرَأ البَقِيَّةُ بِضَمِّ نُونِ (بَيْنُكم) عَلى إخْراجِ (بَيْنَ) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَصارَ اسْمًا مُتَصَرِّفًا، وأُسْنِدَ إلَيْهِ التَّقَطُّعُ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.
وحَذْفُ فاعِلِ ”تَقَطَّعَ“ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لِأنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ التَّقَطُّعِ، فَفاعِلُهُ اسْمٌ مُبْهَمٌ مِمّا يَصْلُحُ لِلتَّقَطُّعِ وهو الِاتِّصالُ. فَيُقَدَّرُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ الحَبْلُ أوْ نَحْوُهُ. قالَ تَعالى ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] . وقَدْ صارَ هَذا التَّرْكِيبُ كالمَثَلِ بِهَذا الإيجازِ. وقَدْ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ ذِكْرُ التَّقَطُّعِ مُسْتَعارًا لِلْبُعْدِ وبُطْلانِ الِاتِّصالِ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ الحَبْلِ لِلِاتِّصالِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
تَقَطَّعَ أسْبابُ اللُّبانَةِ والهَوى ∗∗∗ عَشِيَّةَ جاوَزْنا حَماةَ وشَيْزَرا
فَمِن ثَمَّ حَسُنَ حَذْفُ الفاعِلِ في الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، فَصارَ كالمَثَلِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ المَصْدَرَ المَأْخُوذَ مِن تَقَطَّعَ فاعِلًا، أيْ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى مَصْدَرِهِ بِهَذا التَّأْوِيلِ، أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ: الأوْلى أنَّهُ أُسْنِدَ إلى ضَمِيرِ الأمْرِ لِتَقَرُّرِهِ في النُّفُوسِ، أيْ تَقَطَّعَ الأمْرُ بَيْنَكم.
وقَرِيبٌ مِن هَذا ما يُقالُ: إنَّ بَيْنَكم صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ
صفحة ٣٨٦
الَّذِي هو المُسْنَدُ إلَيْهِ، أيْ أمْرُ بَيْنِكم، وعَلى هَذا يَكُونُ الِاسْتِعْمالُ مِن قَبِيلِ الضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ مُعادُهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، لَكِنَّ هَذا لا يُعْهَدُ في الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الكَلامِ وإنَّما دَعا إلى تَقْدِيرِهِ وُجُودُ مُعادِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ. فَأمّا والكَلامُ خَلِيٌّ عَنْ مُعادٍ وعَنْ لَفْظِ الضَّمِيرِ فالمُتَعَيَّنُ أنْ نَجْعَلَهُ مِن حَذْفِ الفاعِلِ كَما قَرَّرْتُهُ لَكَ ابْتِداءً، ولا يُقالُ: إنَّ ﴿تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ ضَمِيرٍ، إذِ التّاءُ عَلامَةٌ لِإسْنادِ الفِعْلِ إلى مُؤَنَّثٍ لِأنّا نَقُولُ: التَّحْقِيقُ أنَّ التّاءَ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى الضَّمِيرِ هي الفاعِلُ.
وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ جَعَلَ بَيْنَكم فاعِلًا، أيْ أُخْرِجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ وجُعِلَ اسْمًا لِلْمَكانِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ ماصَدَقُ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ اسْمُ المَكانِ، أيِ انْفَصَلَ المَكانُ الَّذِي كانَ مَحَلَّ اتِّصالِكم فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ انْفِصالِ أصْحابِ المَكانِ الَّذِي كانَ مَحَلَّ اجْتِماعٍ. والمَكانِيَّةُ هُنا مَجازِيَّةٌ مِثْلُ ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] .
وقَوْلُهُ ﴿وضَلَّ عَنْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وهو مِن تَمامِ التَّهَكُّمِ والتَّأْيِيسِ. ومَعْنى ”ضَلَّ“: ضِدُّ اهْتَدى، أيْ جَهِلَ شُفَعاؤُكم مَكانَكم لَمّا تَقَطَّعَ بَيْنَكم فَلَمْ يَهْتَدُوا إلَيْكم لِيَشْفَعُوا لَكم. وما مَوْصُولِيَّةٌ ماصَدَقُها الشُّفَعاءُ لِاتِّحادِ صِلَتِها وصِلَةِ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾، أيِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزَعُمُونَهم شُرَكاءَ، فَحَذَفَ مَفْعُولا الزَّعْمِ لِدَلالَةِ نَظِيرِهِ عَلَيْهِما في قَوْلِهِ ﴿زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾، وعَبَّرَ عَنِ الآلِهَةِ بِـ ”ما“ الغالِبَةِ في غَيْرِ العاقِلِ لِظُهُورِ عَدَمِ جَدْواها، وفَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ ضَلَّ بِمَعْنى غابَ وتَلِفَ وذَهَبَ، وجَعَلُوا ”ما“ مَصْدَرِيَّةً، أيْ ذَهَبَ زَعْمُكم أنَّها تَشْفَعُ لَكم. وما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أبْلَغُ وأوْقَعُ.
6:95–96Page 140
۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥
Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?
فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦
[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
صفحة ٣٨٧
﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتُقِلَ بِهِ مِن تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والرِّسالَةِ وأفانِينِ المَواعِظِ والبَراهِينِ الَّتِي تَخَلَّلَتْ ذَلِكَ إلى الِاسْتِدْلالِ والِاعْتِبارِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وعَجائِبِ مَصْنُوعاتِهِ المُشاهَدَةِ، عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِانْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَمّا لا تَقْدِرُ عَلى مَثْلِ هَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ، فَلا يَحِقُّ لَها أنْ تُعْبَدَ ولا أنْ تُشْرَكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى في العِبادَةِ إذْ لا حَقَّ لَها في الإلَهِيَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْطالًا لِشِرْكِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ، وهو مَعَ ذَلِكَ إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِ المُعَطِّلِينَ مِنَ الدَّهْرِيِّينَ مِنهم بِطَرِيقِ الأوْلى، وفي ذَلِكَ امْتِنانٌ عَلى المَقْصُودِينَ مِنَ الخِطابِ وهُمُ المُشْرِكُونَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَأنّى تُؤْفَكُونَ، أيْ فَتَكْفُرُونَ النِّعْمَةَ. وفِيهِ عِلْمٌ ويَقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المُصَدِّقِينَ واسْتِزادَةٌ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ وشُكْرِهِمْ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ إنَّ مَعَ أنَّهُ لا يُنْكِرُ أحَدٌ أنَّ اللَّهَ هو فاعِلُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ هُنا، ولَكِنَّ النَّظَرَ والِاعْتِبارَ في دَلالَةِ الزَّرْعِ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ عَلى الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ كَما قَدَرَ عَلى إماتَةِ الحَيِّ، لَمّا كانَ نَظَرًا دَقِيقًا قَدِ انْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ فاجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ، كانَ حالُهم كَحالِ مَن أنْكَرَ أوْ شَكَّ في أنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى، فَأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ (إنَّ) .
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ هَذا الوَصْفِ ودَوامِهِ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلَّهِ تَعالى، وهو وصْفُ الفِعْلِ أوْ وصْفُ القُدْرَةِ وتَعَلُّقاتِها في مُصْطَلَحِ مَن لا يُثْبِتُ صِفاتِ الأفْعالِ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الِاكْتِفاءَ بِدَلالَةِ فَلْقِ الحَبِّ والنَّوى عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، والِانْتِقالِ مِن ذَلِكَ إلى دَلالَتِهِ عَلى إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ في البَعْثِ، لَمْ يُؤْتَ في هَذا الخَبَرِ بِما يَقْتَضِي الحَصْرَ؛ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ القَصْرِ.
صفحة ٣٨٨
والفَلْقُ: شَقُّ وصَدْعُ بَعْضِ أجْزاءِ الشَّيْءِ عَنْ بَعْضٍ، والمَقْصُودُ الفَلْقُ الَّذِي تَنْبَثِقُ مِنهُ وشائِجُ النَّبْتِ والشَّجَرِ وأُصُولُها، فَهو مَحَلِّ العِبْرَةِ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ.
والحَبُّ اسْمُ جَمْعٍ لِما يُثْمِرُهُ النَّبْتُ، واحِدُهُ حَبَّةٌ. والنَّوى اسْمُ جَمْعِ نَواةِ، والنَّواةُ قَلْبُ التَّمْرَةِ. ويُطْلَقُ عَلى ما في الثِّمارِ مِنَ القُلُوبِ الَّتِي مِنها يُنْبِتُ شَجَرَها مِثْلَ العِنَبِ والزَّيْتُونَ، وهو العَجَمُ - بِالتَّحْرِيكِ - اسْمُ جَمْعِ عُجْمَةَ. وجُمْلَةُ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ في مَحَلِّ خَبَرٍ ثانٍ عَنِ اسْمِ (إنَّ) تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ بَيانِ المَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَةِ قَبْلَها، وهو الفَلْقُ الَّذِي يُخْرِجُ مِنهُ نَبْتًا أوْ شَجَرًا نامِيًا ذا حَياةٍ نَباتِيَّةٍ بَعْدَ أنْ كانَتِ الحَبَّةُ والنَّواةُ جِسْمًا صُلْبًا لا حَياةَ فِيهِ ولا نَماءَ. فَلِذَلِكَ رَجَّحَ فَصْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها إلّا أنَّها أعَمُّ مِنها لِدَلالَتِها عَلى إخْراجِ الحَيَوانِ مِن ماءِ النُّطْفَةِ أوْ مِنَ البَيْضِ، فَهي خَبَرٌ آخَرُ، ولَكِنَّهُ بِعُمُومِهِ يُبَيِّنُ الخَبَرَ الأوَّلَ، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ فَصْلُ الجُمْلَةِ، أوْ عَدَمُ عَطْفِ أحَدِ الأخْبارِ.
وعَطَفَ عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ قَوْلَهُ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِضِدِّ مَضْمُونِ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ وصُنْعٍ آخَرَ عَجِيبٍ دالٍّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونافٍ تَصَرُّفَ الطَّبِيعَةِ بِالخَلْقِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الصّادِرَ مِنَ العالِمِ المُخْتارِ يَكُونُ عَلى أحْوالٍ مُتَضادَّةٍ بِخِلافِ الفِعْلِ المُتَوَلِّدِ عَنْ سَبَبٍ طَبْعِيٍّ، وفي هَذا الخَبَرِ تَكْمِلَةُ بَيانٍ لِما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾؛ لِأنَّ فَلْقَ الحَبِّ عَنِ النَّباتِ والنَّوى عَنِ الشَّجَرِ يَشْمَلُ أحْوالًا مُجْمَلَةً، مِنها حالُ إثْمارِ النَّباتِ والشَّجَرِ: حَبًّا يَيْبَسُ وهو في قَصَبِ نَباتِهِ فَلا تَكُونُ فِيهِ حَياةٌ، ونَوى في باطِنِ الثِّمارِ يَبَسًا لا حَياةَ فِيهِ كَنَوى الزَّيْتُونِ والتَّمْرِ، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ البَيانِ بِإخْراجِ البَيْضِ واللَّبَنِ والمِسْكِ واللُّؤْلُؤِ وحَجَرِ (البازهرِ) مِن بَواطِنِ الحَيَوانِ الحَيِّ، فَظَهَرَ صُدُورُ الضِّدَّيْنِ عَنِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ تَمامَ الظُّهُورِ.
صفحة ٣٨٩
وقَدْ رَجَّحَ عَطْفُ هَذا الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ كالتَّكْمِلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ يَفْعَلُ الأمْرَيْنِ مَعًا كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿فالِقُ الإصْباحِ وجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا﴾) . وجَعَلَهُ في الكَشّافِ عَطْفًا عَلى ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ بِناءً عَلى أنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ ﴿مُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ لِمَضْمُونِ ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ لِأنَّ فَلْقَ الحَبِّ يَنْشَأُ عَنْهُ إخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ لا العَكْسُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ عَلاقَةَ وصْفِ ﴿مُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ بِخَبَرِ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ أقْوى مِن عَلاقَتِهِ بِخَبَرِ ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ .
وقَدْ جِيءَ بِجُمْلَةِ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ فِعْلِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ يَتَجَدَّدُ ويَتَكَرَّرُ في كُلِّ آنٍ، فَهو مُرادٌ مَعْلُومٌ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ المُصادَفَةِ والِاتِّفاقِ.
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ اسْمًا لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ مُتَجَدِّدٌ وثابِتٌ، أيْ كَثِيرٌ وذاتِيٌّ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الإخْراجَيْنِ لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِن قَرِينِهِ فَكانَ في الأُسْلُوبِ شِبْهُ الِاحْتِباكِ.
والإشارَةُ بِـ ذَلِكم لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ ولِلتَّعْرِيضِ بِغَباوَةِ المُخاطَبِينَ المُشْرِكِينَ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ، أيْ ذَلِكُمُ الفاعِلُ الأفْعالِ العَظِيمَةِ مِنَ الفَلْقِ وإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ هو الَّذِي يَعْرِفُهُ الخَلْقُ بِاسْمِهِ العَظِيمِ عَلى أنَّهُ الإلَهُ الواحِدُ، المَقْصُورُ عَلَيْهِ وصْفُ الإلَهِيَّةِ، فَلا تَعْدِلُوا بِهِ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ قَوْلَهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ.
والأفْكُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَصْدَرُ أفَكَهُ يَأْفِكُهُ، مِن بابِ ضَرَبَ، إذا صَرَفَهُ عَنْ مَكانٍ أوْ عَنْ عَمَلٍ، أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ.
وأنّى بِمَعْنى مِن أيْنَ. وهو اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يُوجَدُ مُوجِبٌ يَصْرِفُكم عَنْ تَوْحِيدِهِ. وبُنِيَ فِعْلُ تُؤْفَكُونَ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ
صفحة ٣٩٠
صارِفِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وهو مَجْمُوعُ أشْياءَ: وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وتَضْلِيلِ قادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، وهَوى أنْفُسِهِمْ.
وجُمْلَةُ ذَلِكُمُ اللَّهُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَقْصُودٌ مِنها الِاعْتِبارُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ اعْتِراضًا.
و﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا رابِعًا عَنِ اسْمِ (إنَّ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمِ الجَلالَةِ المُخْبَرِ بِهِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ اعْتِراضًا.
والإصْباحُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الأصْلِ مَصْدَرُ أصْبَحَ الأُفُقُ، إذا صارَ ذا صَباحٍ. وقَدْ سَمّى بِهِ الصَّباحَ، وهو ضِياءُ الفَجْرِ فَيُقابِلُ اللَّيْلَ وهو المُرادُ هُنا.
وفَلْقُ الإصْباحِ اسْتِعارَةٌ لِظُهُورِ الضِّياءِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِفَلْقِ الظُّلْمَةِ عَنِ الضِّياءِ، كَما اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ أيْضًا السَّلْخُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] . فَإضافَةُ فالِقُ إلى الإصْباحِ حَقِيقِيَّةٌ وهي لِأدْنى مُلابَسَةٍ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وسَنُبَيِّنُهُ في الآيَةِ الآتِيَةِ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لَهُ شائِبَةُ الِاسْمِيَّةِ فَيُضافُ إضافَةً حَقِيقِيَّةً، ولَهُ شائِبَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَيُضافُ إضافَةً لَفْظِيَّةً. وهو هُنا لَمّا كانَ دالًّا عَلى وصْفٍ في الماضِي ضَعُفَ شَبَهُهُ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُشْبِهُ المُضارِعَ في الوَزْنِ وزَمَنِ الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ. وقَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ المَفْعُولِيَّةُ عَلى التَّوَسُّعِ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ فالِقٌ عَنِ الإصْباحِ فانْتَصَبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، ولِذَلِكَ سَمَّوُا الصُّبْحَ فَلَقًا بِفَتْحَتَيْنِ بِزِنَةِ ما بِمَعْنى المَفْعُولِ، كَما قالُوا مَسْكَنٌ، أيْ مَسْكُونٌ إلَيْهِ، فَتَكُونُ الإضافَةُ عَلى هَذا لَفْظِيَّةً بِالتَّأْوِيلِ، ولَيْسَتْ إضافَتُهُ مِن إضافَةِ الوَصْفِ إلى مَعْمُولِهِ، إذْ لَيْسَ الإصْباحُ مَفْعُولَ الفَلْقِ والمَعْنى فالِقٌ عَنِ الإصْباحِ فَيُعْلَمُ أنَّ المَفْلُوقَ هو اللَّيْلُ ولِذَلِكَ فَسَّرُوهُ فالِقَ ظُلْمَةِ الإصْباحِ أيِ الظُّلْمَةِ الَّتِي يَعْقُبُها الصُّبْحُ وهي ظُلْمَةُ الغَبَشِ، فَإنَّ فَلْقَ اللَّيْلِ عَنِ الصُّبْحِ أبْدَعُ في مَظْهَرِ القُدْرَةِ وأدْخَلُ في المِنَّةِ بِالنِّعْمَةِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ والنُّورَ وُجُودٌ. والإيجادُ هو مَظْهَرُ القُدْرَةِ
صفحة ٣٩١
ولا يَكُونُ العَدَمُ مَظْهَرًا لِلْقُدْرَةِ إلّا إذا تَسَلَّطَ عَلى مَوْجُودٍ وهو الإعْدامُ، وفَلْقُ الإصْباحِ نِعْمَةٌ أيْضًا عَلى النّاسِ لِيَنْتَفِعُوا بِحَياتِهِمْ واكْتِسابِهِمْ.
(﴿وجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنا﴾) عَطْفٌ عَلى فالِقُ الإصْباحِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ وجَرِّ (اللَّيْلِ) لِمُناسَبَةِ الوَصْفَيْنِ في الِاسْمِيَّةِ والإضافَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ وجَعَلَ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ وبِنَصْبِ اللَّيْلِ.
وعَبَّرَ في جانِبِ اللَّيْلِ بِمادَّةِ الجَعْلِ لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ، فَتَعَلُّقُ القُدْرَةِ فِيها هو تَعَلُّقُها بِإزالَةِ ما يَمْنَعُ تِلْكَ الظُّلْمَةِ مِنَ الأنْوارِ العارِضَةِ لِلْأُفُقِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ فَلَقَ الإصْباحَ بِقُدْرَتِهِ نِعْمَةً مِنهُ عَلى المَوْجُوداتِ ولَمْ يَجْعَلِ النُّورَ مُسْتَمِرًّا في الأُفُقِ فَجَعَلَهُ عارِضًا مُجَزَّءًا أوْقاتًا لَتَعُودَ الظَّلَمَةُ إلى الأُفُقِ رَحْمَةً مِنهُ بِالمَوْجُوداتِ لِيَسْكُنُوا بَعْدَ النَّصَبِ والعَمَلِ فَيَسْتَجِمُّوا راحَتَهَمْ.
والسَّكَنُ - بِالتَّحْرِيكِ - عَلى زِنَةِ مُرادِفِ اسْمِ المَفْعُولِ؛ مِثْلُ الفَلْقِ عَلى اعْتِبارِهِ مَفْعُولًا بِالتَّوَسُّعِ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وهو ما يُسْكَنُ إلَيْهِ، أيْ تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ، والسُّكُونُ فِيهِ مَجازٌ. وتُسَمّى الزَّوْجَةُ سَكَنًا والبَيْتُ سَكَنًا قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]، فَمَعْنى جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا أنَّهُ جُعِلَ لِتَحْصُلَ فِيهِ راحَةُ النَّفْسِ مِن تَعَبِ العَمَلِ.
وعَطَفَ الشَّمْسَ والقَمَرَ عَلى اللَّيْلِ بِالنَّصْبِ رَعْيًا لِمَحَلِّ اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ في مَحَلِّ المَفْعُولِ لِـ (جاعِلُ) بِناءً عَلى الإضافَةِ اللَّفْظِيَّةِ. والعَطْفُ عَلى المَحَلِّ شائِعٌ في مَواضِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ مِثْلِ رَفْعِ المَعْطُوفِ عَلى اسْمِ (إنَّ)، ونَصْبِ المَعْطُوفِ عَلى خَبَرِ لَيْسَ المَجْرُورِ بِالباءِ.
والحُسْبانُ في الأصْلِ مَصْدَرُ حَسَبَ - بِفَتْحِ السِّينِ - كالغُفْرانِ، والشُّكْرانِ،
صفحة ٣٩٢
والكُفْرانُ، أيْ جَعَلَها حِسابًا، أيْ عَلامَةَ حِسابٍ لِلنّاسِ يَحْسُبُونَ بِحَرَكاتِها أوْقاتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، والشُّهُورِ، والفُصُولِ، والأعْوامِ. وهَذِهِ مِنَّةٌ عَلى النّاسِ وتَذْكِيرٌ بِمَظْهَرِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ لِلشَّمْسِ حُسْبانٌ كَما جُعِلَ لِلْقَمَرِ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ يَحْسُبُونَ شُهُورَهم وأعْوامَهم بِحِسابِ سَيْرِ الشَّمْسِ بِحُلُولِها في البُرُوجِ وبِتَمامِ دَوْرَتِها فِيها. والعَرَبُ يَحْسُبُونَ بِسَيْرِ القَمَرِ في مَنازِلِهِ. وهو الَّذِي جاءَ بِهِ الإسْلامُ، وكانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَ الكُبْسَ لِتَحْوِيلِ السَّنَةِ إلى فُصُولٍ مُتَماثِلَةٍ، فَمُوقِعُ المِنَّةِ أعَمُّ مِنَ الِاعْتِبارِ الشَّرْعِيِّ في حِسابِ الأشْهُرِ والأعْوامِ بِالقَمَرِيِّ، وإنَّما اسْتَقامَ ذَلِكَ لِلنّاسِ بِجَعْلِ اللَّهِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلِفُ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ دَلائِلِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وهَذا بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ لِلنّاسِ مِنهُ ولَوِ اطَّلَعُوا عَلى أسْرارِ ذَلِكَ النِّظامِ البَدِيعِ لَكانَتِ العِبْرَةُ بِهِ أعْظَمَ.
والإخْبارُ عَنْهُما بِالمَصْدَرِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيْ حاسِبَيْنِ. والحاسِبُ هُمُ النّاسُ بِسَبَبِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
والإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَأْخُوذِ مِن (جاعِلُ) .
والتَّقْدِيرُ: وضَعَ الأشْياءَ عَلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
والعَزِيزُ: الغالِبُ، القاهِرُ، واللَّهُ هو العَزِيزُ حَقًّا لِأنَّهُ لا تَتَعاصى عَنْ قُدْرَتِهِ الكائِناتُ كُلُّها. والعَلِيمُ مُبالَغَةٌ في العِلْمِ، لِأنَّ وضْعَ الأشْياءِ عَلى النِّظامِ البَدِيعِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ عالِمٍ عَظِيمِ العِلْمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences