Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Худ 11:100–108
11:100–105Страница 233
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
Это - некоторые из повествований о селениях, которые Мы рассказываем тебе. Одни из них все еще существуют, а другие уже скошены.
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
Мы не были к ним несправедливы, однако они сами поступили несправедливо по отношению к себе. Когда явилось веление твоего Господа, божества, к которым они взывали вместо Аллаха, ничем не помогли им. Они не приумножили им ничего, кроме погибели.
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
Такой была Хватка твоего Господа, когда Он схватил селения, жители которых были несправедливы. Воистину, Хватка Его мучительна, сурова.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣
Воистину, в этом - знамение для тех, кто страшится мучений в Последней жизни. Это будет день, когда будут собраны люди. Это будет день, когда все будут присутствовать.
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤
Мы отсрочим его лишь до определенного срока.
يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥
Когда этот день наступит, ни один человек не заговорит без Его соизволения. И среди них будут несчастные и счастливые.
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّها تَنْفَعُ، وعِبادَتِهِمْ إيّاهم.
والتَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ، وقالَ قَتادَةُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: التَّخْسِيرُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصُورَةُ زِيادَةِ الأصْنامِ: التَّتْبِيبُ، إنَّما هو يُتَصَوَّرُ بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِّقَةَ بِها والتَّعَبَ في عِبادَتِها شَغَلَتْ نُفُوسَهم عَنِ النَّظَرِ في الشَّرْعِ وعاقِبَتِهِ، فَلَحِقَ مِن ذَلِكَ عِقابٌ وخُسْرانٌ. وأمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى (p-٢٦١)الكُفْرِ يُزادُ بِهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ - أخْذِ اللَّهِ الأُمَمَ السّابِقَةَ - أخْذُ رَبِّكَ.
والقُرى عامٌّ في القُرى الظّالِمَةِ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ ظُلْمَ الكُفْرِ وغَيْرَهُ. وقَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الكَفَرَةِ. وأمّا الظَّلَمَةُ في الغالِبِ فَمُعاجَلُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾: عَلى أنَّ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ فِعْلٌ وفاعِلٌ، وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي الوَعِيدَ واسْتِمْرارَهُ في الزَّمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، والقُرى: مَفْعُولٌ بِـ (أخَذَ) عَلى الإعْمالِ إذْ تَنازَعَهُ المَصْدَرُ وهو: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ و(أخَذَ) فَأُعْمِلَ الثّانِي، ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾: مُوجِعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ. والأخْذُ هُنا: أخْذُ الإهْلاكِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإهْلاكِهِمْ، (لَآيَةً): لَعَلامَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وهي دارُ العَمَلِ، فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكُوا بِاللَّهِ، ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَآيَةً لِمَن خافَ﴾: لَعِبْرَةً لَهُ، لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما أحَلَّ اللَّهُ بِالمُجْرِمِينَ في الدُّنْيا، وما هو إلّا أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فَإذا رَأى عَظَمَتَهُ وشِدَّتَهُ اعْتَبَرَ بِهِ مِن عَظِيمِ العَذابِ المَوْعُودِ فَيَكُونُ لَهُ عِظَةً وعِبْرَةً ولُطْفًا في زِيادَةِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]: (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَذابَ الآخِرَةِ﴾، والنّاسُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، رافِعُهُ مَجْمُوعٌ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ النّاسُ مُبْتَدَأً، ومَجْمُوعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ الضَّمِيرِ في ﴿مَجْمُوعٌ﴾، وقِياسُهُ عَلى إعْرابِهِ: مَجْمُوعُونَ، و﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحَشْرِ، و﴿مَشْهُودٌ﴾: عامٌّ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والحَيَوانِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فائِدَةٍ في أنْ أُوثِرَ اسْمُ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ ؟ (قُلْتُ): لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دِلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِيعادًا مَضْرُوبًا لِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، وأنَّهُ هو المَوْصُوفُ بِذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً، وهو أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى النّاسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ، وفِيهِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ وثَباتِهِ ما لَيْسَ في الفِعْلِ. ومَعْنى ﴿مَشْهُودٌ﴾: مَشْهُودٌ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السَّعَةِ لِقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا
والمَعْنى: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، وطَعامٌ مَحْضُورٌ. وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّ الغَرَضَ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالهَوْلِ والعِظَمِ وغَيْرِهِ مِن بَيْنِ الأيّامِ، وكَوْنُهُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لا يُمَيِّزُهُ، إذْ هو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأيّامِ في كَوْنِها مَشْهُودَةً.
﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَزاءِ، قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: لِقَضاءٍ سابِقٍ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما يُؤَخِّرُهُ) بِالياءِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ ونافِعٌ: يَأْتِي بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ.
(p-٢٦٢)وقَرَأ الأعْمَشُ: يَأْتُونَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ: التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ وقْفًا، ووَصْلًا: التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
؎كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِيَأْتِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في نُؤَخِّرُهُ وهو قَوْلُهُ: (ذَلِكَ يَوْمٌ)، والنّاصِبُ لَهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾، والمَعْنى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ يَوْمَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن عِظَمِ المَهابَةِ والهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وهو نَظِيرُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] هو ناصِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] والمُرادُ بِإتْيانِ اليَوْمِ: إتْيانُ أهْوالِهِ وشَدائِدِهِ، إذِ اليَوْمُ لا يَكُونُ وقْتًا لِإتْيانِ اليَوْمِ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلُ يَأْتِي ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، وجاءَ رَبُّكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ وما يُؤَخِّرُهُ بِالياءِ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) وأجازَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ يَوْمَ يَأْتِي بِاذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ لا تَكَلَّمُ حالًا مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ في مَشْهُودٍ، أوْ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ يَوْمَ يَأْتِي إلّا بِإذْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَأْتِي، وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ (ذَلِكَ يَوْمٌ) ويَكُونُ عَلى هَذا عائِدُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي)، أوْ يَوْمَ يَأْتِي يُرادُ بِهِ: الحِينُ والوَقْتُ لا النَّهارُ بِعَيْنِهِ. وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهْلِ المَوْقِفِ في التَّلازُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذِهِ مُخْتَصَّةً هُنا في تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، انْتَهى.
وكَلامُهُ في إعْرابِ لا تَكَلَّمُ كَأنَّهُ مَنقُولٌ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ. وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمٌ طَوِيلٌ لَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ فَلا يُؤْذَنُ لَهم، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَمِنهم عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (نَفْسٌ)، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّقِيُّ مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، والسَّعِيدُ: الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ. وقِيلَ: مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمٌ، وقِيلَ: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
11:106–108Страница 233
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦
Несчастные пребудут в Огне, где они будут хрипеть и реветь.
خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧
Они пребудут там вечно, пока существуют небеса и земля, если только твой Господь не пожелает иного. Воистину, твой Господь вершит то, что пожелает.
۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨
Счастливые же пребудут в Раю. Они пребудут там вечно, пока существуют небеса и земля, если только твой Господь не пожелает иного. Это будет неиссякаемый дар.
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ: الزَّفِيرُ: أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الزَّفِيرُ: في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ: (p-٢٦٣)فِي الصَّدْرِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: الزَّفِيرُ: زَفِيرُ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: شَهِيقُ البِغالِ. وانْتِصابُ خالِدِينَ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِهَذا التَّوْقِيتِ: التَّأْبِيدُ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ما أقامَ ثَبِيرٌ وما لاحَ كَوْكَبٌ، وضَعَتِ العَرَبُ ذَلِكَ لِلتَّأْبِيدِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِفَناءِ ثَبِيرٍ أوِ الكَوْكَبِ، أوْ عَدَمِ فَنائِهِما.
وقِيلَ: سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها وهي دائِمَةٌ لا بُدَّ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، إمّا سَماءٌ يَخْلُقُها اللَّهُ، أوْ يُظِلُّهُمُ العَرْشُ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ في الآخِرَةِ يُرَدّانِ إلى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتا مِنهُ، فَهُما دائِمَتانِ أبَدًا في نُورِ العَرْشِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: اسْتِثْناءٌ مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ . والمَعْنى: إلّا الزَّمانَ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلا يَكُونُ في النّارِ، ولا في الجَنَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الزَّمانُ المُسْتَثْنى هو الزَّمانُ الَّذِي يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الكَوْنِ في النّارِ والجَنَّةِ، لِأنَّهُ زَمانٌ يَخْلُو فِيهِ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ مِن دُخُولِ النّارِ أوِ الجَنَّةِ.
وأمّا إنْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ فَيُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ النّارِ، ويَكُونُ الزَّمانُ المُسْتَثْنى: هو الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَلَيْسُوا خالِدِينَ في النّارِ إذْ قَدْ أُخْرِجُوا مِنها وصارُوا في الجَنَّةِ، وهَذا رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، ويَكُونُ الَّذِينَ شَقُوا شامِلًا لِلْكُفّارِ وعُصاةِ المُسْلِمِينَ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَتَأتّى مِنهم ما تَأتّى في أهْلِ النّارِ، إذْ لَيْسَ مِنهم مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ لا يَخْلُدُ فِيها، لَكِنْ يُمْكِنُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوِ الَّذِي فاتَ أصْحابَ الأعْرافِ، فَإنَّهم بِفَواتِ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ المُؤْمِنُونَ فِيها الجَنَّةَ وخُلِّدُوا فِيها، صَدَقَ عَلى العُصاةِ المُؤْمِنِينَ وأصْحابِ الأعْرافِ أنَّهم ما خُلِّدُوا في الجَنَّةِ تَخْلِيدَ مَن دَخَلَها لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ في خالِدِينَ، وتَكُونُ (ما) واقِعَةً عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، أوْ تَكُونُ واقِعَةً عَلى مَن يَعْقِلُ، عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى وُقُوعَها عَلى مَن يَعْقِلُ مُطْلَقًا، ويَكُونُ المُسْتَثْنى في قِصَّةِ النّارِ: عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، وفي قِصَّةِ الجَنَّةِ: هم أوْ أصْحابَ الأعْرافِ لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ولا خُلِّدُوا فِيها خُلُودَ مَن دَخَلَها أوَّلَ وهْلَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾، وقَدْ ثَبَتَ خُلُودُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ في الآيَةِ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ ؟ (قُلْتُ): هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في عَذابِ النّارِ، ومِنَ الخُلُودِ في نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ النّارِ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ وحْدَهُ، بَلْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ وبِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ يُساوِي عَذابَ النّارِ، وبِما هو أغْلَظُ مِنها كُلِّها وهو سَخَطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وخَسْؤُهُ لَهم وإهانَتُهُ إيّاهم.
وهَكَذا أهْلُ الجَنَّةِ لَهم مَعَ تَبَوُّءِ الجَنَّةِ ما هو أكْبَرُ مِنها، وأجَلُّ مَوْقِعًا مِنهم، وهو رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى. كَما قالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥]، الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ولَهم ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ ما لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا هو، فَهو المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ . ومَعْنى قَوْلِهِ في مُقابَلَتِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾: أنَّهُ يَفْعَلُ بِأهْلِ النّارِ ما يُرِيدُ مِنَ العَذابِ، كَما يُعْطِي أهْلَ الجَنَّةِ عَطاءَهُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولا يَخْدَعَنَّكَ عَنْهُ قَوْلُ المُجْبِرَةِ: المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ: خُرُوجُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ الثّانِيَ يُنادِي عَلى تَكْذِيبِهِمْ ويُسَجِّلُ بِافْتِرائِهِمْ. وما ظَنُّكَ بِقَوْمٍ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ ؟ لِما رَوى لَهم بَعْضُ الثَّوابِتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ تَصْفِقُ (p-٢٦٤)فِيهِ أبْوابُها لَيْسَ فِيها أحَدٌ، وذَلِكَ عِنْدَما يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا. وقَدْ بَلَغَنِي أنَّ مِنَ الضُّلّالِ مَنِ اعْتَبَرَ هَذا الحَدِيثَ، فاعْتَقَدَ أنَّ الكُفّارَ لا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وهَذا ونَحْوُهُ والعِياذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ المُبِينِ زادَنا اللَّهُ هِدايَةً إلى الحَقِّ ومَعْرِفَةً بِكِتابِهِ، وتَنْبِيهًا عَنْ أنْ نَغْفُلَ عَنْهُ.
ولَئِنْ صَحَّ هَذا عَنْ أبِي العاصِ فَمَعْناهُ: يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ إلى بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، فَذَلِكَ خُلُوُّ جَهَنَّمَ وصَفْقُ أبْوابِها، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في تَخْلِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ غَيْرِ التّائِبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في النّارِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ النّارِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ، إذْ يَنْتَقِلُونَ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَلا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم خالِدُونَ في عَذابِ النّارِ، فَقَدْ يَتَمَشّى. وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِ: (خالِدِينَ)، فَلا يَتَمَشّى لِأنَّهم مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن رِضْوانِهِ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ، لا يُخْرِجُهم ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ في الجَنَّةِ، فَلا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ لِخُرُوجِهِمْ مِن عَذابِها إلى الزَّمْهَرِيرِ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو في حُكْمِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا مُنْقَطِعٍ.
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها، وتَخْفُقُ أبْوابُها، فَهم عَلى هَذا يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا، وهَذا قَوْلٌ مُحالٌ. والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ: أنَّها تَخْلُو مِنَ النّارِ إنَّما هو الدَّرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى: جَهَنَّمُ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا. وقِيلَ: إلّا بِمَعْنى: الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: و﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] زائِدًا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: إلّا في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ الألْفِ. فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، سِوى ما شاءَ اللَّهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. وقِيلَ: سِوى ما أُعِدَّ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَّمْهَرِيرِ.
وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النّارِ إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ فَفي النّارِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عَنْ جابِرٍ، أوْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، انْتَهى. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ أنْ يَتَجاوَزَ عَنْهُ بِعَذابٍ يَكُونُ جَزاؤُهُ الخُلُودَ في النّارِ، فَلا يُدْخِلُهُ النّارَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: كَما شاءَ رَبُّكَ قِيلَ: كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أيْ: كَما قَدْ سَلَفَ. وقَرَأ الحَسَنُ: شُقُوا بِضَمِّ الشِّينِ، والجُمْهُورِ: بِفَتْحِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ: سُعِدُوا بِضَمِّ السِّينِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها. وكانَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ يَتَعَجَّبُ مِن قِراءَةِ الكِسائِيِّ: سَعِدُوا، مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، ولا يُتَعَجَّبُ مِن ذَلِكَ إذْ هي قِراءَةٌ مَنقُولَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَن ذَكَرْنا مَعَهُ. وقَدِ احْتَجَّ الكِسائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، قِيلَ: ولا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُ يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ فِيهِ وسُمِّيَ بِهِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ سَعِدُوا فَهو مَحْمُولٌ عَلى مَسْعُودٍ، وهو شاذٌّ قَلِيلٌ لِأنَّهُ لا يُقالُ سَعَدَهُ اللَّهُ، إنَّما يُقالُ: أسْعَدَهُ اللَّهُ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وانْتَصَبَ عَطاءً عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أُعْطُوا عَطاءً بِمَعْنى إعْطاءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ: إنْباتًا. ومَعْنى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، بَلْ هو مُمْتَدٌّ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии