Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Юнус 10:47–60
10:47Страница 214
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٤٧
У каждой общины есть посланник. Когда же приходил посланник, между ними все решалось по справедливости, и с ними не поступали несправедливо.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ ﴿رَسُولٌ﴾ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ مُناسِبَةٍ لِأحْوالِهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فَبَلَّغَهم ما أُرْسِلَ بِهِ فَكَذَّبُوهُ وخالَفُوهُ ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ كُلِّ أُمَّةٍ ورَسُولِها ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ، وحُكِمَ بِنَجاةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ وهَلاكِ المُكْذِبِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في ذَلِكَ القَضاءِ المُسْتَوْجِبِ لِتَعْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ أعْمالِهِمْ.
أوْ: ولِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ رَسُولٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ وتُدْعى بِهِ، فَإذا جاءَ رَسُولُهُمُ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ .
10:48Страница 214
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
Они говорят: «Когда же исполнится это обещание, если вы говорите правду?».
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِعْجالًا لِما وُعِدُوا مِنَ العَذابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ والإنْكارِ حَسْبَما يُرْشِدُ إلَيْهِ الجَوابُ لا طَلَبًا لِتَعْيِينِ وقْتِ مَجِيئِهِ عَلى وجْهِ الإلْزامِ، كَما في سُورَةِ المُلْكِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُ يَأْتِينا، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةَ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما تَقَدَّمَ، حَسْبَما حُذِفَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فَإنَّ الِاسْتِعْجالَ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإتْيانِ عَجَلَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَأْتِنا عَجَلَةً إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، ولِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ إتْيانِهِ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ:
10:49Страница 214
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٤٩
Скажи: «Я не способен причинить себе зло или принести себе пользу, если того не пожелает Аллах. Для каждой общины установлен срок. Когда же наступает их срок, они не могут отдалить или приблизить его даже на час».
﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ: لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَقْدِيمُ الضُّرِّ لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ، وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ تَكْمِلَةً لِلْعَجْزِ، وما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْعِ لِلْإشْعارِ بِأهَمِّيَّتِهِ، والمَقامُ مَقامُهُ، والمَعْنى: إنِّي لا أمْلِكُ شَيْئًا مِن شُئُونِي رَدًّا وإيرادًا مَعَ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا، فَكَيْفَ أمْلِكُ شُئُونَكم حَتّى أتَسَبَّبَ في إتْيانِ عَذابِكُمُ المَوْعُودِ؟!
﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ كائِنًا، وحَمْلُهُ عَلى الِاتِّصالِ عَلى مَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ يَأْباهُ مَقامُ التَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بَيانَ كَوْنِ المُتَنازَعِ فِيهِ مِمّا لا يَشاءُ اللَّهُ أنْ يَمْلِكَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُ ما عِبارَةً عَنْ بَعْضِ الأحْوالِ المَعْهُودَةِ المَنُوطَةِ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ المُفَوَّضَةِ إلى العِبادِ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ مِنهُما مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ المُتَرَتِّبَيْنِ عَلى أفْعالِي الِاخْتِيارِيَّةِ كالضُّرِّ (p-152)والنَّفْعِ المُتَرَتِّبَيْنِ عَلى الأكْلِ والشُّرْبِ عَدَمًا ووُجُودًا تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ بَيانٌ لِما أُبْهِمَ في الِاسْتِثْناءِ، وتَقْيِيدٌ لِما في القَضاءِ السّابِقِ مِنَ الإطْلاقِ المُشْعِرِ بِكَوْنِ المَقْضِيِّ بِهِ أمْرًا مُنْجَزًا، غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ مَجِيءِ الرَّسُولِ وتَكْذِيبِ الأُمَّةِ، أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ أجَلٌ مُعَيَّنٌ خاصٌّ بِهِمْ، لا يَتَعَدّى إلى أُمَّةٍ أُخْرى، مَضْرُوبٌ لِعَذابِهِمْ يَحِلُّ بِهِمْ عِنْدَ حُلُولِهِ.
﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ إنْ جُعِلَ الأجْلُ عِبارَةً عَنْ حَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمانِ فَمَعْنى مَجِيئِهِ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما امْتَدَّ إلَيْهِ مِنَ الزَّمانِ فَمَجِيئُهُ عِبارَةٌ عَنِ انْقِضائِهِ؛ إذْ هُناكَ يَتَحَقَّقُ مَجِيئُهُ بِتَمامِهِ، والضَّمِيرُ إنْ جُعِلَ لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلَيْهِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها، ومَجِيئُهُ إيّاها بِعَيْنِها مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَهم آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها، وإنْ جُعِلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ خاصَّةً - كَما هو الظّاهِرُ - فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإضافَةُ إلى الضَّمِيرِ لِإفادَةِ كَمالِ التَّعْيِينِ، أيْ: إذا جاءَها أجَلُها الخاصُّ بِها.
﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ ﴿ساعَةً﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ مِنهُ، أيْ: لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ أصْلًا، وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ: لا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ، وهو عَطْفٌ عَلى يَسْتَأْخِرُونَ، لَكِنْ لا لِبَيانِ انْتِفاءِ التَّقَدُّمِ - مَعَ إمْكانِهِ في نَفْسِهِ كالتَّأخُّرِ - بَلْ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ المُسْتَحِيلِ عَقْلًا، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ فَإنَّ مَن ماتَ كافِرًا - مَعَ ظُهُورِ أنْ لا تَوْبَةَ لَهُ رَأْسًا - قَدْ نُظِمَ في عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ في سِلْكِ مَن سَوَّفَها إلى حُضُورِ المَوْتِ إيذانًا بِتَساوِي وُجُودِ التَّوْبَةِ حِينَئِذٍ وعَدِمَها بِالمَرَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَجِيءِ الأجَلِ دُنُوُّهُ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِنهُ، لَكِنْ لَيْسَ في تَقْيِيدِ عَدَمِ الِاسْتِئْخارِ بِدُنُوِّهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، وتَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ عَلى بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ ولَوْ ساعَةً، وذَلِكَ بِالتَّأخُّرِ، وأمّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مِن سَبْقِ السَّبْقِ في الذِّكْرِ، فَلِما أنَّ المُرادَ هُناكَ بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ - حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ - فالأهَمُّ إذْ ذاكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ كَما ذُكِرَ هُناكَ.
10:50Страница 214
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوۡ نَهَارٗا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٠
Скажи: «Как вы думаете, какую часть мучений от Аллаха будут торопить грешники, если они постигнут вас ночью или днем».
﴿قُلْ﴾ لَهم غِبَّ ما بَيَّنْتَ كَيْفِيَّةَ جَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فِيما بَيْنَ الأُمَمِ عَلى الإطْلاقِ، ونَبَّهْتَهم عَلى أنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَحْتُومٌ ولا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى مَجِيءِ أجَلِهِ المَعْلُومِ إيذانًا بِكَمالِ دُنُوِّهِ وتَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴿بَياتًا﴾ أيْ: وقْتَ بَياتٍ واشْتِغالٍ بِالنَّوْمِ ﴿أوْ نَهارًا﴾ أيْ: عِنْدَ اشْتِغالِكم بِمَشاغِلِكُمْ، حَسْبَما عُيِّنَ لَكم مِنَ الأجَلِ بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ التّابِعَةِ لِلْحِكْمَةِ، كَما عُيِّنَ لِسائِرِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، كَما في قَوْلِكَ: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي، والمُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ بِبَيانِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ (p-153)لِلِاسْتِعْجالِ، فَإنَّ حَقَّ المُجْرِمِ أنْ يَهْلَكَ فَزَعًا مِن إتْيانِ العَذابِ فَضْلًا عَنِ اسْتِعْجالِهِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أرَأيْتُمْ) والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى أيَّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ، والشَّيْءُ لا يُمْكِنُ اسْتِعْجالُهُ بَعْدَ إتْيانِهِ، والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في إنْكارِ اسْتِعْجالِهِ بِإخْراجِهِ مِن حَيِّزِ الإمْكانِ، وتَنْزِيلُهُ في الِاسْتِحالَةِ مَنزِلَةَ اسْتِعْجالِهِ بَعْدَ إتْيانِهِ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ تَقَرُّرِ إتْيانِهِ ودُنُوِّهِ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وهَذا الإنْكارُ بِمَنزِلَةِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿ (أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)﴾ خَلا أنَّ التَّنْزِيلَ هُناكَ صَرِيحٌ وهُنا ضِمْنِيٌّ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ لِغَرِيمِهِ الَّذِي يَتَقَضّاهُ حَقَّهُ: أرَأيْتَ إنْ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ فَماذا تَطْلُبُ مِنِّي؟ يُرِيدُ المُبالَغَةَ في إنْكارِ التَّقاضِي بِنَظْمِهِ في سِلْكِ التَّقاضِي بَعْدَ الإعْطاءِ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ تَقَرُّرِهِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
10:51Страница 214
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ٥١
Неужели вы уверуете в них только тогда, когда они постигнут вас? Неужели теперь, после того, как вы торопили их?
﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ إنْكارٌ لِإيمانِهِمْ بِنُزُولِ العَذابِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حَقِيقَةً، داخِلٌ مَعَ ما قَبْلَهُ مِن إنْكارِ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ بَعْدَ إتْيانِهِ حُكْمًا تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ: أبَعْدَ ما وقَعَ العَذابُ وحَلَّ بِكم حَقِيقَةً آمَنتُمْ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ؛ إنْكارًا لِتَأْخِيرِهِ إلى هَذا الحَدِّ، وإيذانًا بِاسْتِتْباعِهِ لِلنَّدَمِ والحَسْرَةِ لِيُقْلِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العِنادِ، ويَتَوَجَّهُوا نَحْوَ التَّدارُكِ قَبْلَ فَوْتِ الوَقْتِ، فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ، وقِيلَ: (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أرَأيْتُمْ) وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا خَطَأهُ، والشَّرْطِيَّةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الِاسْتِخْبارِ.
وَقِيلَ: الجَوابُ قَوْلُهُ تَعالى: "أثُمَّ إذا ما وقَعَ" ... إلَخْ، والِاسْتِفْهامِيَّةُ الأُولى اعْتِراضٌ، والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، ثُمَّ جِيءَ بِكَلِمَةِ التَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، ثُمَّ زِيدَ أداةُ الشَّرْطِ دَلالَةً عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالِاسْتِبْعادِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ كالتَّمْهِيدِ لَهُ، وجِيءَ بِـ(إذا) مُؤَكَّدًا بِـ(ما) تَرْشِيحًا لِمَعْنى الوُقُوعِ وزِيادَةً لِلتَّجْهِيلِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا بَعْدَ أنْ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الإيمانُ البَتَّةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المُلَقَّنِ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما سَبَقَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ إنْكارًا لِلتَّأْخِيرِ وتَوْبِيخًا عَلَيْهِ بِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ سَبْقِ الإنْذارِ بِهِ، ولا لِلتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ في شَأْنِهِ ولا لِشَيْءٍ آخَرَ - مِمّا عَسى يُعَدُّ عُذْرًا في التَّأْخِيرِ - بَلْ كانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِعْجالِ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، وقُرِئَ (آلّانَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً جُمْلَةٌ وقَعَتْ حالًا مِن فاعِلِ (آمَنتُمْ) المُقَدَّرِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وزِيادَةِ التَّنْدِيمِ والتَّحْسِيرِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ دُونَ القَصْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
10:52Страница 214
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٥٢
Потом будет сказано тем, кто поступал несправедливо: «Вкусите вечные мучения! Разве вам не воздается только за то, что вы совершали?».
﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ ... إلَخْ، تَأْكِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ بِوَعِيدِ العَذابِ والعِقابِ، وهو عَطْفٌ عَلى ما قُدِّرَ قَبْلَ "آلْآنَ" ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: وضَعُوا الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ مَوْضِعَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ والهَلاكِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ المُؤْلِمَ عَلى الدَّوامِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ اليَوْمَ ﴿إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ مِنَ (p-154)الِاسْتِعْجالِ.
10:53Страница 214
۞ وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٥٣
Они спрашивают тебя: «Неужели это правда?». Скажи: «Конечно, клянусь моим Господом! Воистину, это - подлинная правда, и вам не избежать этого».
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ أيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، فَيَقُولُونَ: عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ أوِ الإنْكارِ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ أحَقٌّ خَبَرٌ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَإ الَّذِي هو الضَّمِيرُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أوْ مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ النَّصْبِ بِـ(يَسْتَنْبِئُونَكَ) وقُرِئَ (أحَقَّ هُوَ) تَعْرِيضًا بِأنَّهُ باطِلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أهُوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ أهُوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ.
قُلْ لَهم غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى اسْتِهْزائِهِمْ مُغْضِيًا عَمّا قَصَدُوا، وبانِيًا لِلْأمْرِ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ ﴿إي ورَبِّي﴾ "إي" مِن حُرُوفِ الإيجابِ بِمَعْنى (نَعَمْ) في القَسَمِ خاصَّةً، كَما أنَّ "هَلْ" بِمَعْنى قَدْ في الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً، ولِذَلِكَ يُوصَلُ بِواوِهِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ: العَذابُ المَوْعُودُ ﴿لَحَقٌّ﴾ لَثابِتٌ البَتَّةَ، أُكِّدَ الجَوابُ بِأتَمِّ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ حَسَبَ شِدَّةِ إنْكارِهِمْ وقُوَّتِهِ، وقَدْ زِيدَ تَقْرِيرًا وتَحْقِيقًا بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ، وهو لاحِقٌ بِكم لا مَحالَةَ، وهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ الخَلاصِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيرِ المَذْكُورِ.
10:54Страница 215
وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٥٤
Если бы несправедливый человек владел всеми богатствами земными, то он отдал бы их в качестве выкупа. Они скроют раскаяние, когда увидят мучения. Между ними рассудят беспристрастно, и с ними не поступят несправедливо.
﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بِالشَّرَكِ، أوِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أصْنافِ الظُّلْمِ - ولَوْ مَرَّةً حَسْبَما يُفِيدُهُ كَوْنُ الصِّفَةِ فِعْلًا - ﴿ما في الأرْضِ﴾ أيْ: ما في الدُّنْيا مِن خَزائِنِها وأمْوالِها ومَنافِعِها قاطِبَةً بِما كَثُرَتْ ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ: لَجَعَلَتْهُ فَدِيَةً لَها مِنَ العَذابِ، مِنِ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ ﴿وَأسَرُّوا﴾ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ تَحَقُّقِ العُمُومِ في صُورَةِ الإفْرادِ - أيْضًا - لِإفادَةِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ بِكَوْنِ الإسْرارِ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ والِاجْتِماعِ، وإنَّما لَمْ يُراعَ ذَلِكَ فِيما سَبَقَ لِتَحْقِيقِ ما يُتَوَخّى مِن فَرْضِ كَوْنِ جَمِيعِ ما في الأرْضِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النُّفُوسِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ المُذَكَّرِ لِحَمْلِ لَفْظِ النَّفْسِ عَلى الشَّخْصِ، أوْ لِتَغْلِيبِ ذُكُورِ مَدْلُولِهِ عَلى إناثِهِ ﴿النَّدامَةَ﴾ عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ، أيْ: أخْفَوْها ولَمْ يُظْهِرُوها، لَكِنْ لا لِلِاصْطِبارِ والتَّجَلُّدِ هَيْهاتَ ولاتَ حِينَ اصْطِبارٍ، بَلْ لِأنَّهم بُهِتُوا ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ مِن فَظاعَةِ الحالِ وشِدَّةِ الأهْوالِ ما لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ، فَـ"لَمّا" بِمَعْنى: حِينَ، مَنصُوبٌ بِـ(أسَرُّوا)، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: أسَرَّها رُؤَساؤُهم مِمَّنْ أضَلُّوهم حَياءً مِنهُمْ، وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ، ولَكِنَّ الأمْرَ أشَدُّ مِن أنْ يَعْتَرِيَهم هُناكَ شَيْءٌ غَيْرُ خَوْفِ العَذابِ، وقِيلَ: أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها؛ لِأنَّ إسْرارَها إخْلاصُها، أوْ لِأنَّ سِرَّ الشَّيْءِ خالِصَتُهُ حَيْثُ تُخْفي ويُضَنُّ بِها فَفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وقِيلَ: أظْهَرُوا النَّدامَةَ مِن قَوْلِهِمْ: أسَرَّ الشَّيْءَ وأشَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ حِينَ عِيلَ صَبْرُهُ وفي تَجَلُّدِهِ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: أُوقِعَ القَضاءُ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِن أصْنافِ أهْلِ الظُّلْمِ بِأنْ أُظْهِرَ الحَقُّ، سَواءٌ كانَ مِن حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أوْ مِن حُقُوقِ العِبادِ مِنَ الباطِلِ، وعُومِلَ أهْلُ كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ، وتَخْصِيصُ الظُّلْمِ بِالتَّعَدِّي وحَمْلُ القَضاءِ عَلى مُجَرَّدِ الحُكُومَةِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ مِن غَيْرِ أنْ يُتَعَرَّضَ لِحالِ المُشْرِكِينَ - وهم أظْلَمُ الظّالِمِينَ - لا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ فَإنَّ مُقْتَضاهُ (p-155)إمّا كَوْنُ الظُّلْمِ عِبارَةً عَنِ الشِّرْكِ، أوْ عَمّا يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿وَهُمْ﴾ أيِ: الظّالِمُونَ ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ فِيما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، بَلْ هو مِن مُقْتَضَياتِ ظُلْمِهِمْ ولَوازِمِهِ الضَّرُورِيَّةِ.
10:55Страница 215
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٥
Несомненно, Аллаху принадлежит то, что на небесах и на земле. Несомненно, обещание Аллаха является истиной, но большинство их не знает этого.
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما وُجِدَ فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما أوْ خارِجًا عَنْهُما مُتَمَكِّنًا فِيهِما، وكَلِمَةُ "ما" لِتَغْلِيبِ غَيْرِ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ، فَهو تَقْرِيرٌ لِكَمالِ قدرته سُبْحانَهُ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وبَيانٌ لِانْدِراجِ الكُلِّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ إيجادًا وإعْدامًا، وإثابَةً وعِقابًا ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الوَعْدِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وهو إمّا بِمَعْنى المَوْعُودِ، أيْ: جَمِيعِ ما وُعِدَ بِهِ كائِنًا ما كانَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ - وما ذُكِرَ في أثْناءِ بَيانِ حالِهِ - انْدِراجًا أوَّلِيًّا، أوْ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، أيْ: وعْدَهُ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: " أحَقّ " عَلى الأوَّلِ: ثابِتٌ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وعَلى الثّانِي: مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ لِلتَّسْجِيلِ عَلى مَضْمُونِهِما المُقَرِّرِ لِمَضْمُونِ ما سَلَفَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى وُجُوبِ اسْتِحْضارِهِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ، واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ، والفَهْمِ بِالأحْوالِ المَحْسُوسَةِ المُعْتادَةِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ.
10:56Страница 215
هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٥٦
Он оживляет и умерщвляет, и к Нему вы будете возвращены.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخِرَةِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
10:57Страница 215
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧
О люди! К вам от вашего Господа явилось увещевание, исцеление для того, что в груди, верное руководство и милость для верующих.
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ التِفاتٌ ورُجُوعٌ إلى اسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ، واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِهِ واتِّباعِهِ، غِبَّ تَحْذِيرِهِمْ مِن غَوائِلِ الضَّلالِ بِما تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِمَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ﴾ هي والوَعْظُ والعِظَةُ التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ، سَواءٌ كانَ بِالزَّجْرِ والتَّرْهِيبِ أوْ بِالِاسْتِمالَةِ والتَّرْغِيبِ، وكَلِمَةُ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(جاءَتْكُمْ) أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(مَوْعِظَةٌ) أيْ: مَوْعِظَةٌ كائِنَةٌ مِن مَواعِظِ رَبِّكُمْ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مِن حُسْنِ المَوْقِعِ ما لا يَخْفى.
﴿وَشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ والمَنافِعِ، فَإنَّهُ كاشِفٌ عَنْ أحْوالِ الأعْمالِ حَسَناتِها وسَيِّئاتِها، مُرَغِّبٌ في الأُولى ورادِعٌ عَنِ الأُخْرى، ومُبَيِّنٌ لِلْمَعارِفِ الحَقَّةِ الَّتِي هي شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ مَنِ الأدْواءِ القَلْبِيَّةِ، كالجَهْلِ، والشَّكِّ، والشِّرْكِ، والنِّفاقِ، وغَيْرِها مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، وهادٍ إلى طَرِيقِ الحَقِّ واليَقِينِ بِالإرْشادِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، وفي مَجِيئِهِ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ نَجَوْا بِهِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ، وتَخَلَّصُوا مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، وارْتَقَوْا إلى دَرَجاتِ الجِنانِ، والتَّنْكِيرُ في الكُلِّ لِلتَّفْخِيمِ.(p-156)
10:58Страница 215
قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨
Скажи: «Это - милость и милосердие Аллаха». Пусть они возрадуются этому, ибо это лучше того, что они накапливают.
"قُلْ" تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَغْتَنِمُوا ما في القرآن العَظِيمِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِما: إمّا ما في مَجِيءِ القرآن مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، وإمّا الجِنْسُ، وهُما داخِلانِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وأصْلُ الكَلامِ: لِيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، وتَكْرِيرُ الباءِ في رَحْمَتِهِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها في اسْتِيجابِ الفَرَحِ، ثُمَّ قُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الفاءُ لِإفادَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، فَصارَ: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ قِيلَ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ثُمَّ حُذِفَ الفِعْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفاءُ الأُولى جَزائِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى السَّبَبِيَّةِ، والأصْلُ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا لا بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ أُدْخِلَ الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى السَّبَبِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ، ومَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ دَرَجَةِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ: فَلْيَعْتَنُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِجاءَتْكُمْ، أيْ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ - أيْ: فَبِمَجِيئِها - فَلْيَفْرَحُوا، وقُرِئَ (فَلْتَفْرَحُوا)، وقَرَأ أُبَيٌّ: (فافْرَحُوا) وعَنِ ابْنِ كَعْبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ،» وقِيلَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ هو أيْ: ما ذُكِرَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا، وقُرِئَ (تَجْمَعُونَ) أيْ: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ هو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ.
10:59Страница 215
قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩
Скажи: «Что вы думаете об уделе, который ниспослал вам Аллах, часть которого вы объявили запретной, а часть - дозволенной». Скажи: «Аллах позволил вам это или же вы возводите навет на Аллаха?».
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ ما مَنصُوبَةُ المَحَلِّ بِما بَعْدَها، أوْ بِما قَبْلَها، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرِّزْقِ ما حَلَّ لَهُمْ، وجَعْلُهُ مُنَزَّلًا لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ في السَّماءِ، مُحَصَّلٌ هو أوْ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودًا أوْ بَقاءً بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَطَرِ والكَواكِبِ في الإنْضاجِ والتَّلْوِينِ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ﴾ أيْ: جَعَلْتُمْ بَعْضَهُ ﴿حَرامًا﴾ أيْ: حَكَمْتُمْ بِأنَّهُ حَرامٌ ﴿وَحَلالا﴾ أيْ: وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، أيْ: حَكَمْتُمْ بِحِلِّهِ مَعَ كَوْنِ كُلِّهِ حَلالًا وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ ... الآيَةَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الحَرامِ لِظُهُورِ أثَرِ الجَعْلِ فِيهِ ودَوَرانِ التَّوْبِيخِ عَلَيْهِ.
﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالِاسْتِخْبارِ، أيْ: أخْبِرُونِي ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في ذَلِكَ الجَعْلِ فَأنْتُمْ فِيهِ مُمْتَثِلُونَ بِأمْرِهِ تَعالى ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ "أمْ" مُتَّصِلَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّبْكِيتِ لِتَحَقُّقِ العِلْمِ بِالشِّقِّ الأخِيرِ قَطْعًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أمْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم بَلْ تَفْتَرُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَأُظْهِرَ الِاسْمُ الجَلِيلُ، وقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ دِلالَةً عَلى كَمالِ قُبْحِ افْتِرائِهِمْ، وتَأْكِيدًا لِلتَّبْكِيتِ إثْرَ تَأْكِيدٍ مَعَ مَراعاةِ الفَواصِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، و"أمْ" مُنْقَطِعَةً، ومَعْنى بَلْ فِيها الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِنَ التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ بِإنْكارِ الإذْنِ إلى ما تُفِيدُهُ هَمْزَتُها مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانِهِ وتَقْرِيرِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْقَصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أعَلى اللَّهِ تَعالى خاصَّةً تَفْتَرُونَ؟!(p-157)
10:60Страница 215
وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٦٠
Что думают о Дне воскресения те, которые возводят навет на Аллаха? Воистину, Аллах милостив к людям, но большинство их неблагодарно.
﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِبَيانِ هَوْلِ ما سَيَلْقَوْنَهُ، غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِقَطْعِ احْتِمالِ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ التَّرْدِيدِ، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالِافْتِراءِ، وزِيادَةُ الكَذِبِ - مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا - لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما افْتَعَلُوا وكَوْنِهِ كَذِبًا في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا، وكَلِمَةُ "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ وقَعَتْ مُبْتَدَأً، وظَنَّ خَبَرُها، ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ الظَّنِّ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمِ عَرْضِ الأفْعالِ والأقْوالِ والمُجازاةِ عَلَيْها مِثْقالًا بِمِثْقالٍ، والمُرادُ: تَهْوِيلُهُ وتَفْظِيعُهُ بِهَوْلِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِمّا يُصْنَعُ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ظَنُّهُمُ اليَوْمَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ تَنْزِيلًا لَهُ - ولِما فِيهِ مِنَ الأحْوالِ لِكَمالِ وُضُوحِ أمْرِهِ في التَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ - مَنزِلَةَ المُسَلَّمِ عِنْدَهُمْ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم لِما سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيَحْسَبُونَ أنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ افْتِرائِهِمْ، أوْ لا يُجازَوْنَ عَلَيْهِ، أوْ يُجازَوْنَ جَزاءً يَسِيرًا ولِأجْلِ ذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ؟ كَلّا إنَّهم لَفي أشَدِّ العَذابِ؛ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم أشَدُّ المَعاصِي، ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وقُرِئَ عَلى لَفْظِ الماضِي، أيْ: ظَنُّوا يَوْمَ القِيامَةِ، وإيرادُ صِيغَةِ الماضِي؛ لِأنَّهُ كائِنٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ، لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ: جَمِيعًا، حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ المُمَيِّزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَسَنِ والقَبِيحِ، ورَحِمَهم بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وبَيَّنَ لَهُمُ الأسْرارَ الَّتِي لا تَسْتَقِلُّ العُقُولُ في إدْراكِها، وأرْشَدَهم إلى ما يُهِمُّهم مِن أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ فَلا يَصْرِفُونَ قُواهم ومَشاعِرَهم إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، ولا يَتَّبِعُونَ دَلِيلَ العَقْلِ فِيما يَسْتَبِدُّ بِهِ، ولا دَلِيلَ الشَّرْعِ فِيما لا يُدْرَكُ إلّا بِهِ، وقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ ما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ فَيَقَعُونَ فِيما يَقَعُونَ، فَهو تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии