Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Худ 11:26–36
11:26Страница 224
أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦
Не поклоняйтесь никому, кроме Аллаха, ибо я боюсь, что вас подвергнут страданиям в Мучительный день».
(p-200)﴿أنْ لا تَعْبُدُواْ إلا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أرْسَلْنا) و"لا" ناهِيَةٌ، أيْ: أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِنَهْيِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ إلّا أنَّهُ وُسِّطَ بَيْنَهُما بَيانُ بَعْضِ أوْصافِهِ وأحْوالِهِ ﷺ وهو كَوْنُهُ نَذِيرًا مُبِينًا؛ لِيَكُونَ أدْخَلَ في القَبُولِ، ولَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ في صَدْرِ السُّورَةِ؛ لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الكِتابِ ومَضْمُونِهِ بِما لَيْسَ مِن أوْصافِهِ وأحْوالِهِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، أوْ بِـ(نَذِيرٌ)، أوْ مَفْعُولٌ لِـ(مُبِينٌ)، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ بَدَلٌ مِن (إنّى لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ)، وتَعْيِينٌ لِما يُوجِبُ وُقُوعَ المَحْذُورِ، وتَبْيِينٌ لِوَجْهِ الخَلاصِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ، وتَصْرِيحٌ بِالمَحْذُورِ، وتَحْقِيقٌ لِلْإنْذارِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ الطُّوفانِ، ووَصْفُهُ بِالألِيمِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، كَما في (نَهارُهُ صائِمٌ) وهَذِهِ المَقالَةُ وما في مَعْناها مِمّا قالَهُ ﷺ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ - عَلى ما عُزِيَ إلَيْهِ في سائِرِ السُّوَرِ - لَمّا لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ ﷺ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ كانَ يُكَرِّرُها عَلَيْهِمْ في تِلْكَ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ - عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ الآياتِ - عُطِفَ عَلى فِعْلِ الإرْسالِ المُقارِنِ لَها، أوِ القَوْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَهُ جَوابُهُمُ المُتَعَرِّضُ لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﷺ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ، فَقِيلَ:
11:27Страница 224
فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧
Знатные люди его народа, которые не уверовали, сказали: «Мы видим, что ты - такой же человек, как и мы. Мы также видим, что за тобой пошли только самые ничтожные из нас, но даже они последовали за тобой, не поразмыслив. Мы не видим, чтобы вы чем-либо превосходили нас. Напротив, мы считаем вас лжецами».
﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ: الأشْرافُ مِنهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيءٌ بِكَذا، أيْ: مُطِيقٌ لَهُ؛ لِأنَّهم مُلِئُوا بِكِفاياتِ الأُمُورِ، أوْ لِأنَّهم مَلَئُوا القُلُوبَ هَيْبَةً والمَجالِسَ أُبَّهَةً، أوْ لِأنَّهم مُلِئُوا بِالأحْلامِ والآراءِ الصّائِبَةِ، ووَصْفُهم بِالكُفْرِ لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، لا لِأنَّ بَعْضَ أشْرافِهِمْ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ.
﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ مُرادُهم ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلَنا، لَيْسَ فِيكَ مَزِيَّةٌ تَخُصُّكَ مِن دُونِنا بِما تَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَرَأيْناهُ لا أنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ولَكِنْ لا نَراهُ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ فالفِعْلانِ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ، إمّا عَلى حالِهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ قَدْ عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهو الظّاهِرُ، فَهُما المَفْعُولُ الثّانِي، وتَعَلُّقُ الرَّأْيِ في الأوَّلِ بِالمِثْلِيَّةِ لا بِالبَشَرِيَّةِ فَقَطْ.
وَإنَّما لَمْ يَبُتُّوا القَوْلَ بِذَلِكَ مَعَ جَزْمِهِمْ بِهِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ إراءَةً بِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم جُزافًا، بَلْ بَعْدَ التَّأمُّلِ في الأمْرِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ فِيما سَيَأْتِي وتَعْرِيضًا - مِن أوَّلِ الأمْرِ - بِرَأْيِ المُتَبَيِّنِ فَكَأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ (وَما نَراكَ)﴾ جَوابٌ عَمّا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَيْلُهُ وسَلَّمَ لَيْسَ مِثْلَهُمْ، حَيْثُ عايَنَ دَلائِلَ نُبُوَّتِهِ واغْتَنَمَ اتِّباعُهُ مَن لَهُ عَيْنٌ تُبْصِرُ وقَلْبٌ يُدْرِكُ، فَزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ أراذِلُنا، أيْ: أخِسّاؤُنا وأدانِينا جَمْعُ أرْذَلٍ، فَإنَّهُ صارَ بِالغَلَبَةِ جارِيًا مَجْرى الِاسْمِ كالأكْبَرِ والأكابِرِ، أوْ جَمْعُ أرْذُلٍ جَمْعِ رَذْلٍ كَأكالِبٍ، وأكْلُبٍ، وكَلْبٍ، يَعْنُونَ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِاتِّباعِهِمْ لَكَ إذْ لَيْسَ لَهم رَزانَةُ عَقْلٍ، ولا أصالَةُ رَأْيٍ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ مِنهم في بادِي الرَّأْيِ أيْ: ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ مِنَ (البَدْوِ) أوْ في أوَّلِهِ مِنَ البَدْءِ، والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَدْ (p-201)قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِها، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: وقْتَ حُدُوثِ بادِي الرَّأْيِ، والعامِلُ فِيهِ (اتَّبَعَكَ) وإنَّما اسْتَرْذَلُوهم مَعَ كَوْنِهِمْ أُولِي الألباب الرّاجِحَةِ لِفَقْرِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ الأشْرَفُ عِنْدَهُمُ الأكْثَرَ مِنها حَظًّا والأرْذَلُ مَن حُرِمَها، ولَمْ يَفْقَهُوا أنَّ ذَلِكَ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ النَّعِيمَ إنَّما هو نَعِيمُ الآخِرَةِ، والأشْرَفَ مَن فازَ بِهِ والأرْذَلَ مِن حُرِمَهُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ.
﴿وَما نَرى لَكُمْ﴾ أيْ: لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ، فَغُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِينَ ﴿عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ يَعْنُونَ أنَّ اتِّباعَهم لَكَ لا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِكَ ولا يُجِدِيهِمْ فَضِيلَةً تَسْتَتْبِعُ اتِّباعَنا لَكُمْ، واقْتِصارُهم هَهُنا عَلى ذِكْرِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الفَضْلِ - بَعْدَ تَصْرِيحِهِمْ بِرَذالَتِهِمْ فِيما سَبَقَ - بِاعْتِبارِ حالِهِمُ السّابِقِ واللّاحِقِ، ومُرادُهم أنَّهم كانُوا أراذِلَ قَبْلَ اتِّباعِهِمْ لَكَ، ولا نَرى فِيهِمْ وفِيكَ بَعْدَ الِاتِّباعِ فَضِيلَةً عَلَيْنا ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ جَمِيعًا لِكَوْنِ كَلامِكم واحِدًا ودَعْواكم واحِدَةً، أوْ إيّاكَ في دَعْوى النُّبُوَّةِ وإيّاهم في تَصْدِيقِكَ، واقْتِصارُهم عَلى الظَّنِّ احْتِرازٌ مِنهم عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى المُجازَفَةِ، ومُجاراةٌ مَعَهُ ﷺ بِطَرِيقِ الإراءَةِ عَلى نَهْجِ الإنْصافِ.
11:28Страница 224
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨
Он сказал: «О мой народ! А что, если я опираюсь на доказательство от моего Господа, и Он даровал мне милость от Себя (пророчество и послание), которая недоступна вашим взорам? Неужели вы полагаете, что тогда мы стали бы принуждать вас к ней (к этой милости), несмотря на то, что вам она ненавистна?
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي، وفِيهِ إيماءٌ إلى رَكاكَةِ رَأْيِهِمُ المَذْكُورِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ بُرْهانٍ ظاهِرٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ وشاهِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دَعْوايَ ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ هي النُّبُوَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي البَيِّنَةَ نَفْسَها جِيءَ بِها إيذانًا بِأنَّها مَعَ كَوْنِها بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن عِنْدِهِ، فَوَجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها النُّبُوَّةُ وبِالبَيِّنَةِ البُرْهانُ الدّالُّ عَلى صِحَّتِها، فالإفْرادُ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، أوْ لِكَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْبَيِّنَةِ والِاكْتِفاءِ بِذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ خَفائِها خَفاءَ النُّبُوَّةِ، أوْ لِتَقْدِيرِ فِعْلٍ آخَرَ بَعْدَ البَيِّنَةِ، ومَعْنى: عُمِّيَتْ أُخْفِيَتْ، وقُرِئَ (عَمِيَتْ) ومَعْناهُ: خَفِيَتْ، وحَقِيقَتُهُ أنَّ الحُجَّةَ كَما تُجْعَلُ مُبْصِرَةً وبَصِيرَةً تُجْعَلُ عَمْياءَ؛ لِأنَّ الأعْمى لا يَهْتَدِي ولا يَهْدِي غَيْرَهُ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: (فَعَمّاها عَلَيْكُمْ) عَلى الإسْنادِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ:
﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أيْ: أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها، وهو جَوابُ (أرَأيْتُمْ) وسادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإخْفاءِ حَرَكَةِ المِيمِ، وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ مَنصُوبانِ - وقَدْ قُدِّمَ أعْرَفُهُما - جازَ في الثّانِي الوَصْلُ والفَصْلُ، فَوُصِلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، ومَحْصُولُ الجَوابِ: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ، إلّا أنَّها خافِيَةٌ عَلَيْكُمْ، مُسَلَّمَةٌ عِنْدَكُمْ، أيُمْكِنُنا أنْ نُكْرِهَكم عَلى قَبُولِها وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ فِيها، أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ، وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِصُدُورِهِ عَنْهُ ﷺ بِطَرِيقِ إظْهارِ اليَأْسِ عَنْ إلْزامِهِمْ والقُعُودِ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ ... إلَخْ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مُرادَهُ ﷺ رَدُّهم عَنِ الإعْراضِ عَنْها، وحَثُّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيها بِصَرْفِ الإنْكارِ إلى الإلْزامِ حالَ كَراهَتِهِمْ لَها لا إلى الإلْزامِ مُطْلَقًا.
هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ دَلِيلَ العَقْلِ الَّذِي هو مَلاكُ الفَضْلِ، وبِحَسَبِهِ يَمْتازُ أفْرادُ البَشَرِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وبِهِ يُناطُ الكَرامَةُ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والِاجْتِباءُ لِلرِّسالَةِ، وبِالكَوْنِ عَلَيْها التَّمَسُّكُ بِهِ والثَّباتُ (p-202)عَلَيْهِ، وبِخَفائِها عَلى الكَفَرَةِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْبَيِّنَةِ عَدَمُ إدْراكِهِمْ لِكَوْنِهِ ﷺ عَلَيْها، وبِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ الَّتِي أنْكَرُوا اخْتِصاصَهُ ﷺ بِها بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، والمَعْنى أنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ عَهْدَ النُّبُوَّةِ لا يَنالُهُ إلّا مِن لَهُ فَضِيلَةٌ عَلى سائِرِ النّاسِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ دُونَهُمْ، أخْبِرُونِي إنِ امْتَزْتُ عَنْكم بِزِيادَةِ مَزِيَّةٍ وحِيازَةِ فَضِيلَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي بِحَسَبِها نُبُوَّةً مِن عِنْدِهِ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم تِلْكَ البَيِّنَةُ، ولَمْ تُصِيبُوها، ولَمْ تَنالُوها، ولَمْ تَعْلَمُوا حِيازَتِي لَها وكَوْنِي عَلَيْها إلى الآنِ، حَتّى زَعَمْتُمْ أنِّي مِثْلُكُمْ، وهي مُتَحَقِّقَةٌ في نَفْسِها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَها، والحالُ أنَّكم كارِهُونَ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْحَمْلِ عَلى الإقْرارِ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُحاجَّةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ كَلامُهُ ﷺ جَوابًا عَنْ شُبَهِهِمُ الَّتِي أدْرَجُوها في خِلالِ مَقالِهِمْ مِن كَوْنِهِ - ﷺ – بَشَرًا، قُصارى أمْرِهِ أنْ يَكُونَ مِثْلَهم مِن غَيْرِ فَضْلٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وقَطْعًا لِشَأْفَةِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ.
11:29Страница 225
وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩
О мой народ! Я не прошу у вас за это богатства, ибо вознаградит меня один лишь Аллах. Я не стану прогонять тех, которые уверовали, ибо они собираются встретиться со своим Господом. А вас я считаю людьми невежественными.
﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى ما قُلْتُهُ في أثْناءِ دَعْوَتِكم ﴿مالا﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ بَعْدِ إيمانِكم واتِّباعِكم لِي فَيَكُونَ ذَلِكَ أجْرًا لِي في مُقابَلَةِ اهْتِدائِكم ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ الَّذِي يُثِيبُنِي في الآخِرَةِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ حِينَ نُسِبَ إلَيْهِمْ بِالمالِ ما لا يَخْفي مِنَ المَزِيَّةِ ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابٌ عَمّا لَوَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن أنَّهُ لَوِ اتَّبَعَهُ الأشْرافُ لَوافَقُوهُمْ، وأنَّ اتِّباعَ الفُقَراءِ مانِعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، كَما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ (أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ)﴾ فَكانَ ذَلِكَ التِماسًا مِنهم لِطَرْدِهِمْ وتَعْلِيقًا لِإيمانِهِمْ بِهِ - ﷺ – بِذَلِكَ؛ أنَفَةً مِنَ الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ.
﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ ﷺ عَنْ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم فائِزُونَ في الآخِرَةِ بِلِقاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أطْرُدُهم ولا أُبْعِدُهم عَنْ مَجْلِسِي؛ لِأنَّهم مُقَرَّبُونَ في حَضْرَةِ القُدْسِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِتَرْبِيَةِ وُجُوبِ رِعايَتِهِمْ، وتَحَتُّمِ الِامْتِناعِ عَنْ طَرْدِهِمْ، أوْ مُصَدِّقُونَ في الدُّنْيا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ، عالِمُونَ أنَّهم مَلاقُوهُ لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ أطْرُدُهُمْ؟ وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ - كَما ظَهَرَ لِي - أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِي الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ وتَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ سِرَّ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ يَأْباهُ الجَزْمُ بِتَرَتُّبِ غَضَبِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى طَرْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي.
وَأيْضًا، فَهم إنَّما قالُوا: إنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو بِحَسَبِ بادِي الرَّأْيِ بِلا تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ، وهَذا لا يَكادُ يَصْلُحُ مَدارًا لِلطَّرْدِ في الدُّنْيا ولا لِلْمُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ، غايَتُهُ أنْ لا يَكُونُوا في مَرْتَبَةِ المُوقِنِينَ، وادِّعاءُ أنَّ بِناءَ الإيمانِ عَلى ظاهِرِ الرَّأْيِ يُؤَدِّي إلى الرُّجُوعِ عَنْهُ عِنْدَ التَّأمُّلِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ بِلا تَأمُّلٍ فَلا يَثْبُتُونَ عَلى دِينِكَ، بَلْ يَرْتَدُّونَ عَنْهُ - تَعَسُّفٌ لا يَخْفى.
﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ، ويَدْخُلُ فِيهِ جَهْلُهم بِلِقاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبِمَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ، وبِاسْتِيجابِ طَرْدِهِمْ لِغَضَبِ اللَّهِ - كَما سَيَأْتِي - وبِرَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في التِماسِ ذَلِكَ، وتَوْقِيفُ إيمانِهِمْ عَلَيْهِ أنَفَةً عَنِ الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ، وزَعْمًا مِنهم أنَّ الرَّذالَةَ بِالفَقْرِ، والشَّرَفَ بِالغِنى، وإيثارُ صِيغَةِ الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ (p-203)عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، أوْ تَتَسافَهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الخَساسَةِ.
11:30Страница 225
وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠
О мой народ! Кто защитит меня от Аллаха, если я прогоню их? Неужели вы не помяните назидание?
﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ﴾ يَدْفَعُ حُلُولَ سَخَطِهِ عَنِّي ﴿إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ لِكَوْنِ الطَّرْدِ ظُلْمًا مُوجِبًا لِحُلُولِ السَّخَطِ قَطْعًا، وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ إشْعارًا بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، لا سِيَّما غَبَّما قُدِّمَ ما يَلُوحُ بِهِ مِن أحْوالِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَدْفَعُ عَنِّي غَضَبَ اللَّهِ تَعالى إنْ طَرَدْتُهُمْ، وهم بِتِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الكَرامَةِ والزُّلْفى، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَسْتَمِرُّونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ المَذْكُورِ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ حَتّى تَعْرِفُوا أنَّ ما تَأْتُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ، ولِكَوْنِ هَذِهِ العِلَّةِ مُسْتَقْبَلَةً بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ الِامْتِناعِ عَنِ الطَّرْدِ أُفْرِدَتْ عَنِ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وصُدِّرَتْ بِـ"يا قَوْمِ" .
11:31Страница 225
وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١
Я не говорю вам, что владею сокровищницами Аллаха. Я не ведаю сокровенное. Я не говорю, что являюсь ангелом. Я также не говорю тем, которые презренны в ваших глазах, что Аллах не дарует им никакого добра. Аллаху лучше знать о том, что в их душах. В противном случае я был бы одним из беззаконников».
﴿وَلا أقُولُ لَكُمْ﴾ حِينَ أدَّعِي النُّبُوَّةَ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ: رِزْقُهُ وأمْوالُهُ حَتّى تَسْتَدِلُّوا بِعَدَمِها عَلى كَذِبِي بِقَوْلِكُمْ: "وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ" فَإنَّ النُّبُوَّةَ أعَزُّ مِن أنْ تُنالَ بِأسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، ودَعَواها بِمَعْزِلٍ عَنِ ادِّعاءِ المالِ والجاهِ ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ: لا أدَّعِي في قَوْلِي "إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ"، "إنّى أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ" عِلْمَ الغَيْبِ حَتّى تُسارِعُوا إلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تَقُولُوا: ﴿ (ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا)﴾ فَإنَّ البَشَرِيَّةَ لَيْسَتْ مِن مَوانِعِ النُّبُوَّةِ، بَلْ مِن مَبادِئِها، يَعْنِي أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ فُقْدانَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِي، والحالُ أنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولا الَّذِي أدَّعِيهِ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنها، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي بِها تَتَفاوَتُ مَقادِيرُ البَشَرِ ﴿وَلا أقُولُ﴾ مُساعَدَةً لَكم كَما تَقُولُونَ ﴿لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ أيْ: تَقْتَحِمُهم وتَحْتَقِرُهُمْ، مِن (زَراهُ إذا عابَهُ) وإسْنادُ الِازْدِراءِ إلى أعْيُنِهِمْ بِالنَّظَرِ إلى قَوْلِهِمْ "وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا" إمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ، ولَوْ تَدَبَّرُوا في شَأْنِهِمْ ما فَعَلُوا ذَلِكَ، أيْ: لا أقُولُ في شَأْنِ الَّذِينَ اسْتَرْذَلْتُمُوهم لِفَقْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَعَسى اللَّهُ أنَّ يُؤْتِيَهم خَيْرَيِ الدّارَيْنِ.
إنْ قُلْتَ: هَذا القَوْلُ لَيْسَ مِمّا تَسْتَنْكِرُهُ الكَفَرَةُ، ولا مِمّا يَتَوَهَّمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ ﷺ أصالَةً أوِ اسْتِتْباعًا كادِّعاءِ المَلَكِيَّةِ وعِلْمِ الغَيْبِ وحِيازَةِ الخَزائِنِ مِمّا نَفاهُ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّؤِ والتَّنَزُّهِ عَنْهُ - فَمِن أيِّ وجْهٍ عُطِفَ نَفْيُهُ عَلى نَفْيِها؟ قُلْتُ: مِن جِهَةِ أنَّ كِلا النَّفْيَيْنِ رَدٌّ لِقِياسِهِمُ الباطِلِ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ فِيما سَلَفَ، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ النُّبُوَّةَ تَسْتَتْبِعُ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ، وأنَّها لا تَتَسَنّى مِمَّنْ لَيْسَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ، فَإنَّ العُثُورَ عَلى مَكانِها واغْتِنامَ مَغانِهِما لَيْسَ مِن دَأْبِ الأراذِلِ، فَأجابَ ﷺ بِنَفْيِ ذَلِكَ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أقُولُ: وُجُودُ تِلْكَ الأشْياءِ مِن مَواجِبِ النُّبُوَّةِ ولا عَدَمُ المالِ والجاهِ مِن مَوانِعِ الخَيْرِ.
﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الإيمانِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى نَفْيِ القَوْلِ المَذْكُورِ مَعَ أنَّهُ ﷺ جازِمٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيُؤْتِيهِمْ خَيْرًا عَظِيمًا في الدّارَيْنِ، وأنَّهم عَلى يَقِينٍ راسِخٍ في الإيمانِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الإنْصافِ مَعَ القَوْمِ، واكْتِفاءً بِمُخالَفَةِ كَلامِهِمْ، وإرْشادًا (p-204)لَهم إلى مَسْلَكِ الهِدايَةِ بِأنَّ اللّائِقَ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَبُتَّ القَوْلَ إلّا فِيما يَعْلَمُهُ يَقِينًا، ويَبْنِي أُمُورَهُ عَلى الشَّواهِدِ الظّاهِرَةِ، ولا يُجازِفُ فِيما لَيْسَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ: إذا قُلْتُ ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ لَهم بِحَطِّ مَرْتَبَتِهِمْ ونَقْصِ حُقُوقِهِمْ، أوْ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، فَإنَّ وبالَهُ راجِعٌ إلى أنْفُسِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم ظالِمُونَ في ازْدِرائِهِمْ واسْتِرْذالِهِمْ، وقِيلَ: إذا قُلْتُ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ مِنِ ادِّعاءِ المَلَكِيَّةِ، وعِلْمِ الغَيْبِ، وحِيازَةِ الخَزائِنِ -وَهُوَ بَعِيدٌ - لِأنَّ تَبِعَةَ تِلْكَ الأقْوالِ مُغْنِيَةٌ عَنِ التَّعْلِيلِ بِلُزُومِ الِانْتِظامِ في زُمْرَةِ الظّالِمِينَ.
11:32Страница 225
قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢
Они сказали: «О Нух (Ной)! Ты пререкался с нами и пререкался долго. Так яви же нам то, чем ты угрожаешь нам, если ты - один из тех, кто говорит правду».
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ خاصَمَتْنا ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أيْ: أطَلْتَهُ، أوْ أتَيْتَهُ بِأنْواعِهِ، فَإنَّ إكْثارَ الجِدالِ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُقُوعِ أصْلِهِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، أوْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَأكْثَرْتَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ولَمّا حَجَّهم ﷺ وأبْرَزَ لَهم بَيِّناتٍ واضِحَةَ المَدْلُولِ وحُجَجًا تَتَلَقّاها العُقُولُ بِالقَبُولِ، وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ بِرَدِّ شُبَهِهِمُ الباطِلَةِ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وقالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: "إنّى أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ" عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِـ"اليَوْمَ": يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُ.
11:33Страница 225
قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣
Он сказал: «Воистину, это явит вам сам Аллах, если пожелает, и не в ваших силах предотвратить это.
﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَوْكُولًا إلَيَّ، ولا هو مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وإنَّما يَتَوَلّاهُ اللَّهُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ وعَصَيْتُمُوهُ يَأْتِيكم بِهِ عاجِلًا أوْ آجِلًا، إنْ تَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، وفِيهِ ما لا يَخْفي مِن تَهْوِيلِ المَوْعُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإتْيانُ بِهِ أمْرٌ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ القُوى البَشَرِيَّةِ، وإنَّما يَفْعَلُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِالهَرَبِ، أوْ بِالمُدافَعَةِ كَما تُدافِعُونَنِي في الكَلامِ.
11:34Страница 225
وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤
Мои наставления не принесут вам пользы, даже если я хочу дать вам добрый совет, если Аллах пожелал ввести вас в заблуждение. Он - ваш Господь, и к Нему вы будете возвращены».
﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ النُّصْحُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَدُورُ عَلَيْهِ الخَيْرُ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وحَقِيقَتُهُ إمْحاضُ إرادَةِ الخَيْرِ والدَّلالَةُ عَلَيْهِ، ونَقِيضُهُ الغِشُّ، وقِيلَ: هو إعْلامُ مَوْقِعِ الغَيِّ لِيُتَّقى ومَوْضِعِ الرُّشْدِ لِيُقْتَفي ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ دَلِيلٌ عَلى ما حُذِفَ مِن جَوابِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، هَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ مِن عَدَمِ تَقْدِيمِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ مِن جَوازِهِ فَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، والجُمْلَةُ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ الثّانِي، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجَزاءُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ الثّانِي، وهَذا الكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: "قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا" صَدَرَ عَنْهُ ﷺ إظْهارًا لِلْعَجْزِ عَنْ إلْزامِهِمْ بِالحُجَجِ والبَيِّناتِ لِتَمادِيهِمْ في العِنادِ، وإيذانًا بِأنَّ ما سَبَقَ مِنهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الجِدالِ والخِصامِ، بَلْ (p-205)بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ لَهم والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ وهِدايَتِهِمْ إلى سَبِيلِهِ المُسْتَبِينِ وإمْحاضِ النُّصْحِ لَهُمْ، ولَكِنْ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى لِإغْوائِهِمْ، وتَقْيِيدُ عَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ بِإرادَتِهِ - مَعَ أنَّهُ مُحَقَّقٌ لا مَحالَةَ - لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ النُّصْحَ مِنهُ مُقارِنٌ لِلْإرادَةِ والِاهْتِمامِ بِهِ، ولِتَحْقِيقِ المُقابَلَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ ما وقَعَ بِإزائِهِ مِن إرادَتِهِ تَعالى لِإغْوائِهِمْ، وإنَّما اقْتُصِرَ في ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ إرادَةِ الإغْواءِ دُونَ نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: إنْ كانَ اللَّهُ يُغْوِيكم - مُبالَغَةً في بَيانِ غَلَبَةِ جَنابِهِ عَزَّ وعَلا، حَيْثُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نُصْحَهُ المُقارِنَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لا يُجْدِيهِمْ عِنْدَ مُجَرَّدِ إرادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِإغْوائِهِمْ، فَكَيْفَ عِنْدَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وخَلْقِهِ فِيهِمْ، وزِيادَةُ (كانَ) لِلْإشْعارِ بِتَقَدُّمِ إرادَتِهِ تَعالى زَمانًا كَتَقَدُّمِها رُتْبَةً، ولِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِها واسْتِمْرارِها، وإنَّما قُدِّمَ عَلى هَذا الكَلامِ ما يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِمْ: "فَأْتِنا بِما تَعِدُنا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ" رَدًّا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِحُلُولِ العَذابِ مَعَ ما فِيهِ مِنِ اتِّصالِ الجَوابِ بِالسُّؤالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إرادَتَهُ تَعالى يَصِحُّ تَعَلُّقُها بِالإغْواءِ، وأنَّ خِلافَ مُرادِهِ غَيْرُ واقِعٍ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ (أنْ يُغْوِيَكُمْ)﴾ أنْ يُهْلِكَكم مِن غَوى الفَصِيلُ غَوًى إذا بَشِمَ وهَلَكَ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالِقُكم ومالِكُ أمْرِكم ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم لا مَحالَةَ.
11:35Страница 225
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥
Или же они говорят: «Он сочинил его». Скажи: «Если я сочинил его, то на мне лежит мой грех, но к вашим преступлениям я непричастен».
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَعْنِي نُوحًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – ومَعْناهُ: بَلْ أيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ: إنَّ نُوحًا افْتَرى ما جاءَ بِهِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قُلْ يا نُوحُ ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ بِالفَرْضِ البَحْتِ ﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ إثْمِي ووَبالُ إجْرامِي، وهو كَسْبُ الذَّنْبِ، وقُرِئَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، ويَنْصُرُهُ أنْ فَسَّرَهُ الأوَّلُونَ بِآثامِي ﴿وَأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، فَلا وجْهَ لِإعْراضِكم عَنِّي ومُعاداتِكم لِي، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ومَعْناهُ: بَلْ أيَقُولُ مُشْرِكُو مَكَّةَ: افْتَرى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ نُوحٍ، فَكَأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ عِنْدَ سَوْقِ طَرَفٍ مِنها تَحْقِيقًا لِحَقِّيَّتِها، وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِها، وتَشْوِيقًا لِلسّامِعِينَ إلى اسْتِماعِها، لا سِيَّما وقَدْ قُصَّ مِنها طائِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما جَرى بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المُحاجَّةِ، وبَقِيَتْ طائِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَذابِهِمْ.
11:36Страница 225
وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
Нуху (Ною) было внушено в откровении: «Верующими из твоего народа будут только те, которые уже уверовали. Посему не печалься от того, что они совершают.
﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ﴾ أيِ: المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وهو إقْناطٌ لَهُ ﷺ مِن إيمانِهِمْ، وإعْلامٌ لِكَوْنِهِ كالمُحالِ الَّذِي لا يَصِحُّ تَوَقُّعُهُ ﴿إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ إلّا مَن قَدْ وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يُتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ حُزْنَ بائِسٍ مُسْتَكِينٍ، ولا تَغْتَمَّ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ والإيذاءِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، فَقَدِ انْتَهى أفْعالُهم وحانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии