Абу-с-СуудЮсуф · 12:10–20

Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском

Юсуф 12:10–20

12:10Страница 236

قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠

Один из них сказал: «Не убивайте Йусуфа (Иосифа), а бросьте его на дно колодца, если вы решили действовать. Один из караванов вытащит его».

﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ هو يَهُوذا، وكانَ أحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا، وهو الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ ... إلَخْ، وقِيلَ: رُوبِيلُ، وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن سَألَ، وقالَ: أتَّفَقُوا عَلى ما عُرِضَ عَلَيْهِمْ مِن خَصْلَتَيِ الضَّيْعِ أمْ خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ؟ فَقِيلَ: قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أظْهَرُهُ في مَقامِ الإضْمارِ اسْتِجْلابًا لِشَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ، أوِ اسْتِعْظامًا لِقَتْلِهِ وهو هُوَ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُمُ: القَتْلُ عَظِيمٌ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الخَصْلَةِ الأُخْرى، وأحالَهُ عَلى أوْلَوِيَّةِ ما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ أيْ: في قَعْرِهِ وغَوْرِهِ، سُمِّيَ بِها لِغَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، والجُبِّ البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ بَعْدُ؛ لِأنَّها أرْضٌ جُبَّتْ جَبًّا مِن غَيْرِ أنْ يُزادَ عَلى ذَلِكَ شَيْءٌ، وقَرَأ نافِعٌ: (فِي غَياباتِ الجُبِّ) في المَوْضِعَيْنِ كَأنَّ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٍ، أوْ أرادَ بِالجُبِّ الجِنْسَ، أيْ: في بَعْضِ غَياباتِ الجُبِّ، وقُرِئَ (غَياباتِ) و(غَيْبَةِ).

﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يَأْخُذْهُ عَلى وجْهِ الصِّيانَةِ عَنِ الضَّياعِ والتَّلَفِ، فَإنَّ الِالتِقاطَ أخْذُ شَيْءٍ مُشْرِفٍ عَلى الضَّياعِ ﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ أيْ: بَعْضُ طائِفَةٍ تَسِيرُ في الأرْضِ، واللّامُ في السَّيّارَةِ كَما في الجُبِّ، وما فِيهِما وفي (بَعْضٍ) مِنَ الإبْهامِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن تَرْوِيجِ كَلامِهِ بِمُوافَقَتِهِ لِغَرَضِهِمُ الَّذِي هو تَنائِي يُوسُفَ عَنْهم بِحَيْثُ لا يُدْرى أثَرُهُ ولا يُرْوى خَبَرُهُ، وقُرِئَ (تَلْتَقِطْهُ) عَلى التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ سَيّارَةٌ كَقَوْلِهِ:

؎ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ

وَمِنهُ: قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ بِمَشُورَتِي، لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ عَلَيْهِمْ، بَلْ إنَّما عَرَضَ (p-257)عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لِقَلْبِهِمْ، وتَوْجِيهًا لَهم إلى رَأْيِهِ، وحَذَرًا مِن نِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى التَّحَكُّمِ والِافْتِياتِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ما أزْمَعْتُمْ عَلَيْهِ مِن إزالَتِهِ مِن عِنْدِ أبِيهِ لا مَحالَةَ، ولَمّا كانَ هَذا مَظِنَّةً لِسُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَما فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ قَبِلُوا ذَلِكَ مِنهُ أوْ لا؟ أُجِيبَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ عَلى وجْهٍ أُدْرِجَ في تَضاعِيفِهِ قَبُولُهم لِلَّهِ بِما سَيَجِيءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ فَقِيلَ:

12:11Страница 236

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١

Они сказали: «О отец наш! Почему ты не доверяешь нам Йусуфа (Иосифа)? Воистину, мы желаем ему добра.

﴿قالُوا يا أبانا﴾ خاطَبُوهُ بِذَلِكَ؛ تَحْرِيكًا لِسِلْسِلَةِ النَّسَبِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، وتَذْكِيرًا لِرابِطَةِ الأُخُوَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِيَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ إلى اسْتِنْزالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لَمّا أحَسَّ مِنهم بِأماراتِ الحَسَدِ والبَغْيِ، فَكَأنَّهم قالُوا: ﴿ما لَكَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكَ ﴿لا تَأْمَنّا﴾ أيْ: لا تَجْعَلُنا أُمَناءَ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ مَعَ أنَّكَ أبُونا ونَحْنُ بَنُوكَ وهو أخُونا ﴿وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُرِيدُونَ لَهُ الخَيْرَ، ومُشْفِقُونَ عَلَيْهِ، لَيْسَ فِينا ما يُخِلُّ بِالنَّصِيحَةِ والمِقَةِ قَطُّ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِالإدْغامِ والإشْمامِ، وعَنْ نافِعٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -تَرْكُ الإشْمامِ، ومِنَ الشَّواذِّ تَرْكُ الإدْغامِ.

12:12Страница 236

أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢

Отпусти его завтра с нами, пусть он насладится и поиграет, а мы будем оберегать его».

﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ إلى الصَّحْراءِ ﴿يَرْتَعْ﴾ أيْ: يَتَّسِعْ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها، فَإنَّ الرَّتْعَ هو الِاتِّساعُ في المَلاذِّ ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بِالِاسْتِباقِ والتَّناضُلِ ونَظائِرِهِما مِمّا يُعَدُّ مِن بابِ التَّأهُّبِ لِلْغَزْوِ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ لِكَوْنِهِ عَلى هَيْئَتِهِ؛ تَحْقِيقًا لِما رامُوهُ مِنِ اسْتِصْحابِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَصْوِيرِهِمْ لَهُ بِصُورَةِ ما يُلائِمُ حالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُرِئَ (نَرْتَعْ ونَلْعَبْ) بِالنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (نُرْتِعْ) مِنِ ارْتَعى، ونافِعٌ بِالكَسْرِ والياءِ فِيهِ وفي (يَلْعَبْ) وقُرِئَ (يُرْتِعْ) مِن أرْتَعَ ماشِيَتَهُ و(يَرْتَعِ) بِكَسْرِ العَيْنِ، و(يَلْعَبُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ، أكَّدُوا مَقالَتَهم بِأصْنافِ التَّأْكِيدِ مِن إيرادِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً، وتَحْلِيَتِها بِإنَّ واللّامِ، وإسْنادُ الحِفْظِ إلى كُلِّهِمْ وتَقْدِيمُ (لَهُ) عَلى الخَبَرِ؛ احْتِيالًا في تَحْصِيلِ مَقْصِدِهِمْ.

12:13Страница 236

قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣

Он сказал: «Мне грустно от того, что вы уведете его. Я боюсь, что волк растерзает его, когда вы оставите его без присмотра».

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: فَماذا قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ اللّامُ لِلِابْتِداءِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ، وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ ومَعَ ذَلِكَ " أخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ " لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مَذْأبَةً، والحُزْنُ ألَمُ القَلْبِ بِفَوْتِ المَحْبُوبِ، والخَوْفُ انْزِعاجُ النَّفْسِ لِنُزُولِ المَكْرُوهِ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ الأوَّلُ إلى الذَّهابِ بِهِ المُفَوِّتِ لِاسْتِمْرارِ مُصاحَبَتِهِ ومُواصَلَتِهِ لِيُوسُفَ، والثّانِي إلى ما يُتَوَقَّعُ نُزُولُهُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ، وقِيلَ: رَأى في المَنامِ أنَّهُ قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذِئْبٌ وكانَ يَحْذَرُهُ، فَقالَ ذَلِكَ، وقَدْ لَقَّنَهُمُ العِلَّةَ.

؎ إنَّ البَلاءَ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ البَزِّيِّ بِالهَمْزَةِ عَلى الأصْلِ، وأبُو عَمْرٍو بِهِ وقْفًا، وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: دَرَجًا، وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هاجَتْ مِن كُلِّ جانِبٍ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الأمْرُ بِالعَكْسِ، وهو أظْهَرُ لَفْظًا ومَعْنًى ﴿وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ، أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.

12:14Страница 236

قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤

Они сказали: «Если волк растерзает его, тогда как нас - целая группа, то мы действительно окажемся потерпевшими убыток».

(p-258)﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أيْ: والحالُ أنّا جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ يُعْصَبَ بِنا الأُمُورُ العِظامُ، وتُكْفي الخُطُوبُ بِآرائِنا وتَدْبِيراتِنا، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابٌ مُجْزِئٌ عَنِ الجَزاءِ، أيْ: لَهالِكُونَ ضَعْفًا وخَوَرًا وعَجْزًا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْهَلاكِ، إذْ لا غَناءَ عِنْدِنا ولا جَدْوى في حَياتِنا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْنا بِالخَسارِ والدَّمارِ، ويُقالَ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم حَيْثُ أكَلَ الذِّئْبُ بَعْضَهم وهم حُضُورٌ، وقِيلَ: إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِهِ - وهو أعَزُّ شَيْءٍ عِنْدَنا - فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا إذَنْ وخَسِرْناها، وإنَّما اقْتَصَرُوا عَلى جَوابِ خَوْفِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أكْلِ الذِّئْبِ؛ لِأنَّهُ السَّبَبُ القَوِيُّ في المَنعِ دُونَ الحُزْنِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ بِناءً عَلى أنَّهم يَأْتُونَ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ.

12:15Страница 237

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥

Когда они увели его и бросили на дно колодца, Мы внушили ему: «Ты непременно напомнишь им об этом поступке, когда они даже не узнают тебя».

﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ: أزْمَعُوا ﴿أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ مَفْعُولٌ لِأجْمَعُوا، يُقالُ: أجْمَعَ الأمْرَ، ومِنهُ ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ ولا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ إلّا في الأفْعالِ الَّتِي قَوِيَتِ الدَّواعِي إلى فِعْلِها ﴿فِي غَيابَتِ الجُبِّ﴾ قِيلَ: هي بِئْرٌ بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، وقِيلَ عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِكَنْعانَ الَّتِي هي مِن نَواحِي الأُرْدُنِّ، كَما أنَّ مَدْيَنَ كَذَلِكَ، وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّها بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ بِالتِقاطِ السَّيّارَةِ، ومَجِيئِهِمْ أباهم عِشاءً ذَلِكَ اليَوْمِ، فَإنَّ بَيْنَ مَنزِلِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَراحِلَ، وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ؛ إيذانًا بِظُهُورِهِ وإشْعارًا بِأنَّ تَفْصِيلَهُ مِمّا لا يَحْوِيهِ فَلَكُ العِبارَةِ، ومُجْمَلُهُ فَعَلُوا بِهِ مِنَ الأذِيَّةِ ما فَعَلُوا.

يُرْوى أنَّهم لَمّا بَرَزُوا إلى الصَّحْراءِ أخَذُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ ويَسْتَغِيثُ، فَقالَ يَهُوذا: أما عاهَدْتُمُونِي أنْ لا تَقْتُلُوهُ؟! فَأتَوْا بِهِ إلى البِئْرِ فَتَعَلَّقَ بِثِيابِهِمْ، فَنَزَعُوها مِن يَدَيْهِ، فَدَلُّوهُ فِيها، فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِن تَلْطِيخِهِ بِالدَّمِ؛ احْتِيالًا لِأبِيهِ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ، رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ، فَقالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا تُؤْنِسْكَ، فَدَلُّوهُ فِيها، فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ لِيَمُوتَ، وكانَ في البِئْرِ ماءً فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أوى إلى صَخْرَةٍ فَقامَ عَلَيْها وهو يَبْكِي، فَنادَوْهُ، وظَنَّ أنَّها رَحْمَةٌ أدْرَكَتْهم فَأجابَهم فَأرادُوا أنْ يَرْضَخُوهُ فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ كُلَّ يَوْمٍ.

وَيُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وجُرِّدَ عَنْ ثِيابِهِ أتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ فَألْبَسَهُ إيّاهُ، فَدَفَعَهُ إبْراهِيمُ إلى إسْحاقَ، وإسْحاقُ إلى يَعْقُوبَ، فَجَعَلَهُ يَعْقُوبُ في تَمِيمَةٍ وعَلَّقَها في عُنُقِ يُوسُفَ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخْرَجَهُ مِنَ التَّمِيمَةِ، فَألْبَسَهُ إيّاهُ.

﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ وإزالَةً لِوَحْشَتِهِ وإيناسًا لَهُ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ إدْراكِهِ كَما أُوحِيَ إلى يَحْيى وعِيسى، وقِيلَ: كانَ إذْ ذاكَ مُدْرِكًا، قالَ الحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كانَ لَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: لَتَتَخَلَّصَنَّ مِمّا أنْتَ فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ وضِيقِ المَجالِ، ولَتُحَدِّثَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِأنَّكَ يُوسُفُ لِتَبايُنِ حالَيْكِ (p-259)حالِكَ هَذا وحالِكَ يَوْمَئِذٍ؛ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكِبْرِياءِ سُلْطانِكَ، وبُعْدِ حالِكَ عَنْ أوْهامِهِمْ، وقِيلَ: لِبُعْدِ العَهْدِ المُبَدِّلِ لِلْهَيْئاتِ المُغَيِّرِ لِلْأشْكالِ، والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ.

رُوِيَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ، ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ، وكانَ يُدْنِيهِ دُونَكُمْ، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ، وقُلْتُمْ لِأبِيكُمْ: أكَلَهُ الذِّئْبُ، وبِعْتُمُوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ (وَهم لا يَشْعُرُونَ) بِالإيحاءِ عَلى مَعْنى أنّا آنَسْناهُ بِالوَحْيِ، وأزَلْنا عَنْ قَلْبِهِ الوَحْشَةَ الَّتِي أوْرَثُوهُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ، ويَحْسَبُونَ أنَّهُ مُرْهَقٌ ومُسْتَوْحِشٌ لا أنِيسَ لَهُ، وقُرِئَ (لَنُنَبِّئَنَّهُمْ) بِالنُّونِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: (وَهم لا يَشْعُرُونَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أوْحَيْنا) لا غَيْرُ.

12:16Страница 237

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ ١٦

Вечером они вернулись к своему отцу с плачем

﴿وَجاءُوا أباهم عِشاءً﴾ آخِرَ النَّهارِ، وقُرِئَ (عُشِيًّا) وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ، وعُشًى بِالضَّمِّ والقَصْرِ جَمْعَ أعْشى، أيْ: عَشْوًا مِنَ البُكاءِ ﴿يَبْكُونَ﴾ مُتَباكِينَ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بُكاءَهم فَزِعَ وقالَ: ما لَكم يا بَنِيَّ وأيْنَ يُوسُفُ؟

12:17Страница 237

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧

и сказали: «О отец наш! Мы соревновались, а Йусуфа (Иосифа) оставили стеречь наши вещи, и волк съел его. Ты все равно не поверишь нам, хотя мы говорим правду».

﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: مُتَسابِقِينَ في العَدْوِ والرَّمْيِ، وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ ونَظائِرِهِما ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ: ما نَتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ والأزْوادِ وغَيْرِهِما ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُضِيِّ زَمانٍ يُعْتادُ فِيهِ التَّفَقُّدُ والتَّعَهُّدُ، وحَيْثُ لا يَكادُ يُطْرَحُ المَتاعُ عادَةً إلّا في مَقامٍ يُؤْمَنُ فِيهِ الغَوائِلُ، لَمْ يُعْهَدْ تَرْكُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ مِن بابِ الغَفْلَةِ وتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ، لا سِيَّما إذا لَمْ يَبْرَحُوهُ ولَمْ يَغِيبُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَمْ نُقَصِّرْ في مُحافَظَتِهِ، ولَمْ نَغْفُلْ عَنْ مُراقَبَتِهِ، بَلْ تَرَكْناهُ في مَأْمَنِنا ومَجْمَعِنا بِمَرْأًى مِنّا؛ لِأنَّ مَيْدانَ السِّباقِ لا يَكُونُ عادَةً إلّا بِحَيْثُ يَتَراءى غايَتاهُ، وما فارَقْناهُ إلّا ساعَةً يَسِيرَةً بَيْنَنا وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ فَكانَ ما كانَ.

﴿وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ بِمُصَدِّقٍ لَنا في هَذِهِ المَقالَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ تَقْصِيرِنا في أمْرِهِ ﴿وَلَوْ كُنّا﴾ عِنْدَكَ وفي اعْتِقادِكَ ﴿صادِقِينَ﴾ مَوْصُوفِينَ بِالصِّدْقِ والثِّقَةِ؛ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، فَكَيْفَ وأنْتِ سَيِّئُ الظَّنِّ بِنا غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا؟!

وَكَلِمَةُ (لَوْ) في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارَنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ، وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى، ولِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ، ويُكْتَفي عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ، المُغايِرَةِ لَها عِنْدَ تَعَدُّدِها، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ .

12:18Страница 237

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨

Они показали лживую кровь на его рубашке, и он сказал: «О нет! Это ваши души ввели вас в соблазн, и лучше проявить терпение. Только Аллаха следует просить о помощи против того, что вы рассказали».

(p-260)﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِدَمٍ﴾ أيْ: جاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُ، والخِلافُ في تَقَدُّمِ الحالِ عَلى المَجْرُورِ فِيما إذا لَمْ يَكُنِ الحالُ ظَرْفًا ﴿كَذِبٍ﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الدَّمُ مُبالَغَةً، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مَكْذُوبٍ فِيهِ، أوْ بِمَعْنى ذِي كَذِبٍ، أيْ: مُلابِسٍ لِكَذِبٍ، وقُرِئَ (كَذِبًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: جاءُوا كاذِبِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وقَرَأتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - بِغَيْرِ المُعْجَمَةِ، أيْ: كَدِرٍ، وقِيلَ: طَرِيٍّ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أصْلُهُ مِنَ الكَذِبِ، وهو الفَوْفُ البَياضِ الَّذِي يَخْرُجُ عَلى أظْفارِ الأحْداثِ، كَأنَّهُ دَمٌ قَدْ أثَّرَ في قَمِيصِهِ.

رُوِيَ أنَّهم ذَبَحُوا سَخْلَةً ولَطَّخُوهُ بِدَمِها، وزَلَّ عَنْهم أنْ يُمَزِّقُوهُ، فَلَمّا سَمِعَ يَعْقُوبُ بِخَبَرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ، وقالَ: أيْنَ القَمِيصُ؟ فَأخَذَهُ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ، وقالَ: تاللَّهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلُمَ مِن هَذا، أكَلَ ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهُ.

وَقِيلَ: كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثُ آياتٍ: كانَ دَلِيلًا لِيَعْقُوبَ عَلى كَذِبِهِمْ، وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا، ودَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قُدَّ مِن دُبُرٍ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ يَعْقُوبُ هَلْ صَدَّقَهم فِيما قالُوا أمْ لا؟ فَقِيلَ: قالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ أيْ: زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - والتَّسْوِيلُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سُؤالِ الإنْسانِ، وهو أُمْنِيَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ، وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ، وقِيلَ: مِنَ السَّوَلِ وهو الِاسْتِرْخاءِ ﴿أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ، مُنْكَرًا، لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ أوْ أمْثَلُ، وفي الحَدِيثِ: «الصَّبْرُ الجَمِيلُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ»، أيْ: إلى الخَلْقِ، وإلّا فَقَدَ قالَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ (إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ)﴾، وقِيلَ: سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَكانَ يَرْفَعُهُما بِعِصابَةٍ، فَقِيلَ: ما هَذا؟ قالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوْحى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - إلَيْهِ يا يَعْقُوبُ: أتَشْكُونِي؟ قالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها لِي، وقَرَأ أُبَيٌّ: (فَصَبْرًا جَمِيلًا).

﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيِ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ، وهو إنْشاءٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِاسْتِعانَةِ المُسْتَمِرَّةِ ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ عَلى إظْهارِ حالِ ما تَصِفُونَ، وبَيانِ كَوْنِهِ كَذِبًا، وإظْهارِ سَلامَتِهِ؛ فَإنَّهُ عَلَمٌ في الكَذِبِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ وهو الألْيَقُ بِما سَيَجِيءُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وتَفْسِيرُ (المُسْتَعانُ) عَلَيْهِ بِاحْتِمالِ ما يَصِفُونَ مِن هَلاكِ يُوسُفَ، والصَّبْرِ عَلى الرُّزْءِ فِيهِ يَأْباهُ تَكْذِيبُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم في ذَلِكَ، ولا تُساعِدُهُ الصِّيغَةُ؛ فَإنَّها قَدْ غَلَبَتْ في وصْفِ الشَّيْءِ بِما لَيْسَ فِيهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

12:19Страница 237

وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩

Когда прибыл караван, они послали водоноса принести воды. Он опустил свое ведро и сказал: «Вот радость! Это же - мальчик!». Они спрятали его, чтобы продать. Но Аллах ведал о том, что они совершали.

﴿وَجاءَتْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ (p-261)ما جَرى عَلى يُوسُفَ في الجُبِّ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ ما وقَعَ بَيْنَ إخْوَتِهِ وبَيْنَ أبِيهِ، والتَّعْبِيرُ بِالمَجِيءِ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَكانِهِمْ؛ فَإنَّ كَنْعانَ لَيْسَ بِالجانِبِ المِصْرِيِّ مِن مَدْيَنَ، بَلْ إلى مَكانِ يُوسُفَ، وفي إيثارِهِ عَلى المُرُورِ أوِ الإتْيانِ أوْ نَحْوِهِما إيماءٌ إلى كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَرامَةِ والزُّلْفي عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ في الأُمَمِ المُئْتاهُ؛ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِن إسْنادِ المَجِيءِ إلى السَّيّارَةِ مُطْلَقًا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "وَجاءَتْ" ﴿سَيّارَةٌ﴾ أيْ: رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن جِهَةِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ - وُقُوعُهُ بِاعْتِبارِ سَيْرِهِمُ المُعْتادِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما سَلَفَ: "يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ" وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، فَأخْطَئُوا الطَّرِيقَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنهُ، وقِيلَ: كانَ ماؤُهُ مِلْحًا فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الخُزاعِيُّ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مُنْتَهى الإرْسالِ - كَما لَمْ يُذْكَرْ مُنْتَهى المَجِيءِ أعْنِي: الجُبَّ - لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مَعْهُودٌ لا يُضْرَبُ عَنْهُ الذِّكْرُ صَفْحًا ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ: أرْسَلَها إلى الجُبِّ، والحَذْفُ لِما عَرَفْتَهُ، فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَخَرَجَ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ ﴿يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ كَأنَّهُ نادى: البُشْرى، وقالَ: تَعالَيْ، فَهَذا أوانُكِ، حَيْثُ فازَ بِنِعْمَةٍ بارِدَةٍ، وأيُّ نِعْمَةٍ مَكانَ ما يُوجَدُ مُباحًا مِنَ الماءِ، وقِيلَ: هو اسْمُ صاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ، وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ: (يا بُشْرايَ) وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وقُرِئَ (يا بُشْرَيَّ) بِالإدْغامِ، وهي لُغَةٌ و(بُشْرايْ) عَلى قَصْدِ الوَقْفِ.

﴿وَأسَرُّوهُ﴾ أيْ: أخْفاهُ الوارِدُ وأصْحابُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ، وقِيلَ: أخْفَوْا أمْرَهُ ووِجْدانَهم لَهُ في الجُبِّ، وقالُوا لَهُمْ: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ يَهُوذا كانَ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِطَعامٍ، فَأتاهُ يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فِيها فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَأتَوُا الرُّفْقَةَ وقالُوا: هَذا غُلامُنا أبَقَ فاشْتَرَوْهُ مِنهُمْ، وسَكَتَ يُوسُفُ؛ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، ولا يَخْفي ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ.

﴿بِضاعَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: أخْفَوْهُ حالَ كَوْنِهِ بِضاعَةً، أيْ: مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، فَإنَّها قِطْعَةٌ مِنَ المالِ بُضِعَتْ عَنْهُ، أيْ: قُطِعَتْ لِلتِّجارَةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ما صَنَعُوا مِن جَعْلِهِمْ مِثْلَ يُوسُفَ - وهو هو - عُرْضَةً لِلِابْتِذالِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وما دَبَّرُوا في ذَلِكَ مِنَ الحِيَلِ.

12:20Страница 237

وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠

Они (братья Йусуфа) продали его за ничтожную цену - всего за несколько дирхемов. Они не высоко оценили его.

﴿وَشَرَوْهُ﴾ أيْ: باعُوهُ، والضَّمِيرُ لِلْوارِدِ وأصْحابِهِ ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ زَيْفٍ ناقِصِ العِيارِ ﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن (ثَمَنٍ) أيْ: لا دَنانِيرَ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ: غَيْرِ مَوْزُونَةٍ، فَهو بَيانٌ لِقِلَّتِهِ ونُقْصانِهِ مِقْدارًا بَعْدَ بَيانِ نُقْصانِهِ في نَفْسِهِ، إذِ المُعْتادُ فِيما لا يَبْلُغُ أرْبَعِينَ العَدُّ دُونَ الوَزْنِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وعَنِ السُّدِّيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّها كانَتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا.

﴿وَكانُوا﴾ أيِ: البائِعُونَ ﴿فِيهِ﴾ في يُوسُفَ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ لا يَرْغَبُونَ فِيما بِأيْدِيهِمْ، فَلِذَلِكَ باعُوهُ بِما ذُكِرَ مِنَ الثَّمَنِ البَخْسِ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ، أوْ غَيْرُ واثِقٍ بِأمْرِهِ، يَخافُ أنْ يَظْهَرَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ فَيَنْتَزِعُهُ مِنهُ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ ثَمَنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (شَرَوْهُ) اشْتَرَوْهُ مِن إخْوَتِهِ عَلى ما حُكِيَ، وهم غَيْرُ راغِبِينَ في شِراهُ خَشْيَةَ ذَهابِ ما لَهم لِما طُنَّ في آذانِهِمْ مِنَ الإباقِ، والعُدُولُ عَنْ صِيغَةِ الِافْتِعالِ المُنْبِئَةِ عَنِ الِاتِّخاذِ لِما مَرَّ مِن أنَّ أخْذَهم إنَّما كانَ بِطَرِيقِ البِضاعَةَ دُونَ الِاجْتِباءِ والِاقْتِناءِ، و(فِيهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالزّاهِدِينَ إنْ جُعِلَ اللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، (p-262)وَبَيانٌ لِما زَهِدُوا فِيهِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شَيْءٍ زَهِدُوا؟ فَقِيلَ: زَهِدُوا فِيهِ؛ لِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English