Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:104–111
2:104Страница 16
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤
О те, которые уверовали! Не говорите Пророку: «Заботься о нас», а говорите: «Присматривай за нами» и слушайте. А неверующим уготованы мучительные страдания.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فِيهِ إرْشادٌ لَهم إلى الخَيْرِ؛ وإشارَةٌ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِ اليَهُودِ؛ ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾: المُراعاةُ: المُبالَغَةُ في الرَّعْيِ؛ وهو حِفْظُ الغَيْرِ؛ وتَدْبِيرُ أُمُورِهِ؛ وتَدارُكُ مَصالِحِهِ؛ وكانَ المُسْلِمُونَ إذا ألْقى عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ يَقُولُونَ: راعِنا يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أيْ: راقِبْنا؛ وانْتَظِرْنا؛ وتَأنَّ بِنا؛ حَتّى نَفْهَمَ كَلامَكَ؛ ونَحْفَظَهُ؛ وكانَتْ لِلْيَهُودِ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ؛ أوْ سُرْيانِيَّةٌ؛ يَتَسابُّونَ بِها فِيما بَيْنَهُمْ؛ وهِيَ: "راعِينا"؛ قِيلَ: مَعْناها: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ؛ فَلَمّا سَمِعُوا بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ افْتَرَصُوهُ؛ واتَّخَذُوهُ ذَرِيعَةً إلى مَقْصِدِهِمْ؛ فَجَعَلُوا يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ؛ يَعْنُونَ بِهِ تِلْكَ المِسَبَّةَ؛ أوْ نِسْبَتَهُ ﷺ إلى الرَّعَنِ؛ وهو الحُمْقُ؛ والهَوَجُ؛ رُوِيَ أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعَها مِنهم فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ؛ عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ؛ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم يَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَهُ؛ قالُوا: أوَلَسْتُمْ تَقُولُونَها؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ونُهِيَ فِيها المُؤْمِنُونَ عَنْ ذَلِكَ؛ قَطْعًا لِألْسِنَةِ اليَهُودِ عَنِ التَّدْلِيسِ؛ وأُمِرُوا بِما في مَعْناها؛ ولا يُقْبَلُ التَّلْبِيسُ؛ فَقِيلَ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنا﴾؛ أيْ: انْظُرْ إلَيْنا؛ بِالحَذْفِ والإيصالِ؛ أوْ: انْتَظِرْنا؛ عَلى أنَّهُ مِن "نَظَرَهُ"؛ إذا انْتَظَرَهُ؛ وقُرِئَ: "أنْظِرْنا"؛ مِن: "النَّظْرَةُ"؛ أيْ: أمْهِلْنا حَتّى نَحْفَظَ؛ وقُرِئَ: "راعُونا"؛ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ؛ لِلتَّوْقِيرِ؛ و"راعِنًا"؛ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ؛ أيْ: قَوْلًا ذا رَعَنٍ؛ كَـ "دارِعٌ"؛ و"لابِنٌ"؛ لِأنَّهُ لَمّا أشْبَهَ قَوْلَهُمْ: راعِينا؛ وكانَ سَبَبًا لِلسَّبِّ بِالرَّعَنِ اتُّصِفَ بِهِ.
﴿واسْمَعُوا﴾: وأحْسِنُوا سَماعَ ما يُكَلِّمُكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ويُلْقِي عَلَيْكم مِنَ المَسائِلِ بِآذانٍ واعِيَةٍ؛ وأذْهانٍ حاضِرَةٍ؛ حَتّى تَحْتاجُوا إلى الِاسْتِعاذَةِ؛ وطَلَبِ المُراعاةِ؛ أوْ: واسْمَعُوا ما كُلِّفْتُمُوهُ مِنَ النَّهْيِ؛ والأمْرِ؛ بِجِدٍّ واعْتِناءٍ؛ حَتّى لا تَرْجِعُوا إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ؛ أوْ: واسْمَعُوا سَماعَ طاعَةٍ؛ وقَبُولٍ؛ ولا يَكُنْ سَماعُكم مِثْلَ سَماعِ اليَهُودِ؛ حَيْثُ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا؛ ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾؛ أيِ اليَهُودِ؛ الَّذِينَ تَوَسَّلُوا بِقَوْلِكُمُ المَذْكُورِ إلى كُفْرَياتِهِمْ؛ وجَعَلُوهُ سَبَبًا لِلتَّهاوُنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وقالُوا لَهُ ما قالُوا؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾: لِما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ؛ وهو تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ؛ فِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهُمْ؛ ونَوْعُ تَحْذِيرٍ لِلْمُخاطَبِينَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ.
2:105Страница 16
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥
Неверующие из людей Писания и многобожники не хотят, чтобы вам ниспосылалось благо от вашего Господа. Аллах же отмечает Своей милостью, кого пожелает. Аллах обладает великой милостью.
﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الوُدُّ: حُبُّ الشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ؛ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في كُلٍّ مِنهُما؛ ونَفْيُهُ كِنايَةٌ عَنِ الكَراهَةِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِعَدَمِ وُدِّهِمْ؛ ولَعَلَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّ القَوْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ كَثِيرًا ما كانَ يَقَعُ عِنْدَ تَنْزِيلِ الوَحْيِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَيْرِ؛ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّ سَبَبَ تَحْرِيفِهِمْ لَهُ إلى ما حُكِيَ عَنْهُمْ؛ لِوُقُوعِهِ في أثْناءِ حُصُولِ ما يَكْرَهُونَهُ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ وقِيلَ: كانَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَحَبَّةً؛ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَوَدُّونَ لَهُمُ الخَيْرَ فَنَزَلَتْ تَكْذِيبًا لَهم في ذَلِكَ؛ و"مِن" في (p-142)
قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾؛ لِلتَّبْيِينِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾؛ و"لا" مَزِيدَةٌ لِما سَتَعْرِفُهُ؛ ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "يَوَدُّ"؛ وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلثِّقَةِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ؛ والتَّصْرِيحُ الآتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن خَيْرٍ﴾؛ هو القائِمُ مَقامَ فاعِلِهِ؛ و"مِن" مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ والنَّفْيُ وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ ظاهِرًا لَكِنَّهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ مَعْنًى؛ والخَيْرُ: الوَحْيُ؛ وحَمْلُهُ عَلى ما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِنَ العِلْمِ؛ والنُّصْرَةِ؛ كَما قِيلَ؛ يَأْباهُ وصْفُهُ فِيما سَيَأْتِي بِالِاخْتِصاصِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ - لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ المَدارُ لِعَدَمِ وُدِّهِمْ؛ و"مِن" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ ابْتِدائِيَّةٌ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِتَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ والإضافَةُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَشْرِيفِهِمْ؛ ولَيْسَتْ كَراهَتَهم لِتَنْزِيلِهِ عَلى المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ تَعَبُّدُهم بِما قَبْلَهُ؛ وتَعَرُّضُهم بِذَلِكَ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ كَيْفَ لا.. وهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ مِن جُمْلَةِ مَن نَزَلَ عَلَيْهِمُ الخَيْرُ؛ بَلْ مِن حَيْثُ وُقُوعُ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ عَلى النَّبِيِّ - ﷺ؟ وصِيغَةُ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ كَراهَتِهِمْ لَيْسَ مَعْنًى خاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ بَلْ وصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الكُلِّ؛ وهو الخُلُوُّ عَنِ الدِّراسَةِ عِنْدَ اليَهُودِ؛ وعَنِ الرِّياسَةِ عِنْدَ المُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ؛ ويَكْرَهُونَ؛ فَيَحْسُدُونَكم أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ؛ أمّا اليَهُودُ؛ فَبِناءً عَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ؛ وأبْناءُ الأنْبِياءِ؛ النّاشِئُونَ في مَهابِطِ الوَحْيِ؛ وأنْتُمْ أُمِّيُّونَ؛ وأمّا المُشْرِكُونَ؛ فَإدْلالًا بِما كانَ لَهم مِنَ الجاهِ؛ والمالِ؛ زَعْمًا مِنهم أنَّ رِياسَةَ الرِّسالَةِ كَسائِرِ الرِّياساتِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ مَنُوطَةٌ بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾؛ ولَمّا كانَتِ اليَهُودُ بِهَذا الدّاءِ أشْهَرَ؛ لا سِيَّما في أثْناءِ ذِكْرِ ابْتِلائِهِمْ بِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ وِدادَتِهِمْ لِما ذُكِرَ نَفْيُ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ لَهُ؛ فَزِيدَتْ كَلِمَةُ "لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾: جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ؛ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَتِهِ؛ وإرْغامِ الكارِهِينَ لَهُ؛ والمُرادُ بِرَحْمَتِهِ الوَحْيُ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِاعْتِبارِ نُزُولِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخَيْرِ؛ وبِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلَيْهِ (تَعالى) بِالرَّحْمَةِ؛ قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِنُبُوَّتِهِ؛ خَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ؛ فالفِعْلُ مُتَعَدٍّ؛ وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِلْإنْباءِ عَنْ الِاصْطِفاءِ. وإيثارُهُ عَلى التَّنْزِيلِ؛ المُناسِبِ لِلسِّياقِ؛ المُوافِقِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ﴾؛ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِهِ ﷺ؛ وإقْناطِهِمْ مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ؛ والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُودِ؛ أيْ: يُؤْتِي رَحْمَتَهُ؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ مِن عِبادِهِ؛ ويَجْعَلُها مَقْصُورَةً عَلَيْهِ؛ لِاسْتِحْقاقِهِ الذّاتِيِّ الفائِضِ عَلَيْهِ؛ بِحَسَبِ إرادَتِهِ - عَزَّ وعَلا -؛ تَفَضُّلًا؛ لا تَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ؛ وقِيلَ: الفِعْلُ لازِمٌ؛ و"مَن" فاعِلُهُ؛ والضَّمِيرُ العائِدُ إلى "مَن" مَحْذُوفٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾: تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ؛ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ إيتاءَ النُّبُوَّةِ مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾؛ وأنَّ حِرْمانَ مَن حُرِمَ ذَلِكَ لَيْسَ لِضِيقِ ساحَةِ فَضْلِهِ؛ بَلْ لِمَشِيئَتِهِ الجارِيَةِ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ وتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإيذانِ بِفَخامَةِ مَضْمُونَيْهِما؛ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُسْتَقِلَّةً بِشَأْنِها؛ فَإنَّ الإضْمارَ في الثّانِيَةِ مُنْبِئٌ عَنْ تَوَقُّفِها عَلى الأُولى.
2:106Страница 17
۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦
Когда Мы отменяем или заставляем забыть один аят, то приводим тот, который лучше его, или равный ему. Разве ты не знаешь, что Аллах способен на всякую вещь?
﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ مَسُوقٌ لِبَيانِ سِرِّ النَّسْخِ؛ الَّذِي هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ تَنْزِيلِ الوَحْيِ؛ وإبْطالِ مَقالَةِ الطّاعِنِينَ فِيهِ؛ إثْرَ تَحْقِيقِ (p-143)
حَقِيقَةِ الوَحْيِ؛ ورَدِّ كَلامِ الكارِهِينَ لَهُ رَأْسًا؛ قِيلَ نَزَلَتْ حِينَ قالَ المُشْرِكُونَ - أوِ اليَهُودُ -: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ؛ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ؛ ويَأْمُرُ بِخِلافِهِ. والنَّسْخُ في اللُّغَةِ: الإزالَةُ؛ والنَّقْلُ؛ يُقالُ: "نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ"؛ أيْ: أزالَتْهُ؛ و"نَسَخْتُ الكِتابَ"؛ أيْ: نَقْلَتُهُ؛ ونَسْخُ الآيَةِ: بَيانُ انْتِهاءِ التَّعَبُّدِ بِقِراءَتِها؛ أوْ بِالحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنها؛ أوْ بِهِما جَمِيعًا؛ وإنْساؤُها: إذْهابُها مِنَ القُلُوبِ؛ و"ما": شَرْطِيَّةٌ؛ جازِمَةٌ لِـ "نَنْسَخْ"؛ مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ وقُرِئَ: "نُنْسِخْ"؛ مِن "أنْسَخَ"؛ أيْ: نَأْمُرْكَ؛ أوْ جِبْرِيلَ؛ بِنَسْخِها؛ أوْ تَجِدْها مَنسُوخَةً؛ و"نَنْسَأْها"؛ مِن "النَّسْءُ"؛ أيْ: نُؤَخِّرْها؛ و"نُنَسِّها"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ و"تَنْسَها"؛ و"تُنْسَها"؛ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ولِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: "ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِكَها"؛ وقُرِئَ: "ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها"؛ والمَعْنى: أنَّ كُلَّ آيَةٍ نَذْهَبُ بِها عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ والمَصْلَحَةُ؛ مِن إزالَةِ لَفْظِها؛ أوْ حُكْمِها؛ أوْ كِلَيْهِما مَعًا؛ إلى بَدَلٍ؛ أوْ إلى غَيْرِ بَدَلٍ؛ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾؛ أيْ: نَوْعٍ آخَرَ؛ هو خَيْرٌ لِلْعِبادِ؛ بِحَسَبِ الحالِ في النَّفْعِ؛ والثَّوابِ؛ مِنَ الذّاهِبَةِ؛ وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا؛ ﴿أوْ مِثْلِها﴾؛ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ النَّفْعِ؛ والثَّوابِ؛ وهَذا الحُكْمُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِنَسْخِ الآيَةِ التّامَّةِ؛ فَما فَوْقَها؛ بَلْ جارٍ فِيما دُونَها أيْضًا؛ وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ؛ والنَّصُّ - كَما تَرى - دالٌّ عَلى جَوازِ النَّسْخِ؛ كَيْفَ لا.. وتَنْزِيلُ الآياتِ؛ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؟ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ؛ ويَتَبَدَّلُ حَسَبَ تَبَدُّلِ الأشْخاصِ؛ والأعْصارِ؛ كَأحْوالِ المَعاشِ؛ فَرُبَّ حُكْمٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في حالٍ؛ تَقْتَضِي في حالٍ أُخْرى نَقِيضَهُ؛ فَلَوْ لَمْ يُجَزِ النَّسْخُ لاخْتَلَّ ما بَيْنَ الحِكْمَةِ؛ والأحْكامِ؛ مِنَ النِّظامِ.
﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾: الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "تَعْلَمْ"؛ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ ومَسَدَّ مَفْعُولِهِ الأوَّلِ؛ والثّانِي مَحْذُوفٌ؛ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ والمُرادُ بِهَذا التَّقْرِيرِ الِاسْتِشْهادُ بِعِلْمِهِ بِما ذُكِرَ عَلى قدرته (تَعالى) عَلى النَّسْخِ؛ وعَلى الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ؛ وبِما هو مِثْلُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْهُورَةِ تَحْتَ قدرته - سُبْحانَهُ -؛ فَمَن عَلِمَ شُمُولَ قدرته (تَعالى) لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ عَلِمَ قدرته عَلى ذَلِكَ قَطْعًا؛ والِالتِفاتُ بِوَضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ؛ فَإنَّ شُمُولَ القُدْرَةِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ مِنَ الأحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ؛ وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ - عَزَّ سُلْطانُهُ -:
2:107Страница 17
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧
Разве ты не знаешь, что Аллаху принадлежит власть над небесами и землей, и что нет у вас, кроме Аллаха, ни покровителя, ни помощника?
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ مَدارُ أحْكامِ مَلَكُوتِهِما؛ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ و"مُلْكُ السَّمَواتِ والأرْضِ": مُبْتَدَأٌ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "أنَّ"؛ وإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ: "أنَّ لِلَّهِ مُلْكَ السَّمَواتِ والأرْضِ"؛ لِلْقَصْدِ إلى تَقَوِّي الحُكْمِ بِتَكَرُّرِ الإسْنادِ؛ وهو إمّا تَكْرِيرٌ لِلتَّقْرِيرِ؛ وإعادَةٌ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى ما ذُكِرَ؛ وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ "أنَّ"؛ مَعَ ما في حَيِّزِها؛ عَلى ما سَبَقَ مِن مِثْلِها؛ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ؛ وإشْعارًا بِاسْتِقْلالِ العِلْمِ بِكُلٍّ مِنهُما؛ وكِفايَتِهِ في الوُقُوفِ عَلى ما هو المَقْصُودُ؛ وإمّا تَقْرِيرٌ مُسْتَقِلٌّ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى قدرته (تَعالى) عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ؛ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ؛ والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ؛ المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما؛ إيجادًا؛ وإعْدامًا؛ وأمْرًا؛ ونَهْيًا؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ؛ لا مُعارِضَ لِأمْرِهِ؛ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ فَمَن هَذا شَأْنُهُ؛ كَيْفَ يَخْرُجُ عَنْ قدرته شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾؛ (p-144)مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِـ "أنَّ"؛ داخِلٌ مَعَها تَحْتَ تَعَلُّقِ العِلْمِ المُقَرَّرِ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَناوُلِ الخِطابَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلْأُمَّةِ أيْضًا؛ وإنَّما إفْرادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِما لِما أنَّ عُلُومَهم مُسْتَنِدَةٌ إلى عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اسْمِ "أنَّ" لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والإيذانِ بِمُقارَنَةِ الوِلايَةِ؛ والنُّصْرَةِ؛ لِلْقُوَّةِ؛ والعِزَّةِ؛ والمُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ العِلْمِ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ (تَعالى) بِما ذُكِرَ مِنَ الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ؛ أوْ بِمِثْلِهِ؛ فَإنَّ مُجَرَّدَ قدرته (تَعالى) عَلى ذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَهُ البَتَّةَ؛ وإنَّما الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ كَوْنُهُ (تَعالى) مَعَ ذَلِكَ ولِيًّا ونَصِيرًا لَهُمْ؛ فَمَن عَلِمَ أنَّهُ (تَعالى) ولِيُّهُ؛ ونَصِيرُهُ؛ عَلى الِاسْتِقْلالِ؛ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَفْعَلُ بِهِ إلّا ما هو خَيْرٌ لَهُ؛ فَيُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْهِ (تَعالى)؛ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ رِيبَةٌ في أمْرِ النَّسْخِ؛ وغَيْرِهِ أصْلًا؛ والفارِقُ بَيْنَ الوَلِيِّ؛ والنَّصِيرِ: أنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَضْعُفُ عَنِ النُّصْرَةِ؛ والنَّصِيرَ قَدْ يَكُونُ أجْنَبِيًّا مِنَ المَنصُورِ؛ و"ما": إمّا تَمِيمِيَّةٌ؛ لا عَمَلَ لَها؛ و"لَكُمْ": خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ و"مِن ولِيٍّ": مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ زِيدَتْ فِيهِ كَلِمَةُ "مِن" لِلِاسْتِغْراقِ؛ وإمّا حِجازِيَّةٌ؛ و"لَكُمْ": خَبَرُها المَنصُوبُ؛ عِنْدَ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَهُ؛ واسْمُها "مِن ولِيٍّ"؛ و"مِن": مَزِيدَةٌ لِما ذُكِرَ؛ و"مِن دُونِ اللَّهِ": في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ اسْمِها؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ؛ فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ حالًا؛ ومَعْناهُ: "سِوى اللَّهِ"؛ والمَعْنى أنَّ قَضِيَّةَ العِلْمِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ هو الجَزْمُ؛ والإيقانُ بِأنَّهُ (تَعالى) لا يَفْعَلُ بِهِمْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ؛ أوْ دُنْياهُمْ؛ إلّا ما هو خَيْرٌ لَهُمْ؛ والعَمَلُ بِمُوجِبِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ؛ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ؛ مِن غَيْرِ إصْغاءٍ إلى أقاوِيلِ الكَفَرَةِ؛ وتَشْكِيكاتِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما قالُوا في أمْرِ النَّسْخِ.
2:108Страница 17
أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨
Или же вы хотите попросить вашего Посланника, как прежде они (сыны Исраила) попросили Мусу (Моисея)? Кто сменил веру на неверие, тот уже сбился с прямого пути.
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالمُؤْمِنِينَ؛ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ؛ ومَعْنى "بَلْ" فِيها الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِن حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ بِما ذُكِرَ عِنْدَ ظُهُورِ بَعْضِ مَخابِلِ المُساهَلَةِ مِنهم في ذَلِكَ؛ وأماراتِ التَّأثُّرِ مِن أقاوِيلِ الكَفَرَةِ؛ إلى التَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ؛ ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ وُقُوعِ الإرادَةِ مِنهُمْ؛ واسْتِبْعادُهُ؛ لِما أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ وازِعَةٌ عَنْها؛ وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ؛ دُونَ مُتَعَلِّقِها؛ لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ؛ واسْتِبْعادِهِ؛ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتُهُ؛ فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ؛ والمَعْنى: بَلْ أتُرِيدُونَ؛ ﴿أنْ تَسْألُوا﴾؛ وأنْتُمْ مُؤْمِنُونَ؛ ﴿رَسُولَكُمْ﴾؛ وهو في تِلْكَ الرُّتْبَةِ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ؛ وتَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ ما تَشْتَهُونَ؛ غَيْرَ واثِقِينَ في أُمُورِكم بِفَضْلِ اللَّهِ (تَعالى) حَسْبَما يُوجِبُهُ قَضِيَّةُ عِلْمِكم بِشُئُونِهِ - سُبْحانَهُ؟ قِيلَ: لَعَلَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَيانَ تَفاصِيلِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى النَّسْخِ؛ وقِيلَ: سَألَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ؛ كَما كانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ -؛ وهي شَجَرَةٌ؛ كانُوا يَعْبُدُونَها؛ ويُعَلِّقُونَ عَلَيْها المَأْكُولَ؛ والمَشْرُوبَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كَما سُئِلَ مُوسى﴾: مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ؛ أيْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ؛ مَحْذُوفٍ؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: سُؤالًا مُشَبَّهًا بِسُؤالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَيْثُ قِيلَ لَهُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا؛ وأرِنا اللَّهَ جَهْرَةً؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: كَما سَألُوا مُوسى؛ لِأنَّ المُشَبَّهَ هو المَصْدَرُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ؛ أعَنِي سائِلِيَّةَ المُخاطَبِينَ؛ لا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أعَنِي مَسْؤُولِيَّةَ (p-145)
الرَّسُولِ ﷺ؛ حَتّى يُشَبَّهَ بِمَسْؤُولِيَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ التَّشْبِيهُ فِيهِما مَعًا؛ ولَكِنَّهُ أوْجَزَ النَّظْمَ فَذَكَرَ في جانِبِ المُشَبَّهِ السّائِلِيَّةَ؛ وفي جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ المَسْؤُولِيَّةَ؛ واكْتَفى بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ عَمّا تَرَكَ في المَوْضِعِ الآخَرِ؛ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُولَةً؛ عَلى أنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كالسُّؤالِ الَّذِي سُئِلَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلُ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "سُئِلَ"؛ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ؛ وقُرِئَ: "سِيلَ"؛ بِالياءِ؛ وكَسْرِ السِّينِ؛ وبِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ.
﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ﴾: أيْ: يَخْتَرْ؛ ويَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ؛ ﴿بِالإيمانِ﴾؛ بِمُقابَلَتِهِ؛ بَدَلًا مِنهُ؛ وقُرِئَ: "وَمَن يُبْدِلْ"؛ مِن "أبْدَلَ"؛ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ؛ أيِ السُّؤالَ المَذْكُورَ؛ أوْ إرادَتَهُ. وحاصِلُهُ: ومَن يَتْرُكِ الثِّقَةَ بِالآياتِ البَيِّنَةِ المُنْزَلَةِ؛ بِحَسَبِ المَصالِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاسِخَةُ؛ الَّتِي هي خَيْرٌ مَحْضٌ؛ وحَقٌّ بَحْتٌ؛ واقْتَرَحَ غَيْرَها؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: عَدَلَ؛ وجارَ - مِن حَيْثُ لا يَدْرِي - عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ؛ المُوصِلِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ؛ والهُدى؛ وتاهَ في تِيهِ الهَوى؛ وتَرَدّى في مَهاوِي الرَّدى؛ وإنَّما أُوثِرَ عَلى ذَلِكَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلتَّصْرِيحِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّهُ كُفْرٌ؛ وارْتِدادٌ؛ وأنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَكْفُرْ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُعَدَّ مِنَ المُسَلَّماتِ؛ ويُجْعَلَ مُقَدَّمًا لِلشَّرْطِيَّةِ؛ رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ؛ والإفْراطِ في الرَّدْعِ. و"سَواءَ السَّبِيلِ": مِن بابِ إضافَةِ الوَصْفِ إلى المَوْصُوفِ؛ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في بَيانِ قُوَّةِ الِاتِّصافِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ السَّواءِ؛ عَلى مِنهاجِ حُصُولِ الصُّورَةِ في الصُّورَةِ الحاصِلَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ؛ حِينَ سَألُوا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ؛ وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ؛ حِينَ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾؛ إلَخْ.. فَإضافَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلَيْهِمْ عَلى القَوْلَيْنِ؛ بِاعْتِبارِ أنَّهم مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ؛ ومَعْنى "تَبَدُّلُ الكُفْرِ بِالإيمانِ؛ وهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ": تَرْكُ صَرْفِ قدرتهمْ إلَيْهِ؛ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ وإيثارُهم لِلْكُفْرِ عَلَيْهِ.
2:109Страница 17
وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩
После того как прояснилась им истина, многие из людей Писания из зависти своей хотели бы отвратить вас от веры, когда вы уже приняли ее. Простите их и будьте великодушны, пока Аллах не явится со Своим повелением. Воистину, Аллах способен на всякую вещь.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: هم رَهْطٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ؛ رُوِيَ «أنَّ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ؛ وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ؛ ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ؛ قالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ؛ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكُمْ؟ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ؛ فارْجِعُوا إلى دِينِنا؛ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ؛ وأفْضَلُ؛ ونَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا؛ فَقالَ عَمّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ فِيكُمْ؟ قالُوا: شَدِيدٌ؛ قالَ: فَإنِّي عاهَدْتُ ألّا أكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما عِشْتُ؛ فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا هَذا فَقَدَ صَبَأ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ: أمّا أنا فَقَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا؛ وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِالقرآن إمامًا؛ وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً؛ وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا؛ ثُمَّ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وأخْبَراهُ؛ فَقالَ: أصَبْتُما خَيْرًا؛ وأفْلَحْتُما؛ فَنَزَلَتْ؛» ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾: حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ؛ و"لَوْ": في مَعْنى التَّمَنِّي؛ وصِيغَةُ الغَيْبَةِ كَما في قَوْلِهِ: حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ؛ وقِيلَ: هي بِمَنزِلَةِ "أنْ"؛ النّاصِبَةِ؛ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ؛ ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِـ "وَدَّ"؛ والتَّقْدِيرُ: ودُّوا رَدَّكُمْ؛ وقِيلَ: هي عَلى حَقِيقَتِها؛ وجَوابُها مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يَرُدُّونَكم كُفّارًا لَسُرُّوا بِذَلِكَ.
﴿مِن بَعْدِ إيمانِكُمْ﴾: (p-146)مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَرُدُّونَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كُفّارًا﴾: مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ؛ عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ؛ أيْ: يُصَيِّرُونَكم كُفّارًا؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ رَمى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا
؎ فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا
وَقِيلَ: هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ والأوَّلُ أدْخَلُ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ؛ صَرِيحًا عَلى كَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ. وإيرادُ الظَّرْفِ - مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ ضَرُورَةَ كَوْنِ المُخاطَبِينَ مُؤْمِنِينَ؛ واسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ؛ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ - لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما أرادُوهُ؛ وغايَةِ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ؛ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ الصّارِفِ لِلْعاقِلِ عَنْ مُباشَرَتِهِ؛ وإمّا لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: مِن بَعْدِ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ؛ وفِيهِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى.
﴿حَسَدًا﴾: عِلَّةٌ لِـ "وَدَّ"؛ أوْ حالٌ أُرِيدَ بِهِ نَعْتُ الجَمْعِ؛ أيْ: حاسِدِينَ لَكُمْ؛ والحَسَدُ: الأسَفُ عَلى مَن لَهُ خَيْرٌ بِخَيْرِهِ؛ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "وَدَّ"؛ أيْ: ودُّوا ذَلِكَ مِن أجْلِ تَشَهِّيهِمْ؛ وحُظُوظِ أنْفُسِهِمْ؛ لا مِن قِبَلِ التَّدَيُّنِ؛ والمَيْلِ مَعَ الحَقِّ؛ ولَوْ عَلى زَعْمِهِمْ؛ أوْ: بِحَسَدٍ؛ أيْ: حَسَدًا مُنْبَعِثًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ؛ بالِغًا أقْصى مَراتِبِهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾؛ بِالمُعْجِزاتِ السّاطِعَةِ؛ وبِما عايَنُوا في التَّوْراةِ مِنَ الدَّلائِلِ؛ وعَلِمُوا أنَّكم مُتَمَسِّكُونَ بِهِ؛ وهم مُنْهَمِكُونَ في الباطِلِ؛ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾؛ العَفْوُ: تَرْكُ المُؤاخَذَةِ؛ والعُقُوبَةِ؛ والصَّفْحُ: تَرْكُ التَّثْرِيبِ؛ والتَّأْنِيبِ؛ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾؛ الَّذِي هو قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وإجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ؛ وإذْلالَهم بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ أوِ الإذْنُ في القِتالِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ؛ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ضَرْبُ الغايَةِ؛ لِأنَّها لا تُعْلَمُ إلّا شَرْعًا؛ ولا يَخْرُجُ الوارِدُ بِذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ناسِخًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فاعْفُوا؛ واصْفَحُوا؛ إلى وُرُودِ النّاسِخِ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فَيَنْتَقِمُ مِنهم إذا حانَ حِينُهُ؛ وآنَ أوانُهُ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.
2:110Страница 17
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠
Совершайте намаз и выплачивайте закят. Все то доброе, что вы предварите для себя, вы найдете у Аллаха. Воистину, Аллах видит то, что вы совершаете.
﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: عَطْفٌ عَلى "فاعْفُوا"؛ أُمِرُوا بِالصَّبْرِ؛ والمُداراةِ؛ واللُّجُوءِ إلى اللَّهِ (تَعالى) بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ؛ والمالِيَّةِ؛ ﴿وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾؛ كَصَلاةٍ؛ أوْ صَدَقَةٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ تُقَدِّمُوهُ لِمَصْلَحَةِ أنْفُسِكُمْ؛ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: تَجِدُوا ثَوابَهُ؛ وقُرِئَ: "تُقْدِمُوا"؛ مِن "أقْدَمَ"؛ ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ فَلا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلٌ؛ فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
2:111Страница 17
وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١
Они сказали: «Не войдет в Рай никто, кроме иудеев или христиан». Таковы их мечты. Скажи: «Приведите ваше доказательство, если вы говорите правду».
﴿وَقالُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "وَدَّ"؛ والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ جَمِيعًا؛ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا؛ وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى؛ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ؛ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا مِنهُما إلى قائِلِهِ. ونَحْوُهُ: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾؛ ولَيْسَ مُرادُهم بِأُولَئِكَ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ؛ والنَّصْرانِيَّةَ؛ قَبْلَ النَّسْخِ؛ (p-147)
والتَّحْرِيفِ؛ عَلى وجْهِها؛ بَلْ أنْفُسُهُمْ؛ عَلى ما هم عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم إنَّما يَقُولُونَهُ لِإضْلالِ المُؤْمِنِينَ؛ ورَدِّهِمْ إلى الكُفْرِ. و"الهُودُ": جَمْعُ "هائِدٌ"؛ كَـ "عُوذٌ"؛ جَمْعُ "عائِذٌ"؛ و"بُزْلٌ"؛ جَمْعُ "بازِلٌ"؛ والإفْرادُ في "كانَ" بِاعْتِبارِ لَفْظِ "مَن"؛ والجَمْعُ في خَبَرِهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ؛ وقُرِئَ: "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا"؛ ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾؛ الأمانِيُّ: جَمْعُ "أُمْنِيَّةٌ"؛ وهي ما يُتَمَنّى؛ كَـ "الأُعْجُوبَةُ"؛ و"الأُضْحُوكَةُ"؛ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ؛ مُبَيِّنَةٌ لِبُطْلانِ ما قالُوا؛ و"تِلْكَ": إشارَةٌ إلَيْهِ؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ صُدُورِهِ عَنِ الجَمِيعِ؛ وقِيلَ: فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ؛ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهُمْ؛ وقِيلَ: "تِلْكَ": إشارَةٌ إلَيْهِ؛ وإلى ما قَبْلَهُ؛ مِن ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ؛ وأنْ يَرُدَّهم كُفّارًا؛ ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ فَإنَّهُما لَيْسا مِمّا يُطْلَبُ لَهُ البُرْهانُ؛ ولا مِمّا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ؛ قِيلَ: "هاتُوا" أصْلُهُ: "آتُوا"؛ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً؛ أيْ: أحْضِرُوا حُجَّتَكم عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ؛ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمْ؛ هَذا ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ بِحَسَبِ النَّظَرِ الجَلِيلِ؛ والَّذِي يَسْتَدْعِيهِ إعْجازُ التَّنْزِيلِ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ التَّبْكِيتِيُّ عَلى طَلَبِ البُرْهانِ؛ عَلى أصْلِ الدُّخُولِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ دَعْوى الِاخْتِصاصِ بِهِ؛ فَإنَّ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии