Абу-с-СуудАль‑Бакара · 2:127–134

Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:127–134

2:127Страница 20

وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧

Вот Ибрахим (Авраам) и Исмаил (Измаил) подняли основание Дома (Каабы): «Господь наш! Прими от нас! Воистину, Ты - Слышащий, Знающий.

﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾؛ عَلى أحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في "وَإذْ جَعَلْنا"؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ؛ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ. والقَواعِدُ: جَمْعُ "قاعِدَةٌ"؛ وهي الأساسُ؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ مِن "القُعُودُ"؛ بِمَعْنى: "الثَّباتُ"؛ ولَعَلَّهُ مَجازٌ مِن مُقابِلْ "القِيامُ"؛ ومِنهُ: "قَعَدَكَ اللَّهُ". ورَفْعُها: البِناءُ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ يَنْقُلُها مِن هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ؛ والمُرْتَفِعُ حَقِيقَةً - وإنْ كانَ هو الَّذِي بُنِيَ عَلَيْها - لَكِنَّهُما لَمّا التَأما صارا شَيْئًا واحِدًا؛ فَكَأنَّها نَمَتْ وارْتَفَعَتْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِها سافاتُ البِناءِ؛ فَإنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِما يُبْنى عَلَيْها؛ وبِرَفْعِها بِناءَ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ مَكانَةِ البَيْتِ؛ وإظْهارُ شَرَفِهِ؛ ودُعاءُ النّاسِ إلى حَجِّهِ؛ وفي إبْهامِها أوَّلًا؛ ثُمَّ تَبْيِينِها مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها ما لا يَخْفى؛ وقِيلَ: المَعْنى: وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ ما قُعِّدَ مِنَ البَيْتِ؛ واسْتَوْطَأ؛ يَعْنِي: يَجْعَلُ هَيْئَةَ القاعِدَةِ المُسْتَوْطَأةِ مُرْتَفِعَةً عالِيَةً بِالبِناءِ؛ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْزَلَ البَيْتَ ياقُوتَةً مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ؛ لَهُ بابانِ مِن زُمُرُّدٍ؛ شَرْقِيٌّ؛ وغَرْبِيٌّ؛ وقالَ لَآدَمَ: أهْبَطْتُ لَكَ ما يُطافُ بِهِ؛ كَما يُطافُ حَوْلَ عَرْشِي؛ فَتَوَجَّهَ آدَمُ مِن أرْضِ الهِنْدِ إلَيْهِ ماشِيًا؛ وتَلَقَّتْهُ المَلائِكَةُ؛ فَقالُوا: بَرَّ حَجَّكَ يا آدَمُ؛ لَقَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ؛ وحَجَّ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْبَعِينَ حَجَّةً؛ مِن أرْضِ الهِنْدِ إلى مَكَّةَ؛ عَلى رِجْلَيْهِ؛ فَكانَ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ رَفَعَهُ اللَّهُ أيّامَ الطُّوفانِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ؛ فَهو البَيْتُ المَعْمُورُ؛ (p-160)وَكانَ مَوْضِعُهُ خالِيًا إلى زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِبِنائِهِ؛ وعَرَّفَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَكانِهِ؛ وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) السَّكِينَةَ لِتَدُلَّهُ عَلَيْهِ؛ فَتَبِعَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أتَيا مَكَّةَ المُعَظَّمَةَ؛ وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) سَحابَةً عَلى قَدْرِ البَيْتِ؛ وسارَ إبْراهِيمُ في ظِلِّها إلى أنْ وافَتْ مَكَّةَ المُعَظَّمَةَ؛ فَوَقَفَتْ في مَوْضِعِ البَيْتِ؛ فَنُودِيَ أنِ ابْنِ عَلى ظِلِّها؛ ولا تَزِدْ؛ ولا تَنْقُصْ؛ وقِيلَ: بَناهُ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ: طُورِ سَيْناءَ؛ وطُورِ زَيْتا؛ ولُبْنانَ؛ والجُودِيِّ؛ وأسَّسَهُ مِن حِراءَ؛ وجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحَجَرِ الأسْوَدِ مِنَ السَّماءِ؛ وقِيلَ: تَمَخَّضَ أبُو قُبَيْسٍ فانْشَقَّ عَنْهُ؛ وقَدْ خُبِّئَ فِيهِ في أيّامِ الطُّوفانِ؛ وكانَ ياقُوتَةً بَيْضاءَ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ؛ فَلَمّا لَمَسَتْهُ الحُيَّضُ في الجاهِلِيَّةِ اسْوَدَّ؛ وقالَ الفاسِيُّ - في "مُثِيرِ الغَرامِ في تارِيخِ البَلَدِ الحَرامِ" -: والَّذِي يُتَحَصَّلُ مِن جُمْلَةِ ما قِيلَ في عَدَدِ بِناءِ الكَعْبَةِ أنَّها بُنِيَتْ عَشْرَ مَرّاتٍ؛ مِنها بِناءُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِ الأسْماءِ؛ واللُّغاتِ؛ والأزْرَقِيُّ في تارِيخِهِ؛ وذَكَرَ أنَّهُ كانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنها بِناءُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ ورَوى فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جِبْرِيلَ إلى آدَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ فَقالَ لَهُ؛ ولِحَوّاءَ: ابْنِيا لِيَ بَيْتًا؛ فَخَطَّ جِبْرِيلُ؛ وجَعَلَ آدَمُ يَحْفِرُ؛ وحَوّاءُ تَنْقُلُ التُّرابَ؛ حَتّى إذا أصابَ الماءَ نُودِيَ مِن تَحْتِهِ: حَسْبُكَ آدَمُ؛ فَلَمّا بَنَياهُ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَطُوفَ بِهِ؛ فَقِيلَ لَهُ: أنْتَ أوَّلُ النّاسِ؛ وهَذا أوَّلُ بَيْتٍ؛ وهَكَذا ذَكَرَهُ الأزْرَقِيُّ في تارِيخِهِ؛ وعَبْدُ الرَّزّاقِ في مُصَنَّفِهِ؛ ومِنها بِناءُ بَنِي آدَمَ عِنْدَما رُفِعَتِ الخَيْمَةُ الَّتِي عَزّى اللَّهُ (تَعالى) بِها آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَتْ ضُرِبَتْ في مَوْضِعِ البَيْتِ؛ فَبَنى بَنُوهُ مَكانَها بَيْتًا مِنَ الطِّينِ؛ والحِجارَةِ؛ فَلَمْ يَزَلْ مَعْمُورًا يُعَمِّرُونَهُ هم ومَن بَعْدَهم إلى أنْ مَسَّهُ الغَرَقُ في عَهْدِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ذَكَرَهُ الأزْرَقِيُّ بِسَنَدِهِ إلى وهْبِ بْنِ مُنْبِهٍ؛ ومِنها بِناءُ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وهو مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في القرآن؛ مَشْهُورٌ فِيما بَيْنَ قاصٍ ودانٍ؛ ومِنها بِناءُ العَمالِقَةِ؛ ومِنها بِناءُ جُرْهُمَ؛ ذَكَرَهُما الأزْرَقِيُّ بِسَنَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ومِنها بِناءُ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ؛ ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في كِتابِ النَّسَبِ؛ ومِنها بِناءُ قُرَيْشٍ؛ وهو مَشْهُورٌ؛ ومِنها بِناءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ومِنها بِناءُ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ؛ وما كانَ ذَلِكَ بِناءً لِكُلِّها؛ بَلْ لِجِدارٍ مِن جُدْرانِها؛ وقالَ الحافِظُ السُّهَيْلِيُّ: إنَّ بِناءَها لَمْ يَكُنْ في الدَّهْرِ إلّا خَمْسَ مَرّاتٍ؛ الأُولى: حِينَ بَناها شِيثُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ انْتَهى؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ.

﴿وَإسْماعِيلُ﴾: عَطْفٌ عَلى "إبْراهِيمُ"؛ ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنِ المَفْعُولِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأصْلَ في الرَّفْعِ هو إبْراهِيمُ؛ وإسْماعِيلُ تَبَعٌ لَهُ؛ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ وهو يَبْنِيها؛ وقِيلَ: كانا يَبْنِيانِهِ مِن طَرَفَيْنِ؛ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾؛ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولانِ؛ وقَدْ قُرِئَ بِهِ؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وقِيلَ عَلى أنَّهُ هو العامِلُ في "إذْ"؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ والتَّقْدِيرُ: يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا؛ إذْ يَرْفَعانِ؛ أيْ: وقْتَ رَفْعِهِما؛ وقِيلَ: "وَإسْماعِيلُ" مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ؛ وهو العامِلُ في "رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا"؛ فَيَكُونُ إبْراهِيمُ هو الرّافِعَ؛ وإسْماعِيلُ هو الدّاعِيَ؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ؛ أيْ: وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ؛ والحالُ أنَّ إسْماعِيلَ يَقُولُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا. والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنْ إفاضَةِ ما فِيهِ صَلاحُ المَرْبُوبِ؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الإجابَةِ. وتَرْكُ مَفْعُولِ "تَقَبَّلْ"؛ مَعَ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾؛ وغَيْرِهِ؛ مِنَ القُرَبِ والطّاعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما هُما بِصَدَدِهِ مِنَ البِناءِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ جَعْلُ الجُمْلَةِ الدُّعائِيَّةِ حالِيَّةً؛ ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ﴾؛ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دُعاؤُنا؛ ﴿العَلِيمُ﴾؛ بِكُلِّ (p-161)المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن زُمْرَتِها نِيّاتُنا في جَمِيعِ أعْمالِنا؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ التَّقَبُّلِ؛ لا مِن حَيْثُ إنَّ كَوْنَهُ (تَعالى) سَمِيعًا لِدُعائِهِما؛ عَلِيمًا بِنِيّاتِهِما؛ مُصَحِّحٌ لِلتَّقَبُّلِ في الجُمْلَةِ؛ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَهُ (تَعالى) بِصِحَّةِ نِيّاتِهِما وإخْلاصِهِما في أعْمالِهِما مُسْتَدْعٍ لَهُ؛ بِمُوجِبِ الوَعْدِ؛ تَفَضُّلًا. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِغَرَضِ كَمالِ قُوَّةِ يَقِينِهِما بِمَضْمُونِها؛ وقَصْرُ نَعْتَيْ "السَّمْعُ"؛ و"العِلْمُ" عَلَيْهِ (تَعالى) لِإظْهارِ اخْتِصاصِ دُعائِهِما بِهِ (تَعالى)؛ وانْقِطاعِ رَجائِهِما عَمّا سِواهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ واعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ أوَّلَ ما جَرى مِنَ الأُمُورِ المَحْكِيَّةِ هو الِابْتِلاءُ؛ وما يَتْبَعُهُ؛ ثُمَّ دُعاءُ البَلَدِيَّةِ والأمْنِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ ثُمَّ رَفْعُ قَواعِدِ البَيْتِ؛ وما يَتْلُوهُ؛ ثُمَّ جَعْلُهُ مَثابَةً لِلنّاسِ؛ والأمْرُ بِتَطْهِيرِهِ؛ ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ في الحِكايَةِ لِنَظْمِ الشُّؤُونِ الصّادِرَةِ عَنْ جَنابِهِ (تَعالى) في سِلْكٍ مُسْتَقِلٍّ؛ ونَظْمِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِنَ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ في سِلْكٍ آخَرَ؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن كَفَرَ﴾؛ إلَخْ.. فَإنَّما وقَعَ في تَضاعِيفِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِإبْراهِيمَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ؛ واسْتِيجابِ ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنهُ أصْلًا؛ كَما أنَّ وُقُوعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾؛ في خِلالِ كَلامِهِ - سُبْحانَهُ - لِذَلِكَ.

2:128Страница 20

رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨

Господь наш! Сделай нас покорившимися Тебе, а из нашего потомства - общину, покорившуюся Тебе. Покажи нам обряды поклонения и прими наше покаяние. Воистину, Ты - Принимающий покаяние, Милосердный.

﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾: مُخْلِصَيْنِ لَكَ؛ أوْ: مُسْتَسْلِمَيْنِ؛ مِن "أسْلَمَ"؛ إذا اسْتَسْلَمَ؛ وانْقادَ؛ وأيًّا ما كانَ فالمَطْلُوبُ الزِّيادَةُ والثَّباتُ عَلى ما كانا عَلَيْهِ مِنَ الإخْلاصِ؛ والإذْعانِ؛ وقُرِئَ: "مُسْلِمِينَ"؛ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ؛ بِإدْخالِ هاجَرَ مَعَهُما في الدُّعاءِ؛ أوْ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ مِن مَراتِبِ الجَمْعِ؛ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾؛ أيْ: واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِنا؛ وإنَّما خَصّاهم بِالدُّعاءِ لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ؛ ولِأنَّهم إذا صَلَحُوا صَلَحَ الأتْباعُ؛ وإنَّما خَصّا بِهِ بَعْضَهم لِما عَلِما أنَّ مِنهم ظَلَمَةً؛ وأنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ لا تَقْتَضِي اتِّفاقَ الكُلِّ عَلى الإخْلاصِ والإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِأمْرِ المَعاشِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْلا الحَمْقى لَخَرِبَتِ الدُّنْيا؛ وقِيلَ: أرادَ بِالأُمَّةِ المُسْلِمَةِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ "مِن" مُبَيِّنَةً؛ قُدِّمَتْ عَلى المُبَيَّنِ؛ وفُصِلَ بِها بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؛ والأصْلُ: وأُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ مِن ذُرِّيَّتِنا؛ ﴿وَأرِنا﴾؛ مِن "الرُّؤْيَةُ"؛ بِمَعْنى: "الإبْصارُ"؛ أوْ بِمَعْنى: "التَّعْرِيفُ"؛ أيْ: بَصِّرْنا؛ أوْ: عَرِّفْنا؛ ﴿مَناسِكَنا﴾؛ أيْ: مُتَعَبَّداتِنا في الحَجِّ؛ أوْ مَذابِحَنا؛ والنُّسُكُ في الأصْلِ: غايَةُ العِبادَةِ؛ وشاعَ في الحَجِّ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ؛ والبُعْدِ عَنِ العادَةِ؛ وقُرِئَ: "أرْنا"؛ قِياسًا عَلى "فَخْذٌ"؛ في "فَخِذٌ"؛ وفِيهِ إحْجافٌ؛ لِأنَّ الكَسْرَةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ؛ دَلِيلٌ عَلَيْها؛ وقُرِئَ بِالِاخْتِلاسِ؛ ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾: اسْتِتابَةٌ لِذُرِّيَّتِهِما؛ وحِكايَتُها عَنْهُما لِتَرْغِيبِ الكَفَرَةِ في التَّوْبَةِ؛ والإيمانِ؛ أوْ تَوْبَةٌ لَهُما عَمّا فَرَطَ مِنهُما سَهْوًا؛ ولِعِلْمِهِما قالاهُ هَضْمًا لِأنْفُسِهِما؛ وإرْشادًا لِذُرِّيَّتِهِما؛ ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ وهو تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ؛ ومَزِيدُ اسْتِدْعاءٍ لِلْإجابَةِ؛ قِيلَ: إذا أرادَ العَبْدُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ فَلْيَدْعُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بِما يُناسِبُهُ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.

2:129Страница 20

رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩

Господь наш! Пошли к ним посланника из них самих, который прочтет им Твои аяты, научит их Писанию и мудрости и очистит их. Воистину, Ты - Могущественный, Мудрый».

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾: أيْ: في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ (p-162)

﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّ البَعْثَ فِيهِمْ لا يَسْتَلْزِمُ البَعْثَ مِنهُمْ؛ ولَمْ يُبْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِهِما غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَهو الَّذِي أُجِيبَ بِهِ دَعْوَتُهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ؛ وهو في آخِرِ الزَّمانِ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ؛ وبُشْرى عِيسى؛ ورُؤْيا أُمِّي"؛» وتَخْصِيصُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ؛ لِما أنَّهُ الأصْلُ في الدُّعاءِ؛ وإسْماعِيلُ تَبَعٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾؛ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ؛ ويُبَلِّغُهم ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ البَيِّناتِ؛ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾؛ بِحَسَبِ قُوَّتِهِمُ النَّظَرِيَّةِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيِ القرآن؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ وما يُكْمِلُ بِهِ نُفُوسَهم مِن أحْكامِ الشَّرِيعَةِ؛ والمَعارِفِ الحَقَّةِ؛ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾؛ بِحَسَبِ قُوَّتِهِمُ العَمَلِيَّةِ؛ أيْ: يُطَهِّرُها عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ؛ وفُنُونِ المَعاصِي؛ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾؛ الَّذِي لا يُقْهَرُ؛ ولا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ والمَصْلَحَةُ؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ؛ وإجابَةُ المَسْؤُولِ؛ فَإنَّ وصْفَ الحِكْمَةِ مُقْتَضٍ لِإفاضَةِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها بَعْثُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ووَصْفُ العِزَّةِ مُسْتَدْعٍ لِامْتِناعِ وُجُودِ المانِعِ بِالمَرَّةِ.

2:130Страница 20

وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠

Кто же отвернется от религии Ибрахима (Авраама), кроме глупца? Мы избрали его в мирской жизни, а в Последней жизни он будет в числе праведников.

﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾: إنْكارٌ؛ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ؛ الَّتِي هي الحَقُّ الصَّرِيحُ؛ والدِّينُ الصَّحِيحُ؛ أيْ: لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ الواضِحَةِ الغَرّاءِ؛ ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ أيْ: أذَلَّها؛ واسْتَمْهَنَها؛ واسْتَخَفَّ بِها؛ وقِيلَ: خَسِرَ نَفْسَهُ؛ وقِيلَ: أوْبَقَ؛ أوْ: أهْلَكَ؛ أوْ جَهَّلَ نَفْسَهُ؛ قالَ المُبَرِّدُ؛ وثَعْلَبٌ: "سَفِهَ"؛ بِالكَسْرِ مُتَعَدٍّ؛ وبِالضَّمِّ لازِمٌ؛ ويَشْهَدُ لَهُ ما ورَدَ في الخَبَرِ: "الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِصَ النّاسَ"؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: ضَلَّ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ: "سَفِهَ نَفْسُهُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ فَنُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ؛ نَحْوَ: غَبِنَ رَأْيُهُ؛ وألِمَ رَأْسُهُ؛ ونَحْوَ قَوْلِهِ:

؎ ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ

وَقَوْلِهِ:

؎ وما قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ ∗∗∗ ولا بِفَزارَةَ الشِّعْرَ الرِّقابا

ذَلِكَ لِأنَّهُ إذا رَغِبَ عَمّا لا يَرْغَبُ عَنْهُ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ فَقَدْ بالَغَ في إذْلالِ نَفْسِهِ؛ وإذالَتِها وإهانَتِها؛ حَيْثُ خالَفَ بِها كُلَّ نَفْسٍ عاقِلَةٍ؛ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ سَلَمَةَ؛ ومُهاجِرًا؛ إلى الإسْلامِ؛ فَقالَ لَهُما: قَدْ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ في التَّوْراةِ: "إنِّي باعِثٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أحْمَدُ؛ فَمَن آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدى؛ ورَشَدَ؛ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو مَلْعُونٌ؛ فَأسْلَمَ سَلَمَةُ؛ وأبى مُهاجِرٌ؛ فَنَزَلَتْ.

﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾؛ أيْ: اخْتَرْناهُ بِالنُّبُوَّةِ؛ والحِكْمَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ؛ وأصْلُهُ: اتِّخاذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ؛ كَما أنَّ أصْلَ الِاخْتِيارِ اتِّخاذُ خَيْرِهِ؛ واللّامُ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ المَشْهُودِ لَهم بِالثَّباتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ؛ والخَيْرِ. والصَّلاحُ مَعْطُوفٌ عَلَيْها؛ داخِلٌ في حَيِّزِ القَسَمِ؛ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِها؛ مُقَرِّرٌ لِما تُقَرِّرُهُ؛ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ اعْتِراضًا آخَرَ؛ أوْ حالًا مُقَدَّرَةً؛ فَإنَّ مَن كانَ صَفْوَةً لِلْعِبادِ في الدُّنْيا؛ مَشْهُودًا لَهُ بِالصَّلاحِ في الآخِرَةِ؛ كانَ حَقِيقًا بِالِاتِّباعِ؛ لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ إلّا سَفِيهٌ؛ أوْ مُتَسَفِّهٌ؛ أذَلَّ نَفْسَهُ بِالجَهْلِ؛ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ؛ والتَّأمُّلِ. وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِما أنَّ انْتِظامَهُ في زُمْرَةِ صالِحِي أهْلِ الآخِرَةِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ؛ لا أنَّهُ (p-163)يَحْدُثُ في الآخِرَةِ؛ والتَّأْكِيدُ بِـ "إنَّ" واللّامِ لِما أنَّ الأُمُورَ الأُخْرَوِيَّةَ خَفِيَّةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ؛ فَحاجَتُها إلى التَّأْكِيدِ أشَدُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُشاهَدُ آثارُها؛ وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "الصّالِحِينَ"؛ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ؛ ولَيْسَتْ بِمَوْصُولَةٍ حَتّى يَلْزَمَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الصِّلَةِ عَلَيْها؛ عَلى أنَّهُ قَدْ يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ رَبَّيْتُهُ حَتّى إذا تَمَعْدَدا ∗∗∗ كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا

أوْ بِمَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ؛ أيْ: وإنَّهُ لَصالِحٌ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ؛ أوْ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ أيْ: أعْنِي: في الآخِرَةِ؛ نَحْوَ: لَكَ بَعْدُ رَعْيًا؛ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اصْطَفَيْناهُ"؛ عَلى أنَّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ".

2:131Страница 20

إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١

Вот сказал Господь Ибрахиму (Аврааму): «Покорись!». Он сказал: «Я покорился Господу миров».

﴿إذْ قالَ لَهُ﴾: ظَرْفٌ لِـ "اصْطَفَيْناهُ"؛ لِما أنَّ المُتَوَسِّطَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ؛ بَلْ هو مُقَرِّرٌ لَهُ؛ لِأنَّ اصْطِفاءَهُ في الدُّنْيا إنَّما هو لِلنُّبُوَّةِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ الآخِرَةِ؛ أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ؛ أوْ مَنصُوبٌ بِـ "اذْكُرْ"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِتَقِفَ عَلى أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ؛ المُسْتَحِقُّ لِلْإمامَةِ؛ والتَّقَدُّمِ؛ وأنَّهُ ما نالَ ما نالَ إلّا بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْعانِ؛ والِانْقِيادِ لِما أُمِرَ بِهِ؛ وإخْلاصِ سِرِّهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ؛ حِينَ ﴿قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾؛ أيْ: لِرَبِّكَ؛ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ بَلْ هو تَمْثِيلٌ؛ والمَعْنى: أخْطَرَ بِبالِهِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ المُؤَدِّيَةَ إلى المَعْرِفَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلى الإسْلامِ؛ مِنَ الكَوْكَبِ؛ والقَمَرِ؛ والشَّمْسِ؛ وقِيلَ: أسْلِمْ أيْ: أذْعِنْ؛ وأطِعْ؛ وقِيلَ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ؛ والإخْلاصِ؛ أوْ: اسْتَقِمْ؛ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فالأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ والِالتِفاتُ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ والإضافَةِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ؛ والِاعْتِناءِ بِتَرْبِيَتِهِ؛ وإضافَةُ الرَّبِّ في جَوابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ إسْلامِهِ؛ حَيْثُ أيْقَنَ حِينَ النَّظَرِ بِشُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ قاطِبَةً؛ لا لِنَفْسِهِ وحْدَهُ؛ كَما هو المَأْمُورُ بِهِ.

2:132Страница 20

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢

Ибрахим (Авраам) и Йакуб (Иаков) заповедали это своим сыновьям. Йакуб (Иаков) сказал: «О сыновья мои! Аллах избрал для вас религию. И умирайте не иначе, как будучи мусульманами».

﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ تَكْمِيلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِغَيْرِهِ؛ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في نَفْسِهِ؛ وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِوُجُوبِ الرَّغْبَةِ في مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والتَّوْصِيَةُ: التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِن فِعْلٍ؛ أوْ قَوْلٍ؛ وأصْلُها: "الوَصْلَةُ"؛ يُقالُ: "وَصاهُ"؛ إذا وصَلَهُ؛ و"فَصاهُ"؛ إذا فَصَلَهُ؛ كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فِعْلَهُ بِفِعْلِ الوَصِيِّ؛ والضَّمِيرُ في "بِها" لِلْمِلَّةِ؛ أوْ قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ بِتَأْوِيلِ الكَلِمَةِ؛ كَما عَبَّرَ بِها عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾؛ وقُرِئَ: "أوْصى"؛ والأوَّلُ أبْلَغُ؛ ﴿وَيَعْقُوبُ﴾: عَطْفٌ عَلى "إبْراهِيمُ"؛ أيْ: وصّى بِها هو أيْضًا؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَطْفًا عَلى "بَنِيهِ"؛ ﴿يا بَنِيَّ﴾: عَلى إضْمارِ القَوْلِ؛ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ ومُتَعَلِّقٌ بِـ "وَصّى"؛ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى القَوْلِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ رَجْلانِ مِن ضَبَّةَ أخْبَرانا ∗∗∗ إنّا رَأيْنا رَجُلًا عُرْيانا

فَهُوَ عِنْدَ الأوَّلِينَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ وعِنْدَ الآخِرِينَ مُتَعَلِّقٌ بِالإخْبارِ؛ الَّذِي هو في مَعْنى القَوْلِ؛ وقُرِئَ: "أنْ يا بَنِيَّ"؛ وبَنُو إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا أرْبَعَةً: إسْماعِيلُ؛ وإسْحاقُ؛ ومَدْيَنُ؛ ومَدّانُ؛ وقِيلَ: ثَمانِيَةً؛ وقِيلَ: أرْبَعَةً وعِشْرِينَ؛ وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَيْ عَشَرَ: رُوبِينُ؛ وشَمْعُونُ؛ ولاوِي؛ ويَهُوذا؛ ويَشْسُوخُورُ؛ وزَبُولُونُ؛ وزُوانا؛ وتَفْتُونا؛ (p-164)

وَكُوذا؛ وأُوشِيرُ؛ وبِنْيامِينُ؛ ويُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾: دِينَ الإسْلامِ؛ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ؛ ولا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَهُ (تَعالى)؛ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ؛ والمَقْصُودُ: الأمْرُ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ؛ إلى حِينِ المَوْتِ؛ أيْ: فاثْبُتُوا عَلَيْهِ؛ ولا تُفارِقُوهُ أبَدًا؛ كَقَوْلِكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ؛ وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ؛ وأنَّ حَقَّهُ ألّا يَحِلَّ بِهِمْ؛ وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْذَرُوهُ غايَةَ الحَذَرِ؛ ونَظِيرُهُ: مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ؛ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بِاليَهُودِيَّةِ يَوْمَ ماتَ؟ فَنَزَلَتْ:

2:133Страница 20

أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣

Или же вы находились рядом, когда смерть явилась к Йакубу (Иакову)? Он сказал своим сыновьям: «Кому вы будете поклоняться после меня?». Они сказали: «Мы будем поклоняться твоему Богу и Богу твоих отцов - Ибрахима (Авраама), Исмаила (Измаила) и Исхака (Исаака), Единственному Богу. Ему одному мы покоряемся».

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾: "أمْ": مُنْقَطِعَةٌ؛ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"؛ والهَمْزَةِ؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ؛ الرّاغِبِينَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ و"شُهَداءَ": جَمْعُ "شَهِيدٌ"؛ أوْ "شاهِدٌ"؛ بِمَعْنى: "الحاضِرُ"؛ و"إذْ": ظَرْفٌ لِـ "شُهَداءَ"؛ والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ؛ وتَقْدِيمُ "يَعْقُوبَ" - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ إذِ المُرادُ كَيْفِيَّةُ وصِيَّتِهِ لِبَنِيهِ؛ بَعْدَما بَيَّنَ ذَلِكَ إجْمالًا؛ ومَعْنى "بَلْ": الإضْرابُ؛ والِانْتِقالُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ عَلى رَغْبَتِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْبِيخِهِمْ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاليَهُودِيَّةِ؛ حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُمْ؛ وأمّا تَعْمِيمُ الِافْتِراءِ هَهُنا لِسائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما قِيلَ؛ فَيَأْباهُ تَخْصِيصُ يَعْقُوبَ بِالذِّكْرِ؛ وما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ﴾؛ إلَخْ.. ومَعْنى الهَمْزَةِ: إنْكارُ وُقُوعِ الشُّهُودِ عِنْدَ احْتِضارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَبْكِيتُهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ﴾: بَدَلٌ مِن "إذْ حَضَرَ"؛ أيْ: ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ عِنْدَ احْتِضارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي؟ فَمِن أيْنَ لَكم أنْ تَدَّعُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَدَّعُونَ؛ رَجْمًا بِالغَيْبِ؟ وعِنْدَ هَذا تَمَّ التَّوْبِيخُ؛ والإنْكارُ؛ والتَّبْكِيتُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ قَدْ جَرى حِينَئِذٍ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا؛ وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِسُؤالِهِ ذَلِكَ تَقْرِيرَ بَنِيهِ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والإسْلامِ؛ وأخْذَ مِيثاقِهِمْ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِما؛ إذْ بِهِ يُتِمُّ وصِيَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ و"ما": يُسْألُ بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ما لَمْ يُعْرَفْ؛ فَإذا عُرِفَ خُصَّ العُقَلاءُ بِـ "مَن"؛ إذا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ؛ وإنْ سُئِلَ عَنْ وصْفِهِ قِيلَ: "ما زَيْدٌ؟ أفَقِيهٌ أمْ طَبِيبٌ؟"؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ؛ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ سُؤالِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾؛ حَسْبَما كانَ مُرادُ أبِيهِمْ بِالسُّؤالِ؛ أيْ: نَعْبُدُ الإلَهَ المُتَّفَقَ عَلى وُجُودِهِ؛ وإلَهِيَّتِهِ؛ ووُجُوبِ عِبادَتِهِ. وعَدُّ إسْماعِيلَ مِن آبائِهِ تَغْلِيبًا لِلْأبِ؛ والجَدِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ"؛» وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في العَبّاسِ -: « "هَذا بَقِيَّةُ آبائِي"؛» وقُرِئَ: "أبِيكَ"؛ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ بِالواوِ والنُّونِ؛ كَما في قَوْلِهِ

؎ فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا ∗∗∗ بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بِالأبِينا

وَقَدْ سَقَطَتِ النُّونُ بِالإضافَةِ؛ أوْ مُفْرَدٌ؛ و"إبْراهِيمَ": عَطْفُ بَيانٍ لَهُ؛ و"إسْماعِيلَ"؛ و"إسْحاقَ": مَعْطُوفانِ عَلى "أبِيكَ"؛ ﴿إلَهًا واحِدًا﴾: بَدَلٌ مِن "إلَهَ آبائِكَ"؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾؛ وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّوْحِيدِ؛ ودَفْعُ التَّوَهُّمِ النّاشِئِ مِن تَكْرِيرِ المُضافِ لِتَعَذُّرِ العَطْفِ عَلى المَجْرُورِ؛ أوْ نُصِبَ (p-165)عَلى الِاخْتِصاصِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: حالٌ مِن فاعِلِ "نَعْبُدُ"؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أوْ مِنهُما مَعًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا مُحَقِّقًا لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ.

2:134Страница 20

تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤

Этот народ уже миновал. Они получат то, что они заслужили, а вы получите то, что вы заслужили, и вы не будете спрошены о том, что они совершали.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ والإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ؛ ويَعْقُوبَ؛ وبَنِيهِما المُوَحِّدِينَ؛ والأُمَّةُ: هي الجَماعَةُ الَّتِي تَؤُمُّها فِرَقُ النّاسِ؛ أيْ: يَقْصِدُونَها؛ ويَقْتَدُونَ بِها؛ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: صِفَةٌ لِلْخَبَرِ؛ أيْ: مَضَتْ بِالمَوْتِ؛ وانْفَرَدَتْ عَمَّنْ عَداها؛ وأصْلُهُ: صارَتْ إلى الخَلاءِ؛ وهي الأرْضُ الَّتِي لا أنِيسَ بِها؛ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِـ "أُمَّةٌ"؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "خَلَتْ"؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَها ما كَسَبَتْهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المَحْكِيَّةِ؛ تَتَخَطّاها إلى غَيْرِها؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ يُوجِبُ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ ﴿وَلَكم ما كَسَبْتُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى نَظِيرَتِها؛ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ وجُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ إذْ لا رابِطَ فِيها؛ ولا بُدَّ مِنهُ في الصِّفَةِ؛ ولا مُقارَنَةَ في الزَّمانِ؛ ولا بُدَّ مِنها في الحالِ؛ أيْ: لَكم ما كَسَبْتُمُوهُ؛ لا ما كَسَبَهُ غَيْرُكُمْ؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ قَصْرُهُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ؛ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾؛ أيْ: ولِيَ دِينِي لا دِينُكُمْ؛ وحَمْلُ الجُمْلَةِ الأُولى عَلى هَذا القَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا؛ كَما قِيلَ؛ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ إذْ لا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ انْتِفاعَهم بِكَسْبِ هَؤُلاءِ حَتّى يُحْتاجَ إلى بَيانِ امْتِناعِهِ؛ وإنَّما الَّذِي يُتَوَهَّمُ انْتِفاعُ هَؤُلاءِ بِكَسْبِهِمْ؛ فَبَيَّنَ امْتِناعَهُ بِأنَّ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ؛ لا تَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ؛ ولَيْسَ لِهَؤُلاءِ إلّا ما كَسَبُوا؛ فَلا يَنْفَعُهُمُ انْتِسابُهم إلَيْهِمْ؛ وإنَّما يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهم لَهم في الأعْمالِ؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "يا بَنِي هاشِمَ لا يَأْتِيَنِّي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكُمْ".»

﴿وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إنْ أُجْرِيَ السُّؤالُ عَلى ظاهِرِهِ فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما مَرَّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ تَقْرِيرًا ظاهِرًا؛ وإنْ أُرِيدَ بِهِ مُسَبِّبُهُ - أعْنِي الجَزاءَ - فَهو تَتْمِيمٌ لِما سَبَقَ؛ جارٍ مُجْرى النَّتِيجَةِ لَهُ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ تَخْيِيبُ المُخاطَبِينَ؛ وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ الِانْتِفاعِ بِحَسَناتِ الأُمَّةِ الخالِيَةِ؛ وإنَّما أُطْلِقَ العَمَلُ لِإثْباتِ الحُكْمِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ في ضِمْنِ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ؛ هَذا وقَدْ جُعِلَ السُّؤالُ عِبارَةً عَنِ المُؤاخَذَةِ؛ والمَوْصُولُ عَنِ السَّيِّئاتِ؛ فَقِيلَ: أيْ: لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ؛ كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ كَيْفَ لا.. وهم مُنَزَّهُونَ مِن كَسْبِ السَّيِّئاتِ؟ فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ تَحْمِيلُها عَلى غَيْرِهِمْ حَتّى يُتَصَدّى لِبَيانِ انْتِفاعِهِ؟

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English