Абу-с-СуудАль‑Бакара · 2:21–22

Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:21–22

2:21Страница 4

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١

О люди! Поклоняйтесь вашему Господу, Который сотворил вас и тех, кто был до вас, - быть может, вы устрашитесь.

(p-58)﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: إثْرَ ما ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) عُلُوَّ طَبَقَةِ كِتابِهِ الكَرِيمِ؛ وتَحَزُّبَ النّاسِ في شَأْنِهِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ؛ مُؤْمِنَةٍ بِهِ؛ مُحافِظَةٍ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ؛ وكافِرَةٍ قَدْ نَبَذَتْهُ وراءَ ظَهْرِها؛ بِالمُجاهَرَةِ والشِّقاقِ؛ وأُخْرى مُذَبْذَبَةٍ بَيْنَهُما بِالمُخادَعَةِ؛ والنِّفاقِ؛ ونَعَتَ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنها بِما لَها مِنَ النُّعُوتِ والأحْوالِ؛ وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ؛ هَزًّا لَهم إلى الإصْغاءِ؛ وتَوْجِيهًا لِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ التَّلَقِّي؛ وجَبْرًا لِما في العِبادَةِ مِنَ الكُلْفَةِ بِلَذَّةِ الخِطابِ؛ فَأمَرَهم كافَّةً بِعِبادَتِهِ؛ ونَهاهم عَنِ الإشْراكِ بِهِ؛ و"يا" حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ؛ وقَدْ يُنادى بِهِ القَرِيبُ؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ؛ إمّا إجْلالًا؛ كَما في قَوْلِ الدّاعِي: "يا اللَّهُ"؛ و"يا رَبِّ"؛ وهو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ؛ اسْتِقْصارًا لِنَفْسِهِ؛ واسْتِبْعادًا لَها مِن مَحافِلِ الزُّلْفى؛ ومَنازِلِ المُقَرَّبِينَ؛ وإمّا تَنْبِيهًا عَلى غَفْلَتِهِ؛ وسُوءِ فَهْمِهِ؛ وقَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما يَعْقُبُهُ أمْرٌ خَطِيرٌ؛ يُعْتَنى بِشَأْنِهِ؛ و"أيُّ" اسْمٌ مُبْهَمٌ؛ جُعِلَ وصْلَةً إلى نِداءِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ؛ لا عَلى أنَّهُ المُنادى أصالَةً؛ بَلْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لَهُ؛ مُزِيلَةٌ لِإبْهامِهِ؛ والتُزِمَ رَفْعُهُ مَعَ انْتِصابِ مَوْصُوفِهِ مَحَلًّا؛ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ؛ وأُقْحِمَتْ بَيْنَهُما كَلِمَةُ التَّنْبِيهِ؛ تَأْكِيدًا لِمَعْنى النِّداءِ؛ وتَعْوِيضًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ "أيُّ" مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ ولِما تَرى مِنَ اسْتِقْلالِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِضُرُوبٍ مِن أسْبابِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَثُرَ سُلُوكُها في التَّنْزِيلِ المَجِيدِ؛ كَيْفَ لا.. وكُلُّ ما ورَدَ في تَضاعِيفِهِ عَلى العِبادِ مِنَ الأحْكامِ؛ والشَّرائِعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ خُطُوبٌ جَلِيلَةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِأنْ تَقْشَعِرَّ مِنها الجُلُودُ؛ وتَطْمَئِنَّ بِها القُلُوبُ الأبِيَّةُ؛ ويَتَلَقَّوْها بِآذانٍ واعِيَةٍ؛ وأكْثَرَهم عَنْها غافِلُونَ؛ فاقْتَضى الحالُ المُبالَغَةَ؛ والتَّأْكِيدَ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ؛ والمُرادُ بِالنّاسِ كافَّةُ المُكَلَّفِينَ المَوْجُودِينَ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ لِما أنَّ الجُمُوعَ؛ وأسْماءَها المُحَلّاةَ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ مِنها؛ والتَّأْكِيدِ بِما يُفِيدُ العُمُومَ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾؛ واسْتِدْلالُ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - بِعُمُومِها شائِعٌ ذائِعٌ؛ وأمّا مَن عَداهُمْ؛ مِمَّنْ سَيُوجَدُ مِنهُمْ؛ فَغَيْرُ داخِلِينَ في خِطابِ المُشافَهَةِ؛ وإنَّما دُخُولُهم تَحْتَ حُكْمِهِ؛ لِما تَواتَرَ مِن دِينِهِ ﷺ ضَرُورَةً؛ إنَّ مُقْتَضى خِطابِهِ وأحْكامِهِ شامِلٌ لِلْمَوْجُودِينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ؛ ولِمَن سَيُوجَدُ مِنهم إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ ولا يَقْدَحُ في العُمُومِ ما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ؛ والحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ مِن أنَّ كُلَّ ما نَزَلَ فِيهِ "يا أيُّها النّاسُ" فَهو مَكِّيٌّ؛ إذْ لَيْسَ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِهِ بِمَكَّةَ - شَرَّفَها اللَّهُ (تَعالى) - اخْتِصاصُ حُكْمِهِ بِأهْلِها؛ ولا مِن قَضِيَّةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمُ اخْتِصاصُهُ بِالكُفّارِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ أهْلِها حِينَئِذٍ كَفَرَةً؛ ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ العِبادَةِ في بَعْضِ المُكَلَّفِينَ قَبْلَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لِإنْشاءِ العِبادَةِ؛ والثَّباتِ عَلَيْها؛ والزِّيادَةِ فِيها؛ مَعَ أنَّها مُتَكَرِّرَةٌ حَسَبَ تَكَرُّرِ أسْبابِها؛ ولا في انْتِفاءِ شَرْطِها في الآخَرِينَ مِنهُمْ؛ أعْنِي الإيمانَ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِها مُنْتَظِمٌ لِلْأمْرِ بِما لا تَتِمُّ إلّا بِهِ؛ وقَدْ عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةُ اشْتِراطِها بِهِ؛ فَإنَّ أمْرَ المُحْدِثِ بِالصَّلاةِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْأمْرِ بِالتَّوَضِّي؛ لا مَحالَةَ؛ وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالعِبادَةِ ما يَعُمُّ أفْعالَ القَلْبِ أيْضًا؛ لِما أنَّها عِبارَةٌ عَنْ غايَةِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ كُلَّ ما ورَدَ في القرآن مِنَ العِباداتِ مَعْناها التَّوْحِيدُ؛ وقِيلَ: مَعْنى "اعْبُدُوا": وحِّدُوا؛ وأطِيعُوا؛ ولا في كَوْنِ بَعْضٍ مِنَ الفِرْقَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ؛ مِمَّنْ لا يُجْدِي فِيهِمُ الإنْذارُ؛ بِمُوجِبِ النَّصِّ القاطِعِ؛ لِما أنَّ الأمْرَ لِقَطْعِ الأعْذارِ (p-59)لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفُهم بِما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ أصْلًا؛ إذْ لا قَطْعَ لِأحَدٍ مِنهم بِدُخُولِهِ في حُكْمِ النَّصِّ قَطْعًا؛ ووُرُودُ النَّصِّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ - بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ - كَذَلِكَ؛ لا أنَّ كَوْنَهم كَذَلِكَ لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ؛ فَلا جَبْرَ أصْلًا؛ نَعَمْ.. لِتَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُشْرِكِينَ وجْهٌ لَطِيفٌ؛ سَنَقِفُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ وإيرادُهُ (تَعالى) بِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ لِتَأْكِيدِ مُوجِبِ الأمْرِ بِالإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْعِبادَةِ.

﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾: صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لِلتَّبْجِيلِ؛ والتَّعْلِيلِ إثْرَ التَّعْلِيلِ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّقْيِيدِ؛ والتَّوْضِيحِ؛ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُشْرِكِينَ؛ وحَمْلِ "الرَّبُّ" عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ؛ والآلِهَةِ الَّتِي يُسَمُّونَها أرْبابًا. والخَلْقُ: إيجادُ الشَّيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ؛ وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ؛ يُقالُ: "خَلَقَ النَّعْلَ"؛ أيْ: قَدَّرَها وسَوّاها بِالمِقْياسِ؛ وقُرِئَ: "خَلَقْكُمْ"؛ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ.

﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ ومُتَمِّمٌ لِما قُصِدَ مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّعْلِيلِ؛ فَإنَّ خَلْقَ أُصُولِهِمْ مِن مُوجِباتِ العِبادَةِ؛ كَخَلْقِ أنْفُسِهِمْ؛ و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكُمْ؛ وقِيلَ: خَلَقَهم مِن قَبْلِ خَلْقِكُمْ؛ فَحُذِفَ "الخَلْقُ"؛ وأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَكانَهُ؛ والمُرادُ بِهِمْ: مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ كافَّةً؛ ومِن ضَرُورَةِ عُمُومِ الخِطابِ بَيانُ شُمُولِ خَلْقِهِ (تَعالى) لِلْكُلِّ؛ وتَخْصِيصُهُ بِالمُشْرِكِينَ يُؤَدِّي إلى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِخَلْقِ مَن عَداهم مِن مُعاصِرِيهِمْ؛ وإخْراجُ الجُمْلَةِ مُخْرَجَ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُولِ عِنْدَهم أيْضًا؛ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِغايَةِ الخَلْقِ؛ وإنِ اعْتَرَفُوا بِنَفْسِهِ؛ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ خَلْقَهم لِلتَّقْوى مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَتَأتّى لِأحَدٍ إنْكارُهُ؛ وقُرِئَ: "وَخَلَقَ مَن قَبْلَكُمْ"؛ وقُرِئَ: "والَّذِينَ مَن قَبْلَكُمْ"؛ بِإقْحامِ المَوْصُولِ الثّانِي بَيْنَ الأوَّلِ وصِلَتِهِ؛ تَوْكِيدًا؛ كَإقْحامِ اللّامِ بَيْنَ المُضافَيْنِ في "أبا لَكَ"؛ أوْ بِجَعْلِهِ مَوْصُوفًا بِالظَّرْفِ؛ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الَّذِينَ هم أُناسٌ كائِنُونَ مِن قَبْلِكم.

﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾: المَعْنى الوَضْعِيُّ لِكَلِمَةِ "لَعَلَّ" هو إنْشاءُ تَوَقُّعِ أمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ؛ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ؛ إمّا مَحْبُوبٍ؛ فَيُسَمّى تَرَجِّيًا؛ أوْ مَكْرُوهٍ؛ فَيُسَمّى إشْفاقًا؛ وذَلِكَ المَعْنى قَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالفِعْلِ إمّا مِن جِهَةِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما في قَوْلِكَ: لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُنِي؛ وهو الأصْلُ الشّائِعُ في الِاسْتِعْمالِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الإنْشاءاتِ قائِمَةٌ بِهِ؛ وإمّا مِن جِهَةِ المُخاطَبِ؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُتَكَلِّمِ في التَّلَبُّسِ التّامِّ بِالكَلامِ الجارِي بَيْنَهُما؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾؛ وقَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ في نَفْسِهِ مَئِنَّةٌ لِلتَّوَقُّعِ؛ مُتَّصِفٌ بِحَيْثِيَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لَهُ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ هُناكَ تَوَقُّعٌ بِالفِعْلِ مِن مُتَوَقَّعٍ أصْلًا؛ فَإنْ رُوعِيَتْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ جِهَةُ المُتَكَلِّمِ يَسْتَحِيلُ إرادَةُ ذَلِكَ المَعْنى؛ لِامْتِناعِ التَّوَقُّعِ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيُصارُ إمّا إلى الِاسْتِعارَةِ؛ بِأنْ يُشَبَّهَ طَلَبُهُ (تَعالى) مِن عِبادِهِ التَّقْوى؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مَئِنَّةً لَها؛ لِتَعاضُدِ أسْبابِها؛ بِرَجاءِ الرّاجِي مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ أمْرًا هَيِّنَ الحُصُولِ؛ في كَوْنِ مُتَعَلِّقِ كُلٍّ مِنهُما مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ؛ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ؛ فَيُسْتَعارُ لَهُ كَلِمَةُ "لَعَلَّ" اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَرْفِيَّةً؛ لِلْمُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الطَّلَبِ؛ وقُرْبِ المَطْلُوبِ مِنَ الوُقُوعِ؛ وإمّا إلى التَّمْثِيلِ؛ بِأنْ يُلاحَظَ خَلْقُهُ (تَعالى) إيّاهم مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّقْوى؛ وطَلَبُهُ إيّاها مِنهُمْ؛ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنها؛ جامِعُونَ لِأسْبابِها؛ ويُنْتَزَعَ مِن ذَلِكَ هَيْئَةٌ؛ فَتُشَبَّهَ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنَ الرّاجِي؛ ورَجائِهِ مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ شَيْئًا سَهْلَ المَنالِ؛ فَيُسْتَعْمَلَ في الهَيْئَةِ الأُولى ما حَقُّهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الثّانِيَةِ؛ فَيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ؛ قَدْ صُرِّحَ مِن ألْفاظِها بِما هو العُمْدَةُ في انْتِزاعِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ أعْنِي كَلِمَةَ التَّرَجِّي؛ والباقِي مَنوِيٌّ بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها (p-60)

يَحْصُلُ التَّرْكِيبُ المُعْتَبَرُ في التَّمْثِيلِ؛ كَما مَرَّ مِرارًا؛ وأمّا جَعْلُ المُشَبَّهِ إرادَتَهُ (تَعالى) في الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ فَأمْرٌ مُؤَسَّسٌ عَلى قاعِدَةِ الِاعْتِزالِ؛ القائِلَةِ بِجَوازِ تَخَلُّفِ المُرادِ عَنْ إرادَتِهِ (تَعالى)؛ فالجُمْلَةُ حالٌ؛ إمّا مِن فاعِلِ "خَلَقَكُمْ"؛ أيْ: طالِبًا مِنكُمُ التَّقْوى؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ؛ لِأنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالعِبادَةِ؛ أيْ: خَلَقَكم وإيّاهم مَطْلُوبًا مِنكُمُ التَّقْوى؛ أوْ عِلَّةٌ لَهُ؛ فَإنَّ خَلْقَهم عَلى تِلْكَ الحالِ في مَعْنى خَلْقِهِمْ لِأجْلِ التَّقْوى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلَقَكم لِتَتَّقُوا؛ أوْ: كَيْ تَتَّقُوا؛ إمّا بِناءً عَلى تَجْوِيزِ تَعْلِيلِ أفْعالِهِ (تَعالى) بِأغْراضٍ راجِعَةٍ إلى العِبادِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ؛ وإمّا تَنْزِيلًا لِتَرَتُّبِ الغايَةِ عَلى ما هي ثَمَرَةٌ لَهُ مَنزِلَةَ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى ما هو غَرَضٌ لَهُ؛ فَإنَّ اسْتِتْباعَ أفْعالِهِ (تَعالى) لِغاياتٍ ومَصالِحَ مُتْقَنَةٍ جَلِيلَةٍ؛ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ هي عِلَّةً غائِيَّةً لَها؛ بِحَيْثُ لَوْلاها لَما أُقْدِمَ عَلَيْها؛ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ؛ وتَقْيِيدُ خَلْقِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الحالِ؛ أوِ العِلَّةِ لِتَكْمِيلِ عِلِّيَّتِهِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ وتَأْكِيدِها؛ فَإنَّ إتْيانَهم بِما خُلِقُوا لَهُ أدْخَلُ في الوُجُوبِ؛ وإيثارُ "تَتَّقُونَ" عَلى "تَعْبُدُونَ"؛ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ العِبادَةِ؛ والتَّشْدِيدِ في إلْزامِها؛ لِما أنَّ التَّقْوى قُصارى أمْرِ العابِدِ؛ ومُنْتَهى جُهْدِهِ؛ فَإذا لَزِمَتْهُمُ التَّقْوى كانَ ما هو أدْنى مِنها ألْزَمَ؛ والإتْيانُ بِهِ أهْوَنَ؛ وإنْ رُوعِيَتْ جِهَةُ المُخاطَبِ فَـ "لَعَلَّ" في مَعْناها الحَقِيقِيِّ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "اعْبُدُوا"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُوا رَبَّكم راجِينَ لِلِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ الفائِزِينَ بِالهُدى والفَلاحِ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّقْوى مَرْتَبَتُها الثّالِثَةُ؛ الَّتِي هي التَّبَتُّلُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِالكُلِّيَّةِ؛ والتَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنْ مُراقَبَتِهِ؛ وهي أقْصى غاياتِ العِبادَةِ؛ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ؛ وبِالِانْتِظامِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ إنْشائِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ؛ لِيَرْتَجِيَهُ أرْبابُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ؛ وما دُونَها مِن مَرْتَبَتَيِ التَّوَقِّي عَنِ العَذابِ المُخَلَّدِ؛ والتَّجَنُّبِ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ؛ أوْ تَرْكٍ؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ "المُتَّقِينَ"؛ ولَعَلَّ تَوْسِيطَ الحالِ مِنَ الفاعِلِ بَيْنَ وصْفَيِ المَفْعُولِ لِما في التَّقْدِيمِ مِن فَواتِ الإشْعارِ بِكَوْنِ الوَصْفِ الأوَّلِ مُعْظَمَ أحْكامِ الربوبية؛ وكَوْنِهِ عَرِيقًا في إيجابِ العِبادَةِ؛ وفي التَّأْخِيرِ مِن زِيادَةِ طُولِ الكَلامِ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ تَحَقُّقِ التَّوَقُّعِ بِالفِعْلِ؛ فَأمّا إنِ اعْتُبِرَ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "خَلَقَكُمْ"؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ؛ أيْ: خَلَقَكم وإيّاهم حالَ كَوْنِكم جَمِيعًا؛ بِحَيْثُ يَرْجُو مِنكم كُلُّ راجٍ أنْ تَتَّقُوا؛ فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَمّا بَرَأهم مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّقْوى؛ جامِعِينَ لِمَبادِيها الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ كانَ حالُهم بِحَيْثُ يَرْجُو مِنهم كُلُّ راجٍ أنْ يَتَّقُوا لا مَحالَةَ؛ وهَذِهِ الحالَةُ مُقارِنَةٌ لِخَلْقِهِمْ؛ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الرَّجاءُ قَطْعًا؛ واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ - مَعَ كَوْنِها بِعِبارَتِها ناطِقَةً بِوُجُوبِ تَوْحِيدِهِ (تَعالى)؛ وتُحَتِّمُ عِبادَتَهُ عَلى كافَّةِ النّاسِ - مُرْشِدَةٌ لَهم بِإشارَتِها إلى أنَّ مُطالَعَةَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ؛ والآفاقِ؛ ومِمّا يَقْضِي بِذَلِكَ قَضاءً مُتْقَنًا؛ وقَدْ بَيَّنَ فِيها أوَّلًا مِن تِلْكَ الآياتِ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِهِمْ وخَلْقِ أسْلافِهِمْ؛ لِما أنَّهُ أقْوى شَهادَةً؛ وأظْهَرُ دَلالَةً؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِما يَتَعَلَّقُ بِمَعاشِهِمْ؛ فَقِيلَ:

2:22Страница 4

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢

Он сделал для вас землю ложем, а небо - кровлей, низвел с неба воду и взрастил ею плоды для вашего пропитания. Посему никого не равняйте с Аллахом сознательно.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾؛ وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ "رَبَّكُمْ"؛ مُوَضِّحَةٌ؛ أوْ مادِحَةٌ؛ أوْ عَلى تَقْدِيرِ "أخُصُّ"؛ أوْ "أمْدَحُ"؛ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ (p-61)عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ؛ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ؛ قالَ ابْنُ مالِكٍ: التُزِمَ حَذْفُ الفِعْلِ في المَنصُوبِ عَلى المَدْحِ؛ إشْعارًا بِأنَّهُ إنْشاءٌ؛ كَما في المُنادى؛ وحَذْفُ المُبْتَدَإ في المَرْفُوعِ إجْراءً لِلْوَجْهَيْنِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ؛ وأمّا كَوْنُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ "فَلا تَجْعَلُوا"؛ كَما قِيلَ؛ فَيَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مَناطُ النَّهْيِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَقَطْ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِما سَلَفَ مِن خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن قَبْلَهم مُدْخَلٌ في ذَلِكَ؛ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ شَأْنًا. و"جَعَلَ" بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ والمَنصُوبانِ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ؛ وقِيلَ: هو بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ وانْتِصابُ الثّانِي عَلى الحالِيَّةِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ؛ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ؛ ولِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ - لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِمَنفَعَتِهِ - مُتَرَقِّبَةٌ لَهُ؛ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ أوْ لِما في المُؤَخَّرِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ مِن نَوْعِ طُولٍ؛ فَلَوْ قُدِّمَ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ ومَعْنى جَعَلَها فِراشًا: جَعَلَ بَعْضَها بارِزًا مِنَ الماءِ - مَعَ اقْتِضاءِ طَبْعِها الرُّسُوبَ -؛ وجَعَلَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ واللِّينِ؛ صالِحَةً لِلْقُعُودِ عَلَيْها؛ والنَّوْمِ فِيها؛ كالبِساطِ المَفْرُوشِ؛ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَوْنُها سَطْحًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّ كُرِّيَّةَ شَكْلِها - مَعَ عِظَمِ جِرْمِها - مُصَحِّحَةٌ لِافْتِراشِها؛ وقُرِئَ: "بِساطًا"؛ و"مِهادًا"؛ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾: عَطْفٌ عَلى المَفْعُولَيْنِ السّابِقَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ حالِ الأرْضِ لِما أنَّ احْتِياجَهم إلَيْها وانْتِفاعَهم بِها أكْثَرُ؛ وأظْهَرُ؛ أيْ جَعْلَها قُبَّةً مَضْرُوبَةً عَلَيْكُمْ؛ و"السَّماءُ" اسْمُ جِنْسٍ؛ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ؛ والمُتَعَدِّدِ؛ أوْ جَمْعُ "سَماوَةٌ"؛ أوْ "سِماءَةٌ"؛ و"البِناءُ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَبْنِيُّ؛ بَيْتًا كانَ أوْ قُبَّةً أوْ خِباءً؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "بَنى عَلى امْرَأتِهِ"؛ لِما أنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا امْرَأةً ضَرَبُوا عَلَيْها خِباءً جَدِيدًا.

﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾: عَطْفٌ عَلى "جَعَلَ"؛ أيْ: أنْزَلَ مِن جِهَتِها؛ أوْ مِنها؛ إلى السَّحابِ؛ ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ؛ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أوِ المُرادُ بِـ "السَّماءِ" جِهَةُ العُلُوِّ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أنْزَلَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ كائِنًا مِنَ السَّماءِ؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً؛ وأمّا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ - فَإمّا لِأنَّ السَّماءَ أصْلُهُ ومَبْدَؤُهُ؛ وإمّا لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ انْتِظامٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾؛ أيْ بِسَبَبِ الماءِ؛ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾؛ وذَلِكَ بِأنْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً؛ وفي الأرْضِ قُوَّةً مُنْفَعِلَةً؛ فَتَوَلَّدَ مِن تَفاعُلِهِما أصْنافُ الثِّمارِ؛ أوْ بِأنْ أجْرى عادَتَهُ بِإفاضَةِ صُوَرِ الثِّمارِ؛ وكَيْفِيَّتِها المُتَخالِفَةِ عَلى المادَّةِ المُمْتَزِجَةِ مِنهُما؛ وإنْ كانَ المُؤَثِّرُ - في الحَقِيقَةِ - قدرته (تَعالى)؛ ومَشِيئَتَهُ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَ جَمِيعَ الأشْياءِ بِلا مَبادٍ؛ ومَوادَّ؛ كَما أبْدَعَ نُفُوسَ المَبادِي؛ والأسْبابَ؛ لَكِنْ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في إنْشائِها مُتَقَلِّبَةً في الأحْوالِ؛ ومُتَبَدِّلَةً في الأطْوارِ؛ مِن بَدائِعِ حِكَمٍ باهِرَةٍ؛ تُجَدِّدُ لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا؛ ومَزِيدَ طُمَأْنِينَةٍ إلى عَظِيمِ قدرته؛ ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ؛ ما لَيْسَ في إبْداعِها بَغْتَةً؛ و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾؛ ولِوُقُوعِها بَيْنَ مُنَكَّرَيْنِ؛ أعْنِي: "ماءً"؛ و"رِزْقًا"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ؛ فَأخْرَجَ بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ؛ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكُمْ؛ وهَكَذا الواقِعُ؛ إذْ لَمْ يُنَزِّلْ مِنَ السَّماءِ كُلَّ الماءِ؛ ولا أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ كُلَّ الثَّمَراتِ؛ ولا جَعَلَ كُلَّ المَرْزُوقِ ثِمارًا؛ أوْ لِلتَّبْيِينِ؛ و"رِزْقًا" مَفْعُولٌ؛ بِمَعْنى "المَرْزُوقُ"؛ و"مِنَ الثَّمَراتِ" بَيانٌ لَهُ؛ أوْ حالٌ مِنهُ؛ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مِنَ الثَّمَراتِ" مَفْعُولًا؛ و"رِزْقًا" حالًا مِنهُ؛ أوْ مَصْدَرًا مِن "أخْرَجَ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى "رَزَقَ"؛ وإنَّما شاعَ وُرُودُ الثَّمَراتِ؛ دُونَ الثِّمارِ؛ مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ (p-62)كَثْرَةٍ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالثَّمَراتِ جَماعَةُ الثَّمَرَةِ؛ في قَوْلِكَ: أدْرَكْتُ ثَمَرَةَ بُسْتانِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى التَّوْحِيدِ؛ أوْ لِأنَّ الجُمُوعَ يَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ أوْ لِأنَّها مُحَلّاةٌ بِاللّامِ؛ خارِجَةٌ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ صِفَةً لِـ "رِزْقًا"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ المَرْزُوقَ؛ أيْ: رِزْقًا كائِنًا لَكُمْ؛ أوْ دِعامَةٌ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ "رِزْقًا"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم.

﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾: إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ السّابِقِ؛ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُمِرْتُمْ بِعِبادَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِهَذِهِ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ والأفْعالِ الجَمِيلَةِ؛ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا؛ وإنَّما قِيلَ: "أنْدادًا" بِاعْتِبارِ الواقِعِ؛ لا لِأنَّ مَدارَ النَّهْيِ هو الجَمْعِيَّةُ؛ وقُرِئَ: "نِدًّا"؛ وإيقاعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَعْيِينِ المَعْبُودِ بِالذّاتِ؛ إثْرَ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ؛ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ؛ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الوَحْدانِيَّةِ؛ واسْتِحالَةِ الشَّرِكَةِ؛ والإيذانِ بِاسْتِتْباعِها لِسائِرِ الصِّفاتِ؛ وإمّا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾؛ والفاءُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما قَبْلَها مِنَ الصِّفاتِ المُجْراةِ عَلَيْهِ (تَعالى)؛ لِلنَّهْيِ؛ أوْ الِانْتِهاءِ؛ أوْ لِأنَّ مَآلَ النَّهْيِ هو الأمْرُ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ المُتَرَتِّبُ عَلى أصْلِها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُوهُ فَخُصُّوها بِهِ؛ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ آنِفًا؛ وقِيلَ: هو نَفْيٌ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أنْ" جَوابًا لِلْأمْرِ؛ ويَأْباهُ أنَّ ذَلِكَ فِيما يَكُونُ الأوَّلُ سَبَبًا لِلثّانِي؛ ولا رَيْبَ في أنَّ العِبادَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو أصْلُها ومَبْناها؛ وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِـ "لَعَلَّ" نَصْبَ "فَأطَّلِعَ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾؛ أيْ: خَلَقَكم لِتَتَّقُوا وتَخافُوا عِقابَهُ؛ فَلا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ؛ وحَيْثُ كانَ مَدارُ هَذا النَّصْبِ تَشْبِيهَ "لَعَلَّ" في بُعْدِ المَرْجُوِّ بِـ "لَيْتَ" كانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَقْصِيرِهِمْ؛ بِجَعْلِهِمُ المَرْجُوَّ القَرِيبَ بِمَنزِلَةِ المُتَمَنّى البَعِيدِ؛ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ "؛ إلَخْ.. عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِهِ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: هو الَّذِي حَفَّكم بِهَذِهِ الآياتِ العِظامِ؛ والدَّلائِلِ النَّيِّرَةِ؛ فَلا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكاءَ؛ وفِيهِ ما مَرَّ مِن لُزُومِ كَوْنِ خَلْقِهِمْ وخَلْقِ أسْلافِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن مَناطِيَةِ النَّهْيِ؛ مَعَ عَراقَتِهِما فِيها؛ وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ بِتَأْوِيلِ مَقُولٍ في حَقِّهِ؛ وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ؛ مَعَ لُزُومِ المَصِيرِ إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَنْزِيلِ الِاسْمِ الظّاهِرِ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ؛ كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ؛ إذا كانَ ذَلِكَ كُنْيَتَهُ. و"النِّدُّ": المِثْلُ المُساوِي؛ مِن "نَدَّ؛ نُدُودًا"؛ إذا نَفَرَ؛ و"نادَدْتُهُ": خالَفْتُهُ؛ خُصَّ بِالمُخالِفِ المُماثِلِ بِالذّاتِ؛ كَما خُصَّ المُساوِي بِالمُماثِلِ في المِقْدارِ؛ وتَسْمِيَةُ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ "أنْدادًا" - والحالُ أنَّهم ما زَعَمُوا أنَّها تُماثِلُهُ (تَعالى) في صِفاتِهِ؛ ولا أنَّها تُخالِفُهُ في أفْعالِهِ - لِما أنَّهم لَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ (تَعالى) إلى عِبادَتِها؛ وسَمَّوْها آلِهَةً؛ شابَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها ذَواتٌ واجِبَةٌ بِالذّاتِ؛ قادِرَةٌ عَلى أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَأْسَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَمْنَحَهم ما لَمْ يُرِدِ اللَّهُ (تَعالى) بِهِمْ مِن خَيْرٍ؛ فَتَهَكَّمَ بِهِمْ؛ وشَنَّعَ عَلَيْهِمْ أنْ جَعَلُوا أنْدادًا لِمَن يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ؛ وفي ذَلِكَ قالَ مُوَحِّدُ الجاهِلِيَّةِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

؎ أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ ∗∗∗ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ

؎ تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ "لا تَجْعَلُوا"؛ بِصَرْفِ التَّقْيِيدِ إلى ما أفادَهُ النَّهْيُ مِن قُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ ومَفْعُولُ "تَعْلَمُونَ" مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَجْعَلُوا ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ قَبِيحٌ؛ واجِبُ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ والحالُ أنَّكم مِن أهْلِ العِلْمِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ؛ وإصابَةِ الرَّأْيِ؛ أوْ مُقَدَّرٌ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ نَحْوَ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ بُطْلانَ ذَلِكَ؛ أوْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ؛ أوْ تَعْلَمُونَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ؛ أوْ (p-63)

تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَفْعَلُ مِثْلَ أفْعالِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وحاصِلُهُ تَنْشِيطُ المُخاطَبِينَ؛ وحَثُّهم عَلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ هَذا الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ عُمُومُ الخِطابِ في النَّهْيِ؛ بِجَعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ القَدْرَ المُشْتَرَكَ المُنْتَظِمَ لِإنْشاءِ الِانْتِهاءِ؛ كَما هو المَطْلُوبُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ ولِلثَّباتِ عَلَيْهِ؛ كَما هو شَأْنُ المُؤْمِنِينَ؛ حَسْبَما مَرَّ مِثْلُهُ في الأمْرِ؛ وأمّا صَرْفُ التَّقْيِيدِ إلى نَفْسِ النَّهْيِ فَيَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ الخِطابِ بِالكَفَرَةِ لا مَحالَةَ؛ إذْ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ بِطَرِيقِ قَصْرِ النَّهْيِ عَلى حالَةِ العِلْمِ؛ ضَرُورَةَ شُمُولِ التَّكْلِيفِ لِلْعالِمِ والجاهِلِ المُتَمَكِّنِ مِنَ العِلْمِ؛ بَلْ إنَّما يَتَأتّى بِطَرِيقِ المُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ؛ والتَّقْرِيعِ؛ بِناءً عَلى أنَّ تَعاطِيَ القَبائِحِ مِنَ العالِمِينَ بِقُبْحِها أقْبَحُ؛ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ الكَفَرَةِ؛ فَمَن صَرَفَ التَّقْيِيدَ إلى نَفْسِ النَّهْيِ مَعَ تَعْمِيمِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا فَقَدْ نَأى عَنِ التَّحْقِيقِ؛ إنْ قُلْتَ: ألَيْسَ في تَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ في الأمْرِ والنَّهْيِ خَلاصٌ مِن أمْثالِ ما مَرَّ مِنَ التَّكَلُّفاتِ؛ وحُسْنُ انْتِظامٍ بَيْنَ السِّباقِ والسِّياقِ - إذْ لا مَحِيدَ في آيَةِ التَّحَدِّي مِن تَجْرِيدِ الخِطابِ؛ وتَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ لا مَحالَةَ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن رِباءٍ؛ مَحَلَّ المُؤْمِنِينَ؛ ورَفْعِ شَأْنِهِمْ عَنْ جَبْرِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الكَفَرَةِ؛ والإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ؛ حَسْبَما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ مُسْتَغْنُونَ في ذَلِكَ عَنِ الأمْرِ والنَّهْيِ - قُلْتُ: بَلى؛ إنَّهُ وجْهٌ سَرِيٌّ؛ ونَهْجٌ سَوِيٌّ؛ لا يَضِلُّ مَن ذَهَبَ إلَيْهِ؛ ولا يَزِلُّ مَن ثَبَّتَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ؛ فَتَأمَّلْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English