Абу-с-СуудАль Имран · 3:91–98

Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:91–98

3:91Страница 61

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١

Воистину, от тех, которые не уверовали и умерли неверующими, не будет принято даже золото размером с землю, если кто-нибудь из них попытается откупиться этим. Им уготованы мучительные страдания, и не будет у них помощников.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرض ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ لَمّا كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ سَبَبًَا لِامْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ، زِيدَتِ الفاءُ هَهُنا لِلْإشْعارِ بِهِ و مِلْءُ الشَّيْءِ ما يُمْلَأُ بِهِ، و "ذَهَبًَا" تَمْيِيزٌ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مِلْءِ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ،وَ"لَوِ افْتَدى" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًَا، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ في الدُّنْيا و لَوِ افْتَدى بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، أوِ المُرادُ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ والمِثْلُ يُحْذَفُ و يُرادُ كَثِيرًَا لِأنَّ المِثْلَيْنِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ. "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ المَذْكُورَةِ.

﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ، اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و الظَّرْفُ خَبَرُهُ، و لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ ارْتَفَعَ بِهِ عَذابٌ ألِيمٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ في دَفْعِ العَذابِ عَنْهم أوْ في تَخْفِيفِهِ، و "مِن" مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، و صِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ الضَّمِيرِ، أيْ: لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.

3:92Страница 62

لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢

Вы не обретете благочестия, пока не будете расходовать из того, что вы любите, и что бы вы ни расходовали, Аллах ведает об этом.

﴿لَنْ تَنالُوُا البِرَّ﴾ مِن نالَهُ نَيْلًَا إذا أصابَهُ، و الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ و هو كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ سِيقَ لِبَيانِ ما يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ و يُقْبَلُ مِنهم إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكَفَرَةَ ولا يُقْبَلُ مِنهُمْ، أيْ: لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ و لَنْ تُدْرِكُوا شَأْوَهُ ولَنْ تَلْحَقُوا بِزُمْرَةِ الأبْرارِ أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ تَعالى و هو ثَوابُهُ و رَحْمَتُهُ و رِضاهُ و جَنَّتُهُ.

﴿حَتّى تُنْفِقُوا﴾ أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، و يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "بَعْضَ ما تُحِبُّونَ". وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ و "ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ: مِمّا تَهْوُونَ ويُعْجِبُكم مِن كَرائِمِ أمْوالِكم و أحَبِّها إلَيْكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ أوْ مِمّا يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الأعْمالِ و المُهْجَةِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ: مُطْلَقُ البَذْلِ، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِعَزَّةِ مَنالِ البِرِّ ما لا يَخْفى، و كانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إذا أحَبُّوا شَيْئًَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. و رُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ «جاءَ أبُو طَلْحَةَ فَقالَ، يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلىَّ بِيرَحاءُ فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رايِحٌ أوْ رابِحٌ وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ" فَقَسَمَها في أقارِبِهِ.» «وَجاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ لَهُ كانَ يُحِبُّها فَقالَ هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَأنَّ زَيْدًَا وجَدَ في نَفْسِهِ و قالَ: إنَّما أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبِلَها مِنكَ".» قِيلَ: وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ إنْفاقَ أحَبِّ الأمْوالِ عَلى أقْرَبِ الأقارِبِ أفْضَلُ. وكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جارِيَةً مِن سَبْيِ جَلُولاءَ يَوْمَ فُتِحَتْ مَدائِنُ كِسْرى فَلَمّا جاءَتْ إلَيْهِ أعْجَبَتْهُ (p-58)فَقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنالُوُا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ فَأعْتَقَها. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كانَتْ لِزَوْجَتِهِ جارِيَةٌ بارِعَةُ الجَمالِ وكانَ عُمَرُ راغِبا فِيها و كانَ قَدْ طَلَبَها مِنها مِرارًَا فَلَمْ تُعْطِها إيّاهُ، ثُمَّ لَمّا ولِيَ الخِلافَةَ زَيَّنَتْها وأرْسَلَتْها إلَيْهِ فَقالَتْ: قَدْ وهَبْتُكَها يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَلْتَخْدُمْكَ، قالَ: مَن أيْنَ مَلَكْتِها؟ قالَتْ: جِئْتُ بِها مِن بَيْتِ أبِي عَبْدِ المَلِكِ فَفَتَّشَ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَمَلُّكِهِ إيّاها، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ عَلى فُلانٍ العامِلِ دُيُونٌ فَلَمّا تُوُفِّيَ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِهِ، فَفَتَّشَ عَنْ حالِ العامِلِ وأحْضَرَ ورَثَتَهُ وأرْضاهم جَمِيعًَا بِإعْطاءِ المالِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إلى الجارِيَةِ وكانَ يَهْواها هَوىً شَدِيدًَا، فَقالَ: أنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَتْ: لِمَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ وقَدْ أزَحْتَ عَنْ أمْرِها كُلَّ شُبْهَةٍ، قالَ: لَسْتُ إذَنْ مِمَّنْ نَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى.

﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ "ما" شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ لِـ "تُنْفِقُوا" مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، و "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِاسْمِ الشَّرْطِ، أيْ: أيِّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا كائِنًَا مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ المُفْرَدَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. وقِيلَ: مَحَلُّ الجارِّ و المَجْرُورِ النَّصْبُ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا طَيِّبًَا تُحِبُّونَهُ أوْ خَبِيثًَا تَكْرَهُونَهُ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، أيْ: فَمُجازِيكم بِحَسْبِهِ جَيِّدًَا كانَ أوْ رَدِيئًَا فَإنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَهُ عِلْمًَا كامِلًَا بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ و صِفاتِهِ، و تَقْدِيمُ الجارِّ و المَجْرُورِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، و فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في إنْفاقِ الجَيِّدِ و التَّحْذِيرِ عَنْ إنْفاقِ الرَّدِيءِ ما لا يَخْفى.

3:93Страница 62

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٣

Любая пища была дозволена сынам Исраила (Израиля), кроме той, которую Исраил (Израиль) запретил самому себе до ниспослания Таурата (Торы). Скажи: «Принесите Таурат (Тору) и прочтите его, если вы говорите правду».

﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أيْ: كُلُّ أفْرادِ المَطْعُومِ أوْ كُلُّ أنْواعِهِ.

﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: حَلالًَا لَهم فَإنَّ الحِلَّ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ، و لِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ .

﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنِ اسْمِ كانَ، أيْ: كانَ كُلُّ المَطْعُوماتِ حَلالًَا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ، أيْ: يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَفْسِهِ و هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها. قِيلَ: كانَ بِهِ وجَعُ النَّسا فَنَذَرَ لَئِنْ شُفِيَ لا يَأْكُلُ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّداوِي بِإشارَةِ الأطِبّاءِ و احْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ لِلنَّبِيِّ الِاجْتِهادَ، و لِلْمانِعِ أنْ يَقُولَ كانَ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيهِ فَهو كَتَحْرِيمِهِ ابْتِداءً.

﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ حِلا﴾ ولا ضَيْرَ في تَوْسِيطِ الِاسْتِثْناءِ بَيْنَهُما. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حَرَّمَ﴾ وفِيهِ أنَّ تَقْيِيدَ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبْلِيَّةِ تَنْزِيلِ التَّوْراةِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، أيْ: كانَ ما عَدا المُسْتَثْنى حَلالًَا لَهم قَبْلَ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ و بَغْيِهِمْ عُقُوبَةً لَهم وتَشْدِيدًَا، وهو رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في دَعْواهُمُ البَراءَةَ عَمّا نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَتَيْنِ. بِأنْ قالُوا: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَحُرِّمَتْ عَلَيْنا كَما حُرِّمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، وتَبْكِيتٌ لَهم في مَنعِ النَّسْخِ والطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ ﷺ مُوافَقَتَهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْلِيلِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها.

﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ (p-59)فاتْلُوها﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمِ النّاطِقِ بِأنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمٌ حادِثٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ،كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها حُرِّمَ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم ويُكَلِّفَهم إخْراجَهُ وتِلاوَتَهُ لِيُبَكِّتَهم ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ ويُظْهِرَ كَذِبَهُمْ، وإظْهارُ اسْمِ التَّوْراةِ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ كَلامًَا مَعَ اليَهُودِ مُنْقَطِعًَا عَمّا قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في دَعْواكم أنَّهُ تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها فَإنَّ صِدْقَكم مِمّا يَدْعُوكم إلى ذَلِكَ البَتَّةَ. رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَجْسُرُوا عَلى إخْراجِ التَّوْراةِ فَبُهِتُوا وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وفي ذَلِكَ مِنَ الحُجَّةِ النَّيِّرَةِ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ وجَوازِ النَّسْخِ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.

3:94Страница 62

فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩٤

Те же, которые станут возводить навет на Аллаха после этого, являются беззаконниками.

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيِ: اخْتَلَقَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِزَعْمِهِ أنَّهُ حَرَّمَ ما ذُكِرَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ.

﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما ذُكِرَ مَن أمْرِهِمْ بِإحْضارِ التَّوْراةِ وتِلاوَتِها وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ والتَّقْيِيدِ بِهِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُبْحِ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، و الجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ: كَما أنَّ الإفْرادَ في الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ و ما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الضَّلالِ والطُّغْيانِ، أيْ: فَأُولَئِكَ المُصِرُّونَ عَلى الِافْتِراءِ بَعْدَ ما ظَهَرَتْ حَقِيقَةُ الحالِ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ حَلْبَةُ المُحاجَّةِ والجِدالِ.

﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُفْرِطُونَ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ المُبْعِدُونَ فِيهِما، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ كَمالِ عُتُوِّهِمْ. وقِيلَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ عَطْفًَا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ﴾ .

3:95Страница 62

قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٥

Скажи: «Аллах изрек истину. Следуйте же религии Ибрахима (Авраама), поскольку он был ханифом и не был многобожником».

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أيْ: ظَهَرَ وثَبَتَ صِدْقُهُ تَعالى فِيما أُنْزِلَ في شَأْنِ التَّحْرِيمِ وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ إلَخْ أوْ صَدَقَ في كُلِ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، وهو داخِلٌ في ذَلِكَ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمِ الصَّرِيحِ.

﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّكم ما كُنْتُمْ مُتَّبِعِينَ لِمِلَّتِهِ كَما تَزْعُمُونَ، أوْ فاتَّبِعُوا مِثْلَ مِلَّتِهِ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى التَّحْرِيفِ والمُكابَرَةِ وتَلْفِيقِ الأكاذِيبِ لِتَسْوِيَةِ الأغْراضِ الدَّنِيئَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وألْزَمْتُكم تَحْرِيمَ طَيِّباتٍ مُحَلَّلَةٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَهُ، و"الفاءُ" لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ ظُهُورَ صِدْقِهِ تَعالى مُوجِبٌ لِلِاتِّباعِ وتَرْكِ ما كانُوا عَلَيْهِ.

﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًَا عَنِ الأدْيانِ الزّائِغَةِ كُلِّها.

﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِ أصْلًَا وفَرْعًَا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِإشْراكِ اليَهُودِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلاقَةٌ دِينِيَّةٌ قَطْعًَا، والغَرَضُ بَيانُ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأُصُولِ لِأنَّهُ لا يَدْعُو إلّا إلى التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

3:96Страница 62

إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩٦

Воистину, первым домом, который воздвигнут для людей, является тот, что находится в Бекке (Мекке). Он воздвигнут как благословение и руководство для миров.

﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِهِمْ بِبَعْضٍ آخَرَ (p-60)مِن شَعائِرِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِكَوْنِ كُلِّ المَطْعُوماتِ حِلًَّا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. رُوِيَ أنَّهم قالُوا: بَيْتُ المَقْدِسِ أعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وقالَ المُسْلِمُونَ بَلِ الكَعْبَةُ أعْظَمُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ. أيْ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًَا لَهم والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ خَبَرٌ لِـ "إنَّ" وإنَّما أُخْبِرَ بِالمَعْرِفَةِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها نَكِرَةً لِتَخَصُّصِها بِسَبَبَيْنِ: الإضافَةِ والوَصْفِ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها، أيْ: لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، أيْ: فِيها. وفي تَرْكِ المَوْصُوفِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، و "بَكَّةُ" لُغَةٌ في مَكَّةَ، فَإنَّ العَرَبَ تُعاقِبُ بَيْنَ الباءِ والمِيمِ كَما في قَوْلِهِمْ: ضَرْبَةُ لازِبٍ ولازِمٍ والنَّمِيطُ والنَّبِيطُ في اسْمِ مَوْضِعٍ بِالدَّهْناءِ، وقَوْلِهِمْ: أمْرٌ راتِبٌ وراتِمٌ وسَبَّدَ رَأْسَهُ وسَمَّدَها وأغْبَطَتِ الحُمّى وأغْمَطَتْ وهي عَلَمٌ لِلْبَلَدِ الحَرامِ مِن بَكَّهُ إذا زَحَمَهُ لِازْدِحامِ النّاسِ فِيهِ. وعَنْ قَتادَةَ: يَبُكُّ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًَا أوْ لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، أيْ: تَدُقُّها لَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: "بَكَّةُ" اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ. وقِيلَ: لِمَوْضِعِ البَيْتِ. وقِيلَ: لِلْمَسْجِدِ نَفْسِهِ، ومَكَّةُ اسْمٌ لِلْبَلَدِ كُلِّهِ. وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ التَّباكَّ وهو الِازْدِحامُ إنَّما يَقَعُ عِنْدَ الطَّوافِ. وقِيلَ: "مَكَّةُ" اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ والمَطافِ و "بَكَّةُ" اسْمٌ لِلْبَلَدِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ . رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: "المَسْجِدُ الحَرامُ ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ"، وسُئِلَ: كَمْ بَيْنَهُما؟ فَقالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً.» وقِيلَ: أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدِ اسْتَوْفَيْنا ما فِيهِ مِنَ الأقاوِيلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقِيلَ: أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِالشَّرَفِ لا بِالزَّمانِ.

﴿مُبارَكًا﴾ كَثِيرَ الخَيْرِ والنَّفْعِ لِما يَحْصُلُ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ واعْتَكَفَ دُونَهُ وطافَ حَوْلَهُ مِنَ الثَّوابِ وتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، وهو حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: "لَلَّذِي بِبَكَّةَ هُوَ" والعامِلُ فِيهِ ما قُدِّرَ في الظَّرْفِ مِن فِعْلِ الِاسْتِقْرارِ.

﴿وَهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهم ولِأنَّ فِيهِ آياتٍ عَجِيبَةً دالَّةً عَلى عَظِيمِ قدرته تعالى وبالِغِ حِكْمَتِهِ كَما قالَ.

3:97Страница 62

فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧

В нем есть ясные знамения - место Ибрахима (Авраама). Кто войдет в него, окажется в безопасности. Люди обязаны перед Аллахом совершить хадж к Дому (Каабе), если они способны проделать этот путь. Если же кто не уверует, то ведь Аллах не нуждается в мирах.

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضِحاتٌ كانْحِرافِ الطُّيُورِ عَنْ مُوازاةِ البَيْتِ عَلى مَدى الأعْصارِ ومُخالَطَةِ ضَوارِي السِّباعِ الصَّيُودَ في الحَرَمِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَها وقَهْرِ اللَّهِ تَعالى لِكُلِّ جَبّارٍ قَصَدَهُ بِسُوءٍ كَأصْحابِ الفِيلِ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْهُدى أوْ حالٌ أُخْرى.

﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الصَّخْرَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُومُ عَلَيْها وقْتَ رَفْعِ الحِجارَةِ لِبِناءِ الكَعْبَةِ عِنْدَ ارْتِفاعِهِ أوْ عِنْدَ غَسْلِ رَأْسِهِ، عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ زائِرًَا مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ فَقالَتْ لَهُ امْرَأةُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: انْزِلْ حَتّى أغْسِلَ رَأْسَكَ فَلَمْ يَنْزِلْ فَجاءَتْهُ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضَعَتْهُ عَلى شِقِّهِ الأيْمَنِ فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى شِقِّهِ الأيْسَرِ حَتّى غَسَلَتِ الشِّقَّ الآخَرَ فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، أيْ: مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿آياتٌ﴾ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ إمّا وحْدَهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِظُهُورِ شَأْنِهِ وقُوَّةِ دِلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى نُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ (p-61)الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾، أوْ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أثَرِ قَدَمَيْهِ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ وغَوْصِهِ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ وإلانَةِ بَعْضِ الصُّخُورِ دُونَ بَعْضٍ وإبْقائِهِ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحِفْظِهِ مَعَ كَثْرَةِ الأعْداءِ أُلُوفَ سَنَةٍ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى التَّوْحِيدِ وإمّا بِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ جُمْلَةً مُسْتَأْنِفَةً ابْتِدائِيَّةً أوْ شَرْطِيَّةً لَكِنَّها في قُوَّةِ أنْ يُقالَ "وَأمِّنْ مَن دَخَلَهُ" فَتَكُونُ بِحَسَبِ المَعْنى والمَآلِ مَعْطُوفَةً عَلى "مَقامُ إبْراهِيمَ"، ولا يَخْفى أنَّ الِاثْنَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ فَيُكْتَفى بِذَلِكَ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ ذُكِرَ مِن تِلْكَ الآياتِ اثْنَتانِ، وطُوِيَ ذِكْرُ ما عَداهُما دِلالَةً عَلى كَثْرَتِها، ومَعْنى أمِّنْ داخِلَهُ: أمِّنْهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ وكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُطْلَبْ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْ ظَفِرْتُ فِيهِ بِقاتِلِ الخَطّابِ ما مَسَسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ"، ولِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: مَن لَزِمَهُ القَتْلُ في الحِلِّ بِقِصاصٍ أوْ رِدَّةٍ أوْ زِنىً فالتَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ إلّا أنَّهُ لا يُؤْوى ويُطْعَمُ ويُسْقى ولا يُبايَعُ حَتّى يُضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ. وقِيلَ: أمْنُهُ مِنَ النّارِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًَا:.» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "الحَجُونُ والبَقِيعُ يُؤْخَذُ بِأطْرافِهِما ويُنْثَرانِ في الجَنَّةِ:» وهُما مَقْبَرَتا مَكَّةَ والمَدِينَةِ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَنِيَّةِ الحَجُونِ ولَيْسَ بِها يَوْمَئِذٍ مَقْبَرَةٌ، فَقالَ: "يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ البُقْعَةِ ومِن هَذا الحَرَمِ كُلِّهِ سَبْعِينَ ألْفًَا وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ يُشَفَّعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في سَبْعِينَ ألْفًَا وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ".» وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن صَبَرَ عَلى حَرِّ مَكَّةَ ساعَةً مِن نَهارٍ تَباعَدَتْ عَنْهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عامٍ".» ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ هو حِجُّ وخَبَرٍ هو لِلَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى النّاسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الاسْتِقْرارِ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والعامِلُ فِيهِ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى النّاسِ﴾ هو الخَبَرُ و "لِلَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، ولا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿عَلى النّاسِ﴾ لِاسْتِلْزامِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ، وذَلِكَ مِمّا لا مَساغَ لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ مالِكٍ إذا كانَتْ هي ظَرْفًَا أوْ حَرْفَ جَرٍّ وعامِلُها كَذَلِكَ بِخِلافِ الظَّرْفِ وحَرْفِ الجَرِّ فَإنَّهُما يَتَقَدَّمانِ عَلى عامِلِهِما المَعْنَوِيِّ، و اللّامُ في ﴿البَيْتِ﴾ لِلْعَهْدِ وحَجُّهُ قَصْدُهُ لِلزِّيارَةِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ المَعْهُودِ، وكَسْرُ الحاءِ لُغَةُ نَجْدٍ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ. وقُرِئَ بِفَتْحِها.

﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِهِ، فالضَّمِيرُ العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم. وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هو البَعْضُ المُسْتَطِيعُ فَلا حاجَةَ إلى الضَّمِيرِ. وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم مَنِ اسْتَطاعَ إلَخْ... وقِيلَ: في حَيِّزِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أعْنِي. وقِيلَ: كَلِمَةُ "مَن" شَرْطِيَّةٌ والجَزاءُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ وكَذا العائِدُ إلى النّاسِ، أيْ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم إلَيْهِ سَبِيلًَا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ حِجُّ البَيْتِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ "مَن" بَعْدَهُ شَرْطِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ في "إلَيْهِ" راجِعٌ إلى ﴿البَيْتِ﴾ أوْ إلى ﴿حِجُّ﴾ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "السَّبِيلِ" قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًَا بِشَأْنِهِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ و ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ لِما فِيهِ مِن مَعْنى (p-62)الإفْضاءِ والإيصالِ، كَيْفَ لا؟ وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَسِيلَةِ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ قَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "السَّبِيلُ الزّادُ والرّاحِلَةُ".» ورَوى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ رَجُلًَا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما السَّبِيلُ؟ قالَ: "الزّادُ والرّاحِلَةُ".» وهو المُرادُ بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَّرَ الِاسْتِطاعَةَ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ. وهَكَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وعَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ خَلا أنَّ الشّافِعِيَّ أخَذَ بِظاهِرِهِ فَأوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمِنِ القادِرِ عَلى أُجْرَةِ مَن يَنُوبُ عَنْهُ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ تَعَرُّضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصِحَّةِ البَدَنِ لِظُهُورِ الأمْرِ، كَيْفَ لا؟ والمُفَسَّرُ في الحَقِيقَةِ هو السَّبِيلُ المُوصِلُ لِنَفْسِ المُسْتَطِيعِ إلى البَيْتِ، وذا لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الصِّحَّةِ. وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ: عَلى قَدْرِ القُوَّةِ. ومَذْهَبُ مالِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا وثِقَ بِقُوَّتِهِ لَزِمَهُ وعَنْهُ ذَلِكَ عَلى قَدْرِ الطّاقَةِ، وقَدْ يَجِدُ الزّادَ والرّاحِلَةَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى السَّفَرِ، وقَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَن لا راحِلَةَ لَهُ ولا زادَ. وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ: إذا قَدِرَ أنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ فَهو مُسْتَطِيعٌ.

﴿وَمَن كَفَرَ﴾ وضَعَ ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْضِعَ "مَن لَمْ يَحُجَّ" تَأْكِيدًَا لِوُجُوبِهِ وتَشْدِيدًَا عَلى تارِكِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًَّا أوْ نَصْرانِيًَّا".» ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في خُطْبَتِهِ: « "أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ فَرَضَ الحَجَّ عَلى مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًَا ومَن لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالٍ شاءَ يَهُودِيًَّا أوْ نَصْرانِيًَّا أوْ مَجُوسِيًَّا".» ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وعَنْ عِبادَتِهِمْ، وحَيْثُ كانَ مَن كَفَرَ مِن جُمْلَتِهِمْ داخِلًَا فِيها دُخُولًَا أوَّلِيًَّا اكْتَفى بِذَلِكَ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ولَقَدْ حازَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن فُنُونِ الِاعْتِباراتِ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَجِّ والتَّشْدِيدِ عَلى تارِكِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ حَيْثُ أُوثِرَتْ صِيغَةُ الخَبَرِ الدّالَّةُ عَلى التَّحْقِيقِ أوْ بَرَزَتْ في صُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في ذِمَمِ النّاسِ لا انْفِكاكَ لَهم عَنْ أدائِهِ والخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ وسَلَكَ بِهِمْ مَسْلَكَ التَّعْمِيمِ ثُمَّ التَّخْصِيصِ والإبْهامِ ثُمَّ التَّبْيِينِ والإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ، وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِهِ بِالكُفْرِ الَّذِي لا قَبِيحَ وراءَهُ وجَعَلَ جَزاءَهُ اسْتِغْناءَهُ تَعالى المُؤْذِنَ بِشِدَّةِ المَقْتِ وعِظَمِ السُّخْطِ لا عَنْ تارِكِهِ فَقَطْ فَإنَّهُ قَدْ ضَرَبَ عَنْهُ صَفْحًَا إسْقاطًَا لَهُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ واسْتِهْجانًَا بِذِكْرِهِ بَلْ عَنْ جَمِيعِ العالَمِينَ مِمَّنْ فَعَلَ وتَرَكَ لِيَدُلَّ عَلى نِهايَةِ شِدَّةِ الغَضَبِ. هَذا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعَطاءٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أيْ: جَحَدَ فَرْضَ الحَجِّ وزَعَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، فَإنَّهم قالُوا: الحَجُّ إلى مَكَّةَ غَيْرُ واجِبٍ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ الأدْيانِ كُلَّهم فَخَطَبَهم فَقالَ: « "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا" فَآمَنَتْ بِهِ مِلَّةٌ واحِدَةٌ وهُمُ المُسْلِمُونَ وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُصَلِّي إلَيْهِ ولا نَحُجُّهُ» فَنَزَلَ: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ . وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "حُجُّوا قَبْلَ أنْ لا تَحُجُّوا فَإنَّهُ قَدْ هُدِمَ البَيْتُ مَرَّتَيْنِ ويُرْفَعُ إلى السَّماءِ في الثّالِثَةِ".» ورُوِيَ « "حُجُّوا قَبْلَ أنْ يَمْنَعَ البَرُّ جانِبَهُ".» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ "حُجُّوا هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ يَنْبُتَ في البادِيَةِ شَجَرَةٌ لا تَأْكُلُ مِنها دابَّةٌ إلّا نَفَقَتْ" وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "لَوْ تَرَكَ النّاسُ الحَجَّ عامًَا واحِدًَا مانُوظِرُوا".

3:98Страница 62

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨

Скажи: «О люди Писания! Почему вы не веруете в знамения Аллаха, в то время, как Аллах наблюдает за тем, что вы совершаете?».

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، (p-63)وَإنَّما خُوطِبُوا بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وبِما يُصَدِّقُهُ مِنَ القرآن العَظِيمِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ في كُفْرِهِمْ بِها. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ بِها سَبَبٌ مِنَ الأسْبابِ وتَحْقِيقٌ لِما يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، والمُرادُ بِآياتِهِ تَعالى: ما يَعُمُّ الآياتِ القرآنيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تُلِيَ في شَأْنِ الحَجِّ وغَيْرِهِ وما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن شَواهِدِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تَكْفُرُونَ﴾ مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ وتَأْكِيدِ الإنْكارِ، وإظْهارُ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في "شَهِيدٌ" لِلتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ، وكَلِمَةُ "ما" إمّا عِبارَةٌ عَنْ كُفْرِهِمْ أوْ هي عَلى عُمُومِها، وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًَا أوَّلِيًَّا والمَعْنى: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحالُ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في الِاطِّلاعِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِكم وفي مُجازاتِكم عَلَيْها ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ يَسُدُّ جَمِيعَ أنْحاءِ ما تَأْتُونَهُ ويَقْطَعُ أسْبابَهُ بِالكُلِّيَّةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English