Абу-с-СуудАль‑Маида · 5:62–69

Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:62–69

5:62Страница 118

وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢

Ты видишь, что многие из них поспешают грешить, преступать границы дозволенного ипожирать запретное. Воистину, скверно то, что они совершают.

﴿وَتَرى﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.

﴿كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ حالٌ مِن " كَثِيرًا " . وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ. والأوَّلُ أنْسَبُ بِحالِهِمْ وظُهُورِ نِفاقِهِمْ. والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ والمُباشَرَةُ لِلشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. وإيثارُ كَلِمَةِ " في " عَلى كَلِمَةِ " إلى " الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ ... إلَخْ، لِما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ . والمُرادُ بِالإثْمِ: الكَذِبُ عَلى الإطْلاقِ. وقِيلَ: الحَرامُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ الشِّرْكِ، وقَوْلُهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ: هو ما يُخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ الآثامِ.

﴿والعُدْوانِ﴾؛ أيِ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ، أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي.

﴿وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ أيِ: الحَرامَ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في الإثْمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْبِيحِ.

﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: لَبِئْسَ شَيْئًا كانُوا يَعْمَلُونَهُ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.

5:63Страница 118

لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣

Почему же раввины и первосвященники не удерживают их от греховных речей и пожирания запретного? Воистину, скверно то, что они творят.

﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ: عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ: عُلَماءُ التَّوْراةِ. وقِيلَ: كُلُّهم في اليَهُودِ، وهو تَحْضِيضٌ لِلَّذِينِ يَقْتَدِي بِهِمْ أفَناؤُهم، ويَعْلَمُونَ قَباحَةَ ما هم فِيهِ، وسُوءَ مَغَبَّتِهِ عَلى نَهْيِ أسافِلِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ تَوْبِيخٍ لَهم عَلى تَرْكِهِ.

﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقُبْحِهِما ومُشاهَدَتِهِمْ لِمُباشَرَتِهِمْ لَهُما.

﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا أبْلَغُ مِمّا قِيلَ في حَقِّ عامَّتِهِمْ، لِما أنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ ما لَمْ يَتَدَرَّبْ فِيهِ صاحِبُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَهارَةٌ تامَّةٌ، ولِذَلِكَ ذَمَّ بِهِ خَواصَّهم، ولِأنَّ تَرْكَ الحَسَنَةِ أقْبَحُ مِن مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تَلْتَذُّ بِها وتَمِيلُ إلَيْها، ولا كَذَلِكَ تَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْها، فَكانَ جَدِيرًا بِأبْلَغِ ذَمٍّ، وفِيهِ مِمّا يُنْعى عَلى العُلَماءِ تَوانِيَهم في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ ما لا يَخْفى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّها أشَدُّ آيَةٍ في القرآن. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما في القرآن آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِنها.

5:64Страница 118

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤

Иудеи сказали: «Рука Аллаха скована». Это их руки скованы, и они прокляты за то, что они сказали (или да будут скованы их руки, и да будут они прокляты за то, что они сказали). Его обе Руки простерты, и Он расходует, как пожелает. Ниспосланное тебе от твоего Господа приумножает во многих из них несправедливость и неверие. Мы посеяли между ними вражду и ненависть вплоть до Дня воскресения. Всякий раз, когда они разжигают огонь войны, Аллах тушит его. Они стремятся распространить на земле нечестие, но Аллах не любит распространяющих нечестие.

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ بَسَطَ عَلى اليَهُودِ، حَتّى كانُوا مِن أكْثَرِ النّاسِ (p-58)مالًا وأخْصَبِهِمْ ناحِيَةً، فَلَمّا عَصَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَذَّبُوهُ، كَفَّ عَنْهم ما بَسَطَ عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وحَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الآخَرُونَ ورَضُوا بِهِ، نُسِبَتْ تِلْكَ العَظِيمَةُ إلى الكُلِّ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما القاتِلُ واحِدٌ مِنهم. وأرادُوا بِذَلِكَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ -: أنَّهُ تَعالى مُمْسِكٌ يُقَتِّرُ بِالرِّزْقِ، فَإنَّ كُلاًّ مِن غَلِّ اليَدِ وبَسْطِها مَجازٌ عَنْ مَحْضِ البُخْلِ والجُودِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ في ذَلِكَ إلى إثْباتِ يَدٍ وغَلٍّ أوْ بَسْطٍ، ألا يُرى أنَّهم يَسْتَعْمِلُونَهُ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ:

؎ جادَ الحِمى بَسْطُ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ ∗∗∗ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ

وَقَدْ سَلَكَ لَبِيدٌ هَذا المَسْلَكَ السَّدِيدَ، حَيْثُ قالَ:

؎ وغَداةِ رِيحٍ قَدْ شَهِدْتُ وقَرَّةٍ ∗∗∗ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها

فَإنَّهُ إنَّما أرادَ بِذَلِكَ إثْباتَ القُدْرَةِ التّامَّةِ لِلشَّمالِ عَلى التَّصَرُّفِ في القَرَّةِ كَيْفَما تَشاءُ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ أنْ يُثْبِتَ لَها يَدًا، ولا لِلْقَرَّةِ زِمامًا. وأصْلُهُ كِنايَةٌ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقِيلَ: أرادُوا ما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ .

﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ المَذْمُومِ والمَسْكَنَةِ، أوْ بِالفَقْرِ والنَّكَدِ، أوْ بِغَلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً بِأنْ يَكُونُوا أسارى مَغْلُولِينَ في الدُّنْيا، ويُسْحَبُوا إلى النّارِ بِأغْلالِها في الآخِرَةِ، فَتَكُونُ المُطابَقَةُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ المَعْنى الأصْلِيِّ، كَما في: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دابِرَهُ.

﴿وَلُعِنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى الدُّعاءِ الأوَّلِ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿بِما قالُوا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما قالُوا مِنَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ. وقِيلَ: كِلاهُما خَبَرٌ.

﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِتَثْنِيَةِ اليَدِ، فَإنَّ أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأسْخِياءِ أنْ يُعْطُوا ما يُعْطُونَهُ بِكِلْتا يَدَيْهِمْ. وقِيلَ: التَّثْنِيَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَنحِهِ تَعالى لِنِعْمَتَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: عَلى إعْطائِهِ إكْرامًا وعَلى إعْطائِهِ اسْتِدْراجًا.

﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ كَمالِ جُودِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى سِرِّ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مِن غايَةِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ ذَرِيعَةً إلى الِاجْتِراءِ عَلى تِلْكَ الكَفْرَةِ العَظِيمَةِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِقُصُورٍ في فَيْضِهِ، بَلْ لِأنَّ إنْفاقَهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ بِسَبَبِ ما فِيهِمْ مِن شُؤْمِ المَعاصِي أنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الآيَةَ. و" كَيْفَ " ظَرْفٌ لِيَشاءُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ " يُنْفِقُ "؛ أيْ: يُنْفِقُ كائِنًا عَلى أيِّ حالٍ يَشاءُ؛ أيْ: كائِنًا عَلى مَشِيئَتِهِ؛ أيْ: مُرِيدًا، وتَرْكُ ذِكْرِ ما يُنْفِقُهُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ وهم عُلَماؤُهم ورُؤَساؤُهم.

﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القرآن المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الآياتِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، وتَخْصِيصُ الكَثِيرِ مِنهم بِهَذا الحُكْمِ لِما أنَّ بَعْضَهم لَيْسَ كَذَلِكَ.

﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ، كَما أنَّ " إلَيْكَ " كَذَلِكَ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ مَعَ أنَّ حَقَّ المَبْدَأِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المُنْتَهِي، لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاهْتِمامَ بِبَيانِ المُنْتَهِي؛ لِأنَّ مَدارَ الزِّيادَةِ هو النُّزُولُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ . والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلزِّيادَةِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّهم طُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا عَلى كُفْرِهِمُ القَدِيمَيْنِ، إمّا مِن حَيْثُ الشِّدَّةُ والغُلُوُّ، وإمّا مِن حَيْثُ الكَمُّ والكَثْرَةُ؛ إذْ كُلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِها، فَيَزْدادَ طُغْيانُهم وكُفْرُهم بِحَسَبِ المِقْدارِ، (p-59)كَما أنَّ الطَّعامَ الصّالِحَ لِلْأصِحّاءِ يَزِيدُ المَرْضى مَرَضًا.

﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ﴾؛ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ، فَإنَّ بَعْضَهم جَبْرِيَّةٌ، وبَعْضَهم قَدَرِيَّةٌ، وبَعْضَهم مُرْجِئَةٌ، وبَعْضَهم مُشَبِّهَةٌ.

﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ فَلا يَكادُ تَتَوافَقُ قُلُوبُهم، ولا تَتَطابَقُ أقْوالُهم. والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ مَسُوقَةٌ لِإزاحَةِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن ذِكْرِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى أمْرٍ يُؤَدِّي إلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ. قِيلَ: العَداوَةُ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغِضٌ بِلا عَكْسٍ كُلِّيٍّ.

﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْنا، وقِيلَ: بِالبَغْضاءِ.

﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ وُصُولِ غائِلَةِ ما هم فِيهِ إلى المُسْلِمِينَ؛ أيْ: كُلَّما أرادُوا مُحارَبَةَ الرَّسُولِ ﷺ، ورَتَّبُوا مَبادِيَها، ورَكِبُوا في ذَلِكَ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَهَرَهم، أوْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا، فَإنَّهم لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ، سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ. و" لِلْحَرْبِ " إمّا صِلَةٌ لِأوْقَدُوا، أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِنارًا؛ أيْ: كائِنَةً لِلْحَرْبِ.

﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾؛ أيْ: يَجْتَهِدُونَ في الكَيْدِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، وإثارَةِ الشَّرِّ والفِتْنَةِ فِيما بَيْنَهم، مِمّا يُغايِرُ ما عَبَّرَ عَنْهُ بِإيقادِ نارِ الحَرْبِ. و" فَسادًا " إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ في مَوْقِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: يَسْعَوْنَ لِلْفَسادِ، أوْ يَسْعَوْنَ سَعْيَ فَسادٍ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ولِذَلِكَ أطْفَأ ثائِرَةَ إفْسادِهِمْ، واللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْلِيلِ، وبَيانِ كَوْنِهِمْ راسِخِينَ في الإفْسادِ.

5:65Страница 119

وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥

Если бы люди Писания уверовали и устрашились, то Мы простили бы им злодеяния и ввели бы их в Сады блаженства.

﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيِ: اليَهُودَ والنَّصارى، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنَّما ذُكِرُوا بِذَلِكَ العُنْوانِ تَأْكِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، فَإنَّ أهْلِيَّةَ الكِتابِ تُوجِبُ إيمانَهم بِهِ وإقامَتَهم لَهُ لا مَحالَةَ، فَكُفْرُهم بِهِ وعَدَمُ إقامَتِهِمْ لَهُ وهم أهْلُهُ، أقْبَحُ مِن كُلِّ قَبِيحٍ وأشْنَعُ مِن كُلِّ شَنِيعٍ.

فَمَفْعُولُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنُوا﴾ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ مِمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾، وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ﴾ ... إلَخْ؛ أيْ: ولَوْ أنَّهم مَعَ صُدُورِ ما صَدَرَ عَنْهم مِن فُنُونِ الجِناياتِ قَوْلًا وفِعْلًا، آمَنُوا بِما نُفِيَ عَنْهُمُ الإيمانُ بِهِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ فَرْضُ إيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأمّا إرادَةُ إيمانِهِمْ بِهِ ﷺ خاصَّةً فَيَأْباها المَقامُ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن كُفْرِهِمْ بِهِ ﷺ، إنَّما ذُكِرَ مَشْفُوعًا بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ أيْضًا، قَصْدًا إلى الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بِبَيانِ أنَّ الكُفْرَ بِهِ ﷺ مُسْتَلْزَمُ الكُفْرِ بِكِتابِهِمْ، فَحَمْلُ الإيمانِ هَهُنا عَلى الإيمانِ بِهِ ﷺ خاصَّةً مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

﴿واتَّقَوْا﴾ ما عَدَدْنا مِن مَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ كِتابِهِمْ.

﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي اقْتَرَفُوها، وإنْ كانَتْ في غايَةِ العِظَمِ ونِهايَةِ الكَثْرَةِ، ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها، ﴿وَلأدْخَلْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ.

﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وتَكْرِيرُ اللّامِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ عِظَمِ ذُنُوبِهِمْ وكَثْرَةِ مَعاصِيهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، وإنْ جَلَّتْ وجاوَزَتْ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.

5:66Страница 119

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦

Если бы они руководствовались Тауратом (Торой), Инджилом (Евангелием) и тем, что было ниспослано им от их Господа, то они питались бы тем, что над ними, и тем, что у них под ногами. Среди них есть умеренные люди (праведники, уверовавшие в Пророка Мухаммада, избегающие чрезмерности в религии и не делающие упущений), но плохо то, что совершают многие из них.

﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ بِمُراعاةِ (p-60)ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَواهِدُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ومُبَشِّراتُ بِعْثَتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ، لا بِمُراعاةِ جَمِيعِ ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ، لِانْتِساخِ بَعْضِها بِنُزُولِ القرآن، فَلَيْسَتْ مُراعاةُ الكُلِّ مِن إقامَتِهِما في شَيْءٍ.

﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِنَ القرآن المَجِيدِ المُصَدِّقِ لِكُتُبِهِمْ، وإيرادُهُ بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ إقامَتِهِ عَلَيْهِمْ، لِنُزُولِهِ إلَيْهِمْ ولِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن عَدَمِ نُزُولِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وتَقْدِيمُ " إلَيْهِمْ " لِما مَرَّ مِن قَبْلُ، وفي إضافَةِ " الرَّبِّ " إلى ضَمِيرِ " هم " مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الإقامَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ: كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، مِثْلُ: كِتابِ شَعِياءَ، وكِتابِ حَنْقُوقَ، وكِتابِ دانْيالَ؛ فَإنَّها مَمْلُوءَةٌ بِالبِشارَةِ بِمَبْعَثِهِ ﷺ .

﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾؛ أيْ: لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أرْزاقَهم بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتِ السَّماءِ والأرْضِ، أوْ بِأنْ يُكْثِرَ ثَمَراتِ الأشْجارِ وغِلالَ الزُّرُوعِ، أوْ بِأنْ يَرْزُقَهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارِ، فَيَجْتَنُوا ما تَهَدَّلَ مِنها مِن رُءُوسِ الأشْجارِ، ويَلْتَقِطُوا ما تَساقَطَ مِنها عَلى الأرْضِ.

وَقِيلَ: المُرادُ: المُبالَغَةُ في شَرْحِ السَّعَةِ والخَصْبِ لا تَعْيِينُ الجِهَتَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَأكَلُوا مِن كُلِّ جِهَةٍ، ومَفْعُولُ " أكَلُوا " مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ، كَما في قَوْلِهِ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ. و" مِن " في المَوْضِعَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي هاتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ مِن حَثِّهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى، والإقامَةِ بِالوَعْدِ بِنَيْلِ سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وزَجْرِهِمْ عَنِ الإخْلالِ بِما ذُكِرَ بِبَيانِ إفْضائِهِ إلى الحِرْمانِ عَنْها، وتَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّ ما أصابَهم مِنَ الضَّنْكِ والضَّيْقِ إنَّما هو مِن شُؤْمِ جِناياتِهِمْ، لا لِقُصُورٍ في فَيْضِ الفَيّاضِ ما لا يَخْفى.

﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِحَرْفِ الِامْتِناعِ الدّالَّتَيْنِ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ والِاتِّقاءِ، وإقامَةِ الكُتُبِ المُنْزَلَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ كُلُّهم كَذَلِكَ مُصِرُّونَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ ... إلَخْ ؟ فَقِيلَ: " مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ "؛ إمّا عَلى أنَّ " مِنهم " مُبْتَدَأٌ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ؛ أيْ: بَعْضُهم أُمَّةٌ، وإمّا بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: بَعْضٌ كائِنٌ مِنهم، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ؛ أيْ: طائِفَةٌ مُعْتَدِلَةٌ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنهم، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَّصارى. وقِيلَ: طائِفَةٌ: حالُهم أُمَمٌ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

﴿وَكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، خَبَرُهُ ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مَقُولٌ في حَقِّهِمْ هَذا القَوْلُ؛ أيْ: بِئْسَما يَعْمَلُونَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ؛ أيْ: ما أسْوَأ عَمَلِهِمْ مِنَ العِنادِ والمُكابَرَةِ، وتَحْرِيفِ الحَقِّ والإعْراضِ عَنْهُ، والإفْراطِ في العَداوَةِ، وهُمُ الأجْلافُ المُتَعَصِّبُونَ، كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأشْباهِهِ، والرُّومِ.

5:67Страница 119

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧

О Посланник! Возвести то, что ниспослано тебе от своего Господа. Если ты не сделаешь этого, то не донесешь Его послания. Аллах защитит тебя от людей. Воистину, Аллах не наставляет на прямой путь неверующих людей.

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ نُودِيَ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَشْرِيفًا لَهُ، وإيذانًا بِأنَّها مُوجِباتُ الإتْيانِ بِما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.

﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ الأحْكامِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها كائِنًا ما كانَ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: مالِكِ أُمُورِكَ، ومُبَلِّغِكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ عِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِحِفْظِهِ ﷺ وكَلاءَتِهِ؛ أيْ: بَلِّغْهُ غَيْرَ مُراقِبٍ في ذَلِكَ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ أبَدًا.

﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ.

كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فَإنَّ ما لا تَتَعَلَّقُ بِهِ الأحْكامُ (p-61)أصْلًا مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ، لَيْسَتْ مِمّا يُقْصَدُ تَبْلِيغُهُ إلى النّاسِ؛ أيْ: فَما بَلَّغْتَ شَيْئًا مِن رِسالَتِهِ، وانْسَلَخْتَ مِمّا شَرُفْتَ بِهِ مِن عُنْوانِ الرِّسالَةِ بِالمَرَّةِ، لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها، فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها، كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها؛ لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ غَيْرُها، وكَوْنُها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، ولا رَيْبَ في أنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ مُبَلِّغًا غَيْرَ مُبَلِّغٍ مُؤْمِنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِهِ، ولِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها إضاعَةٌ لِما أُدِّيَ مِنها، كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ.

وَقِيلَ: فَكَأنَّكَ ما بَلَّغْتَ شَيْئًا مِنها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، مِن حَيْثُ أنَّ كِتْمانَ البَعْضِ والكُلِّ سَواءٌ في الشَّناعَةِ واسْتِجْلابِ العِقابِ.

وَقُرِئَ: ( فَما بَلَّغْتَ رِسالاتِي )، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ كَتَمْتَ آيَةً لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالاتِهِ، فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي عَذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لِي العِصْمَةَ فَقَوِيتُ» "؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ كَما تَرى عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِعِصْمَتِهِ مِن لُحُوقِ ضَرَرِهِمْ بِرُوحِهِ العَزِيزِ، باعِثَةٌ لَهُ ﷺ عَلى الجِدِّ في تَحْقِيقِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ، غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِعَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ. «وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ ﷺ كانَ يُحْرَسُ حَتّى نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِن قُبَّةٍ أُدُمٍ، فَقالَ: " انْصَرِفُوا يَأيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنَ النّاسِ» " .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعِصْمَتِهِ تَعالى لَهُ ﷺ؛ أيْ: لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ بِكَ مِنَ الإضْرارِ، وإيرادُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في تَضاعِيفِ الآياتِ الوارِدَةِ في حَقِّ أهْلِ الكِتابِ، لِما أنَّ الكُلَّ قَوارِعُ يَسُوءُ الكُفّارَ سَماعُها، ويَشُقُّ عَلى الرَّسُولِ ﷺ مُشافَهَتُهم بِها، وخُصُوصًا ما يَتْلُوها مِنَ النَّصِّ النّاعِي عَلَيْهِمْ كَمالَ ضَلالَتِهِمْ.

وَلِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ فَقِيلَ:

5:68Страница 119

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

Скажи: «О люди Писания! Вы не будете идти прямым путем, пока не станете руководствоваться Тауратом (Торой), Инджилом (Евангелием) и тем, что ниспослано вам от вашего Господа». Ниспосланное тебе от твоего Господа приумножает во многих из них несправедливость и неверие. Не печалься же о неверующих людях.

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ مُخاطِبًا لِلْفَرِيقَيْنِ.

﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾؛ أيْ: دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلِيقُ بِأنْ يُسَمّى شَيْئًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ووُضُوحِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَّعْبِيرِ مِنَ التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ ما لا غايَةَ وراءَهُ.

﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾؛ أيْ: تُراعُوهُما وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ، وأمّا مُراعاةُ أحْكامِهِما المَنسُوخَةِ فَلَيْسَتْ مِن إقامَتِهِما في شَيْءٍ، بَلْ هي تَعْطِيلٌ لَهُما ورَدٌّ لِشَهادَتِهِما؛ لِأنَّهُما شاهِدانِ بِنَسْخِها وانْتِهاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها؛ لِأنَّ شَهادَتَهُما بِصِحَّةٍ ما يَنْسَخُها شَهادَةٌ بِنَسْخِها، وخُرُوجِها عَنْ كَوْنِها مِن أحْكامِهِما، وأنَّ أحْكامَهُما ما قَرَّرَهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ فِيهِما بِبَعْثَتِهِ، وذُكِرَ في تَضاعِيفِهِما نُعُوتُهُ، فَإذَنْ إقامَتُهُما بَيانُ شَواهِدِ النُّبُوَّةُ، والعَمَلُ بِما قَرَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنَ الأحْكامِ.

كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيِ: القرآن المَجِيدُ بِالإيمانِ بِهِ، فَإنَّ إقامَةَ الجَمِيعِ لا تَتَأتّى بِغَيْرِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ إقامَةِ الكِتابَيْنِ عَلى إقامَتِهِ، مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِرِعايَةِ حَقِّ الشَّهادَةِ، واسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الشِّقاقِ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الإنْزالِ إلَيْهِمْ، لِما مَرَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِإقامَتِهِ والإيمانِ بِهِ، لا كَما يَزْعُمُونَ مِنِ اخْتِصاصِهِ بِالعَرَبِ.

وَفِي إضافَةِ " الرَّبِّ " إلى ضَمِيرِ " هم " ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ اللُّطْفِ في الدَّعْوَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِما (p-62)أُنْزِلَ إلَيْهِمْ: كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ كَما مَرَّ. وقِيلَ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، فَإنَّها بِأسْرِها آمِرَةٌ بِالإيمانِ لِمَن صَدَّقَتْهُ المُعْجِزَةُ، ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الطّاعَةِ لَهُ.

رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَقْرَأُ أنَّ التَّوْراةَ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَقالَ ﷺ: " بَلى "، فَقالُوا: فَإنّا مُؤْمِنُونَ بِها ولا نُؤْمِنُ بِغَيْرِها»، فَنَزَلَتْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وعَدَمِ إفادَةِ التَّبْلِيغِ نَفْعًا، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها وتَحْقِيقِ مَدْلُولِها، والمُرادُ بِالكَثِيرِ المَذْكُورِ: عُلَماؤُهم ورُؤَساؤُهم، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسْبَتِهِ فِيما مَرَّ إلَيْهِمْ؛ لِلْإنْباءِ عَنِ انْسِلاخِهِمْ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ.

﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: لا تَتَأسَّفْ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛ لِإفْراطِهِمْ في الطُّغْيانِ والكُفْرِ بِما تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ، فَإنَّ غائِلَتَهُ آيِلَةٌ إلَيْهِمْ، وتَبِعَتَهُ حائِقَةٌ بِهِمْ لا تَتَخَطّاهم، وفي المُؤْمِنِينَ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْهم، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الكُفْرِ.

5:69Страница 119

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩

Воистину, верующие, а также иудеи, сабии и христиане, которые уверовали в Аллаха и в Последний день и поступали праведно, не познают страха и не будут опечалены.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَدا المَذْكُورِينَ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، وهُمُ المُنافِقُونَ. وقِيلَ: أعَمُّ مِن أنْ يُواطِئَها قُلُوبُهم أوَّلًا.

﴿والَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ.

﴿والصّابِئُونَ والنَّصارى﴾ جَمْعُ نَصْرانَ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿والصّابِئُونَ﴾ " رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والنِّيَّةُ بِهِ التَّأخُّرُ عَمّا في حَيِّزِ إنَّ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى حُكْمُهم كَيْتَ وكَيْتَ والصّابِئُونَ كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِ:

فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

وَقَوْلِهِ:

وَإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ... بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

خَلا أنَّهُ وُسِّطَ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها دَلالَةً عَلى أنَّ الصّابِئِينَ مَعَ ظُهُورِ ضَلالِهِمْ وزَيْغِهِمْ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، حَيْثُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَغَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ الآتِيَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ، وخَبَرُ إنَّ مُقَدَّرٌ، كَما في قَوْلِهِ:

؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

وَقِيلَ: " النَّصارى " مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿والصّابِئُونَ﴾ " عَطْفًا عَلَيْهِ، وهو مَعَ خَبَرِهِ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِإنَّ، ولا مَساغَ لِعَطْفِهِ وحْدَهُ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، لِاشْتِراطِ ذَلِكَ بِالفَراغِ عَنِ الخَبَرِ، وإلّا لارْتَفَعَ الخَبَرُ بِإنَّ والِابْتِداءِ مَعًا، واعْتُذِرَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ المَذْكُورُ خَبَرًا لَهُما، وأمّا إذا كانَ خَبَرُ المَعْطُوفِ مَحْذُوفًا، فَلا مَحْذُورَ فِيهِ، ولا عَلى الضَّمِيرِ في " هادُوا " لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ والفَصْلِ، ولِاسْتِلْزامِهِ كَوْنَ الصّابِئِينَ هُودًا.

وَقُرِئَ: ( والصّابِيُونَ ) بِياءٍ صَرِيحَةٍ وبِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ: ( والصّابُونَ ) وهو مِن صَبا يَصْبُوا؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى والشَّهَواتِ في دِينِهِمْ. وقُرِئَ: ( والصّابِئِينَ ) . وقُرِئَ: ( يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ ) .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ إمّا في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الأخِيرَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ، كَما أنَّ إفْرادَ ما في صِلَتِهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. والجُمْلَةُ (p-63)خَبَرُ " إنَّ "، والعائِدُ إلى اسْمِها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم. و" إمّا " في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ "، والفاءُ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ؛ فالمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ، وهو الأظْهَرُ: مَن أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا بِالمَبْدَأِ، والمَعادِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، لا كَما يَزْعُمُهُ أهْلُ الكِتابِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ إيمانًا بِهِما، وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ بِهِما، فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ العِقابَ، ولا هم يَحْزَنُونَ حِينَ يَحْزَنُ المُقَصِّرُونَ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ وتَفْوِيتِ الثَّوابِ، والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما، كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا لِما مَرَّ مِرارًا؛ لِأنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينِ آمَنُوا: مُطْلَقَ المُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ الإسْلامِ، المُخْلِصِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ؛ فالمُرادُ بِمَن آمَنَ: مَنِ اتَّصَفَ مِنهم بِالإيمانِ الخالِصِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ عَلى الإطْلاقِ، سَواءً كانَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ كَما هو شَأْنُ المُخْلِصِينَ، أوْ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وإنْشائِهِ كَما هو حالُ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ وسائِرِ الطَّوائِفِ.

وَفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ المُبالَغَةُ في تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأخُّرَهم في الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ الأعْلامِ، وأمّا ما قِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ، فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English