Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:128–138
6:128Страница 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
В тот день Он соберет их вместе: «О сонмище джиннов! Вы ввели в заблуждение многих людей». Их помощники из числа людей скажут: «Господь наш! Одни из нас пользовались другими, и мы достигли нашего срока, который Ты назначил нам». Он скажет: «Огонь будет вашей обителью, в которой вы пребудете вечно, если только Аллах не пожелает иначе!». Воистину, твой Господь - Мудрый, Знающий.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ؛ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُ الثَّقَلَيْنِ قائِلًا: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾، أوْ ويَوْمَ يَحْشُرُهم يَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، أوْ ويَوْمَ يَحْشُرُهم ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُساعِدُهُ لِفَظاعَتِهِ. والمَعْشَرُ: الجَماعَةُ، والمُرادُ بِمَعْشَرِ الجِنِّ: الشَّياطِينُ.
﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾؛ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم، كَقَوْلِهِمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
﴿وَقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الَّذِينَ أطاعُوهم.
وَ" مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ؛ أيْ: أوْلِياؤُهُمُ الَّذِينَ هُمُ الإنْسُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن أوْلِياؤُهم؛ أيْ: كائِنِينَ مِنَ الإنْسِ.
﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾؛ أيِ: انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ بِأنْ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها.
وَقِيلَ: بِأنْ ألْقَوْا إلَيْهِمْ مِنَ الأراجِيفِ، والسحر، والكَهانَةِ، والجِنُّ بِالإنْسِ بِأنْ أطاعُوهم، وحَصَّلُوا مُرادَهم بِقَبُولِ ما ألْقَوْهُ إلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِهِمْ: أنَّهم كانُوا يَعُوذُونَ بِهِمْ في المَفاوِزِ (p-185)والمَخاوِفِ، واسْتِمْتاعُهم بِالإنْسِ: اعْتِرافُهم بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إجارَتِهِمْ.
﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، قالُوهُ اعْتِرافًا بِما فَعَلُوهُ مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ، واتِّباعِ الهَوى، وتَكْذِيبِ البَعْثِ، وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها، وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ، واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدْ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ كَلامِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: قالَ.
﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾؛ أيْ: مَنزِلُكم، أوْ ذاتُ ثَوائِكم، كَما أنَّ دارَ السَّلامِ مَثْوى المُؤْمِنِينَ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ والعامِلُ " مَثْواكم " إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا، ومَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ مَكانًا.
﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ، ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ، وما بِمَعْنى مَن.
وَقِيلَ: المَعْنى: إلّا الأوْقاتَ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا فِيهِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيِّزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجحيم.
وَقِيلَ: يُفْتَحُ لَهم وهم في النّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ، حَتّى إذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أُمْهِلُكم، ولا يَخْفى بُعْدَهُ.
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفاعِيلِهِ.
﴿عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ الثَّقَلَيْنِ وأعْمالِهِمْ، وبِما يَلِيقُ بِها مِنَ الجَزاءِ.
6:129Страница 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
Так Мы позволяем одним беззаконникам править другими за то, что они приобретают.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ما سِيقَ مِن تَمْكِينِ الجِنِّ مِن إغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ.
﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الإنْسِ.
﴿بَعْضًا﴾ آخَرَ مِنهم؛ أيْ: نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم قُرَناءَ بَعْضٍ في العَذابِ، كَما كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ اقْتِرافِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ.
﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
6:130Страница 144
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
Мы скажем: «О сонмище джиннов и людей! Разве к вам не приходили посланники из вашего числа, которые читали вам Мои аяты и предупреждали вас о встрече с этим днем вашим?». Они скажут: «Мы свидетельствуем против самих себя». Мирская жизнь обольстила их, и они принесут свидетельство против самих себя о том, что они были неверующими.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ المَعْشَرَيْنِ وتَقْرِيعِهِمْ بِتَفْرِيطِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ أنْفُسِهِمْ، إثْرَ حِكايَةِ تَوْبِيخِ مَعْشَرِ الجِنِّ بِإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ، وبَيانِ مَآلِ أمْرِهِمْ.
﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا.
﴿رُسُلٌ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنْ لا عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولٌ خاصٌّ بِها؛ أيْ: ألَمْ يَأْتِ كُلَّ أُمَّةٍ مِنكم رَسُولٌ مُعَيَّنٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٌ؛ أيْ: كائِنَةٌ مِن جُمْلَتِكم، لَكِنْ لا عَلى أنَّهم مِن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، بَلْ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، وإنَّما جُعِلُوا مِنهُما إمّا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ، والإيذانِ بِتَقارُبِهِما ذاتًا، واتِّحادِهِما تَكْلِيفًا وخِطابًا، كَأنَّهُما جِنْسٌ واحِدٌ؛ ولِذَلِكَ تَمَكَّنَ أحَدُهُما مِن إضْلالِ الآخَرِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ: ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ قَدِ اسْتَمَعُوا القرآن وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهم، حَيْثُ نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ (p-186)إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٌ، مُحَقِّقَةٌ لِما هو المُرادُ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّقَلَيْنِ.
﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ بِما هو في تَضاعِيفِها مِنَ القَوارِعِ.
﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يَوْمِ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ ما أُعِدَّ لَهم مِن أفانِينِ العُقُوباتِ الهائِلَةِ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ التَّوْبِيخِ الشَّدِيدِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا.
﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾؛ أيْ: بِإتْيانِ الرُّسُلِ وإنْذارِهِمْ، وبِمُقابَلَتِهِمْ إيّاهم بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وبِاسْتِحْقاقِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ حَسْبَما فُصِّلَ في حِكايَةِ جَوابِهِمْ عَنْ سُؤالِ خَزَنَةِ النّارِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . وقَدْ أُجْمِلَ هَهُنا في الحِكايَةِ كَما أُجْمِلَ في حِكايَةِ جَوابِهِمْ، حَيْثُ قالُوا: ﴿بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما أدّاهم في الدُّنْيا إلى ارْتِكابِهِمْ لِلْقَبائِحِ الَّتِي ارْتَكَبُوها، وألْجَأهم بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ، وذَمٌّ لَهم بِذَلِكَ؛ أيْ: واغْتَرُّوا في الدُّنْيا بِالحَياةِ الدَّنِيئَةِ، واللَّذّاتِ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ، وأعْرَضُوا عَنِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، واجْتَرَءُوا عَلى ارْتِكابِ ما يَجُرُّهم إلى العَذابِ المُؤَبَّدِ الَّذِي أنْذَرُوهم إيّاهُ.
﴿وَشَهِدُوا﴾ في الآخِرَةِ.
﴿عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا﴾ في الدُّنْيا.
﴿كافِرِينَ﴾؛ أيْ: بِالآياتِ والنُّذُرِ الَّتِي أتى بِها الرُّسُلُ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ آنِفًا، واضْطُرُّوا إلى الِاسْتِسْلامِ لِأشَدِّ العَذابِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾، وفِيهِ مِن تَحْسِيرِهِمْ وتَحْذِيرِ السّامِعِينَ عَنْ مِثْلِ صَنِيعِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
6:131Страница 144
ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١
Это произойдет потому, что твой Господь не губит города несправедливо, пока их жители пребывают в неведении.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بِحَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن " أنَّ "، وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمُهْلِكَ؛ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القُرى؛ أيْ: مُلْتَبِسَةً بِظُلْمٍ، فَإنَّ مُلابَسَةَ أهْلِها لِلظُّلْمِ مُلابَسَةٌ لِلْقَرْيَةِ لَهُ بِواسِطَتِهِمْ.
وَأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن رَبِّكَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في مُهْلِكَ كَما قِيلَ؛ فَيَأْباهُ أنَّ غَفْلَةَ أهْلِها مَأْخُوذَةٌ في مَعْنى الظُّلْمِ وحَقِيقَتِهِ لا مَحالَةَ، فَلا يَحْسُنُ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأهْلُها غافِلُونَ﴾ والمَعْنى: ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ، أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ؛ أيِّ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ قَبْلَ أنْ يُنْهَوْا عَنْهُ، ويُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرَسُولٍ وكِتابٍ، وإنْ قَضى بِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ ويُنْذَرُوا عاقِبَةَ جِناياتِهِمْ؛ أيْ: لَوْلا انْتِفاءُ كَوْنِهِ تَعالى مُعَذِّبًا لَهم قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، لَما أمْكَنَ التَّوْبِيخُ بِما ذُكِرَ، ولَما شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ، ولا اعْتَذَرُوا بِعَدَمِ إتْيانِ الرُّسُلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ .
وَإنَّما عُلِّلَ ما ذُكِرَ بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي هو إهْلاكُ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ، مَعَ أنَّ التَّقْرِيبَ في تَعْلِيلِهِ بِانْتِفاءِ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ مِن غَيْرِ بَعْثِ الرُّسُلِ أتَمُّ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾؛ لِبَيانِ كَمالِ (p-187)نَزاهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كِلا التَّعْذِيبَيْنِ: الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ مَعًا، مِن غَيْرِ إنْذارٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ اقْتُصِرَ عَلى نَفْيِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ عَنْهُ تَعالى، لِيَثْبُتَ نَفْيُ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ عَنْهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ.
فَإنَّهُ تَعالى حَيْثُ لَمْ يُعَذِّبْهم بِعَذابٍ يَسِيرٍ مُنْقَطِعٍ بِدُونِ إنْذارٍ، فَلِأنْ لا يُعَذِّبَهم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُخَلَّدٍ أوْلى وأجْلى، ولَوْ عُلِّلَ بِما ذُكِرَ مِن نَفْيِ التَّعْذِيبِ لانْصَرَفَ بِحَسَبِ المَقامِ إلى ما فِيهِ الكَلامُ مِن نَفْيِ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ، ونَفْيِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ غَيْرُ مُتَعَرَّضٍ لَهُ، لا صَرِيحًا ولا دَلالَةً؛ ضَرُورَةَ أنَّ نَفْيَ الأعْلى لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الأدْنى، ولِأنَّ تَرَتُّبَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى الإنْذارِ عِنْدَ عَدَمِ تَأثُّرِ المُنْذَرِينَ مِنهُ مَعْلُومٌ مُشاهَدٌ عِنْدَ السّامِعِينَ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ التَّعْذِيبَ الأُخْرَوِيَّ أيْضًا كَذَلِكَ، فَيَنْزَجِرُونَ عَنِ الإخْلالِ بِمَواجِبِ الإنْذارِ أشَدَّ انْزِجارٍ، هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وَأمّا جَعْلُ ذَلِكَ إشارَةً إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْذارِهِمْ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَبِمَعْزِلٍ مِن مُقْتَضى المَقامِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
6:132Страница 145
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢
Для всех будут ступени, соответствующие тому, что они совершили. Господь твой не находится в неведении относительно того, что они совершают.
﴿وَلِكُلٍّ﴾؛ أيْ: مِنَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
﴿دَرَجاتٌ﴾ مُتَفاوِتَةٌ وطَبَقاتٌ مُتَبايِنَةٌ.
﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ، صالِحَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً، فَإنَّ أعْمالَهم دَرَجاتٌ في أنْفُسِها، أوْ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ جَزاءٍ مَرْتَبَةٌ مُعَيَّنَةٌ لَهم، أوْ مِن أجْلِ أعْمالِهِمْ.
﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَخْفى عَلَيْهِ عَمَلٌ مِن أعْمالِهِمْ، أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّونَ بِها مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وقُرِئَ بِالتّاءِ تَغْلِيبًا لِلْخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ.
6:133Страница 145
وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣
Господь твой богат и обладает милостью. Если Он пожелает, то уничтожит вас и сделает вашими преемниками, кого пожелает, подобно тому, как Он сотворил вас из потомства других людей.
﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ أيْ: هو المَعْرُوفُ بِالغَنِيِّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ كائِنًا مَن كانَ وما كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ غِناهُ عَنِ العِبادِ وعَنْ عِبادَتِهِمْ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية في المَوْضِعَيْنِ لا سِيَّما في الثّانِي، لِكَوْنِهِ مَوْقِعَ الإضْمارِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ، وتَنْزِيهِ ساحَتِهِ عَنْ تَوَهُّمِ شُمُولِ الوَعِيدِ الآتِي لَها أيْضًا ما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ هو الخَبَرُ، والغَنِيُّ صِفَةٌ؛ أيْ: يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ تَكْمِيلًا لَهم، ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَلَفَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ، بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ، وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أيْ: ما بِهِ حاجَةٌ إلَيْكم، إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ، وفي تَلْوِينِ الخِطابِ مِن تَشْدِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ إذْهابِكم.
﴿ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإظْهارِ كَمالِ الكِبْرِياءِ وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ.
﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أيْ: مِن نَسْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم، وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم، و" ما " في " كَما " مَصْدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، فَإنَّ يَسْتَخْلِفْ في مَعْنى: يُنْشِئْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُنْشِئْ إنْشاءً كائِنًا كَإنْشائِكم ... إلَخْ، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: يَسْتَخْلِفِ اسْتِخْلافًا كائِنًا كَإنْشائِكم ... إلَخْ، والشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الغِنى والرَّحْمَةِ.
6:134Страница 145
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤
Воистину, обещанное вам наступит, и вы не сможете избежать этого.
﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ (p-188)؛ أيِ: الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ البَعْثِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.
﴿لآتٍ﴾ لَواقِعٌ لا مَحالَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾، وإيثارُهُ عَلَيْهِ لِبَيانِ كَمالِ سُرْعَةِ وُقُوعِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ طالِبٍ حَثِيثٍ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ، حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أيْ: بِفائِتِينَ ذَلِكَ، وإنْ رَكِبْتُمْ في الهَرَبِ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُرْبِ الإتْيانِ.
والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفاءِ الإعْجازِ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِ الإعْجازِ، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ كَما تَدُلُّ عَلى دَوامِ الثُّبُوتِ تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ، إذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ النَّفْيِ، عَلى دَوامِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الدَّوامِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.
6:135Страница 145
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥
Скажи: «О мой народ! Действуйте по своему усмотрению, и я тоже буду действовать. Вы узнаете, кому достанется Последняя обитель. Воистину, не преуспеют беззаконники».
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ إثْرَ ما بُيِّنَ لَهم حالُهم ومَآلُهم بِطَرِيقِ الخِطابِ، أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ بِأنْ يُواجِهَهم بِتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ، وتَكْرِيرِ الوَعِيدِ، ويُظْهِرَ لَهم ما هو عَلَيْهِ غايَةُ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ، ونِهايَةِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ؛ أيِ: اعْمَلُوا عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم، يُقالُ: تَمَكَّنَ مَكانَةً: إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، أوْ عَلى جِهَتِكم وحالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، كَمَقامٍ ومَقامَةٍ، وقُرِئَ: ( مَكاناتِكم )، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ومُعاداتِكم.
﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، والِاسْتِمْرارِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والمُصابَرَةِ، وإيرادُ التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ، كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالَّذِي أُمِرَ بِهِ، بِحَيْثُ لا يَجِدُ إلى التَّفَصِّي عَنْهُ سَبِيلًا.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ " سَوْفَ " لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والعِلْمُ عِرْفانِيٌّ، و" مِن " إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ، مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. و" تَكُونُ " بِاسْمِها وخَبَرِها خَبَرٌ لَها، وهي مَعَ خَبَرِها في مَحَلِّ نَصْبٍ لِسَدِّها مَسَدَّ مَفْعُولِ " تَعْلَمُونَ "؛ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدِّيارَ لَها.
وَإمّا مَوْصُولَةٌ فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِتَعْلَمُونِ؛ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ إنْصافٌ في المَقالِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأمْرِهِ، وقُرِئَ بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
﴿إنَّهُ﴾؛ أيِ: الشَّأْنَ.
﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وُضِعَ الظُّلْمُ مَوْضِعَ الكُفْرِ إيذانًا بِأنَّ امْتِناعَ الفَلّاحِ يَتَرَتَّبُ عَلى أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ، فَما ظَنُّكَ بِالكُفْرِ الَّذِي هو أعْظَمُ أفْرادِهِ.
6:136Страница 145
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦
Они предназначают Аллаху долю того, что Он вырастил из посевов и скота, и по своему разумению говорят: «Это - Аллаху, а это - сотоварищам». То, что предназначено сотоварищам, не попадает Аллаху, а то, что предназначено Аллаху, попадает сотоварищам. Скверно то, что они решают!
﴿وَجَعَلُوا﴾ شُرُوعٌ في تَقْبِيحِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وهم مُشْرِكُو العَرَبِ كانُوا يُعَيِّنُونَ أشْياءَ مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ تَعالى، وأشْياءَ مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ، فَإذا رَأوْا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا يَزِيدُ في نَفْسِهِ خَيْرًا، رَجَعُوا فَجَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، وإذا زَكا ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ تَرَكُوهُ مُعْتَلِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ، وما ذاكَ إلّا لِحُبِّ آلِهَتِهِمْ وإيثارِهِمْ لَها.
والجَعْلُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، فالجارّانِ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-189)﴿لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ مُتَعَلِّقانِ بِهِ.
وَ" مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ بَيانٌ لِما، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، حَيْثُ أشْرَكُوا الخالِقَ في خَلْقِهِ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلُوا الزَّكِيَّ لَهُ؛ أيْ: عَيَّنُوا لَهُ تَعالى مِمّا خَلَقَهُ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ.
﴿نَصِيبًا﴾ يَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ المَجْرُورَيْنِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
وَإمّا إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: " ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ " عَلى أنَّ " مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: جَعَلُوا بَعْضَ ما خَلَقَهُ نَصِيبًا لَهُ، وما قِيلَ مِن أنَّ الأوَّلَ نَصِيبًا والثّانِيَ لِلَّهِ، لا يُساعِدُهُ سَدادُ المَعْنى، وحِكايَةُ جَعْلِهِمْ لَهُ تَعالى نَصِيبًا تَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ أيْضًا نَصِيبًا.
وَلَمْ يُذْكَرِ اكْتِفاءً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ الزّاءِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ، وإنَّما قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُسْتَتْبِعٍ لِشَيْءٍ مِنَ الثَّوابِ، كالتَّطَوُّعاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى، لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الجَعْلِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ الثّانِي.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم: " هَذا لِلَّهِ " مُجَرَّدُ زَعْمٍ مِنهم لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ الَّذِي هو اخْتِصاصُهُ بِهِ تَعالى.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لَهُ؛ أيْ: فَما عَيَّنُوهُ لِشُرَكائِهِمْ لا يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى، مِن قِرى الضِّيفانِ والتَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ، وما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى إذا وجَدُوهُ زاكِيًا، يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِآلِهَتِهِمْ مِن إنْفاقٍ عَلَيْها، وذَبْحِ نِسائِكَ عِنْدَها، والإجْراءِ عَلى سَدَنَتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ.
﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ فِيما فَعَلُوا مِن إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَمَلِهِمْ بِما لَمْ يُشْرَعْ لَهم، وما بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ حُكْمُهم، فَيَكُونُ " حُكْمُهم " مُبْتَدَأً، وما قَبْلَهُ الخَبَرُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ " ﴿يَحْكُمُونَ﴾ " عَلَيْهِ.
6:137Страница 145
وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧
Так многим многобожникам их сотоварищи представили прекрасным убийство детей, дабы погубить их и сделать запутанной их религию. Если бы Аллах пожелал, они не поступали бы таким образом. Оставь же их вместе с их измышлениями.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ، وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في قِسْمَةِ القُرْبانِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ، أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّياطِينِ.
﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ بِوَأْدِهِمْ ونَحْرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ في الجاهِلِيَّةِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا غُلامًا لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المُطَّلِبِ، وهو مَشْهُورٌ.
﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾؛ أيْ: أوْلِياؤُهم مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ السَّدَنَةِ، وهو فاعِلُ " زَيَّنَ " أُخِّرَ عَنِ الظَّرْفِ والمَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ، ونَصْبِ الأوْلادِ وجَرِّ الشُّرَكاءِ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ.
وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ قَتْلُ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورَفْعِ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زُيِّنَ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: زُيِّنَ لَهم قَتْلُ أوْلادِهِمْ، قِيلَ: مَن زَيَّنَهُ ؟ فَقِيلَ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾؛ أيْ: يُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ.
﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ولِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ، ولِلْعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَدَمَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ.
﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أيْ: ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ القَتْلِ، أوِ الشُّرَكاءُ التَّزْيِينَ، أوِ الإرْداءَ واللَّبْسَ، أوِ الفَرِيقانِ، جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى إجْراءِ الضَّمِيرِ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ.
﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ الفاءُ (p-190)فَصِيحَةٌ؛ أيْ: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَدَعْهم وافْتِراءَهم، أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإفْكِ، فَإنَّ فِيما شاءَ اللَّهُ تَعالى حِكَمًا بالِغَةً، ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
6:138Страница 146
وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨
На основании своих предположений они говорят: «Эта скотина и эти посевы запретны. Питаться ими может только тот, кому мы позволим». На одной скотине они запрещают ездить верхом и возить грузы, а над другой скотиной они не произносят имени Аллаха, возводя на Него навет. Он воздаст им за то, что они измышляют!
﴿وَقالُوا﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ.
﴿هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ.
﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾؛ أيْ: حَرامٌ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذِّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ، والذَّكَرُ والأُنْثى؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِأنْعامٌ وحَرْثٌ.
وَقُرِئَ: ( حُجْرٌ ) بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ، وحِرْجٌ؛ أيْ: ضَيِّقٌ، وأصْلُهُ: حَرِجٌ، وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ مِن حِجْرٍ.
﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: خَدَمَ الأوْثانِ مِنَ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِأنْعامٌ وحَرْثٌ.
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ قالُوا؛ أيْ: قالُوهُ مُلْتَبِسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ.
﴿وَأنْعامٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿هَذِهِ أنْعامٌ﴾ ... " إلَخْ؛ أيْ: قالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ أُخْرى مِن أنْعامِهِمْ: وهَذِهِ أنْعامٌ.
﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنُونَ بِها: البَحائِرَ، والسَّوائِبَ، والحَوّامِيَ.
﴿وَأنْعامٌ﴾؛ أيْ: وهَذِهِ أنْعامٌ كَما مَرَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ صِفَةٌ لِأنْعامٌ، لَكِنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ كَنَظائِرِهِ، بَلْ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَعْيِينًا لِلْمَوْصُوفِ وتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ عَلى أحَدِ التَّفاسِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْعامٌ ذُبِحَتْ عَلى الأصْنامِ، فَإنَّها الَّتِي لا يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ اللَّهِ، وإنَّما يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ الأصْنامِ.
وَقِيلَ: لا يَحُجُّونَ عَلَيْها، فَإنَّ الحَجَّ لا يُعَرّى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ لَهم طائِفَةٌ ما مِن أنْعامِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها، ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِها، لا إنْ رَكِبُوا، ولا إنْ حَلَبُوا، ولا إنْ نَتَجُوا، ولا إنْ باعُوا، ولا إنْ حَمَلُوا.
﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، إمّا عَلى أنَّ ما قالُوهُ تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِهِ؛ أيِ: افْتَرَوُا افْتِراءً، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا، أوْ بِافْتَرَوُا المُقَدَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ لا بِافْتِراءً؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لا يَعْمَلُ، أوْ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قالُوا؛ أيْ: مُفْتَرِينَ، أوْ عَلى العِلَّةِ؛ أيْ: لِلِافْتِراءِ؛ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلِهِ، وفي إبْهامِ الجَزاءِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии