Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:34–45
6:34Страница 131
وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤
До тебя посланников также считали лжецами, но они терпели то, что их так называли и обижали, пока не являлась к ним Наша помощь. Никто не исказит слов Аллаха, и до тебя уже дошли некоторые вести о посланниках.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ افْتِنانٌ في تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ عُمُومَ البَلِيَّةِ رُبَّما يُهَوِّنُ أمْرَها بَعْضَ تَهْوِينٍ، وإرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى ما أصابَهم مِن أُمَمِهِمْ مِن فُنُونِ الأذِيَّةِ، وعِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمِثْلِ ما مُنِحُوهُ مِنَ النَّصْرِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، ومِن إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِكُذِّبَتْ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ كُذِّبَتْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِكَ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوُو عَدَدٍ كَثِيرٍ، أوْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ.
﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ. (p-128)
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى كُذِّبُوا، داخِلٌ في حُكْمِهِ، فانْسَبَكَ مِنهُما مَصْدَرانِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ، فَتَأسَّ بِهِمْ واصْطَبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن قَوْمِكَ، والمُرادُ بِإيذائِهِمْ: إمّا عَيْنُ تَكْذِيبِهِمْ، وإمّا ما يُقارِنُهُ مِن فُنُونِ الإيذاءِ، لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ ثِقَةً بِاسْتِلْزامِ التَّكْذِيبِ إيّاهُ غالِبًا، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى صَبَرُوا، وقِيلَ: عَلى كُذِّبَتْ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ غايَةٌ لِلصَّبْرِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ نَصْرَهُ تَعالى إيّاهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ لا مَرَدَّ لَهُ، وأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِمْ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ البَتَّةَ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّصْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن إتْيانِ نَصْرِهِ إيّاهم، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى: ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ مِنَ المَواعِيدِ السّابِقَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدّالَّةِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ أيْضًا، لا نَفْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ ونَظائِرِها.
فَإنَّ الإخْبارَ بِعَدَمِ تَبَدُّلِها إنَّما يُفِيدُ عَدَمَ تَبَدُّلِ المَواعِيدِ الوارِدَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً دُونَ المَواعِيدِ السّابِقَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكَلِماتِهِ تَعالى: جَمِيعُ كَلِماتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تِلْكَ المَواعِيدُ الكَرِيمَةُ، ويَدْخُلُ فِيها المَواعِيدُ الوارِدَةُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أنْ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، ولا يَقَعُ مِنهُ تَعالى خُلْفٌ في قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ جِيءَ بِها لِتَحْقِيقِ ما مُنِحُوا مِنَ النَّصْرِ، وتَأْكِيدِ ما في ضِمْنِهِ مِنَ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِتَقْرِيرِ جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الأُمَمِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ.
والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ؛ إمّا بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ؛ أيْ: بَعْضُ نَبَأِ المُرْسَلِينَ، أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: بَعْضٌ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ، كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ ...﴾ الآيَةَ.
وَأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ بِنَبَئِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الأوَّلِ: نَصْرُهُ تَعالى إيّاهم بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي، وعَلى الثّانِي: جَمِيعُ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ أُمَمِهِمْ، عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا ...﴾ الآيَةَ.
وَقِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِ في جاءَ، العائِدِ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ أيْ: ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ كائِنًا مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ.
6:35Страница 131
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥
Если тебя тяготит их отвращение, то если ты сможешь отыскать проход в земле или лестницу на небо, то принеси им знамение. Если бы Аллах пожелал, то собрал бы их всех на прямом пути. Посему не будь одним из невежд.
﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الصَّبْرِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّسْلِيَةِ، بِبَيانِ أنَّهُ أمْرٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ أصْلًا؛ أيْ: إنْ كانَ عَظُمَ عَلَيْكَ، وشَقَّ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ القرآن الكَرِيمِ، حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما حُكِيَ عَنْهم مِن تَسْمِيَتِهِمْ لَهُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، وتَنائِيهِمْ عَنْهُ ونَهْيِهِمُ النّاسَ عَنْهُ.
وَقِيلَ: إنَّ الحَرْثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَحْضَرٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ؛ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ وأنا أُصَدِّقُكَ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا، فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ (p-129)اللَّهِ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَكانَ إذا سَألُوا آيَةً يَوَدُّ أنْ يُنْزِلَها اللَّهُ تَعالى طَمَعًا في إيمانِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إعْراضُهُمْ﴾ " مُرْتَفِعٌ بِكَبُرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِكانَ، مُفَسِّرَةٌ لِاسْمِها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ.
وَقِيلَ: اسْمُ كانَ إعْراضُهم، وكَبُرَ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَها مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ رافِعٌ لِضَمِيرٍ مُسْتَتِرٍ كَما هو المَشْهُورُ.
وَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ ...﴾ إلَخْ شَرْطِيَّةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، والمَعْنى: إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، وعَدَمُ عَدِّهِمْ لَها مِن قَبِيلِ الآياتِ، وأحْبَبْتَ أنْ تُجِيبَهم إلى ما سَألُوهُ اقْتِراحًا؛ فَإنِ اسْتَطَعْتَ.
﴿أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾؛ أيْ: سِرْبًا ومَنفَذًا.
﴿فِي الأرْضِ﴾ تَنْفُذُ فِيهِ إلى جَوْفِها.
﴿أوْ سُلَّمًا﴾؛ أيْ: مَصْعَدًا.
﴿فِي السَّماءِ﴾ تَعَرُجُ بِهِ فِيها.
﴿فَتَأْتِيَهُمْ﴾ مِنهُما.
﴿بِآيَةٍ﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ؛ فافْعَلْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ابْتِغاؤُهُما نَفْسَ الإتْيانِ بِالآيَةِ، فالفاءُ في فَتَأْتِيهِمْ حِينَئِذٍ تَفْسِيرِيَّةٌ، وتَنْوِينُ آيَةٍ لِلتَّفْخِيمِ؛ أيْ: فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَهُما فَتَجْعَلَ ذَلِكَ آيَةً لَهم، فافْعَلْ.
والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِمَحْذُوفَيْنِ، هُما نَعْتانِ لِنَفَقًا وسُلَّمًا، والأوَّلُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ؛ إذِ النَّفَقُ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ، أوْ بِتَبْتَغِي.
وَقَدْ جُوِّزَ تَعَلُّقُهُما بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ تَبْتَغِي؛ أيْ: أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا كائِنًا أنْتَ في الأرْضِ، أوْ سُلَّمًا كائِنًا في السَّماءِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَبالُغِ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ، وتَرامِيهِ إلى حَيْثُ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ، أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ لَفَعَلَ؛ رَجاءً لِإيمانِهِمْ، ما لا يَخْفى.
وَإيثارُ الِابْتِغاءِ عَلى الِاتِّخاذِ ونَحْوِهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفَقِ والسُّلَّمِ مِمّا لا يُسْتَطاعُ ابْتِغاؤُهُ، فَكَيْفَ بِاتِّخاذِهِ.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾؛ أيْ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْمَعَهم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى لَفَعَلَهُ، بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ فَيُؤْمِنُوا مَعَكم، ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ لِعَدَمِ صَرْفِ اخْتِيارِهِمْ إلى جانِبِ الهُدى، مَعَ تَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنهُ في مُشاهَدَتِهِمْ لِلْآياتِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، لا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُوَفِّقْهم لَهُ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلى تَحْصِيلِهِ.
وَقِيلَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلَيْهِ بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ إلَيْهِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ نَهْيٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ، والمَيْلِ إلى إتْيانِ ما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ، مُرَتَّبٌ عَلى بَيانِ عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِدايَتِهِمْ، والمَعْنى: وإذا عَرَفْتَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هِدايَتَهم وإيمانَهم بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَلا تَكُونَنَّ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ، أوِ المَيْلِ إلى نُزُولِ مُقْتَرَحاتِهِمْ، مِنَ الجاهِلِينَ بِدَقائِقِ شُئُونِهِ تَعالى، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِإيمانِهِمْ؛ أمّا اخْتِيارًا فَلِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ، وأمّا اضْطِرارًا فَلِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الِاخْتِيارِ.
وَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي: المُقْتَرِحُونَ، ويُرادَ بِالنَّهْيِ مَنعُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُساعَدَةِ عَلى اقْتِراحِهِمْ، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الجَهْلِ دُونَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ؛ لِتَحْقِيقِ مَناطِ النَّهْيِ الَّذِي هو الوَصْفُ الجامِعُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم.
6:36Страница 132
۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦
Отвечают только те, кто внимает. А мертвых Аллах воскресит, после чего они будут возвращены к Нему.
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (p-130)تَقْرِيرٌ لِما مَرَّ مِن أنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً مانِعَةً مِنَ الفِقْهِ، وفي آذانِهِمْ وقْرًا حاجِزًا مِنَ السَّماعِ، وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِهِمْ بِذَلِكَ مِن قَبِيلِ المَوْتى، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ الإيمانُ البَتَّةَ.
والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ المُقارِنَةُ لِلْقَبُولِ؛ أيْ: إنَّما يَقْبَلُ دَعْوَتَكَ إلى الإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ سَماعَ تَفْهُّمٍ وتَدَبُّرٍ، دُونَ المَوْتى الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ تَمْثِيلٌ لِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، بِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ المَوْتى مِنَ القُبُورِ.
وَقِيلَ: بَيانٌ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمِ إقْلاعِهِمْ عَنْهُ أصْلًا، عَلى أنَّ المَوْتى مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: بَيانٌ مُسْتَعارٌ لِلْكَفَرَةِ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ جَهْلِهِمْ بِمَوْتِهِمْ؛ أيْ: وهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن قُبُورِهِمْ.
﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَجِيبُونَ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. وقُرِئَ: ( يَرْجِعُونَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا، والمَشْهُورَةُ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ؛ لِإنْبائِهِ عَنْ كَوْنِ مَرْجِعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاضْطِرارِ.
6:37Страница 132
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧
Они говорят: «Почему ему не ниспослано знамение от его Господа?». Скажи: «Аллах способен ниспослать знамение». Но большинство их не обладает знанием.
﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ ما قالُوا في حَقِّ القرآن الكَرِيمِ، وبَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ.
والقائِلُونَ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: الحَرْثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وأصْحابُهُ، ولَقَدْ بَلَغَتْ بِهِمُ الضَّلالَةُ والطُّغْيانُ إلى حَيْثُ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِما شاهَدُوا مِنَ البَيِّناتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ، حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى ادِّعاءِ أنَّها لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ الآياتِ، وإنَّما هي ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الخَوارِقِ المُلْجِئَةِ، أوِ المُعْقِبَةِ لِلْعَذابِ، كَما قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ ...﴾ الآيَةَ.
والتَّنْزِيلُ بِمَعْنى الإنْزالِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فِيما سَيَأْتِي، وما يُفِيدُهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإشْعارِ بِالعِلِّيَّةِ، إنَّما هو بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالتَّهَكُّمِ مِن جِهَتِهِمْ.
وَإطْلاقُ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ بِها: ما هو مِنَ الخَوارِقِ المَذْكُورَةِ، لا آيَةٌ ما مِنَ الآياتِ؛ لِفَسادِ المَعْنى مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها: آيَةٌ مُوجِبَةٌ لِهَلاكِهِمْ، كَإنْزالِ مَلائِكَةِ العَذابِ ونَحْوِهِ، عَلى أنَّ تَنْوِينَها لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، كَما أنَّ إظْهارَ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ، والِاقْتِصارِ في الجَوابِ عَلى بَيانِ قدرته تعالى عَلى تَنْزِيلِها مَعَ أنَّها لَيْسَتْ في حَيِّزِ الإنْكارِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِهِ تَعالى إيّاها مَعَ قدرته عَلَيْهِ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ يَجِبُ مَعْرِفَتُها، وهم عَنْها غافِلُونَ.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسُوا مِن أهْلِ العِلْمِ، عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ، أوْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا عَلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً مِن ذَلِكَ، أوْ آيَةً أيَّ آيَةٍ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ، فَلا يَدْرُونَ أنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِها مَعَ ظُهُورِ قدرته عَلَيْهِ، لِما أنَّ في تَنْزِيلِها قَلْعًا لِأساسِ التَّكْلِيفِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الِاخْتِيارِ، أوِ اسْتِئْصالًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَيَقْتَرِحُونَها جَهْلًا، ويَتَّخِذُونَ عَدَمَ تَنْزِيلِها ذَرِيعَةً إلى التَّكْذِيبِ.
وَتَخْصِيصُ عَدَمِ العِلْمِ بِأكْثَرِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم واقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ (p-131)الحالِ، وإنَّما يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مُكابَرَةً وعِنادًا.
6:38Страница 132
وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ ٣٨
Все живые существа на земле и птицы, летающие на двух крыльях, являются подобными вам сообществами. Мы ничего не упустили в Писании. А затем они будут собраны к своему Господу.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ...﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ قدرته عَزَّ وجَلَّ، وشُمُولِ عِلْمِهِ وسَعَةِ تَدْبِيرِهِ، لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَنْزِيلِ الآيَةِ، وإنَّما لا يُنَزِّلُها مُحافَظَةً عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
وَزِيادَةُ " مِن " لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، و" في " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو وصْفٌ لِدابَّةٍ، مُفِيدٌ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما فَرْدٌ مِن أفْرادِ الدَّوابِّ يَسْتَقِرُّ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ.
وَكَذا زِيادَةُ الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ أيْ: ولا طائِرٍ مِنَ الطُّيُورِ يَطِيرُ في ناحِيَةٍ مِن نَواحِي الجَوِّ بِجَناحَيْهِ، كَما هو المُشاهَدُ المُعْتادُ. وقُرِئَ: ( ولا طائِرٌ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما مِن دابَّةٍ ولا طائِرٍ.
﴿إلا أُمَمٌ﴾؛ أيْ: طَوائِفُ مُتَخالِفَةٌ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما مِن دَوابَّ ولا طَيْرٍ إلّا أُمَمٌ.
﴿أمْثالُكُمْ﴾؛ أيْ: كُلُّ أُمَّةٍ مِنها مِثْلُكم في أنَّ أحْوالَها مَحْفُوظَةٌ، وأُمُورَها مُقَنَّنَةٌ، ومَصالِحَها مَرْعِيَّةٌ، جارِيَةٌ عَلى سَنَنِ السَّدادِ، ومُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ التَّقْدِيراتِ الإلَهِيَّةِ، والتَّدْبِيراتِ الرَّبّانِيَّةِ.
﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يُقالُ: فَرَّطَ الشَّيْءَ؛ أيْ: ضَيَّعَهُ وتَرَكَهُ. قالَ ساعِدَةُ بْنُ حُوَيَّةَ: مَعَهُ سِقاءٌ لا يُفَرِّطُ حَمْلَهُ؛ أيْ: لا يَتْرُكُهُ ولا يُفارِقُهُ، ويُقالُ: فَرَّطَ في الشَّيْءِ؛ أيْ: أهْمَلَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيهِ وأغْفَلَهُ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فِي الكِتابِ﴾ "؛ أيْ: في القرآن، عَلى الأوَّلِ ظَرْفُ لَغْوٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿مِن شَيْءٍ﴾ " مَفْعُولٌ لَفَرَّطْنا، ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ أيْ: ما تَرَكْنا في القرآن شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ المُهِمَّةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها بَيانُ أنَّهُ تَعالى مُراعٍ لِمَصالِحِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى ما يَنْبَغِي.
وَعَلى الثّانِي مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ، و" مِن شَيْءٍ " في مَوْضِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: ما جَعَلْنا الكِتابَ مُفَرَّطًا فِيهِ شَيْئًا مِنَ التَّفْرِيطِ، بَلْ ذَكَرْنا فِيهِ كُلَّ ما لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
وَقِيلَ: الكِتابُ: اللَّوْحُ؛ فالمُرادُ بِالِاعْتِراضِ: الإشارَةُ إلى أنَّ أحْوالَ الأُمَمِ مُسْتَقْصاةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى هَذا القَدْرِ المُجْمَلِ. وقُرِئَ: ( فَرَطْنا ) بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ أحْوالِها في الدُّنْيا، وإيرادُ ضَمِيرِها عَلى صِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِإجْرائِها مُجْراهم، والتَّعْبِيرِ عَنْها بِالأُمَمِ؛ أيْ: إلى مالِكِ أُمُورِهِمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَدَأْبِكم، لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيهِمْ، فَيُنْصِفُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، حَتّى يَبْلُغَ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، وقِيلَ: حَشْرُها: مَوْتُها، ويَأْباهُ مَقامُ تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ.
6:39Страница 132
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩
Те, которые считают ложью Наши знамения, глухи и немы во мраках. Аллах вводит в заблуждение, кого пожелает, и наставляет на прямой путь, кого пожелает.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ "، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْهُودِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ...﴾ الآياتِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: أوْرَدْنا في القرآن جَمِيعَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وأزَحْنا بِهِ العِلَلَ والأعْذارَ.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ (p-132)الَّتِي هي مِنهُ.
﴿صُمٌّ﴾ لا يَسْمَعُونَها سَمْعَ تَدَبُّرٍ وفَهْمٍ؛ فَلِذَلِكَ يُسَمُّونَها أساطِيرَ الأوَّلِينَ، ولا يَعُدُّونَها مِنَ الآياتِ، ويَقْتَرِحُونَ غَيْرَها.
﴿وَبُكْمٌ﴾ لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْطِقُوا بِالحَقِّ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَجِيبُونَ دَعْوَتَكَ بِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾؛ أيْ: في ظُلُماتِ الكُفْرِ، أوْ ظُلُماتِ الجَهْلِ والعِنادِ والتَّقْلِيدِ؛ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العَمى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضالُّونَ كائِنِينَ في الظُّلُماتِ، أوْ صِفَةً لِبُكْمٍ؛ أيْ: بُكْمٌ كائِنُونَ في الظُّلُماتِ.
والمُرادُ بِهِ: بَيانُ كَمالِ عَراقَتِهِمْ في الجَهْلِ وسُوءِ الحالِ، فَإنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ إذا كانَ بَصِيرًا رُبَّما يَفْهَمُ شَيْئًا بِإشارَةِ غَيْرِهِ، وإنْ لَمْ يَفْهَمْهُ بِعِبارَتِهِ، وكَذا يُشْعِرُ غَيْرَهُ بِما في ضَمِيرِهِ بِالإشارَةِ، وإنْ كانَ مَعْزُولًا عَنِ العِبارَةِ، وأمّا إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ أعْمى، أوْ كانَ في الظُّلُماتِ، فَيَنْسَدُّ عَلَيْهِ بابُ الفَهْمِ والتَّفْهِيمِ بِالكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن حالِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أصْلًا؛ فَمَن مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ مِن وُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، وانْتِفاءِ الغَرابَةِ في تَعَلُّقِها بِهِ؛ أيْ: مَن يَشَأِ اللَّهُ إضْلالَهُ؛ أيْ: أنْ يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ يُضْلِلْهُ؛ أيْ: يَخْلُقْهُ فِيهِ، لَكِنْ لا ابْتِداءً بِطَرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ ما في ذَلِكَ، بَلْ عِنْدَ صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى كَسْبِهِ وتَحْصِيلِهِ.
وَقِسْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يَضِلُّ مَن ذَهَبَ إلَيْهِ، ولا يَزِلُّ مَن ثَبَتَ قَدَمُهُ عَلَيْهِ.
6:40Страница 132
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠
Скажи: «Скажите мне, станете ли вы призывать кого-либо наряду с Аллахом, если вас поразит наказание Аллаха или наступит Час, если только вы говорите правду?».
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَكِّتَهم، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى النَّكِيرِ، والكافُ حَرْفٌ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ومَبْنى التَّرْكِيبِ وإنْ كانَ عَلى الِاسْتِخْبارِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قَلْبِيَّةً كانَتْ أوْ بَصَرِيَّةً، لَكِنَّ المُرادَ بِهِ: الِاسْتِخْبارُ عَنْ مُتَعَلِّقِها؛ أيْ: أخْبِرُونِي.
﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ حَسْبَما أتى الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن أنْواعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ الَّتِي لا مَحِيصَ عَنْها البَتَّةَ.
﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ هَذا مَناطُ الِاسْتِخْبارِ ومَحَطُّ التَّبْكِيتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرَأيْتَكم، مُؤَكِّدٌ لِلتَّبْكِيتِ، كاشِفٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ أصْنامَكم آلِهَةٌ، كَما أنَّها دَعْواكُمُ المَعْرُوفَةُ، أوْ إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا صادِقِينَ، فَأخْبِرُونِي أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ... إلَخْ.
فَإنَّ صِدْقَهم بِأيِّ مَعْنًى كانَ مِن مُوجِباتِ إخْبارِهِمْ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، وأمّا جَعْلُ الجَوابِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ "، أعْنِي: فادْعُوهُ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَمُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَيْفَ لا والمَطْلُوبُ مِنهم إنَّما هو الإخْبارُ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ ما يَتَأتّى، لا نَفْسُ دُعائِهِمْ إيّاهُ.
6:41Страница 132
بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١
О нет! Вы будете призывать только Его. Если Он пожелает, то избавит вас от того, по поводу чего вы станете взывать к Нему, и тогда вы забудете о тех, кого приобщали в сотоварищи.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ يُنْبِئُ عَنْها الجُمْلَةُ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها الِاسْتِخْبارُ إنْباءً جَلِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا غَيْرَهُ تَعالى تَدْعُونَ، بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى كَشْفِهِ، عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ؛ أيْ: فَيَكْشِفُهُ إثْرَ دُعائِكم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ﴾؛ أيْ: إنْ شاءَ كَشْفَهُ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ دُعائِهِمْ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، بَلْ هو تابِعٌ (p-133)لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ خَفِيَّةٍ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِها، فَقَدْ يَقْبَلُهُ كَما في بَعْضِ دَعَواتِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِكَشْفِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، وقَدْ لا يَقْبَلُهُ كَما في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وفي جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِكَشْفِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ السّاعَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَهُ بِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ تَرْكًا كُلِّيًّا، عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ أيْضًا، وتَوْسِيطُ الكَشْفِ بَيْنَهُما مَعَ تَقارُنِهِما، وتَأخُّرِ الكَشْفِ عَنْهُما لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الكَشْفِ، والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً.
6:42Страница 132
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢
Мы уже отправляли посланников к народам до тебя. Мы подвергали их нищете и недугам, дабы они проявили смирение.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مِنهم مَن لا يَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ العَذابِ أيْضًا؛ لِتَمادِيهِمْ في الغَيِّ والضَّلالِ، لا يَتَأثَّرُونَ بِالزَّواجِرِ التَّكْوِينِيَّةِ كَما لا يَتَأثَّرُونَ بِالزَّواجِرِ التَّنْزِيلِيَّةِ.
وَتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ، ومَفْعُولُ أرْسَلْنا مَحْذُوفٌ لِما أنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حالِ المُرْسَلِينَ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا.
﴿إلى أُمَمٍ﴾ كَثِيرَةٍ.
﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: كائِنَةٍ مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ.
﴿فَأخَذْناهُمْ﴾؛ أيْ: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَأخَذْناهم.
﴿بِالبَأْساءِ﴾؛ أيْ: بِالشِّدَّةِ والفَقْرِ.
﴿والضَّرّاءِ﴾؛ أيِ: الضُّرِّ والآفاتِ، وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما.
﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعالى في كَشْفِها بِالتَّضَرُّعِ والتَّذَلُّلِ، ويَتُوبُوا إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.
6:43Страница 132
فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣
Почему же, когда их поражало Наше наказание, они не проявили смирение? Их сердца ожесточались, а дьявол приукрашивал для них то, что они совершали.
﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾؛ أيْ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا حِينَئِذٍ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَسْتَدْعِيهِ.
﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ عَمّا قَبْلَهُ؛ أيْ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إلَيْهِ تَعالى بِرِقَّةِ القَلْبِ والخُضُوعِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ، ولَكِنْ ظَهَرَ مِنهم نَقِيضُهُ حَيْثُ قَسَتْ قُلُوبُهم؛ أيِ: اسْتَمَرَّتْ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ، أوِ ازْدادَتْ قَساوَةً، كَقَوْلِكَ: لَمْ يُكْرِمْنِي إذْ جِئْتُهُ ولَكِنْ أهانَنِي.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يُخْطِرُوا بِبالِهِمْ أنَّ ما اعْتَراهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما اعْتَراهم إلّا لِأجْلِهِ.
وَقِيلَ: الِاسْتِدْراكُ لِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم في تَرْكِ التَّضَرُّعِ عُذْرٌ سِوى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، والإعْجابِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم.
6:44Страница 132
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤
Когда они позабыли о том, что им напоминали, Мы распахнули перед ними врата ко всякой вещи. Когда же они возрадовались дарованному, Мы схватили их внезапно, и они пришли в отчаяние!
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ أيْ: فانْهَمَكُوا فِيهِ، ونَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمّا نَسُوهُ.
﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ عَلى مِنهاجِ الِاسْتِدْراجِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: " «مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ» " . وقُرِئَ: ( فَتَّحْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وفي تَرْتِيبِ الفَتْحِ عَلى النِّسْيانِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِأنَّ التَّذَكُّرَ في الجُمْلَةِ غَيْرُ خالٍ عَنِ النَّفْعِ.
وَ" حَتّى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ...﴾ الآيَةَ، ونَظائِرِهِ، وهي (p-134)مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " فَتَحْنا "، أوْ لِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا حَتّى إذا اطْمَأنُّوا بِما أُتِيحَ لَهم وبَطِرُوا وأشِرُوا.
﴿أخَذْناهم بَغْتَةً﴾؛ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَذابُنا فَجْأةً، لِيَكُونَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ وقْعًا وأفْظَعَ هَوْلًا.
﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ غايَةَ الحَسْرَةِ آيِسُونَ، مِن كُلِّ خَيْرٍ واجِمُونَ. وفي الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ.
6:45Страница 133
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥
Беззаконники были уничтожены до основания. Хвала Аллаху, Господу миров!
﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: آخِرُهم، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبَرًا. ودُبُورًا؛ أيْ: تَبِعَهُ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ هَلاكَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو وضْعُ الكُفْرِ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وإقامَةُ المَعاصِي مُقامَ الطّاعاتِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّكالِ، فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ، مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَجْلِبَةٌ لِلْحَمْدِ، لا سِيَّما مَعَ ما فِيهِ مِن إعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَتْ بِها رُسُلُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии