Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:5–13
6:5Страница 128
فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥
Они сочли ложью истину, когда она явилась к ним, но до них дойдут вести о том, над чем они насмехались.
كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ " لَمّا " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ فَإنَّ الحَقَّ: عِبارَةٌ عَنِ القرآن الَّذِي أعْرَضُوا عَنْهُ، حِينَ أعْرَضُوا عَنْ كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ مِنهُ، عَبَّرَ بِذَلِكَ إبانَةً لِكَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ؛ فَإنَّ تَكْذِيبَ الحَقِّ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ (p-110)عَنْ أحَدٍ.
والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، لَكِنْ لا عَلى أنَّها شَيْءٌ مُغايِرٌ لَهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَقِيبَهُ، أوْ حاصِلٌ بِسَبَبِهِ، بَلْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَيْنُ الثّانِي حَقِيقَةً، وإنَّما التَّرْتِيبُ بِحَسَبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ، وقَدْ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ فَإنَّ ما جاءُوهُ؛ أيْ: فَعَلُوهُ مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ عَيْنُ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُغايِرًا لَهُ مَفْهُومًا وأشْنَعَ مِنهُ حالًا، رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ تَرْتِيبَ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، كَذَلِكَ مَفْهُومُ التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ، حَيْثُ كانَ أشْنَعَ مِن مَفْهُومِ الإعْراضِ المَذْكُورِ، أُخْرِجَ مُخْرَجَ اللّازِمِ البَيِّنِ البُطْلانِ، فَرُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إظْهارًا لِغايَةِ بُطْلانِهِ، ثُمَّ قُيِّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ بِلا تَأمُّلٍ تَأْكِيدًا لِشَناعَتِهِ، وتَمْهِيدًا لِبَيانِ أنَّ ما كَذَّبُوا بِهِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ، لَهُ عَواقِبُ جَلِيلَةٌ سَتَبْدُو لَهُمُ البَتَّةَ، والمَعْنى: أنَّهم حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ تِلْكَ الآياتِ عِنْدَ إتْيانِها، فَقَدْ كَذَّبُوا بِما لا يُمْكِنُ تَكْذِيبُهُ أصْلًا، مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في حالِهِ ومَآلِهِ، ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ .
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَإنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ المَذْكُورِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ بِإبْهامِهِ، وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وأنْباؤُهُ عِبارَةٌ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ الَّتِي نَطَقَتْ بِها آياتُ الوَعِيدِ.
وَفِي لَفْظِ الأنْباءِ إيذانٌ بِغايَةِ العِظَمِ، لِما أنَّ النَّبَأ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمِ الوَقْعِ، وحَمْلُها عَلى العُقُوباتِ الآجِلَةِ، أوْ عَلى ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، يَأْباهُ الآياتُ الآتِيَةُ.
وَ" سَوْفَ " لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَقْرِيرِهِ؛ أيْ: فَسَيَأْتِيهِمُ البَتَّةَ، وإنْ تَأخَّرَ مِصْداقُ أنْباءِ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ قَبْلُ، مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في عَواقِبِهِ، وإنَّما قِيلَ: يَسْتَهْزِءُونَ إيذانًا بِأنَّ تَكْذِيبَهم كانَ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، هَذا عَلى أنْ يُرادَ بِالآياتِ: الآيَةُ القرآنيَّةُ، وهو الأظْهَرُ.
وَأمّا إنْ أُرِيدَ بِها: الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ؛ فالفاءُ داخِلَةٌ عَلى عِلَّةِ جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والإعْراضُ عَلى حَقِيقَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ، فَلا تَعْجَبْ، فَقَدْ فَعَلُوا بِما هو أعْظَمُ مِنها ما هو أعْظَمُ مِنَ الإعْراضِ، حَيْثُ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ، ولا مَساغَ لِحَمْلِ الآياتِ في هَذا الوَجْهِ عَلى كُلِّها أصْلًا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: أنَّهم لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِالقرآن، فَمِمّا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
6:6Страница 128
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦
Разве они не видели, сколько поколений Мы погубили до них? Мы одарили их на земле властью, которой не одарили вас, ниспосылали им с неба обильные дожди и заставляли реки течь под ними. Мы погубили их за их грехи и создали после них другие поколения.
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِالأنْباءِ الَّتِي سَبَقَ بِها الوَعِيدُ، وتَقْرِيرِ إتْيانِها بِطَرِيقِ الِاسْتِشْهادِ، وهَمْزَةُ الإنْكارِ لِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ، وهي عِرْفانِيَّةٌ مُسْتَدْعِيَةٌ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، و" ﴿كَمْ﴾ " اسْتِفْهامِيَّةً كانَتْ أوْ خَبَرِيَّةً، مُعَلِّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ، مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولِها، مَنصُوبَةٌ بَأهْلَكْنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الأشْخاصِ، و" مِن قَرْنٍ " مُمَيِّزٌ لَها عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ بُرْهَةً (p-111)مِنَ الدَّهْرِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ» " الحَدِيثَ.
وَقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مِن أهْلِ قَرْنٍ، وأمّا انْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ أوْ عَنِ الزَّمانِ، فَتَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.
وَ" مِنِ " الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بَأهْلَكْنا؛ أيْ: ألَمْ يَعْرِفُوا بِمُعايَنَةِ الآثارِ وسَماعِ الأخْبارِ كَمْ أُمَّةً أهْلَكْنا مِن قَبْلِ أهْلِ مَكَّةَ؛ أيْ: مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ، أوْ مِن قَبْلِ زَمانِهِمْ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإهْلاكِ وتَفْصِيلِ مَبادِئِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: مَكانُهم ... إلَخْ.
وَقِيلَ: هو صِفَةٌ لِقَرْنٍ، لِما أنَّ النَّكِرَةَ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُخَصِّصٍ، فَإذا ولِيَها ما يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لَها تَعَيَّنَ وصْفِيَّتُهُ لَها.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَنْوِينَهُ التَّفْخِيمِيَّ مُغْنٍ لَهُ عَنِ اسْتِدْعاءِ الصِّفَةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ اقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُهُ ومَضْمُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ الأرْبَعِ أمْرًا مَفْرُوغًا عَنْهُ، غَيْرَ مَقْصُودٍ بِسِياقِ النَّظْمِ، مُؤَدٍّ إلى اخْتِلافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَيْفَ لا والمَعْنى حِينَئِذٍ: ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا، وبِإهْلاكِنا إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ، وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وتَمْكِينُ الشَّيْءِ في الأرْضِ جَعْلُهُ قارًّا فِيها، ولَمّا لَزِمَهُ جَعْلُها مَقَرًّا لَهُ، ورَدَ الِاسْتِعْمالُ بَكُلٍّ مِنهُما؛ فَقِيلَ: تارَةً مَكَّنَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾، وأُخْرى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾، حَتّى أُجْرِيَ كُلٌّ مِنهُما مُجْرى الآخَرَ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ "، كَأنَّهُ قِيلَ: في الأوَّلِ: مَكَّنّا لَهم، أوْ في الثّانِي: ما لَمْ نُمَكِّنْكم، و" ﴿ما﴾ " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم.
والِالتِفاتُ لِما في مُواجَهَتِهِمْ بِضَعْفِ الحالِ مَزِيدُ بَيانٍ لِشَأْنِ الفَرِيقَيْنِ، ولِدَفْعِ الِاشْتِباهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَنْ مَرْجِعَيِ الضَّمِيرَيْنِ.
﴿وَأرْسَلْنا السَّماءَ﴾؛ أيِ: المَطَرَ، أوِ السَّحابَ، أوِ المِظَلَّةَ؛ لِأنَّها مَبْدَأُ المَطَرِ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا.
﴿مِدْرارًا﴾؛ أيْ: مِغْزارًا، حالٌ مِنَ السَّماءِ.
﴿وَجَعَلْنا الأنْهارَ﴾؛ أيْ: صَيَّرْناها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلْنا، أوْ أنْشَأْناها، فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، و" مِن تَحْتِهِمْ " مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهم مُسْتَمِرَّةً عَلى الجَرَيانِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: وأجْرَيْنا الأنْهارَ مِن تَحْتِهِمْ.
وَلَيْسَ المُرادُ بِتَعْدادِ هاتِيكَ النِّعَمِ العِظامِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَمْكِينِهِمْ، بَيانَ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في كُفْرانِها واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِأعْظَمِ العُقُوباتِ، بَلْ بَيانَ حِيازَتِهِمْ لِجَمِيعِ أسْبابِ نَيْلِ المَآرِبِ، ومَبادِي الأمْنِ والنَّجاةِ مِنَ المَكارِهِ والمَعاطِبِ، وعَدَمَ إغْناءِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا، والمَعْنى: أعْطَيْناهم مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ، والِامْتِدادِ في الأعْمارِ، والسَّعَةِ مِنَ الأمْوالِ، والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا، في اسْتِجْلابِ المَنافِعِ واسْتِدْفاعِ المَضارِّ، ما لَمْ نُعْطِ أهْلَ مَكَّةَ؛ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: أهْلَكْنا كُلَّ قَرْنٍ مِن تِلْكَ القُرُونِ؛ بِسَبَبِ ما يَخُصُّهم مِنَ الذُّنُوبِ، فَما أغْنى عَنْهم تِلْكَ العُدَدُ والأسْبابُ، فَسَيَحِلُّ بِهَؤُلاءِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَرى آخِرُ ما بِهِ الِاسْتِشْهادُ والِاعْتِبارُ.
وَأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾؛ أيْ: أحْدَثْنا مِن بَعْدِ إهْلاكِ كُلِّ قَرْنٍ.
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، فَلِبَيانِ كَمالِ قدرته تعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ، وأنَّ ما ذُكِرَ مِن إهْلاكِ الأُمَمِ الكَثِيرَةِ (p-112)لَمْ يَنْقُصْ مِن مَلِكِهِ شَيْئًا، بَلْ كُلَّما أهْلَكَ أُمَّةً أنْشَأ بَدَلَها أُخْرى.
6:7Страница 128
وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
Если бы даже Мы ниспослали тебе Писание на бумаге, и они прикоснулись бы к ней своими руками, неверующие все равно бы сказали: «Это - очевидное колдовство».
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ، لِبَيانِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ، إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى وتَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ، واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِنُزُولِ العَذابِ، ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ هَهُنا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ نِسْبَةِ إتْيانِ الآياتِ ومَجِيءِ الحَقِّ فِيما سَبَقَ إلَيْهِمْ؛ لِلْإشْعارِ بِقَدْحِهِمْ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ضِمْنِ قَدْحِهِمْ فِيما نَزَلَ عَلَيْهِ صَرِيحًا.
وَقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحَرْثِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، ونَوْفَلِ ابْنِ خُوَيْلِدٍ، حَيْثُ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّكَ رَسُولُهُ.
﴿كِتابًا﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا كالإمامِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: كِتابًا كائِنًا في صَحِيفَةٍ، وإنْ جُعِلَ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَكْتُوبِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِهِ.
﴿فَلَمَسُوهُ﴾؛ أيِ: الكِتابَ، وقِيلَ: القِرْطاسُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ مَعَ ظُهُورِ أنَّ اللَّمْسَ لا يَكُونُ عادَةً إلّا بِالأيْدِي، لِزِيادَةِ التَّعَيُّنِ ودَفْعِ احْتِمالِ التَّجَوُّزِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾؛ أيْ: تَفَحَّصْنا؛ أيْ: فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ بَعْدَ ما رَأوْهُ بِأعْيُنِهِمْ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم في شَأْنِهِ اشْتِباهٌ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الِاعْتِذارِ بِتَسْكِيرِ الأبْصارِ.
﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لَقالُوا، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حِّيزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يَخْفى، حَسُنَ مَوْقِعُهُ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ أيْضًا.
﴿إنْ هَذا﴾؛ أيْ: ما هَذا، مُشِيرِينَ إلى ذَلِكَ الكِتابِ.
﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: بَيِّنٌ كَوْنُهُ سِحْرًا؛ تَعَنُّتًا وعِنادًا لِلْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَما هو دَأْبُ المُفْحَمِ المَجُوجِ، ودَيْدَنُ المُكابِرِ اللَّجُوجِ.
6:8Страница 128
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨
Они сказали: «Почему к нему не спускается ангел?». Если бы Мы ниспослали ангела, то решение уже было бы вынесено, после чего они не получили бы отсрочки.
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ شُرُوعٌ في قَدْحِهِمْ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيحًا، بَعْدَ ما أُشِيرَ إلى قَدْحِهِمْ فِيها ضِمْنًا. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ " لَوْ "، ولَيْسَ بِذاكَ، لِما أنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ لَيْسَتْ مِمّا يُقَدَّرُ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرِ تَنْزِيلِ الكِتابِ المَذْكُورِ، بَلْ هي مِن أباطِيلِهِمُ المُحَقَّقَةِ، وخُرافاتِهِمُ المُلَفَّقَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُونَ بِها، كُلَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَّتْ بِهِمُ العِلَلُ؛ أيْ: هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلِكٌ بِحَيْثُ نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ، حَسْبَما نُقِلَ عَنْهم فِيما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ .
وَلَمّا كانَ مَدارُ هَذا الِاقْتِراحِ عَلى شَيْئَيْنِ إنْزالِ المَلَكِ كَما هو، وجَعْلِهِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَذِيرًا، أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى أمْرَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ في الوُجُودِ، لِما أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَعْلِهِ نَذِيرًا، وجَعْلُهُ نَذِيرًا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إنْزالِهِ عَلى صُورَتِهِ لا مَحالَةَ.
وَقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾؛ أيْ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى هَيْئَتِهِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ، والحالُ أنَّهُ مِن هَوْلِ المَنظَرِ، بِحَيْثُ لا تُطِيقُ بِمُشاهَدَتِهِ قُوى الآحادِ البَشَرِيَّةِ، ألا يُرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا يُشاهِدُونَ المَلائِكَةَ، ويُفاوِضُونَهم عَلى الصُّوَرِ (p-113)البَشَرِيَّةِ، كَضَيْفِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وخَصْمِ داوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَيْثُ كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ، وهم مُؤَيَّدُونَ بِالقُوى القُدُسِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن عَداهم مِنَ العَوامِّ، فَلَوْ شاهَدُوهُ كَذَلِكَ لَقُضِيَ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَحالَ جَعْلُهُ نَذِيرًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ مَطْلُوبِهِمْ، مُسْتَلْزِمٌ لِإخْلاءِ العالَمِ عَمّا عَلَيْهِ يَدُورُ نِظامُ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وتَأْسِيسِ الشَّرائِعِ.
وَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، وفِيهِ كَما تَرى إيذانٌ بِأنَّهم في ذَلِكَ الِاقْتِراحِ، كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، وأنَّ عَدَمَ الإجابَةِ إلَيْهِ لِلْبُقْيا عَلَيْهِمْ.
وَبِناءُ الفِعْلِ الأوَّلِ في الجَوابِ لِلْفاعِلِ الَّذِي هو نُونُ العَظَمَةِ، مَعَ كَوْنِهِ في السُّؤالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ. وبِناءُ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.
وَكَلِمَةُ " ثُمَّ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾؛ أيْ: لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْذَرُوا بِهِ، كَما هو المَقْصُودُ بِالإنْذارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ قَضاءِ الأمْرِ وعَدَمِ الإنْظارِ، فَإنَّ مُفاجَأةَ العَذابِ أشَدُّ مِن نَفْسِ العَذابِ وأشَقُّ.
وَقِيلَ: في سَبَبِ إهْلاكِهِمْ أنَّهم إذا عايَنُوا المَلَكَ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَتِهِ، وهي آيَةٌ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ.
وَقِيلَ: إنَّهم إذا رَأوْهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهم.
6:9Страница 129
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩
Если бы даже Мы ниспослали ангела, Мы все равно сделали бы его мужчиной и привели бы их в замешательство относительно того, в чем они сомневаются.
وَإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّذِيرِ المَفْهُومِ مِن فَحْوى الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ لِلْمَلَكَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بِأنْ يُعْكَسَ تَرْتِيبُ المَفْعُولَيْنِ، ويُقالَ: لَوْ جَعَلْناهُ نَذِيرًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، مَعَ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ أيْضًا، لِتَحْقِيقِ أنَّ مَناطَ إبْرازِ الجَعْلِ الأوَّلِ في مَعْرِضِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.
وَمَدارُ اسْتِلْزامِهِ لِلثّانِي إنَّما هو مَلَكِيَّةُ النَّذِيرِ لا نَذِيرِيَّةُ المَلَكِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَعْلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مُبْتَدَأً والثّانِي خَبَرًا، لِكَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المَنقُولِ مِن صارَ الدّاخِلِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ.
وَلا رَيْبَ في أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَدارَ اللُّزُومِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ، هو مَحْمُولُ المُقَدَّمِ لا مَوْضُوعُهُ، فَحَيْثُ كانَتِ امْتِناعِيَّةً أُرِيدَ بِها بَيانُ انْتِفاءِ الجَعْلِ الأوَّلِ، لِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ الَّذِي هو الجَعْلُ الثّانِي، وجَبَ أنْ يُجْعَلَ مَدارُ الِاسْتِلْزامِ في الأوَّلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لا مَحالَةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَ مُقابِلُهُ في الجَعْلِ الثّانِي كَذَلِكَ؛ إبانَةً لِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَهُما المُوجِبِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ.
والضَّمِيرُ الثّانِي لِلْمَلَكِ لا لِما رَجَعَ إلَيْهِ الأوَّلُ، والمَعْنى: لَوْ جَعَلْنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ مَلَكًا لَمَثَّلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِما مَرَّ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَةِ الآحادِ لِمُعايَنَةِ المَلَكِ عَلى هَيْكَلِهِ، وفي إيثارِ رَجُلًا عَلى بَشَرًا؛ إيذانٌ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطَرِيقِ قَلْبِ الحَقِيقَةِ، وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ " لَوْ " مَبْنِيٌّ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ. وقُرِئَ بِحَذْفِ لامِ الجَوابِ اكْتِفاءً بِما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، يُقالُ: لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبِسُهُ: إذا شَبَّهْتُهُ وجَعَلْتُهُ مُشْكِلًا، وأصْلُهُ: السَّتْرُ بِالثَّوْبِ. وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِتَمْثِيلِهِ رَجُلًا.
﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ ولَسْتَ بِمَلَكٍ، ولَوِ اسْتُدِلَّ عَلى مَلَكِيَّتِهِ بِالقرآن المُعْجِزِ النّاطِقِ بِها، أوْ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ غَيْرِ مُلْجِئَةٍ إلى التَّصْدِيقِ، لَكَذَّبُوهُ كَما كَذَّبُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ أظْهَرَ لَهم صُورَتَهُ الأصْلِيَّةَ لَزِمَ الأمْرُ الأوَّلُ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ تَمْثِيلِهِ تَعالى رَجُلًا بِاللَّبْسِ؛ إمّا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ اللَّبْسِ، (p-114)أوْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلَبْسِهِمِ، أوْ لِوُقُوعِهِ في صُحْبَتِهِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِاسْتِحالَةِ جَعْلِ النَّذِيرِ مَلَكًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ فَعَلْناهُ لَفَعَلْنا ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِنا مِن لَبْسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ مِثْلَ ما يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ السّاعَةَ في كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ البَيِّنَةِ.
6:10Страница 129
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
До тебя посланников также подвергали осмеянию, но тех, кто насмехался над ними, окружало (или постигало) то, над чем они издевались.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مِنَ الاعْتِناءِ بِها ما لا يَخْفى، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و" ﴿مِن﴾ " ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ أُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوِي عَدَدٍ كَبِيرٍ، كائِنِينَ مِن زَمانٍ قَبْلِ زَمانِكَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.
﴿فَحاقَ﴾ عَقِيبَهُ؛ أيْ: أحاطَ، أوْ نَزَلَ، أوْ حَلَّ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإنَّ مَعْناهُ يَدُورُ عَلى الشُّمُولِ واللُّزُومِ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ. والحَيْقُ: ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهِ فِعْلِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾؛ أيِ: اسْتَهْزَؤُا بِهِمْ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ.
وَتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ، و" ما " إمّا مَوْصُولَةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّهْوِيلِ؛ أيْ: فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
6:11Страница 129
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Скажи: «Постранствуйте по земле и посмотрите, каким был конец тех, которые сочли ложью истину».
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ بَعْدَ بَيانِ ما فَعَلَتِ الأُمَمُ الخالِيَةُ وما فُعِلَ بِهِمْ، خُوطِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإنْذارِ قَوْمِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ؛ تَحْذِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، وتَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ بِما في ضِمْنِهِ مِنَ العُدَّةِ اللَّطِيفَةِ بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمُ الأوَّلِينَ، ولَقَدْ أُنْجِزَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أيَّ إنْجازٍ؛ أيْ: سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعَرُّفِ أحْوالِ أُولَئِكَ الأُمَمِ.
﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾؛ أيْ: تَفَكَّرُوا.
﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وكَلِمَةُ " ثُمَّ " إمّا لِأنَّ النَّظَرَ في آثارِ الهالِكِينَ لا يَتَسَنّى إلّا بَعْدَ انْتِهاءِ السَّيْرِ إلى أماكِنِهِمْ، وإمّا لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في مَراتِبِ الوُجُوبِ، وهو الأظْهَرُ؛ فَإنَّ وُجُوبَ السَّيْرِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى النَّظَرِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "فانْظُرُوا" ... الآيَةَ.
وَأمّا أنَّ الأمْرَ الأوَّلَ لِإباحَةِ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ ونَحْوِها، والثّانِي لِإيجابِ النَّظَرِ في آثارِهِمْ، و" ثُمَّ " لِتُباعِدَ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ فَلا يُناسِبُ المَقامَ.
وَ" ﴿كَيْفَ﴾ " مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: تَفَكَّرُوا في أنَّهم كَيْفَ أُهْلِكُوا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، والعاقِبَةُ مَصَدٌّ كالعافِيَةِ ونَظائِرِها، وهي مُنْتَهى الأمْرِ ومَآلُهُ، ووَضْعُ المُكَذِّبِينَ مَوْضِعَ المُسْتَهْزِئِينَ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَدارَ إصابَةِ ما أصابَهم هو التَّكْذِيبُ؛ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُونَ عَنْهُ لا عَنْ الِاسْتِهْزاءِ فَقَطْ، مَعَ بَقاءِ التَّكْذِيبِ بِحالِهِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ المَدارُ في ذَلِكَ.
6:12Страница 129
قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢
Скажи: «Кому принадлежит то, что на небесах и на земле?». Скажи: «Аллаху! Он предписал Себе милосердие. Он непременно соберет вас вместе в День воскресения, в котором нет сомнения. Те, которые потеряли самих себя, никогда не уверуют».
﴿قُلْ﴾ لَهم بِطَرِيقِ الإلْجاءِ (p-115)والتَّبْكِيتِ.
﴿لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ؛ أيْ: لِمَنِ الكائِناتُ جَمِيعًا خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ المُتَعَيَّنُ لِلْجَوابِ بِالِاتِّفاقِ، بِحَيْثُ لا يَتَأتّى لِأحَدٍ أنْ يُجِيبَ بِغَيْرِهِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، ناطِقَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، شُمُولَ مُلْكِهِ وقدرته لِلْكُلِّ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَءُوفٌ بِعِبادِهِ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ.
وَأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ الخَلْقِ، كَيْفَ لا ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وهَداهم إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ المَشْحُونَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى مُوجِباتِ رِضْوانِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقْتَضَياتِ سُخْطِهِ، وقَدْ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ بِالمَرَّةِ، وكَذَّبُوا بِالكُتُبِ، واسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ.
وَلَوْلا شُمُولُ رَحْمَتِهِ لِسَلَكَ بِهَؤُلاءِ أيْضًا مَسْلَكَ الغابِرِينَ، ومَعْنى كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ: أنَّهُ تَعالى قَضاها وأوْجَبَها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالذّاتِ، لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا.
وَقِيلَ: ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي "» .
وَعَنْهُ في رِوايَةٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: " «لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» " .
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِكَعْبٍ: " ما أوَّلُ شَيْءٍ ابْتَدَأهُ اللَّهُ تَعالى مِن خَلْقِهِ "، فَقالَ كَعْبٌ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا لَمْ يَكْتُبْهُ بِقَلَمٍ ولا مِدادٍ، كِتابَةَ الزَّبَرْجَدِ واللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ: إنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» .
وَمَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها: أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقًا بِالخَلْقِ وأكْثَرُ وُصُولًا إلَيْهِمْ، مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِالنَّفْسِ حُجَّةٌ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ لَفْظَ النَّفْسِ لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ، إلّا مُشاكَلَةً لِما تَرى مِنِ انْتِفاءِ المُشاكَلَةِ هَهُنا بِنَوْعَيْها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ النَّظَرَ؛ أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ، أوْ مَحْشُورِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُجازِيكم عَلى شِرْكِكم وسائِرِ مَعاصِيكم، وإنْ أمْهَلَكم بِمُوجَبِ رَحْمَتِهِ ولَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. /0 وقِيلَ: إلى بِمَعْنى اللّامِ؛ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم لِيَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى في؛ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في اليَوْمِ، أوْ في الجَمْعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ، وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ، والعَقْلُ السَّلِيمُ، والِاسْتِعْدادُ القَرِيبُ الحاصِلُ مِن مُشاهَدَةِ الرَّسُولِ ﷺ، واسْتِماعِ الوَحْيِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: أعْنِي: الَّذِينَ ... إلَخْ.
أوْ" هو " مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والإشْعارُ بِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِسَبَبِ خُسْرانِهِمْ، فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ والوَهَمِ، والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ وإغْفالِ النَّظَرِ، أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لَهم؛ لِتَقْبِيحِ ما غَيْرُ داخِلٍ (p-116)تَحْتَ الأمْرِ
6:13Страница 129
۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣
Ему принадлежит все, что покоится днем и ночью, и Он - Слышащий, Знающий.
﴿وَلَهُ﴾؛ أيْ: لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً.
﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ نَزَّلَ المَلَوانِ مَنزِلَةَ المَكانِ، فَعَبَّرَ عَنْ نِسْبَةِ الأشْياءِ الزَّمانِيَّةِ إلَيْهِما بِالسُّكْنى فِيهِما وتَعْدِيَتُهُ بِكَلِمَةِ " في "، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾، أوِ السُّكُونُ مُقابِلَ الحَرَكَةِ، والمُرادُ: ما سَكَنَ فِيهِما، أوْ تَحَرَّكَ، فاكْتُفِيَ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ المُبالِغُ في سَماعِ كُلِّ مَسْمُوعٍ.
﴿العَلِيمُ﴾ المُبالِغُ في العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии