Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Аль-Анфаль 8:53–65
8:53Страница 184
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣
Это произошло потому, что Аллах не отменяет милость, которую Он оказал людям, пока они сами не изменяют того, что в их душах. Воистину, Аллах - Слышащий, Знающий.
﴿ذَلِكَ﴾ ... إلَخْ، اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُ النَّظْمَ الكَرِيمَ مِن كَوْنِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مَنُوطًا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، غَيْرَ واقِعٍ بِلا سابِقَةِ ما يَقْتَضِيهِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ لا نَفْسُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والِانْتِقامِ - كَما قِيلَ - فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مُعَلَّلًا - بِما ذُكِرَ مِن كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ - لا يُتَصَوَّرُ تَعْلِيلُهُ بِجَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِ نِعْمَتِهِ عَلى قَوْمٍ قَبْلَ تَغْيِيرِهِمْ لِحالِهِمْ، وتَوَهُّمُ أنَّ السَّبَبَ لَيْسَ ما ذُكِرَ - كَما هو مَنطُوقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ ما يُسْتَفادُ مِن مَفْهُومِ الغايَةِ مِن جَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى عَلى تَغْيِيرِ نِعْمَتِهِمْ عِنْدَ تَغْيِيرِ حالِهِمْ، بِناءً عَلى تَخَيُّلِ أنَّ المُعَلَّلَ تُرَتُّبُ عِقابِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ عَنْهُ - رُكُوبُ شَطَطٍ هائِلٍ، وإبْعادٌ عَنِ الحَقِّ بِمُراحِلَ، وتَهْوِينٌ لِأمْرِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ، وإسْقاطٌ لَهُ عَنْ رُتْبَةِ إيجابِ العِقابِ في مَقامِ تَهْوِيلِهِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ، فالمَعْنى ذَلِكَ، أيْ: تَرَتَّبَ العِقابُ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ دُونَ أنْ يَقَعَ ابْتِداءً مَعَ قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ.
﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى ﴿لَمْ يَكُ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ ﴿مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها﴾ أيْ: لَمْ يَنْبَغِ لَهُ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَصِحَّ في حِكْمَتِهِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُغَيِّرُ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها ﴿عَلى قَوْمٍ﴾ مِنَ الأقْوامِ، أيَّ نِعْمَةٍ كانَتْ جَلَّتْ أوْ هانَتْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وقْتَ مُلابَسَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، ويَتَّصِفُوا بِما يُنافِيها، سَواءٌ كانَتْ أحْوالُهُمُ السّابِقَةُ مَرَضِيَّةً صالِحَةً، أوْ قَرِيبَةً مِنَ (p-29)الصَّلاحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحادِثَةِ، كَدَأْبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، حَيْثُ كانُوا قَبْلَ البَعْثَةِ كَفَرَةً، عَبَدَةَ أصْنامٍ، مُسْتَمِرِّينَ عَلى حالَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِإفاضَةِ نِعْمَةِ الإمْهالِ وسائِرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَيِّناتِ غَيَّرُوها إلى أسْوَأ مِنها وأسْخَطَ، حَيْثُ كَذَّبُوهُ ﷺ وعادُوهُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ يَبْغُونَهُمُ الغَوائِلَ، فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ الإمْهالِ، وعاجَلَهم بِالعَذابِ والنَّكالِ، وأصْلُ "يَكُ" يَكُنْ فَحُذِفَتِ النُّونُ تَخْفِيفًا؛ لِشَبَهِها بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ.
﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (أنَّ اللَّهَ)... إلَخْ، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، أيْ: وبِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَسْمَعُ ويَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، فَيُرَتِّبُ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَلِيقُ بِها مِن إبْقاءِ النِّعْمَةِ وتَغْيِيرِها، وقُرِئَ (وَإنَّ اللَّهَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى:
8:54Страница 184
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤
Таким же образом поступали род Фараона и те, которые жили до них. Они не уверовали в знамения своего Господа, и Мы погубили их за грехи и потопили род Фараона. Все они были беззаконниками.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ تَغْيِيرًا كائِنًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ: كَتَغْيِيرِهِمْ عَلى أنَّ دَأْبَهم عِبارَةٌ عَمّا فَعَلُوهُ فَقَطْ، كَما هو الأنْسَبُ بِمَفْهُومِ الدَّأْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ بِتَمامِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ إخْبارٌ بِتَرَتُّبِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ، لا أنَّهُ مِن تَمامِ تَفْسِيرِهِ، ولا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" بَيْنَهُما كَما مَرَّ نَظِيرُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، حَيْثُ جَوَّزُوا انْتِصابَ مَحَلِّ الكافِ بِـ(لْنَ تُغْنِيَ) مَعَ ما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها اعْتِراضًا فَلا غُبارَ في تَوَسُّطِها قَطْعًا، وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما قَبْلَهُ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سِيقَ لَهُ الِاسْتِئْنافُ الأوَّلُ بِتَشْبِيهِ دَأْبِهِمْ بِدَأْبِ المَذْكُورِينَ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ المَحْضِ بَلْ بِتَغْيِيرِ العُنْوانِ، وجَعْلِ الدَّأْبِ في الجانِبَيْنِ عِبارَةً عَمّا يُلازِمُ مَعْناهُ الأوَّلَ مِن تَغْيِيرِ الحالِ وتَغْيِيرِ النِّعْمَةِ أخْذًا مِمّا نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآيَةَ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ وشَأْنُهُمُ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّغْيِيرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - كَدَأْبِ أُولَئِكَ حَيْثُ غَيَّرُوا حالَهم فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ مِن تَغْيِيرِهِمْ لِحالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأهْلَكْناهُمْ) تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ مِن تَغْيِيرِهِ تَعالى ما بِهِمْ مِن نِعْمَتِهِ، وأمّا دَأْبُ قُرَيْشٍ فَمُسْتَفادٌ مِنهُ بِحُكْمِ التَّشْبِيهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، حَيْثُ اكْتَفى في كُلٍّ مِنَ التَّشْبِيهَيْنِ بِتَفْسِيرِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ (هُمْ) لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ ما فَعَلُوا بِها مِنَ التَّكْذِيبِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في (أهْلَكْنا) جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، والكَلامُ في الفاءِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كالَّذِي مَرَّ، وعَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ عَلى (أهْلَكْنا) مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ هَوْلِ الإغْراقِ وفَظاعَتِهِ، كَعِطْفِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلائِكَةِ ﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المَذْكُورِينَ، أوْ كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، أوْ كُلٌّ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ: أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي، حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْهَلاكِ، (p-30)أوْ واضِعِينَ لِلْكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَكانَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، ولِذَلِكَ أصابَهم ما أصابَهم.
8:55Страница 184
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥
Воистину, наихудшими из живых существ перед Аллахом являются те, которые не уверовали и не уверуют.
﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ بَعْدَما شَرَحَ أحْوالَ المُهْلَكِينَ مِن شِرارِ الكَفَرَةِ شَرَعَ في بَيانِ أحْوالِ الباقِينَ مِنهُمْ، وتَفْصِيلِ أحْكامِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَجُّوا فِيهِ، جُعِلُوا شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ؛ إيماءً إلى أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن مُجانَسَتِهِمْ، وإنَّما هم مِن جِنْسِ الدَّوابِّ، ومَعَ ذَلِكَ شَرٌّ مِن جَمِيعِ أفْرادِها حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْلِ الطَّبْعِ، لا يَلْوِيهِمْ صارِفٌ، ولا يَثْنِيهِمْ عاطِفٌ أصْلًا، جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، لا أنَّهُ عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الَّتِي لا حُكْمَ فِيها بِالفِعْلِ وقَوْلُهُ تَعالى:
8:56Страница 184
ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦
Ты заключаешь с ними договор, но всякий раз они нарушают этот договор и не страшатся.
﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أيْ: عاهَدْتَهُمْ، ومِن لِلْإيذانِ بِأنَّ المُعاهَدَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ العَهْدِ وأخْذِهِ مِنَ الجانِبَيْنِ مُعْتَبَرَةٌ هَهُنا مِن حَيْثُ أخْذُهُ ﷺ عَهْدَهُمْ، إذْ هو المَناطُ لِقَباحَةِ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّقْضِ لا إعْطاؤُهُ ﷺ إيّاهم عَهْدَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ أخَذَتْ مِنهم عَهْدَهُمْ، وقِيلَ: هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المُباشِرَ بِالذّاتِ لِلْعَهْدِ بَعْضُهم لا كُلُّهم.
﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (عاهَدْتَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ النَّقْضِ وتَعَدُّدِهِ، وكَوْنِهِمْ عَلى نِيَّتِهِ في كُلِّ حالٍ، أيْ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمُ الَّذِي أخَذْتَهُ مِنهم ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ أيْ: مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، إذْ هي الَّتِي يُتَوَقَّعُ فِيها عَدَمُ النَّقْضِ، ويُسْتَقْبَحُ وُجُودُهُ، لا مِن مَرّاتِ المُحارِبَةِ - كَما قِيلَ - إذْ لا يُتَوَقَّعُ فِيها عَدَمُ النَّقْضِ، بَلْ لا يُتَصَوَّرُ أصْلًا حَتّى يُسْتَقْبَحَ فِيها وجُودُهُ لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِعَدَمِهِ، فَلا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ النَّقْضِ بِالوُقُوعِ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِها، بَلْ لا صِحَّةَ لَهُ قَطْعًا؛ لِأنَّ النَّقْضَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المَرَّةِ الوارِدَةِ عَلى المُعاهَدَةِ، لا في المَرّاتِ الواقِعَةِ بَعْدَها بِلا مُعاهَدَةٍ، ولَئِنْ سُلِّمَ أنَّ المُرادَ هي المَرّاتُ الواقِعَةُ إثْرَ المُعاهَدَةِ يَبْقى النَّقْضُ الواقِعُ بِلا مُحارَبَةٍ - كَبَيْعِ السِّلاحِ ونَحْوِهِ - خارِجًا مِنَ البَيانِ، ولَئِنْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المُحارَبَةِ فَلا مَحِيصَ مِن لُزُومِ خُلُوِّ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ بِالمَرَّةِ؛ لِأنَّ المُحارَبَةَ بِهَذا المَعْنى عَيْنُ النَّقْضِ، فَيَؤُولُ الأمْرُ إلى أنْ يُقالَ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِ النَّقْضِ، وحَمْلُ المُحارِبَةِ عَلى مُحارَبَةِ غَيْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ المَعْنى: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِ مُحارَبَةِ الأعْداءِ - مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ البُعْدِ والرَّكاكَةِ - يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ بَدْئِهِمْ بِالنَّقْضِ مِنَ البَيانِ.
﴿وَهم لا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْقُضُونَ، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّقْضِ، والحالُ أنَّهم لا يَتَّقُونَ سُبَّةَ الغَدْرِ، ولا يُبالُونَ بِما فِيهِ مِنَ العارِ والنّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
8:57Страница 184
فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧
Если ты встретишься с ними в битве, то покарай их сурово, дабы рассеять тех, кто позади них, - быть может, они помянут назидание.
﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِهِمْ بَعْدَ تَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: فَإذا كانَ حالُهم كَما ذُكِرَ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ (p-31)بِهِمْ ﴿فِي الحَرْبِ﴾ أيْ: في تَضاعِيفِها.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أيْ: فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ تَفْرِيقًا عَنِيفًا مُوجِبًا لِلِاضْطِرارِ والِاضْطِرابِ، ونَكِّلْ عَنْها بِأنْ تَفْعَلَ بِهِمْ مِنَ النِّكايَةِ والتَّعْذِيبِ ما يُوجِبُ أنْ تُنَكِّلَ.
﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم بِصَدَدِ الحَرْبِ قَرِيبٌ مِن هَؤُلاءِ، وقُرِئَ (شَرِّذْ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ولَعَلَّهُ مَقْلُوبُ (شَذِّرْ) بِمَعْنى فَرِّقْ، وقُرِئَ (مِن خَلْفِهِمْ) أيِ: افْعَلِ التَّشْرِيدَ مِن ورائِهِمْ، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ إيقاعَ التَّشْرِيدِ في الوَراءِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَشْرِيدِ مَن وراءَهم.
﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ بِما شاهَدُوا مِمّا نَزَلَ بِالنّاقِضِينَ، فَيَرْتَدِعُوا عَنِ النَّقْضِ، أوْ عَنِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
8:58Страница 184
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨
А если ты опасаешься измены со стороны людей, то отбрось договорные обязательства, чтобы все оказались равны. Воистину, Аллах не любит изменников.
﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ المُشْرِفِينَ إلى نَقْضِ العَهْدِ، إثْرَ بَيانِ أحْكامِ النّاقِضِينَ لَهُ بِالفِعْلِ، والخَوْفُ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ، أيْ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ مِنَ المُعاهَدِينَ نَقْضَ عَهْدٍ فِيما سَيَأْتِي - بِما لاحَ لَكَ مِنهم مِن دَلائِلِ الغَدْرِ، ومَخايِلِ الشَّرِّ - ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم ﴿عَلى سَواءٍ﴾ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ قَصْدٍ بِأنْ تُظْهِرَ لَهُمُ النَّقْضَ، وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بِأنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ، ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ؛ كَيْلا يَكُونَ مِن قِبَلِكَ شائِبَةُ خِيانَةٍ أصْلًا.
فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ النّابِذِ، أيْ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثابِتًا عَلى سَواءٍ، وقِيلَ: عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ، بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِيهِ أقْصاهم وأدْناهُمْ، أوْ تَسْتَوِي فِيهِ أنْتَ وهُمْ، فَهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي مِنَ الجانِبَيْنِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ، إمّا بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُناجَزَةِ الَّتِي هي خِيانَةٌ، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنها، وإمّا بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِلْقِتالِ بِالآخِرَةِ فَيَكُونُ حَثًّا لَهُ ﷺ عَلى النَّبْذِ أوَّلًا، وعَلى قِتالِهِمْ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قاتِلْهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ لِما عَلِمْتَ مِن حالِهِمْ.
8:59Страница 184
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩
Пусть не думают неверующие, что они опередят других. Воистину, им не сбежать.
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ لِلتَّكْرارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَقُوا﴾ - أيْ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ - مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَحْسَبَنَّ)، والمُرادُ: إقْناطُهم مِنَ الخَلاصِ، وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالنَّبْذِ والِاقْتِصارِ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ، مَعَ أنَّ مُقاوَمَةَ المُؤْمِنِينَ - بَلِ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ أيْضًا - مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ أمانِيهِمُ الباطِلَةُ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَهُ وهْمُهم وحُسْبانُهُمْ، وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَدُورَ في خَلَدِهِمْ حُسْبانُ المَناصِ فَقَطْ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى أحَدٍ، أوْ إلى (مَن خَلْفَهُمْ) والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولُ المُتَناوِلُ لَهم أيْضًا، وقِيلَ: هو الفاعِلُ، وأنْ مَحْذُوفَةٌ مِن (سَبَقُوا) وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (أنَّهم سَبَقُوا) ونَظِيرُهُ في الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمن آياته يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ الآيَةَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ، وقُرِئَ (وَلا تَحْسَبِ الَّذِينَ) بِكَسْرِ الباءِ وبِفَتْحِها عَلى حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ؛ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى (p-32)حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ، وقِيلَ: الفِعْلُ واقِعٌ عَلَيْهِ، و"لا" زائِدَةٌ، وسَبَقُوا حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ، أيْ: مُفْلِتِينَ هارِبِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ لِإزاحَةِ ما عَسى يُحْذَرُ مِن عاقِبَةِ النَّبْذِ، لِما أنَّهُ إيقاظٌ لِلْعَدُوِّ وتَمْكِينٌ لَهم مِنَ الهَرَبِ والخَلاصِ مِن أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ نَفْيٌ لِقدرتهمْ عَلى المُقاوَمَةِ والمُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فَلِّ المُشْرِكِينَ، وقُرِئَ (لا يُعْجِزُونِ) بِكَسْرِ النُّونِ، و(لا يُعَجِّزُونِ) بِالتَّشْدِيدِ.
8:60Страница 184
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠
Приготовьте против них сколько можете силы и боевых коней, чтобы устрашить врага Аллаха и вашего врага, а также тех, которых вы не знаете, но которых знает Аллах. Что бы вы ни израсходовали на пути Аллаха, вам будет возвращено сполна, и с вами не поступят несправедливо.
﴿وَأعِدُّوا لَهُمْ﴾ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كافَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن وظائِفِ الكُلِّ، كَما أنَّ تَوْجِيهَهُ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَوْنِ ما في حَيِّزِهِ مِن وظائِفِهِ ﷺ أيْ: أعِدُّوا لِقِتالِ الَّذِينَ نُبِذَ إلَيْهِمُ العَهْدُ وهَيِّئُوا لِحِرابِهِمْ، أوْ لِقِتالِ الكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ كائِنًا ما كانَ.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: ««ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ»» قالَها ثَلاثًا، ولَعَلَّ تَخْصِيصَهُ ﷺ إيّاهُ بِالذِّكْرِ لِإنافَتِهِ عَلى نَظائِرِهِ مِنَ القُوى.
﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ الرِّباطُ: اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَتْ هي بِهِ، يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابِطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ، أوْ جَمْعُ رَبْطٍ كَكَعْبٍ وكَعابٍ، وكَلْبٍ وكِلابٍ، وقُرِئَ (رُبُطِ الخَيْلِ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها، جَمْعُ رِباطٍ، وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ - مَعَ كَوْنِها مِن جُمْلَتِها - لِلْإيذانِ بِفَضْلِها عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِها، كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ.
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أيْ: تُخَوِّفُونَ، وقُرِئَ (تُرَهِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ (تُخْزُونَ بِهِ) والضَّمِيرُ لِما اسْتَطَعْتُمْ، أوْ لِلْإعْدادِ، وهو الأنْسَبُ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (أعِدُّوا) أيْ: أعِدُّوا مُرَهِّبِينَ بِهِ، أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ، أيْ: أعِدُّوا ما اسْتَطَعْتُمُوهُ مُرَهِّبًا بِهِ.
﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ وهم كُفّارُ مَكَّةَ، خُصُّوا بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُفّارِ - مَعَ كَوْنِ الكُلِّ كَذَلِكَ - لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ ومُجاوَزَتِهِمُ الحَدَّ في العَداوَةِ ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ، وقِيلَ: الفُرْسُ ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ أيْ: لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ، أوْ لا تَعْلَمُونَهم كَما هم عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ، فَإنَّ أعْيانَهم مَعْلُومَةٌ لِغَيْرِهِ تَعالى أيْضًا.
﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ لِإعْدادِ العَتادِ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الَّذِي أوْضَحُهُ الجِهادُ ﴿يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ كامِلًا ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ بِتَرْكِ الإثابَةِ، أوْ بِنَقْضِ الثَّوابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَرْكِها بِالظُّلْمِ - مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَكُونَ تَرْكُ تَرْتِيبِهِ عَلَيْها ظُلْمًا - لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازُ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾
8:61Страница 184
۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١
Если они склоняются к миру, ты тоже склоняйся к миру и уповай на Аллаха. Воистину, Он - Слышащий, Знающий.
﴿وَإنْ جَنَحُوا﴾ الجُنُوحُ المَيْلُ، ومِنهُ الجَناحُ ويُعَدّى بِاللّامِ وبِإلى، أيْ: إنْ مالُوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أيْ: لِلصُّلْحِ بِوُقُوعِ الرَّهْبَةِ في قُلُوبِهِمْ بِمُشاهَدَةِ ما بِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ وإعْتادِ العَتادِ ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ (p-33)أيْ: لِلسِّلْمِ، والتَّأْنِيثُ لِحَمْلِهِ عَلى نَقِيضِهِ قالَ:
؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
وَقُرِئَ (فاجْنُحْ) بِضَمِّ النُّونِ.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَخَفْ أنْ يُظْهِرُوا لَكَ السِّلْمَ وجَوانِحُهم مَطْوِيَّةٌ عَلى المَكْرِ والكَيْدِ ﴿إنَّهُ﴾ تَعالى ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ فَيَسْمَعُ ما يَقُولُونَ في خَلَواتِهِمْ مِن مَقالاتِ الخِداعَ ﴿العَلِيمُ﴾ فَيَعْلَمُ نِيّاتِهِمْ، فَيُؤاخِذُهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، ويَرُدُّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمْ، والآيَةُ خاصَّةٌ بِاليَهُودِ، وقِيلَ: عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.
8:62Страница 185
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢
Если же они захотят обмануть тебя, то тебе достаточно Аллаха. Он поддержал тебя Своей помощью и верующими.
﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِإظْهارِ السِّلْمِ وإبْطالِ الحِرابِ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فاعْلَمْ بِأنَّ مُحْسِبَكَ اللَّهُ مِن شُرُورِهِمْ وناصِرُكَ عَلَيْهِمْ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، فَإنَّ تَأْيِيدَهُ تَعالى إيّاهُ ﷺ فِيما سَلَفَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ البَعِيدِ مِنَ الوُقُوعِ مِن دَلائِلِ تَأْيِيدِهِ تَعالى فِيما سَيَأْتِي، أيْ: هو الَّذِي أيَّدَكَ بِإمْدادٍ مِن عِنْدِهِ بِلا واسِطَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أوْ بِالمَلائِكَةِ مَعَ خَرْقِهِ لِلْعاداتِ ﴿وَبِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.
8:63Страница 185
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣
Он сплотил их сердца. Если бы ты израсходовал все, что есть на земле, то не смог бы сплотить их сердца, однако Аллах сплотил их. Воистину, Он - Могущественный, Мудрый.
﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مَعَ ما كانَ بَيْنَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ والتَّهالُكِ عَلى الِانْتِقامِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا بِتَوْفِيقِهِ تَعالى كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وهَذا مِن أبْهَرِ مُعْجِزاتِهِ ﷺ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِتَأْلِيفِ ما بَيْنَهم ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، ومُبَيِّنٌ لِعِزَّةِ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ المَأْخَذِ، أيْ: تَناهى التَّعادِي فِيما بَيْنَهم إلى حَدٍّ لَوْ أنَفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّأْلِيفِ والإصْلاحِ، وذِكْرُ القُلُوبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ التَّأْلِيفَ بَيْنَها لا يَتَسَنّى، وإنْ أمْكَنَ التَّأْلِيفُ ظاهِرًا.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قَلْبًا وقالَبًا بِقدرته الباهِرَةِ ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ كامِلُ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ، لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ تَسْخِيرِ ما يُرِيدُهُ.
وَقِيلَ: الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم إحَنٌ لا أمَدَ لَها، ووَقائِعُ أفْنَتْ ساداتِهِمْ وأعاظِمَهُمْ، ودَقَّتْ أعْناقَهم وجَماجِمَهم فَأنْسى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَمِيعَ ذَلِكَ، وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وأصْبَحُوا يَرْمُونَ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ وصارُوا أنْصارًا.
8:64Страница 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
О Пророк! Тебе и твоим верующим последователям довольно Аллаха.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في جَمِيعِ أُمُورِهِ وأُمُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ في الأُمُورِ الواقِعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَفَرَةِ كافَّةً إثْرَ بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في مادَّةٍ خاصَّةٍ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْحُكْمِ ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، أوْ فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَفَرَةِ مِنَ الحِرابِ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ: كَفاكَ وكَفى أتْباعَكَ اللَّهُ ناصِرًا كَما في (p-34)قَوْلِ مَن قالَ:
؎ فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ عَضْبٌ مُهَنَّدُ
وَقِيلَ: في مَوْضِعِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ، كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، أيْ: كافِيكَ وكافِيهِمْ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: كَفاكَ اللَّهُ والمُؤْمِنِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، وقِيلَ: أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَنَزَلَتْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: نَزَلَتْ في إسْلامِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
8:65Страница 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥
О Пророк! Вдохновляй верующих на сражение. Если будет среди вас двадцать терпеливых, то они одолеют две сотни; если же их среди вас будет сотня, то они одолеют тысячу неверующих, потому что они - люди неразумные.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ كِفايَتَهُ إيّاهم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ أُمِرَ ﷺ بِتَرْتِيبِ مَبادِئِ نَصْرِهِ وإمْدادِهِ، وتَكْرِيرُ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ.
﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ: بالِغْ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ وتَرْغِيبِهِمْ فِيهِ بِكُلِّ ما أمْكَنَ مِنَ الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ الَّتِي أعْظَمُها تَذْكِيرُ وعْدِهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، وحُكْمُهُ بِكِفايَتِهِ تَعالى، أوْ بِكِفايَتِهِمْ.
وَأصْلُ التَّحْرِيضِ الحَرَضُ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ، وقالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ في الأصْلِ إزالَةُ الحَرَضِ، وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، ولا يُعْتَدُّ بِهِ، قُلْتُ: فالأوْجَهُ حِينَئِذٍ أنْ يُجْعَلَ الحَرَضُ عِبارَةً عَنْ ضَعْفِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن بابِ نَهْكِ المَرَضِ، وقِيلَ: مَعْنى تَحْرِيضِهِمْ تَسْمِيَتُهم حَرَضًا، بِأنْ يُقالَ: إنِّي أراكَ في هَذا الأمْرِ حَرَضًا، أيْ: مُحَرِّضًا فِيهِ لِتَهَيُّجِهِ إلى الإقْدامِ، وقُرِئَ (حَرِّصْ) بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ، وهو واضِحٌ.
﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ مِنهُ تَعالى بِتَغْلِيبِ كُلِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى عَشَرَةِ أمْثالِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ الأمْرِ بِتَحْرِيضِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ مَعَ انْفِهامِ مَضْمُونِهِ مِمّا قَبْلَهُ - لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما عِدَّةً بِتَأْيِيدِ الواحِدِ عَلى العَشَرَةِ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ المُفِيدَةِ لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ ما لا يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ الكَثِيرَيْنِ، مَعَ أنَّ التَّفاوُتَ فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ والكَثِيرَيْنِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ، فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ في الصُّورَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بَيانٌ لِلْألْفِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ في المِائَتَيْنِ أيْضًا، وقَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًا عَلى ذِكْرِهِ هَهُنا، كَما تُرِكَ قَيْدُ الصَّبْرِ هَهُنا مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا حَتْمًا ثِقَةً بِذِكْرِهِ هُناكَ.
﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْلِبُوا) أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِاليَوْمِ الآخِرِ، لا يُقاتِلُونَ احْتِسابًا وامْتِثالًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ، وابْتِغاءً لِرِضْوانِهِ، كَما يَفْعَلُهُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُقاتِلُونَ لِلْحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ واتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وإثارَةِ ثائِرَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، فَلا يَسْتَحِقُّونَ إلّا القَهْرَ والخِذْلانَ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُؤْمِنُ بِالمِيعادِ، فالسَّعادَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، فَيَشِحُّ بِها ولا يُعَرِّضُها لِلزَّوالِ بِمُزاوَلَةِ الحُرُوبِ، واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، فَيَمِيلُ إلى ما فِيهِ السَّلامَةُ فَيَفِرُّ فَيُغْلَبُ، وأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنْ لا سَعادَةَ في هَذِهِ الحَياةِ الفانِيَةِ، وإنَّما السَّعادَةُ هي الحَياةُ الباقِيَةُ فَلا يُبالِ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَيَقْدَمُ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ وعَزْمٍ صَحِيحٍ، فَيَقُومُ الواحِدُ مِن مِثْلِهِ مَقامَ الكَثِيرِ - فَكَلامٌ حَقٌّ، لَكِنَّهُ لا يُلائِمُ المَقامَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии