Ибн АдильХуд · 11:110–115

Ибн Адиль · Тафсир · на арабском

Худ 11:110–115, продолжение

وإذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية.

فأولها: معرفة الله وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العقل مصوناً في طرف الإثبات عن التَّشبيه، وفي طرف النَّفي عن التَّعطيل في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضاً فالقوَّة الغضبية والقوّةُ الشهوانية حصل لك واحد منهما طرفُ إفراط وتفريط، وهما مذمومان، والفاصلُ هو المتوسط بينهما بحيثُ لا يميلُ إلى أحدِ الجانبين، والوقوفُ عليه صعبٌ؛ فثبت أنَّ معرفة الصِّراط المستقيم في غاية الصُّعوبة، لا جرم قال ابنُ عبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ما نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وشرَّف وكرم وبجَّل ومجَّد وعظَّم - في جميع القرآن آية أشق من هذه، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «شيبَّني هُود وأخواتها» وروى عن بعضهم قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في المنام، فقلت لهُ: روي عنك أنك قلت: «شَيَّبَتْنِي هُود وأخواتُها» فقال: نَعَمْ «قلت: وبأي آية؟ فقال: قوله:» فاسْتَقِمْ كما أمِرْتَ» .

قوله: ﴿كَمَآ أُمِرْتَ﴾ الكافُ في محلِّ النصب، إمَّا على النَّعت لمصدرٍ محذوفٍ، كما هو المشهورُ عند المعربين قال الزمخشريُّ: أي اسْتقم استقامةً مثل الاستقامةِ الَّتِي أمرتَ بها على جادًّة الحقِّ غير عادلٍ منها. وإمَّا على الحالِ من ضميرِ ذلك المصدر.

واستفعل هنا للطَّلب، كأنه قيل: اطلب الإقامة على الدِّين، كما تقول: استغفر أي: اطلب الغفران.

قوله: ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ في «مَنْ» وجهان، أحدهما: أنَّهُ منصوب على المفعول به، كذا ذكره أبو البقاء ويصير المعنى: استقم مصاحباً لمنْ تاب مُصاحباً لك، وفي هذا المعنى نقوٌّ عن ظاهر اللفظ.

والثاني: أنَّهُ مرفوعٌ فإنَّه نسقٌ على المستتر في «اسْتَقمْ» ، وأعنى الفصلُ الجارِّ عن تأكيده بضميرٍ منفصل في صحَّةِ العطف، وقد تقدَّم هذا البحث في قوله: ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: 25] ، وأنّ الصحيح أنَّهُ من عطف الجمل لا من عطف المفرادات، ولذلك قدَّرهُ الزمخشريُّ فاستقم أنتَ، وليستقم من تاب مَعَكَ، فقدَّر الرافع له فعلاً لائقاً برفعه الظَّاهر.

وقال الواحدي: محلها ابتداء تقديره: ومن تَابَ معكَ فلْيَستقِمْ

فصل

معنى الآية: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ على دين ربِّك، والعمل به، والدُّعاء إليه، كما أمرت، ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ أي: مَنْ معك فليَسْتَقِيمُوا، قال عمرُ بنُ الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: الاستقامةُ أن تَسْتَقِيمَ على الأمْرِ والنَّهْي، ولا تروغ روغان الثَّعلب.

روى هشام بن عُروة عن أبيه عن سفيان بن عبدِ الله الثَّقفي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قلتُ يا رسُول الله قُلْ لِي فِي الإسلامِ قَوْلاُ لا أسْألُ عنهُ أحداً بعدك، قال:» قُلْ آمنْتُ باللَّهِ ثم اسْتٌقِمْ «.

فصل

هذه الآية أصلٌ عظيم في الشَّريعة، وذلك أنَّ القرآن لمَّا ورد بترتيب الوضوء في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيه، لقوله: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ ، ولمَّا» ورد الأمرُ في الزَّكاةِ بأداء الإبل من الإبل، والبقرِ من البقرِ وجب اعتبارها، وكذا القولُ في كل ما ورد أمرُ الله به.

قال ابنُ الخطيبِ: وعندي أنه لا يجوزُ تخصيص النصِّ بالقياسِ؛ لأنَّهُ لمَّا دلَّ عموم النَّص على حكم وجب العمل بمقتضاه، لقوله تعالى -: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ فالعملُ بالقياسِ انحراف عنه.

ثم قال: ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ﴾ أي: لا تجوزوا أمري ولا تعصوني وقيل: لا تغلُوا فتزيدُوا على أمرت ونهيت والطُّغيان: تجاوز الحدًّ. وقيل: لا تطغوا في القرآن فتحلُّوا حرامهُ وتحرِّمُوا حلالهُ وقال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «تواضعوا لله ولا تتكبورا على أحد» ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ العامَّة «تَعْمَلُونَ» بالتَّاء «جرياً على الخطابِ المتقدم.

وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفيُّ بياء الغيبة، وهو التفاتٌ من خطابٍ لغيبةٍ عكس ما تقدَّم في ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تركنوا﴾ قرأ العامَّةُ بفتح التَّاءِ والكاف، والماضي من هذا» رَكِن» بكسر العين ك «عَلِمَ، وهذه الفصحى، كذا قال الأزهريُّ وقال غيره:» وهي لغةُ قريش» وقرأ أبو عمرو في رواية: «تِرْكَنُوا» بكسر حرف المضارعة وقد تقدَّم ذلك في قوله: «نَسْتعِينُ» .

وقرأ قتادةُ، وطلحةُ، والأشهب، ورويت عن أبي عمرو» تَرْكُنُوا «بضمِّ العين وهو مضارع» رَكَنَ «بفتحها ك: قَتَلَ يَقْتُل، وقال بعضهم: هو من التَّداخُلِ، يعني من نطق ب» رَكَنَ «بكسر العين قال:» يَرْكُن» بضمها، وكان من حقِّه أن يفتحَ، فلمذَا ضمّ علمنا أنه استغنى بلغةِ غيره في المضارع عن لغته، وأمَّا في هذه القراءةِ فلا ضرورة بنا إلى ادِّعاءِ التَّداخُل، بل ندَّعي أنَّ من فتح الكاف أخذه من: «رَكِنض» بالكسرِ، ومن ضمَّها أخذه من «رَكَنَ» بالفتح، ولذلك قال الراغبُ: «والصحيحُ أن يقال: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ بالكسر في الماضي مع الفتح في المضارع، وبالفتح في الماضي مع الضمِّ في المضارع» وشذَّ أيضاً قولهم: رَكَن يَرْكَن بالفتح فيهما، وهو التداخل؛ فتحصًّل من هذا أنَّه قال: «رَكِنَ» بكسر العين وهي اللغة العالية كا تقدَّم، و «ركَنَ» بفتحها، وهي لغة قيس وتميم، وزاد الكسائيُّ: «ونَجْد» وفي المضارع ثلاثٌ: الفتحُ، والكسرُ، والضمُّ. وقرأ ابنُ أبي عبلة: «تُرْكَنُوا» مبنياً للمفعول من: أرْكَنَهُ إذا أمالهُ، فهو من باب» لا أرَيَنَّكَ ههنا «و ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ الأعراف: 2] وقد تقدم.

والرُّكُونُ: المَيْلِ، ومنه الرُّكْنُ للاستنادِ إليه.

قوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ منصوبٌ بإضمار» أنْ «في جوابِ النهي. وقرأ ابنُ وثاب وعلقمةُ، والأعمشُ في آخرين» فَتِمَسَّكُمُ «بكسر التَّاءِ.

قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ هذه الجملةُ يجوزُ أن تكون حاليةً، أي: تَمَسَّكم حال انتفاءِ ناصركم.

ويجوز أن تكون مستأنفة و «مِنْ أولياءَ» » مِنْ «فيه زائدةٌ، إمَّا في الفاعل، وإمَّا في المبتدأ، لأنَّ الجارَّ إذا اعتمد على أشياءَ - أحدها النَّفيُ - رفع الفاعل.

قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ العامَّةُ على ثبوتِ نُون الرَّفعِ؛ لأنه مرفوع، إذ هو من باب عطف الجمل، عطف جملة فعلية على جملة اسميةَ. وقرأ زيد بن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بحذف نون الرفع، عطفه على» تمسَّكُم «، والجملةُ على ما تقدَّم من الحاليةِ أو الاستئناف، فتكون معترضةً، وأتى ب» ثمَّ «تنبيهاً على تباعد الرُّتْبَة.

فصل

معنى الآية: قال ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -:» ولا تميلُوا» .

والرُّكُونُ: هو المحبَّة والميل بالقلب. وقال أبو العاليةِ: لا ترضوا بأعمالهم.

وقال السدي: لا تداهِنُوا الظَّلمة.

وعن كرمة: لا تطيعوهم وقيل لاتسكنوا إلى الذين ظلمُوا «فتَتَمسَّكُم» ، فتصيبكم «النَّارُ وما لَكُم من دُونِ الله من أولياءَ» أي: ليس لكم أولياء ولا أعوان يخلصونكم من عذاب الله، ثُمَّ لا تجدُوا من ينصركُمْ.

قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار﴾ الآية.

لمَّا أمره بالاستقامة أردفهُ بالأمر بالصَّلاة، وذلك يدلُّ على أنَّ أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة.

قوله: ﴿طَرَفَيِ النهار﴾ ظرفٌ ل «أقِم» ويضعف أن يكون ظرفاً للصلاة، كأنه قيل: أي أقم الصَّلاة الواقعة في هذين الوقتين، والطرف، وإن لم يكن ظرفاً، ولكنَّه لمَّا أضيف إلى كلها على الظرف لمَّّا أضيفت إليه، وإن كانت ليست موضوعة للظَّرفية.

وقرأ العامَّةُ «زُلَفاً» بضمِّ الزاي، وفتح اللام، وهي جمعُ «زُلْة» بسكون اللام، نحو: غُرَف في جمع غُرفة، وظُلَم في جمع ظُلمه. وقرأ أبو جعفر وابنُ أبي إسحاق بضمها، وفي هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه: أحدهما: أنَّهُ جمع «زُلْفَة» أيضاً، والضَّمُّ للإتباع، كما قالوا: بسْرة وبُسُر بضم السين إتباعاً لضمَّة الباء.

الثاني: أنَّهُ اسمٌ مفرد على هذه الزِّنةِ ك: عُنُق.

الثالث: أنه جمعُ «زَلِيف» قال أبو البقاءِ: «وقد نُطِف به» ، يعني أنَّهم قالوا زَليف، و «فعيل» يجمعُ على «فُعُل» نحو: رَغِيف ورغف، وقَضِيب وقضُب.

وقرأ مجاهدٌ وابنُ محيصنٍ بإسكان اللاَّم وفيها وجهان:

أحدهما: أنَّهُ يحتمل أن تكون هذه القراءةُ مخفَّفةً من ضمِّ العين فيكون فهيا ما تقدَّم.

والثاني: أنَّهُ سكونُ أصلٍ من باب اسم الجنس نحو: بُسْرة وبُسْ من غير إتباع.

وقرأ مجاهد وابن محيصنٍ وأيضاً في رواية: «وزُلْفَى» بزنة: «حُبْلَى» جعلوها على صفةِ الواحدة المؤنثة اعتباراً بالمعنى؛ لأنَّ المعنى على المنزلة الزُّلفى، أو الساعة الزُّلْفَى، أي: القريبة.

وقد قيل: إنَّه يجوز أن يكون أبدلا التنوين ألفاً ثم أجرياص الوصل مجرى الوقف فإنَّهُما يقرآن بسكون اللاَّم وهو محتملٌ.

وفي انتصاب: «زُلَفاً» وجهان:

أظهرهم: أنه نسقٌ على «طَرفي» فينتصب الظَّرف، إذ المراد بها ساعات الليل القريبة.

والثاني: أن ينتصب انتصابَ المفعول به نسقاً على الصَّلاة.

قال الزمخشريُّ - بعد أن ذكر القراءات المتقدمة -: وهو ما يقرب من آخر النَّهار ومن الليل، وقيل: زُلَفاً من الليل وقُرْباً من الليل، وحقُّها على هذا التفسير أن تعطف على الصلاة، أي: أقم الصلاة طرفي النَّهار، وأقم زُلفاً من اللَّيل على معنى صلوات تقرَّبُ بها إلى الله تعالى في بعض الليل.

والزُّلفةُ: أول ساعات الليل، قاله ثعلبُ. وقال الأخفش وابنُ قتيبة: «الزلف: ساعات الليل وآناؤه، وكلُّ ساعة منه زلفة» فلم يخصصاه بأوَّلِ الليلِ؛ وقال العداد: [الرجز]

3039 - ناجٍ طواهُ الأيْنُ ممَّا وجَفَا ... طَيَّ اللَّيَالِي زُلَفاً فزُلفَا

سماوةَ الهلالِ حَتَّى احقوْقَفا ...

وأصلُ الكلمة من «الزُلْفَى» والقرب، يقال: أزْلفه فازْدلفَ، أي: قربَّهُ فاقتربَ قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين﴾ [الشعراء: 64] وفي الحديث: «ازْدَلِفُوا إلى الله بركعتيْنِ» .

وقال الرَّاعب: والزُّلفةُ: المَنْزِلَةُ والحُظْوة، وقد استعملت الزُّلفة في معنى العذابِ كاستعمال البشارة ونحوها، والمزالِفُ: المراقي: وسُمِّيت ليلة الزدلفة لقربهم من منى بعد الإفاضة. وقوله: «من اللَّيل» صفةٌ ل «زُلَفاً» .

فصل

معنى «طَرَفَي النَّهارِ» أي: الغداوة والعشي. قال مجاهدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: طرفا النهار الصبح، والظهر، والعصر «وزُلفاً من اللَّيْل» يعني: صلاة المغرب والعشاء.

وقال الحسنُ: طرفا النَّهارِ: الصبح، والظهر والعصر «وزُلفاً من اللَّيل» المغرب والعشاء وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: طرفا النهار الغداوة والعشي، يعني صلاة الصبح والمغرب.

فصل

قال ابن الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «الأشهر أنَّ الصلوات التي في طرفي النهار هي الفجر والعصر، وذلك لأنَّ أحد طرفي النهار طُلوعُ الشَّمس، والطَّرف الثاني غروب الشمس.

فالأول: هو صلاة الفجر.

والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب؛ لأنها داخلة تحت قوله: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ الليل﴾ فوجب حملُ الطَّرفي الثاني على صلاة العصر.

وإذا تقرَّر هذا كانت الآية دليلاً على قول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في أنَّ التنوير بالفجرِ أفضل، وفي أنَّ تأخير العصر أفضل؛ لأنَّ ظاهر الآية يدلُّ على وجوب إقامة الصَّلاة في طرفي النهار، وبينا أنَّ طرفي النهار هم الزمان الأول لطلوع الشمس، والزَّمان الثَّاني لغروب الشمس، وأجمعت الأمة على أنَّ إقامة الصَّلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة فقد تعذَّر العملُ بظاهر الآية، فوجب حلمه على المجاز، وهو أن يكون المرادُ: إقامة الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار؛ لأنَّ ما يقرب من الشَّيءِ يجوزُ أن يطلقَ عليه اسمه، وإذا كان كذلك فكل وقتٍ كان أقرب لطلوع الشمسِ، وإلى غروبها كان أقربُ إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطُّلوع من إقامتها عند التغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه، أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظلُّ كل شيءٍ مثله، والمجازُ كلَّما كان أقرب إلى الحقيقة، كان حملُ اللفظ عليه أولى.

فصل

قال أبو بكر الباقلاني - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إنَّ الخوارجَ تمسَّكُوا بهذه الآية في إثبات أنَّ الواجب ليس إلاَّ الفجر والعشاء من وجهين:

الأول: أنَّهُمَا واقعان على طرفي النهار؛ فوجب أن يكون هذا القدر كافياً.

فإن قيل: قوله ﴿وَزُلَفاً مِّنَ الليل﴾ يوجب صلوات أخرى.

قلت: لا نُسلِّمُ، فإنَّ طرفي النهار موصوفان بكونهما زُلفاً من اللَّيْلِ، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً غاية ما في الباب أنَّ هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف، وذلك كثير في القرآن والشعر.

الوجه الثاني: أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ وهذا يقتضي أنَّ من صلًَّى طرفي النَّهار كان إقامتهما كفارة لكلّ ذنب، فبتقدير أن يقال: إنَّ سائرَ الصلوات واجبة إلاَّ أنَّ إقامتها يجب أن تكون كفارة لترك سائر الصلوات، وهذا القولُ باطلٌ بإجماع الأمَّةِ فلا يلتفتُ إليه.

فصل

قيل قي قوله تعالى: ﴿وَزُلَفاً مِّنَ الليل﴾ أنه يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلفٍ من الليل؛ لأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة، والمغربُ والعشاءُ وقتان؛ فجيب الحكمُ بوجوب الوتر.

قوله: ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ قال ابن عبَّاسِ: إنَّ الصَّلوات الخمس كفارة لسائر الذُّنوب بشرط الجتناب الكبائر ووري عن مجاهدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «إنَّ الحسنات هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

وروي أنَّها نزلت في أبي اليسر، قال: أتتني امرأة تبتاع تَمْراً، فقلتُ لها إنَّ في بتي تَمراً أطيب من هذا؛ فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبَّلتُهَا، فأَيْتُ أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعن الصحابة أجمعين - فذكرتُ ذلك له فقال: اسْتُرْ على نفسك وتب، فأتيتُ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فقالك اسْتُرْ على نفسك وتُب فلم أصْبِرْ، فأتيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكرتُ ذلك، فقال:» أخلفت غازياً في سبيل الله في أهلهِ بمثلِ هذا؟» حتَّى تمنَّى أنَّهُ لمْ يكُنْ أسلم إلاَّ تلك السَّاعة حتَّى ظنَّ أنَّهُ من أهْلِ النَّارِ فأطرق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتَّى أوحي إليه ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار﴾ الآية، فقال أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ألِهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بَلْ للنَّاسِ عامَّة» وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقول: «الصَّواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضان مُكفّراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجتُنِبت الكبائِرَ» .

وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أرأيتُم لوْ أنَّ نهراً بباب أحكمْ يغتَسِلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ، هل يبْقَى من دَرَنِهِ شيءٌ» ؟ قالوا: لا، قال: «فذلِكَ مثلُ الصَّلواتِ الخمسِ، يَمْحُوا اللَّهُ بهنَّ الخطايا» .

فصل

احتجَّ من قال إنَّ المعصية لا تضرُّ مع الإيمان بهذه الآية؛ لأنَّ الإيمان أشرفُ الحسنات، وأجلها، وأعظمها، ودلَّت الآية على أنَّ الحسنات تذهبُ السيئات، والإيمان يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان؛ فلأن يذهب المعصية التي هي أقل درجة أولى، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكلية فلا أقلَّ من أن يفيد إزالة العقابِ الدَّائم المؤبَّد.

ثم قال تعالى: ﴿ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ﴾ أي: ذلك الذي ذكرناه، وقيل: إشارة إلى القرآن» ذِكْرَى «موعظة،» للذَّاكرينَ «أي: لمن ذكره» واصْبِرْ «يا محمَّدُ على ما تلقى من الأذى.

وقيل: على الصَّلاة، نظيرهُ: قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا﴾ [طه: 132] ﴿فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ في أعمالهم، وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -» يعني المصلِّينَ» .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English