Ибн АдильАль‑Бакара · 2:11–13

Ибн Адиль · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:11–13

2:11–12Страница 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١

Когда им говорят: «Не распространяйте нечестия на земле!». - они отвечают: «Только мы и устанавливаем порядок».

أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢

Воистину, именно они распространяют нечестие, но они не осознают этого.

«إذا» ظرف زمان مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تكون إلاّ في الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه، فلذلك لم تجزم إلا في شِعْرٍ؛ لمخالفتها أدوات الشرط؛ فإنها للأمر المحتمل، فمن الجزم قوله: [البسيط]

193 - تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لِي ... نَاراً إِذَا خَمَدَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدِ

وقال آخر: [الكامل]

194 - وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى ... وَإِذّا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ

وقال الآخر: [الطويل]

195 - إِذَا قَصُرَتْ أَسْيَافُنَا كَانَ وَصْلُهَا ... خُطَانَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِبِ فقوله: «فَنُضَارب» مجزوم لعطفه على محل قوله «كان وصلها» .

وقال الفرزدق: [الطويل]

196 - فَقَامَ أَبُو لَيْلَى إِلَيْهِ ابْنُ ظَالِمِ ... وَكَانَ إذَا مَا يَسْلُلِ السَّيْفَ يَضْرِبِ

وقد تكون للزمن الماضي ك: «إذ» كما قد تكون «إذ» للمستقبل ك «إذا» .

فمن مجيء «إذا» ظرفاً لما مَضَى من الزمان واقعةً موقع «إذ» قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ﴾ [التوبة: 92] ، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] ، قال به ابن مالك، وبعض النحويين.

ومن مجيء «إذ» ظرفاً لما يستقبل من الزمان قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: 70] .

وتكون للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذ باقية على زمانيتها، أو صارت ظرف مكان أو حرفاً؟

ثلاثة أقوال: أصحُّها الأول استصحاباً للحال، وهل تتصرف أم لا؟

الظاهر عدم تصرفها، واستدلّ من زعم تصرفها بقوله تعالى في قراءة من قرأ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ [الواقعة: 1 - 4] بنصب «خافضة رافعة» ، فجعل «إذا» الأولى مبتدأ، والثانية خبرها.

والتقدير: وَقْتُ وقوع الواقعة رجّ الأرض، وبقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا﴾ [الزمر: 71] ، و ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ﴾ [يونس: 22] فجعل «حتى» حرف جر، و «إذا» مجرورة بها، وسيأتي تحقيق ذلك في مواضع. ولا تُضَاف إلاَّ الجُمَلِ الفعلية خلافاً للأخفش.

وقوله: «قيل» فعل ماضٍ مبني للمفعول، وأصله: «قَوَلَ» ك: «ضرب» ، فاستثقلت الكسرة على «الواو» ، فنقلت إلى «القاف» بعد سَلْبِ حركتها، فسكنت «الواو» بعد كسرة، فقلبت «ياء» ، وهذه أفصح اللغات، وفيه لغة ثانية، وهي الإشمام، والإشمام عبارة عن جعل الضّمة بين الضم والكَسْرِ.

ولغة ثالثة وهي: إخلاص الضم، نحو: «قُولَ وبُوعَ» ، قال الشاعر: [الرجز]

197 - لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتَ ... لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ وقال الآخر: [الرجز]

198 - حُوكَتْ عَلَى نَوْلَيْنِ إذْ تُحَاكُ ... تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ وَلاَ تُشَاكُ

وقال الأخفش: «ويجوز» قُيُل «بضم القاء والياء» ، يعني مع الياء؛ لأن الياء تضم أيضاً.

وتجيء هذه اللغات الثلاث في «اختار» و «انقاد» ، و «ردّ» و «حَبَّ» ونحوها، فتقول: «اختير» بالكسر، والإِشْمَام، و «اختورط، وكذلك:» انقيد» ، و «انقود» ، و «رَدَّ» ، و «رِدَّ» ، وأنشدوا: [الطويل]

199 - وَمَا حِلُّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا ... وَلاَ قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ

بكسر حاء «حل» .

وقرىء: «وَلَوْ رِدُّوا» [الأنعام: 28] بكسر الراء.

والقاعدة فيما لم يسم فاعله أن يُضَمّ أول الفعل مطلقاً؛ فإن كان ماضياً كسر ما قبل آخره لفظاً نحو: «ضرب» ، أو تقديراً نحو: «قيل» ، و «اختير» .

وقد يضم ثاني الماضي أيضاً إذا افتتح بتاء مُطَاوعة نحو: «تُدُحْرج الحجر» ، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو: «انْطُلِقَ بزيد» واعلم أن شرط جواز اللغات الثلاث في «قيل» ، و «غيض» ، ونحوهما ألا يلتبس، فإن التبس عمل بمقتضى عدم اللَّبْس، هكذا قال بعضهم، وإن كان سيبويه قد أطلق جواز ذلك، وأشَمّ الكسائي: ﴿قِيلَ﴾ [البقرة: 11] ، ﴿وَغِيضَ﴾ [هود: 44] ، ﴿وَجِيءَ﴾ [الزمر: 69] ، ﴿وَحِيلَ﴾ [سبأ: 54] ﴿وَسِيقَ الذين﴾ [الزمر: 71] و ﴿سياء بِهِمْ﴾ [هود: 77] ، و ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ [الملك: 27] ، وافقه هشام في الجميع، وابن ذكوان في «حِيْل» وما بعدها، ونافع في «سيء» و «سيئت» ، والباقون بإخلاص الكسر في الجميع.

والإشْمَام له معان أربعة في اصطلاح القراء سيأتي ذلك في قوله: ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] إن شاء الله تعالى.

و «الهم» جار ومجرور متعلّق ب «قيل» ، و «اللاَّم» للتبليغ، و «لا» حرف نهي يجزم فعلاً واحداً، و «تفسدوا» مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف النون؛ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة.

و «في الأرض» متعلّق به، والقائم مقام الفاعل هو الجُمْلَةُ من قوله: «لا تفسدوا» لأنه هو القول في المعنى، واختاره الزمخشري.

والتقدير: وإذا قيل لهم هذا الكلام، أو هذا اللّفظ، فهو من باب الإسناد اللَّفْظي.

وقيل: القائم مقام الفاعل مضمر، تقديره: وإذا قيل لهم هو، ويفسّر هذا المضمر سياق الكلام كما فسّره في قوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .

والمعنى؟ : «وإذا قيل لهم قول سديد» فأضمر هذا القول الموصوف، وجاءت الجملة بعده مفسّرة، فلا موضع لها من الإعراب، فإذا أمكن الإسناد المعنوي لم يعدل إلى اللَّفْظِيّ، وقد أمكن ذلك بما تقدّم. وهذا القول سبقه إليه أبو البَقَاءِ، فإنه قال: «والمفعول القائم مَقَام الفاعِلِ مصدر، وهو القول، وأضمر لأن الجملة بعد تفسّره، ولا يجزز أن يكون» لا تفسدوا «قائماً مقام الفاعل؛ لأن الجملة لا تكون فاعلاً، فلا تقوم مقام الفاعل» .

وقد تقدم جواب ذلك من أن المعنى: وإذا قيل لهم هذا اللفظ، ولا يجوز أن يكون «لهم» قائم مقام الفاعل إلاَّ في رأي الكوفيين والأخفش، إذ يجوز عندهم إقامة غير المفعول به مع وجوده.

وتلخصّ من هذا:

أنَّ جملة قوله: «لا تفسدوا» في مَحَلّ رفع على قول الزَّمخشري، ولا محلّ لها على قول أبي البَقَاءِ ومن تبعه، والجملة من قوله: «قيل» وما في حَيّزه في محل خفضٍ بإضافة الظرف إليه.

والعامل في «إذا» جوابها، وهو «قالوا» ، والتقدير: قالوا» : إنما نحن مصلحون، وقت قول القائم لهم: لا تفسدوا.

وقال بعضهم: الذي نختاره أن الجُمْلَةَ الَّتي بعدها وتليها ناصبة لها، وأنَّ ما بعده ليس في مَحَلّ خَفْضٍ بالإضافة؛ لأنها أداة شرط، فحكمها حكم الظروف التي يُجَازى بها، فكما أنك إذا قلت: «متى تَقُمْ أَقُمْ» كان» متى «منصوباً بفعل الشرط، فكذلك إذا قال هذا القائل.

والذي يفسد مذهب الجمهور جواز قولك:» إذا قمت فعمرو قائم «ووقوع: إذا» الفُجَائية جواباً لها، وما بعد «الفاء» .

و «إذا» الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو اعتراض ظاهر.

وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ «إنَّ» حرف مكفوف ب «ما» الزائدة عن العمل، ولذلك تليها الجملة مطلقاً، وهي تفيد الحَصْرَ عند بعضهم.

وأبعد من زعم أنّ «إنما» مركبة من «إنَّ» التي للإثبات، و «ما» التي للنفي، وأنّ بالتركيب حدث معنى يفيد الحَصْرَ.

واعلم أن «إن» وأخواتها إذا وَلِيْتَهَا «ما» الزائدة بطل عملها، وذهب اختصاصها بالأسماء كما مرَّ، إلا «لَيْتَ» فإنه يجوز فيها الوجهان سماعاً، وأنشدوا قول النابعة: [البسيط]

200 - قَالَتْ: أَلاَ لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفهُ، فَقَدِ

برفع «الحَمَام» ونصبه، فأما إهمالها فلبقاء اختصاصها، وأمّا إهمالها فلحملها على أَخَوَاتِهَا، على أنه قد روي عن سيبويه في البيت أنها معملة على رواية الرفع أيضاً، بأن تجعل «ما» موصولة بمعنى «الذي» ، كالتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 69] و «هذا» خبر مبتدأ محذوف هو العائد، و «الحَمَام» نعت لهذا، و «لنا» خبر ل «ليت» ، وحُذِفَ العائد وإن لم تَطُل الصلة.

والتقدير: ألا ليت الذي هو [هذا] الحمام كَائِنٌ لنا، وهذا أولى من أن يدعي إهمالها، لأن المقتضى للإعمال - وهو الاختصاص - باقٍ.

وزعم بعضهم أنّ «ما» الزائدة إذا اتَّصلت ب «إنَّ» وأخواتها جاز الإعمال في الجميع.

و «نحن» مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للمتكلم، ومن معه أو المعظّم نفسه، و «مصلحون» خبره، والجملة في محل نَصْبٍ، لأنها محكية ب «قالوا» .

والجملة الشرطية وهي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ عطف على صلة «من» ، وهي «يقول» ، أي: ومن النَّاس من يقول، ومن النَّاس من إذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض قالوا: وقيل: يجوز أن تكون مستأنفةً، وعلى هذين القولين، فلا مَحَلّ لها من الإعراب لما تقدم، ولكنها جزء كلام على القول الأول، وكلام مستقل على القول الثاني، وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن تكون معطوفةً على «يكذبون» الواقع خبراً ل «كانوا» ، فيكون محلّها النصب.

وردّ بعضهم عليهما بأن هذا الذي أجازاه على أَحَدِ وجهي «ما» من قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10] خطأ، وهو: أن تكون موصولةً بمعنى «الذي» ، إذْ لا عائد فيها يعود على «ما» المَوْصُولة، وكذلك إذا جعلت مصدريةً، فإنها تفتقر إلى العائد عند الأَخْفَشِ، وابن السراج. والجواب عن هذا أنهما لا يُجِيْزَانِ ذلك ألا وهما يعتقدان «ما» موصولة حرفية.

وأما مذهب الأخفش وابن السراج فلا يلزمهما القول به، ولكنه يُشَكِلُ على أبي البَقَاءِ وحدهن فإنه يستضعف كون «ما» مصدرية كما تقدم.

فصل في أوجه ورود لفظ الفساد

ورد لفظ «الفساد» على ثلاثة أوجه:

الأول: بمعنى العِصْيَان كهذه الآية.

الثاني: بمعنى الهَلاَكِ قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآءَالِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] أي: أهلكتا.

الثالث: بمعنى السحر قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين﴾ [يونس: 81] .

فصل في بيان من القائل

منهم من قال: إن ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال: هو الرسول، ومنهم من قال: بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل.

والأقرب أن ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال: هو الرسول، ومنهم من قال: بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل.

والأقرب أن ذلك القائل كان مشافهاً لهم بذلك الكلام، فإما أن يكون الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بلغه عنهم النفاق، ولم يقطع بذلك، فنصحهم فأجابوا بما يحقّ إيمانهم، وأنهم في الصَّلاح بمنزلة سَائِرِ المؤمنين، وإما أنْ يكون بعض من يلقون إليه الفَسَاد كان لا يقبله منهم، وكان ينقلب واعظاً لهم قائلاً لهم: ﴿لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ [البقرة: 11] فإن قيل: إنما كانوا يخبرون الرَّسول بذلك؟

قلنا: نعم، كانوا إذا عوقبوا عادوا إلى إظهار الإسلام، وكذبوا النَّاقلين عنهم، وحلفوا بالله عليه كما قال - تعالى - عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر﴾ [التوبة: 74] . وقيل هذا الكلام لليهود.

و «الفساد» خروج الشيء عن كونه منتفعاً به، ونقيضه الصلاح.

واختلفوا في ذلك الفساد فقال ابن عباس والحَسَن وقَتَادَة والسّدي: الفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى.

قال القَفّال - رَحِمَهُ اللهُ -: وتقريره أن الشرائع سُنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسكوا بها زَوَال العدوان، ولزم كل أحد شأنه، وحقنت الدّماء، وسكنت الفتن، فكان فيه صلاح الأرض، وصلاح أهلها، وإذا تركوا التمسُّك بالشرائع، وأقدم كلّ واحد على ما يَهْوَاه، وقع الهَرَجُ والمَرَجُ والاضطراب، ووقع الفساد في الأرض.

وقيل: الفساد هو مُدْرَارَاةُ المنافقين للكافرين، ومخالطتهم معهم؛ لأنهم إذا مالوا إلى الكُفْرِ مع أنهم في الظاهر مؤمنون أَوْهَمَ ذلك ضعف الرسول وضعف أنصاره، فكان ذلك يجري للكفار على إظهار عداوة الرسول، ونَصْبِ الحروب له.

وقال الأصَمَ: كانوا يدعون في السّر إلى تكذيبه، وجَحْد الإسلام، وإلقاء الشُّبهات، وتفريق بين النَّاس عن الإيمان.

فصل في مراد المنافقين بالإصلاح

قوله: ﴿قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ هم المُنَافقون، لأن مرادهم بهذا الكلام نقيض ما نهوا عنه، وهو الإفساد في الأرض؛ فقولهم: إنما نحن مُصْلحون كالمُقَابِل له، وفي هذا احتمالان.

أحدهما: أنهم اعتقدوا أن دينهم صواب، فكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدّين، لا جرم قالوا: إنما نحن مصلحون، يعني: أن هذه المُدَاراة سَعْيٌ لأجل تقوية ذلك الدّين، لا جرم قالوا: «إنما نحن مصلحون» أي: نحن نصلح أمر الفساد.

وقال ابن الخطيب: العلماء استدلّوا بهذه الآية على أنَّ من أظهر الإيمان وجل إجراء حكم المؤمنين عليه، وتجويز خلافه لا يطعن فيه، وتوبة الزِّنْدِيق مقبولةٌ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ألاا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون﴾ «ألا» حرف تنبيه، واستفتاح، وليست مركّبة من همزة الاستفهام و «لا» النافية، بل هي بَسِيطَةٌ، ولكنها لفظ مشترك بين التَّنبيه والاستفتاح، فتدخل على الجُمْلَة اسميةً كانت أو فعليةً، وبين العرض والتخصيص، فتختصّ بالأفعال لفظاً أو تقديراً، وتكون النافية للجنس دخلت عليها همزة الاستفهام، ولها أحكام تقدّم بعضها عند قوله تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] ، وتكون للتَّمَنِّي، فتجري مجرى «ليت» في بعض أحكامها.

وأجاز بعضهم أن تكون جواباً بمعنى «بَلَى» يقول القائل: ألم يقل زيد؟ فتقول: «ألا» بمعنى: «بلى قد قام» وهو غريب.

و «إنّهم» إنّ واسمها، و «هم» تحتمل ثلاثة وجه:

أحدها: أن تكون تأكيداً لاسم «إنَّ» ؛ لأن الضمير المنفصل المرفوع يجوز أن يؤكد به جميع ضروب الضَّمير المتصل.

وأن تكون فصلاً، وأن تكون مبتدأ.

و «المفسدون» خبره، والجملة خبر ب «إن» .

وعلى القولين الأوّلين يكون «المفسدون» وحده خبراً ل «إن» ، وجيء في هذه الجملة بضروب من التأكيد منها: الاستفتاح والتنبيه، والتَّأكيد ب «إن» ، والإتيان بالتأكيد، والفَصْل بالضَّمير، وبالتعريف في الخبر مبالغةً في الرد عليهم فيما ادّعوا من قولهم: «إنما نحن مُصْلِحُون» ؛ لأنهم أخرجوا الجواب جملةً اسميةً مؤكدةً ب «إنما» ليدلّوا بذلك على ثُبُوت الوَصْفِ لهم، فرد الله عليهم بأبلغ وآكد مما ادعوه.

وقوله

: ﴿ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ الواو عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها.

و «لكن» معناها الاستدراك، وهو معنى لا يُفَارقها، وتكون عاطفةً في المفردات، ولا تكون إلاّ بين ضدّين، أو نقيضين، وفي الخلافين خلاف، نحو: «ما قام زيد لكن خرج بكر» ، واستدلّ بعضهم على ذلك بقوله طَرَفَةَ: [الطويل]

201 - وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ لِبَيْتِهِ ... وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمَ أرفِدِ

فقوله: «متى يسترفد القوم أرفد» ليس ضدًّا ولا نقيضاً لما قبله، ولكنه خلافه.

قال بعضهم: وهذا لا دليل فيه على المدّعى، لأن قوله: «لستُ بحلاّل التِّلاعِ لبيته» كنايةٌ عن نفي البُخْلِ أي: لا أحلّ التِّلاَع لأجل البُخْل.

وقوله: «متى يسترفد القوم أرفد» كناية عن الكَرَمِ، فكأنه قال: لست بخيلاً ولكن كريماً، فهي - هاهنا - واقعة بين ضدّين.

ولا تعمل مخففة خلافاً ل «يونس» ، ولها أحكام كثيرة.

ومعنى الاسْتِدْرَاك في هذه الآية يحتاج إلى تأمل ونظر، وذلك أنهم لما نهوا عن اتخاذ مثل ما كانوا يتعاطونه من الإفساد، فقابلوا ذلك بأنهم مصلحون في ذلك، وأخبر - تعالى - بأنهم هم المفسدون كانوا حقيقين بأن يعملوا أن ذلك كما أخبر - تعالى - وأنهم لا يدعون بأنهم مصلحون، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فَاتَهُمْ من عدم الشعور بذلك.

ومثله قولك: «زيد جاهل، ولكن لا يعلم» ، وذلك لأنه من حيث اتّصف بالجهل، وصار الجهل وصفاً قائماً به كان ينبغي أن يعلم بهذا الوَصْف من نفسه؛ لأن الإنسان له أن يعلم ما اشتملت عليه نفسه من الصفات، فاستدركت عليه أنَّ هذا الوصف القائم له به لا يعلمه مُبَالغة في جهله.

ومفعول «يشعرون» محذوف: إمّا حذف اختصار، أي: لا يشعرون بأنهم مفسدون، وإما حذف اقتصار، وهو الأحسن، أي: ليس لهم شعور ألبتة.

2:13Страница 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣

Когда им говорят: «Уверуйте так, как уверовали люди», - они отвечают: «Неужели мы уверуем так, как уверовали глупцы?». Воистину, именно они являются глупцами, но они не знают этого.

الكلام عليها كالكلام على التي قبلها.

و «آمنوا» فعل وفاعل، والجملة في محل رفع لقيامها مقام الفاعل على ما تقدم في ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ [البقرة: 11] والأقوال هناك تعود هُنَا.

والكاف في قوله «كما آمن» في محلّ نصب.

وأكثر المعربين يجعلون نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: آمنوا إيماناً كإيمان النَّاس، وكذلك يقولون في: «سير عليه حثيثاً» : أي سيراً حثيثاً وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه في هذا ونحوه أن يكون منصوباً على الحال من المصدر والمضمر المفهوم من الفعل المتقدم.

وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاَّ في مواضع محصورة، ليس هذا منها، فتلك المواضع: أن تكون الصفة خاصة بالموصوف، نحو: «مررت بكاتب» .

أو واقعة خبراً نحو: «زيد قائم» .

أنو حالاً نحو: «جاء زيد راكباً» .

أو صفة لظرف نحو: «جلست قريباً منك» .

أو مستعملة استعمال الأسماء، وهذا يحفظ ولا يُقَاس عليه، نحو: «الأبْطَح والأَبْرَق» وما عدا هذه المواضع لا يجوز فيها حذف المَوْصوف؛ ألا ترى أنَّ سيبويه منع لا ماء ولو بارداً، وإن تقدّم ما يدلُّ على الموصوف، وأجاز: «إلا ماء ولو بارداً» ؛ لأنه نصب على الحال.

و «ما» مصدرية في محل جَرّ بالكاف، و «آمَنَ النَّاسُ» صلتها.

واعلم أنَّ «ما» المصدرية توصَلُ بالماضي أو المضارع المتصرّف، وقد شَذَّ وصلها بغير المتصرف في قوله: [الطويل]

202 - ... ... ... ... ... ... ..... بِمَا لَسْتُمَا أَهْلَ الخِيَانَةِ، والغَدْرِ

وهل توصل بالجمل الاسمية؟ خلاف، واستدل على جوازه بقوله: [الكامل]

203 - وَاصِلْ خَلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ ... فَلأَنْتَ أَوْ هُوَ عَنْ قَلِيلٍ ذَاهِبُ

وقال الآخر: [البسيط]

204 - أَحْلاَمُكُمْ لِسِقَامِ الجَهْلِ شَافِيَةٌ ... كَمَا دِمَاؤُكُمُ تَشْفِي مِنَ الكَلَبِ

وقول الآخر: [الوافر]

205 - فإِنَّ الحُمْرَ مِنْ شَرِّ المَطَايَا ... كَمَا الحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تَمِيمِ إلاّ أن ذلك يكثر فيها إذا أفهمت الزمان؛ كقوله: [الكامل]

206 - وَاصِلْ خَلِيلَكَ ... ... ... ....... ... ... ... ... ... ...

البيت.

وأجاز الزَّمخشري وأبو البقاء أن تكون «ما» كافّة ل «الكاف» عن العمل.

مثلها في قولك: ربما قدم زيد، ولا ضرورة تدعو إلى هذا؛ لأن جعلها مصدريةً مبقٍ ل «الكاف» على ما عهد لها من العمل، بخلاف جعلها كافة.

والألف واللام في «النَّاس» تحتمل أن تكون للجنس، وفيها وجهان.

أحدهما: المراد «الأوس» و «الخزرج» ؛ لأن أكثرهم كانوا مسلمين، وهؤلاء المنافقون كانوا منهم، وكانوا قليلين، ولفظ العموم قد يُطْلق على الأكثر.

والثاني: المُرَاد جميع المؤمنين؛ لأنهم هم النَّاس؛ لكونهم أعطوا الإنسانية حقَّهَا؛ لأن فضل الإنسان على سَائِرِ الحيوان بالعَقْلِ المرشد.

وتحتمل أن تكون «الألف» و «اللام» للعهد، فيكون المراد «كما آمن الرسول ومن معهن وهم ناسٌ معهودون، أو عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب.

فصل في أوجه ورود لفظ الناس

ورد لفظ " النَّاس " على سبعة أوجه: الأول: المُراد به عبد الله بن سلام، وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب.

الثاني: المُرَاد به النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] .

أيك يحسدون النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على النِّساء.

الثَّالث: الناس: المؤمنون خاصّة قال تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ [آل عمران: 97] ، ومثله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] .

الرابع والخامس: كُفَّار قريش، وزيد بن مسعود، قال تعالى: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: 173] يعني نَعِيم المكّي: ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173] .

السادس: آدم - عليه الصلاة والسَّلام - قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ [البقرة: 199] يعني: آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.

السابع: الرَّجَال؛ قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 57] يعني: الرجال.

فصل في إعراب الآية

الهمزة في «أنؤمن» للإنكار، والاستهزاء، ومَحَلّ» أنؤمن «ب» قالوا «وقوله: ﴿كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾ القول في» الكاف «و» ما «كالقول فيهما فيما تقدّم، و» الألف «و» اللام «في» السفهاء» تحتمل أن تكون للجنس أو للعهد، وأبعد من جعلها للغَلَبَة كالعيّوق؛ لأنه لم يغلب هذا الوصف عليهم، بحيث إذا قيل: السفهاء فيهم منهم ناس مخصوصون، كما يفهم من العيوق كوكب مخصوص.

والسَّفه: الخِفَّة، يقال: ثوب سفيه أي: خفيف النَّسْج، ويقال: سفهت الرِّيح الشيء: إذا حَرَّكته؛ قال ذو الرمّة: [الطويل]

207 - جَرَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِيَاحٌ تَسَفَّهِتْ ... أَعَالِيَهَا مَرَّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ

وقال أبو تمام: [الوافر]

208 - سَفِيهُ الرُّمْحِ جَاهِلُهُ إذَا مَا ... بَدَا فَضْلُ السَّفيهِ عَلَى الحَلِيمِ

أراد سريع الطَّعن بالرُّمْحِ خفيفه، وإنما قيل لبذيء اللسان: سفيه؛ لأنه خفيف الهداية.

وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «شَارِبُ الخَمْرِ سَفِيهٌ» لقلة عقله.

وقيل: السفيه: الكَذَّاب الذي يعمل بخلاف ما يعلم، وإنما سمّى المنافقون المسلمين بالسُّفهاء، لأن المُنَافقين كانوا من أهل الرياسة، وأكثر المسلمين كانوا فقراء، وكان عند المنافقين أن دين محمد باطلٌ، والباطل لا يقبله إلا السَّفيه، فلهذا نسبوهم إلى السَّفاهة، ثم إنّ الله - تعالى - قلب عليهم هذا القول فقال: «أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ» لوجوه:

وثانيها: أنَّ من باع آخرته بِدُنْيَاهُ فهو السَّفيه.

وثالثها: أنَّ من عادى الله، وذلك هو السَّفيه.

والكلام على قوله: ﴿ألاا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ كالكلام على قوله: ﴿ألاا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12] .

وقرأ أهل» الشام «و» الكوفة «» السّفهاء أَلاَ «بتحقيق الهمزتين، وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا، والآخرون يحققون الأولى، ويليّنون الثانية والمختلفتين طلباً للخفّة فإن كانتا متّفقتين مثل:

﴿هؤلاء إِن﴾ [البقرة: 31] ، و ﴿أَوْلِيَآءُ أولئك﴾ [الأحقاف: 32] ، و ﴿جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: 101] قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدةٍ.

وقرأ أبو جعفر، وورش، ويعقوب: بِتَحْقِيق الأولى وتَلْيين الثانية.

وقرأ قَالُون: بتليين الأولى، وتحقيق الثانية، لأن مت يستأنف أولى بالهمزة ممّا يسكت عليه.

فصل في نظم الآية

إنما قال هناك:» ولكن لا يشعرون» ، وقال ها هنا: «ولكن لا يعلمون» لوجهين:

أحدهما: أن المثبت لهم - هناك - الإفساد، وهو مما يدرك بأدنى تأمّل، لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فِكْرٍ كثير، فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر، وهي الحواسّ مبالغة في تجهيلهم، وهو أنَّ الشعور الذي قد ثبت للبهائم مَنْفِيّ عنهم، والمثبت - هنا - هو السَّفه والمصدر به هو الأمر بالإيمان، وذلك مما يحتاج إلى إمْعَان فكرٍ ونَظَرٍ، فإنه مُفْضٍ إلى الإيمان والتصديق، ولم يقع منهم المأمور به وهو الإيمان، فناسب ذلك نفي العلم عنهم.

الوجه الثاني: أن السَّفه خفّة العقل والجَهْل بالأمور؛ قال: [السريع]

209 - نَخَافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلاَمُنَا ... فَنَجْهَلَ الجَهْلَ مَعَ الجَاهِلِ

والعلم نقيض الجَهْل فقابله بقوله: ﴿لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13] ؛ لأن عدم العلم بالشيء جهل به.

فصل في تعلق الآية بما قبلها

قال ابن الخطيب: لما نهاهم في الآية الأولى عن الفساد في الأرض، ثم أمرهم في هذه الآية بالإيمان دلّ على أن كمال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين، وهو تركه ما لا يَنْبَغِي، وفعل ما ينبغي.

وقوله: ﴿آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ الناس﴾ أي: إيماناً مقروناً بالإخلاص بعيداً عن النفاق.

ولقائل أن يستدلّ بهذه الآية على أنّ مجرد الإقرار إيمان، فإنه لو لم يَكُنْ إيماناً لما تحقّق مُسَمّى الإيمان إلاَّ إذا حصل بالإخلاص، فكان قوله: «آمنوا» كافياً في تحصل المطلوب، وكان ذكر قوله: ﴿كَمَآ آمَنَ الناس﴾ لغواً.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English