Ибн Адиль · Тафсир · на арабском
Аль-Анбия 21:16–25
21:16–18Страница 323
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦
Мы не создали небо, землю и все, что между ними, забавляясь.
لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧
Если бы Мы пожелали устроить Себе потеху, то устроили бы ее из того, что есть у Нас.
بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨
Однако Мы бросаем истину в ложь, и та разбивается и исчезает. Горе вам за то, что вы приписываете!
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض﴾ الآية. اعلم أنه لما بين إهلاك القرية لأجل تكذيبهم أتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه، ومجازاة على ما فعلوا فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ﴾ أي: وما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما سوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للعب واللهو، وإنما سويناهم لفوائد دينية ودنيوية. أما الدينية فليتفكر المكلفون فيها على ما قال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 191] . وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى، وهو كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ [الدخان: 39] . وقيل: وجه النظم أن الغر منه تقرير نبوة محمد - عليه السلام - والرد على منكريه، لأنه أظهر المعجز عليه، فإن كان محمد كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب، وذلك منفي عنه، وإن كان صادقاً فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن و «لاعبين» حال من فاعل «خلقنا» .
فصل
قال القاضي عبد الجبار: دلَّت هذه الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى، إذ لو كان كذلك لكان لاعباً، فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل اللعب، فنفي الاسم الموضوع لفعل يقتضي نفي الفعل. والجواب يبطل ذلك بمسألة الداعي، وقد تقدم. قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾ .
قال ابن عباس: في رواية عطاء: اللهو: المرأة، وهو قول الحسن وقتادة وقال في رواية الكلبي: اللهو: الولد بلغة اليمن، وهو قول السدي. وهو في المرأة أظهر، لأن الوطأ يسمى لهواً في اللغة، والمرأة محل الوطأ.
«لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ» أي: من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض. وقيل: معناه لو كان ذلك جائزاً في صفته لم يتخذه بحدث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلع عليه. وتأويل الآية: أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا، وقال: «لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ» ، لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره.
قوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ في «إِنْ» هذه وجهان:
أحدهما: أنها نافية، أي: ما كنا فاعلين، قاله قتادة ومقاتل وابن جريج.
والثاني: أنها شرطية، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب «لو» عليه والتقدير: إن كنا فاعلين اتخذناه ولكنا لم نفعله، لأنه لا يليق بالربوبية. قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل﴾ . «بَل» حرف إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه لذاته كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من موجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق.
والمعنى دع الذي قالوا فإنه كذب وباطل. و «نقذف» نرمي ونسلط قال تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً﴾ [الصافات: 8، 9] أي يرمون بالشهب. «بالحق» بالإيمان، «على الباطل» على الكفر وقيل: الحق قول الله: إنه لا ولد له، والبطل قولهم: اتخذ الله ولداً. قوله: «فَيَدْمَغُه» العامة على رفع الغين نسقاً على ما قبله. وقرأ عيسى بن عمر بنصبها قال الزمخشري: وهو في ضعف قوله:
3705 - سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم ... وأَلْحَقُ بالحجاز فَأَسْتَرِيحَا وقرئ شاذاً «فيدمغه» بضم الميم، وهي محتملة لأن يكون في المضارع لأن يكون لغتان في المضارع لغتان يَفْعَل ويَفْعُل، وأن يكون الأصل والضمة للإتباع في حرف الحلق.
و «يدمَغُه» أي يصيب دماغه من قولهم: دمغت الرجل، أي ضربته في دماغه كقولهم: رأسه وكبده ورجله، إذا أصاب منه هذه الأعضاء. وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ. واستعار القذف والدمغ تصويراً لإبطاله به، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه: أهلكه وأذهبه ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ذاهب، ﴿وَلَكُمُ الويل﴾ يعني من كذب الرسول ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، وغير ذلك من الأباطيل.
قوله: ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ فيه أوجه:
أحدهما: أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي: استقر لكم الويل من أجل ما تصفون. و «مِنْ» تعليلية. وهذا وجه وجيه.
والثاني: أنه متعلق بمحذوف.
والثالث: أنه حال من الويل، أي: الويل واقعاً مما تصفون، كذا قدره أبو البقاء و «مَا» في «ممَّا تَصِفُونَ» يجوز أن تكون مصدرية فلا عائد عند الجمهور، وأن تكون بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، ولا بد من العائد عند الجميع، حذف لاستكماله الشروط. والمعنى: ممّا تصفون الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: مما تكذبون.
21:19–21Страница 323
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩
Ему принадлежат все, кто на небесах и на земле. А те, кто находится рядом с Ним, не превозносятся над поклонением Ему и не устают.
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠
Они славят Его днем и ночью без устали.
أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١
Или же они стали поклоняться божествам из земли, которые способны воскрешать?
قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ الآية. لما نفى اللعب عن نفسه، ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة، (ونفي الحاجة) لا يصح إلا بالقدرة التامة عقب تلك الآية بقوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة. وقيل: لما حكى كلام الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد، وعدم الانقياد، بين ههنا أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك بجميع المخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع كونهم في نهاية الضعف أولى أن يطيعوه.
قوله: «وَمَنْ عِنْدَهُ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنه معطوف على «مَنْ» الأولى أخبر تعالى عن من في السموات والأرض وعن من عنده بأن الكل له في ملكه.
وعلى هذا فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً على شرفه، لأن قوله: ﴿مَن فِي السماوات﴾ شمل «مَنْ عِنْدَهُ» وقد مرَّ نظيره في قوله: «وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ» وقوله: «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» على هذا فيه أوجه:
أحدها: أنه حال من «مَنْ» الأولى أو الثانية أو منهما معاً. وقال أبو البقاء حال إما من «مَنْ» الأولى على قول من رفع بالظرف.
يعني: أنه إذا جعلنا «مَنْ» في قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ مرفوعاً بالفاعلية والرافع الظرف وذلك على رأي الأخفش جاز أن يكون «لا يَسْتَكْبِرُونَ» حالاً من «مَنْ» الأولى، وإما من «من» «يَسْتَكْبِرُون» حالاً وكأنه يرى أن الحال لا يجيء من المبتدأ، وهو رأي لبعضهم. ويجوز أن يكون» لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» حالاً من الضمير المستكن في (عنده) الواقع صلة وأن يكون حالاً من الضمير المستكن في «له» الواقع خبراً.
والوجه الثاني من وجهي «مَنْ» أن تكون مبتدأ و «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» خبره، وهذه جملة معطوفة على جملة قبلها، وهل الجملة من قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ استئنافية أو معادلة لجملة قوله: «وَلَكُمُ الويل» أي لكم الويل ولله جميع العالم علويه وسفليه والأول أظهر ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يكلون ولا يتعبون، يقال: استحسر البعير أي: كلَّ وتَعِب قال علقمة بن عبدة:
3706 - بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
ويقال: حَسِرُ البعر وحسرته أنا، فيكون لازماً ومتعدياً، وأحسرته أيضاً، فيكون فعل وأفعل بمعنى في أحد وجهي فعل.
قال الزمخشري: فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. قلت: في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فبما يفعلون.
وهو سؤال حسن وجواب مطابق. قوله: «يُسَبِّحُون» يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من الفاعل في الجملة قبله. و «لاَ يَفْتَرُون» يجوز في الاستئناف، والحال من فاعل «يُسَبِّحُون» .
فصل
دلَّت هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه تقدمت في البقرة. والمراد بقوله: «وَمَنْ عِنْدَهُ» هم الملائكة بالإجماع وصفهم الله تعالى بأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ وهذا لا يليق بالبشر، وهذه العندية عندية الشرف لا عندية المكان والجهة. روى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ ثم قال: ﴿جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً﴾ [فاطر: 1] أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح، وأيضاً قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملاائكة﴾ [البقرة: 161] فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟ أجاب كعب الأحبار وقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.
فإن قيل: هذا القياس غير صحيح، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب: أي استبعاد في أن يخلق الله لهم ألسنة كثيرة ببعضها يسبح الله وببعضها يلعنون أعداء الله. أو يقال: معنى قوله: «لاَ يَفْتَرُونَ» أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: إن فلاناً مواظب على الجماعة لا يفتر عنها، لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها، بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها.
قوله تعالى: «أمِ اتَّخَذُوا» هذه «أَمْ» المنقطعة، فتقدر ب (بل) التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي معناها الإنكار. و «اتخذ» يجوز أن يكون بمعنى (صنع) فيتعلق «مِنْ» به وجوَّز أبو حيَّان أن يكون بمعنى (صَيَّر) التي في قوله ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125] ، فقال: وفيه معنى الاصطفاء والاختيار. و «مِنَ الأرْضِ» يجوز أن يتعلق بالاتخاذ كما تقدم، وأن يتعلق بمحذوف على أنها نعت ل «ألِهَة» أي من جنس الأرض.
قوله: «هُمْ يَنْشِزُون» بضم حرف المضارعة من أنشر. وقرأ الحسن بفتحها وضم الشين يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. ونشر لا يكون لزماً ومتعدياً. قوله: ﴿أَمِ اتخذوا آلِهَةً﴾ استفهام بمعنى الجحد أي لم يتخذوا من الأرض يعني: الأصنام من الأرض والحجارة، وهما من الأرض، والمنكر بعد اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون الموتى. فإن قيل: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون:
﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة؟ فالجواب: أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى: إذا لم يكونوا قادرين على أن يُحْيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة.
وقوله: «مِنَ الأرْضِ» كقولك: فلان من مكة أو من المدينة. وقوله: «هم» يفيد معنى الخصوصية كأنه قيل: أن اتخذوا آلهة لا يقدرون على الإنشار إلا هم وحدهم.
21:22–25Страница 323
لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢
Если бы на них (на небесах и земле) были иные божества наряду с Аллахом, то они (небеса и земля) разрушились бы. Аллах, Господь Трона, пречист и далек от того, что они приписывают Ему!
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
Его не спросят за то, что Он совершает, а они будут спрошены.
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Неужели они стали поклоняться иным божествам вместо Него? Скажи: «Приведите ваши доказательства! Вот напоминание для тех, кто со мной, и напоминание для тех, кто жил до меня». Однако большинство их не ведает об истине и отворачивается.
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
Мы не посылали до тебя ни одного посланника, которому не было бы внушено: «Нет божества, кроме Меня. Поклоняйтесь же Мне!».
قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ وإلا هنا صفة للنكرة قبلها بمعنى «غير» ، والإعراب فيها متعذر فجعل على ما بعدها. وللوصف بها شروط منها: تنكير الموصوف، أو قربه من النكرة بأن يكون معرفاً ب (أل) الجنسية.
ومنها أن يكون جمعاً صريحاً كالآية أو ما في قوة الجمع كقوله:
3707 - لَوْ كَانَ غَيْرِي سُلَيْمَى الدَّهْر غَيَّرَهُ ... وَقْعُ الحَوَادِثِ إِلا الصَّارِمُ الذَّكَرُ ف (إلا الصارم) صفة ل «غيري» ، لأنه في معنى الجمع. ومنها: أن لا يحذف موصوفها عكس (غير) ، وأنشد سيبويه على ذلك قوله:
3708 - وَكلُّ أَخٍ مَفارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ
أي: وكل أخ لك غير الفرقدين مفارقه أخوه.
وقد وقع الوصف ب «إلا» كما وقع الاستثناء ب «غير» ، والأصل في «إلا» الاستثناء وفي «غير» الصفة. ومن مُلَح الكلام الزمخشري: والعم أن (إلا) و (غير) يتقارضان. ولا يجوز أن يرتفع الجلالة على البدل. قلت لأن «لو» بمنزلة «إن» في أن الكلام معها موجب، والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله تعالى ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك﴾ [هود: 81] وذلك لأن أعم العام يصح نفيه، ولا يصح إيجابه.
فجعل المانع صناعياً مستنداً إلى ما ذكر من عدم صحّة إيجاب أعم العام. وأحسن من هذا ما ذكره أبو البقاء من جهة المعنى قال: ولا يجوز أن يكون بدلاً، لأن المعنى يصير إلى قولك: لَوْ كَانَ فِيهِمَا الله لفسدتا ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني قومك إلا زيد على البدل لكان المعنى: جاءني زيد وحده.
ثم ذكر الوجه الذي رد به الزمخشري فقال: وقيل يمتنع البدل، لأن قبلها إيجاباً. ومنع أبو البقاء النصب على الاستثناء لوجهين:
أحدهما: أنه فاسد في المعنى، وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القوم إلا زيداً لقتلهم، كان معناه أن القتل امتنع لكون زيد مع القوم، ولو نصبت في الآية لكان المعنى: أن فساد السموات والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع الآلهة، وفي ذلك إثبات إله مع الله. وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مذل ذلك، لأن المعنى لو كان فيهما غير الله لفسدتا.
والوجه الاثني: أن «آلهة» هنا نكرة، والجمع إذا كان نكرة لم يستثن منه عند جماعة من المحققين، إذ لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء. وهذا الوجه الذي معناه، أعني الزمخشري وأبا البقاء، قد أجاز المبرد وغيره أما المبرد فإنه قال: جاز البدل، لأن ما بعد «لو» غير موجب في المعنى والبدل في غير الموجب أحسن من الوصف.
وفي هذا نظر من جهة ما ذكره أبو البقاء من فساد المعنى:
وقال ابن الضائع تابعاً للمبرد: لا يصح المعنى عندي إلا أن تكون «إلا» في معنى (غير) التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي: بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا، وهذا المعنى أراد سيبويه في المسألة التي جاء بها توطئة. وقال الشلوبين في مسألة سيبويه: «لو كان معنا رَجُلٌ إلاَّ زَيْدٌ لَغُلِبْنَا» إن المعنى: لَوْ كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مكان زيد لغلبنا، ف «إلا) بمعنى (غير) التي بمعنى مكان. وهذا أيضاً جنوح من أبي علي إلى البدل. وما ذكره ابن الضائع من المعنى المتقدم مسوغ للبدل، وهو جواب عنا أفسد به أبو البقاء وجه البدل إذ معناه واضح، ولكنه قريب من تفسير المعنى لا من تفسير الإعراب.
فصل
المعنى لو كان يتولاهما، ويدبر أمرهما شيء غير الواحد الذي فطرهما لفسدتا ولا يجوز أن تكون» إلا «بمعنى الاستثناء، لأنها لو كانت استثناء لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا، وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل، لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء كان الله معهم، أو لم يكن الله معهم فالفساد لازم. ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت ما ذكرنا. وهو أن المعنى: لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله لفسدتا، أي لخربتا، وهلك من فيهما بوجود التمانع من الآلهة، لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام. ويدل العقل على ذلك من وجوه:
الأول: أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كان عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك والآخر التسكين فإما أن يحصل المرادان، وهو محال، وإما أن يمتنعا وهو أيضاً محال، لأنه يكون كل واحد منهما عاجزاً، وأيضاً المانع من تحصيل مراد كل واحد منهما مراد الآخر، والمعلول لا يحصل إلا مع علته، فلو امتنع المرادان لحصلا، وذلك محال وإما أن يمتنع أحدهما دون الثاني، وذلك أيضاً محال، لأن الممنوع يكون عاجزاً، والعاجز لا يكون إلهاً، ولأنه لما كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد لم يكن عجز أحدهما أولى من عجز الآخر، فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب هذه الأقسام الفاسدة فكان القول به باطلاً.
الوجه الثاني: أن الإله يجب أن يكون قادراً على جميع الممكنات، فلو فرضنا الإلهين لكان كل واحد منهما قادراً على جميع الممكنات، فإذا أراد كل واحد منهما تحريك جسم فتلك الحركة إما أن تقع بهما معاً ولا تقع بواحد منهما أو تقع بواحد منهما أو تقع بأحدهما دون الثاني، والأول محال، لأن الأثر مع المؤثر المستقل واجب الحصول، ووجوب حصوله به يمنع من استناده إلى الاثني، فلو اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما، وغنيَّا عنهما وهو محال، وإما أن لا يقع بواحد منهما ألبتة، فهذا يقتضي كونهما عاجزين، وأيضاً فامتناع وقوه بهذا إنما يكون لأجل وقوعه بذاك وبالضد، فلو امتنع وقوعه بهما معاً وهو محال، وإما أن يقع بأحدهما دون الثاني فهو باطل، لأن وقوعه بهما لوقع بهما معاً وهو محال، وإما أن يقع بأحدهما دون الثاني فهو باطل، لأن وقوعه بهذا يلزم فيه رجحان أحد الإلهين على الآخر من غير مرجح، وهو محال.
الوجه الثالث: لو قدرنا إلهين فإما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال، وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما، أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات.
وذكروا وجوهاً أخر عقلية وفي هذا كفاية.
ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال: ﴿فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عما يصفه به المشركون من الشرك والولد.
فإن قيل: أي فائدة لقوله تعالى: ﴿رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
فالجواب: أن هذه المناظرة وقعت مع عبدة الأصنام، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكاً في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين.
قوله: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ اعلم أن أهل السنة استدلوا على أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور:
أحدها: أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة كانت تلك العلة معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى، وصفاته مبرأة من الافتقار إلى المبدع المخصص، فكذا فاعليته يجب أن يجب أن تكون مقدسة عن الاستناد إلى الموجب والمؤثر.
وثانيها: أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة ممكنة، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلاً، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً باختيار. وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلاً لله تعالى فيفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال.
وثالثها: أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل.
ورابعها: أنه إن فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون متمكناً من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، أو لا يكون متمكناً منه.
فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً. وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً، والعجز على الله تعالى محال، وأما العجز علينا فغير ممتنع، فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وذلك في حق الله تعالى محال.
وخامسها: لو كان فعلاً معللاً بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى أو إلى العباد، والأول محال، لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وان يكون عائداً إلى العباد، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير واسطة، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئاً لأجل شيء.
وسادسها: أن الموجودات ملكه، ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له: لم فعلت ذلك؟
وسابعها: أن من قال لغيره: لم فعلت ذلك؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يكون للسائل على المسؤول حكم على فعله، وذلك في حق الله تعالى محال، فإنه لو فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك بأن يهدده بالعقاب؟ فذلك على الله محال، وإن هذه باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والاتصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة فذلك أيضاً محال، لأنه مستحق للمدح والاتصاف بصفات الحكمة والجلال. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله: لم فعلت؟ وإنّ كل شيء صنعه لا علة لصنعه. وأما المعتزلة فإنهم سلموا أنه يجوز أن يقال: الله عالم بقبح القبيح، وعلام بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله: لم فعلت هذا؟ ثم قال تعالى: «وهُمْ يُسْأَلُونَ» وهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم. واعلم أن منكري التكليف احتجوا على قولهم بوجوه:
أحدها: قالوا: التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر، والأول محال، لأن حال الاستواء يمنع الترجيح، وحال امتنع الترجيح يكون تكليفاً بالمحال. والثاني محال، لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع، وإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف ما لا يطاق.
وثانيها: قالوا: كل ما علم الله وقوعه فهو واجب، فيكون التكليف به عبثاً، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكوت التكليف به تكليفاً لا يطاق.
وثالثها: قالوا: سؤال العبد إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سبباً للعقاب لم يكن نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرر عائد إليه. وإن لم يكن في سؤاله فائدة كان عبثاً، وهو غير جائز على الحكيم، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم.
والجواب من وجهين:
الأول: أن غرضكم من إيراد هذه الشبه النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم كلفتمونا بنفي التكليف، وهذا متناقض.
والثاني: أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد، وهو أن التكاليف كلها تكليف (بما لا يطاق) فلا يجوز من الحكيم أن يوجهها على العباد، فيرجح حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال لله تعالى: لِمَ كلفت عبادك، إلا أنَّا قد بيَّنا أنه سبحانه ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ ، فظهر بهذا أن قوله: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ أصل لقوله: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ فتأمل هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن. فإن قيل: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ متأكد بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] وبقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24] إلا أَنَّهُ يناقضه قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: 39] .
فالجواب: أن يوم القيامة طويل وفيه مقامات، فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام دفعاً للتناقض.
فصل
قالت المعتزلة: (فيه وجوه:
أحدها) : أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما من حقه الذم، كما يحمد بما من حقه الحمد.
وثانيها: أنه يجب أن يسأل عن المأمور به إذ لا فاعل سواء.
وثالثها: أنه لا يجوز أن يسألوا عن علمهم إذ لا عمل لهم.
ورابعها: أن علمهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنه من حيث إنه خلقه وأوجده فيهم.
وخامسها: أنه تعالى صرح في كثير من المواضع أنه يقبل حجة العباد لقوله: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: 165] .
وهذا يقضي أن لهم عليه حجة قبل بعثة الرسل، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: 134] ونظائر هذه الآيات كثيرة، وكلها تدل على ان حجة العبد متوجهة على الله تعالى.
والجواب هو المعارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه المتقدمة التي بينا فيها أنه يستحيل طلب عِلِّيَّة أفعال الله تعالى.
فصل
في تعلق هذه الآية بما قبلها، وهو أن كل من أثبت الله تعالى شريكاً ليس عمدته إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى، قالوا: رأينا في العالم خيراً وشراً، ولذة وألماً، وحياة وموتاً، وصحة وسقماً، وغنى وفقراً، وفاعل خير وفاعل شر، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشرّيراً معاً، فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلاً (للخير والآخر للشر) ، فرجع حاصل هذه القسمة إلى أن مدبر العالم لو كان واحداً فلم خصَّ هذا بالحياة والصحة والغنى، وخصَّ هذا بالموت والألم والفقر. فيرجع حاصلة إلى طلب اللمية. لا جرم أنه تعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يبتدأ بذكر الدليل المثبت للمطلوب، ثم يذكر بعده الجواب عن شبهة الخصم.
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ استعظام لكفرهم، وهو استفهام إنكار وتوبيخ. ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إما من جهة العقل وإما من جهة النقل، واعلم أنه تعالى لما ذكر دليل التوحيد أولاً، وقرر الأصل، الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم بدليل شبهتهم. قوله: ﴿هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ﴾ العامة على إضافة «ذِكْرُ» إلى «مَنْ» أضاف المصدر إلى مفعوله كقوله تعالى «بِسُؤَالِ نَعْجَتِك» . وقرئ «ذِكْرٌ» بالتنوين فيهما و «مَنْ» مفتوحة الميم. نوّن المصدر ونصب به المفعول (كقوله تعالى) ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: 14، 15] . وقرأ يحيى بن يعمر «ذِكْرٌ» بتنوينهما و «مِنْ» بكسر الميم، وفيه تأويلان: أحدهما: أن ثم موصوفاً محذوفاً قامت صفته وهي الظرف مقامه، والتقدير: هذا ذكر من كتاب معي ومن كتاب قبلي.
والثاني: أن «مَعِيَ» بمعنى عندي. ودخول «من» على «مع» في الجملة نادر، لأنها ظرف لا يتصرف.
وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة، ولم ير لدخول «من» على «مع» وجهاً.
ووجهه بعضهم بأنه اسم هو ظرف نحو (قبل وبعد) فكما تدخل (من) على أخواته كذلك تدخل عليه. وقرأ طلحة: «ذِكْرٌ مَعِي وذِكْرٌ قَبْلِي» بتنوينهما دون (من) فيهما. وقرأ طائفة «ذِكْرُ مَنْ» بالإضافة ل «من» كالعامة ﴿وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ بتنوينه وكسر ميم «من» ووجهها واضح مما تقدم.
فصل
قال ابن عباس «هذا ذكر من معي» أي: هو الكتاب المنزل على من معي، «وهذا ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي» أي: الكتاب الذي نزل على من تقدمني من الأنبياء وهذه التوراة والإنجيل والزبور والصحف. وليس في شيء منها أني أذنت بأن تتخذوا إلهاً من دوني بل ليس فيها إلا أنني أنا الله لا إله إلا أنا كما قال بعد هذا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾ . وهذا اختيار القفال والزجاجا.
وقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي: معناه: القرآن ذكر من معي فيه خبر من معي على ديني، ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وذكر خبر من قبلي من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وقال القفال: المعنى: قل لهم: هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على أحوال لمن معي من المخالفين والموافقين، فاختاروا لأنفسكم، فكأن الغرض منه التهديد.
ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق﴾ لما طالبهم بالدلالة على ما ادعوه، وبين أنه لا دليل لهم البتة لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم أصل الشر والفساد وهو عدم العلم والإعراض عن استماع الحق.
العامة على نصب «الحَقَّ» وفيه وجهان:
أظهرهما: أنه مفعول به بالفعل قبله.
والثاني: أنه مصدر مؤكد. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على التوكيد لمضمون الجملة لسابقة كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل فأكد انتقاء العلم. وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع وحميد برفع «الحَقُّ» وفيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر لمبتدأ مضمر.
قال لزمخشري «وقرئ» الحَقُّ «بالرفع على توسط التوكيد بين السبب والمسبب والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии