Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
الطلاق
Ат-Таляк
Развод · Мединская · 12 аятов
65:1–3Страница 558
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١
О Пророк! Когда вы даете женам развод, то разводитесь в течение установленного срока, ведите счет этому сроку и бойтесь Аллаха, вашего Господа. Не выгоняйте их из их домов, и пусть они не выходят из них, если только они не совершат явную мерзость. Таковы ограничения Аллаха. Кто преступает ограничения Аллаха, тот поступает несправедливо по отношению к себе. Ты не знаешь, что Аллах, возможно, после этого решит иначе.
فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢
Когда для них наступит установленный срок, оставьте их у себя по-хорошему или же отпустите по-хорошему. Призовите свидетелями двух справедливых мужей из вас и будьте свидетелями ради Аллаха. Таково увещевание для тех, кто верует в Аллаха и в Последний день. Тому, кто боится Аллаха, Он создает выход из положения
وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣
и наделяет его уделом оттуда, откуда он даже не предполагает. Тому, кто уповает на Аллаха, достаточно Его. Аллах доводит до конца Свое дело. Аллах установил меру для каждой вещи.
[فصل: في استدلال مَن فَسَّرَ الأقْراءَ بِالأطْهارِ بهذه الآية]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ: أنَّ اللّامَ هي لامُ الوَقْتِ، أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ في وقْتِ عِدَّتِهِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ: وقْتَ الدُّلُوكِ.
وَتَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُكَ لِثَلاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، أيْ: في ثَلاثٍ بَقِينَ مِنهُ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، ثُمَّ يُطَلِّقَها، وهي طاهِرٌ، قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، ثُمَّ قالَ: فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ»
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ العِدَّةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ هي الطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضَةِ، ولَوْ كانَ القُرْءُ هو الحَيْضَ كانَ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ العِدَّةِ لا في العِدَّةِ، وكانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْها، وهو غَيْرُ جائِزٍ، كَما لَوْ طَلَّقَها في الحَيْضِ.
[فصل في حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُوافِقِ لِكِتابِ اللَّهِ أنَّهُ لا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ ولا سُكْنى]
رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " «عَنْ فاطمة بنت قيس: أنَّ أبا عمرو بن حفص طَلَّقَها ألْبَتَّةَ وهو غائِبٌ، فَأرْسَلَ إلَيْها وكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما لَكِ عَلَيْنا مِن شَيْءٍ، فَجاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وما قالَ، فَقالَ: " لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ " فَأمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أم شريك، ثُمَّ قالَ " تِلْكَ امْرَأةٌ يَغْشاها أصْحابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمى تَضَعِينَ ثِيابَكِ، فَإذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ".
قالَتْ: فَلَمّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ وأبا جهم خَطَبانِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا أبو جهم فَلا يَضَعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِهِ، وأمّا معاوية فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ، انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قالَ: " انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا واغْتَبَطْتُ»
وَفِي " صَحِيحِهِ " أيْضًا: عَنْها «أنَّها طَلَّقَها زَوْجُها في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ أنْفَقَ عَلَيْها نَفَقَةً دُونًا فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ قالَتْ: واللَّهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ كانَتْ لِي نَفَقَةٌ أخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وإنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنهُ شَيْئًا، قالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ (لا نَفَقَةَ لَكِ ولا سُكْنى)».
[ذِكْرُ مُوافَقَةِ هَذا الحُكْمِ لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ]
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا - فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١-٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١-٣]
فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأزْواجَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ الإمْساكُ والتَّسْرِيحُ بِأنْ لا يُخْرِجُوا أزْواجَهم مِن بُيُوتِهِمْ، وأمَرَ أزْواجَهُنَّ أنْ لا يَخْرُجْنَ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ إخْراجِ مَن لَيْسَ لِزَوْجِها إمْساكُها بَعْدَ الطَّلاقِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِهَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ أحْكامًا مُتَلازِمَةً لا يَنْفَكُّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ.
أحَدُها: أنَّ الأزْواجَ لا يُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِ أزْواجِهِنَّ.
والثّالِثُ: أنَّ لِأزْواجِهِنَّ إمْساكَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وتَرْكَ الإمْساكِ، فَيُسَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ.
والرّابِعُ: إشْهادُ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهو إشْهادٌ عَلى الرَّجْعَةِ إمّا وُجُوبًا وإمّا اسْتِحْبابًا، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى حِكْمَةِ ذَلِكَ، وأنَّهُ في الرَّجْعِيّاتِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
والأمْرُ الَّذِي يُرْجى إحْداثُهُ هاهُنا: هو المُراجَعَةُ.
هَكَذا قالَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهُمْ، قالَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا أبو معاوية عَنْ داود الأودي عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾
قالَ: لَعَلَّكَ تَنْدَمُ فَيَكُونَ لَكَ سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ.
وَقالَ الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يُراجِعَها في العِدَّةِ، وقالَهُ عطاء وقتادة والحسن، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ فاطمة بنت قيس: أيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟
فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ المَذْكُورَ هو الرَّجْعِيُّ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ، وأنَّ حِكْمَةَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ اقْتَضَتْهُ؛ لَعَلَّ الزَّوْجَ أنْ يَنْدَمَ ويَزُولَ الشَّرُّ الَّذِي نَزَغَهُ الشَّيْطانُ بَيْنَهُما فَتَتْبَعَها نَفْسُهُ فَيُراجِعَها كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ أنَّ النّاسَ أخَذُوا بِأمْرِ اللَّهِ في الطَّلاقِ ما تَتَبَّعَ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأةً يُطَلِّقُها أبَدًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِإسْكانِ هَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ فَقالَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]
فالضَّمائِرُ كُلُّها يَتَّحِدُ مُفَسِّرُها وأحْكامُها كُلُّها مُتَلازِمَةٌ، وكانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما النَّفَقَةُ والسُّكْنى لِلْمَرْأةِ إذا كانَ لِزَوْجِها عَلَيْها رَجْعَةٌ» مُشْتَقًّا مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُفَسِّرًا لَهُ وبَيانًا لِمُرادِ المُتَكَلِّمِ بِهِ مِنهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ اتِّحادُ قَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمِيزانُ العادِلُ مَعَهُما أيْضًا لا يُخالِفُهُما، فَإنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَكُونُ لِلزَّوْجَةِ، فَإذا بانَتْ مِنهُ صارَتْ أجْنَبِيَّةً، حُكْمُها حُكْمُ سائِرِ الأجْنَبِيّاتِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ اعْتِدادِها مِنهُ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ لَها نَفَقَةً كالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أوْ زِنًى، ولِأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ في مُقابَلَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، وهَذا لا يُمْكِنُ اسْتِمْتاعُهُ بِها بَعْدَ بَيْنُونَتِها، ولِأنَّ النَّفَقَةَ لَوْ وجَبَتْ لَها عَلَيْهِ لِأجْلِ عِدَّتِها لَوَجَبَتْ لِلْمُتَوَفّى عَنْها مِن مالِهِ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما ألْبَتَّةَ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ بانَتْ عَنْهُ وهي مُعْتَدَّةٌ مِنهُ قَدْ تَعَذَّرَ مِنهُما الِاسْتِمْتاعُ، ولِأنَّها لَوْ وجَبَتْ لَها السُّكْنى لَوَجَبَتْ لَها النَّفَقَةُ كَما يَقُولُهُ مَن يُوجِبُها.
فَأمّا أنْ تَجِبَ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ فالنَّصُّ والقِياسُ يَدْفَعُهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وفاطمة بنت قيس إحْدى فُقَهاءِ نِساءِ الصَّحابَةِ، وكانَتْ فاطمة تُناظِرُ عَلَيْهِ، وبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأصْحابُهُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأصْحابُهُ وداود بن علي وأصْحابُهُ وسائِرُ أهْلِ الحَدِيثِ.
وَلِلْفُقَهاءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ وهي ثَلاثُ رِواياتٍ عَنْ أحمد: أحَدُها: هَذا.
والثّانِي: أنَّ لَها النَّفَقَةَ والسُّكْنى، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ مَسْعُودٍ وفُقَهاءِ الكُوفَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ لَها السُّكْنى دُونَ النَّفَقَةِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ وبِهِ يَقُولُ مالك والشّافِعِيُّ.
(لطيفة)
وقعت حادثة في أيام ابن جرير وهي أن رجلا تزوج امرأة فأحبها حبا شديدا وأبغضته بغضا شديدا فكانت تواجهه بالشتم والدعاء عليه فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا لا تخاطبيني بشيء إلا خاطبتك بمثله فقالت له في الحال: أنت طالق ثلاثا بتاتا، فأبلس الرجل ولم يدر ما يصنع فاستفتى جماعة من الفقهاء فكلهم قال: لا بد أن تطلق فإنه إن أجابها بمثل كلامها طلقت وإن لم يجبها حنث وطلقت فإن بر طلقت وإن حنث طلقت. فأرشد به إلى ابن جرير فقال لها: "امض ولا تعاود الأيمان وأقم على زوجتك بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن أنا طلقتك فتكون قد خاطبتها بمثل خطابها لك فوفيت بيمينك ولم تطلق منك لما وصلت به الطلاق من الشرط" فذكر ذلك لابن عقيل فاستحسنه
وقال: "وفيه وجه آخر لم يذكره ابن جرير وهو أنها قالت له: أنتَ طالق ثلاثا بفتح التاء وهو خطاب تذكير.
فإذا قال لها أنتَ بفتح التاء لم يقع به طلاق".
قلت: وفيه وجه آخر أحسن من الوجهين، وهو جار على أصول المذهب وهو تخصيص اللفظ العام بالنية كما إذا حلف لا يتغدى ونيته غذاء يومه قصر عليه، وإذا حلف لا يكلمه ونيته تخصيص الكلام بما يكرهه لم يحنث إذا كلمه بما يحبه ونظائره كثيرة وعلى هذا فنياط الكلام صريح أو كالصريح في أنه إنما أراد لا تكلم بشتم أو سب أو دعاء أو ما كان من هذا الباب إلا كلمها بمثله، ولم يرد أنها قالت له اشتر لي مقنعة أو ثوبا أن يقول لها اشتري لي ثوبا أو مقنعة.
وإذا قالت له لا تشتر لي كذا فإني لا أحبه أن يقول لها مثله هذا مما يقطع أن الحالف لم يرده فإذا لم يخاطبها بمثله لم يحنث وهكذا يقطع بأن هذه الصورة المسؤول عنها لم يردها ولا كان بساط الكلام يقتضيها ولا خطرت بباله وإنما أراد ما كان من الكلام الذي هيج يمينه وبعثه على الحلف ومثل هذا يعتبر عندنا في الأيمان.
(فائدة)
سئل ابن عقيل عن رجل قالت له زوجته: طلقني فقال: إن الله قد طلقك؟
فقال: "يقع الطلاق، لأنه كناية استندت إلى دلالة الحال وهي ذكر الطلاق وسؤالها إياه"
وأجاب بعض الشافعية بأنه إن نوى وقع الطلاق وإلا لم يقع"
قلت: وهذا هو الصواب إن قوله "إن الله قد طلقك" إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع.
وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه، فهذا يكون
طلاقا لأن ضرورة صدقة أن يكون الطلاق واقعا، وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ شِدَّةٍ، وهَذا جامِعٌ لِشَدائِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَضايِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَخْرَجًا، وقالَ الحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمّا نَهاهُ عَنْهُ.
(فائدة)
وقد روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لَوْ عَمِلَ النّاسُ كُلُّهمْ بِهذِهِ الآية لَوَسِعَتْهُمْ"
(فصل)
اعلم أن من اتقى الله في طلاقه، فطلق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له. أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى، بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل.
ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟
فقال: "عصيت ربك، وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا".
وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزوا".
وقال مجاهد: "كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت، حتى ظننت أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: ﴿وَمَن يَتَّق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ذكره أبو داود.
وقد روى النسائي عن محمود بن لبيد قال: " أُخْبِرَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرأتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ جَمِيعًا، فقامَ غَضْبانَ، ثُمَّ قالَ: أيُلْعَبُ بِكِتاب اللهِ وأنَآ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟ حَتّى قامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألا أقْتُلهُ؟ ".
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ كافِي مَن يَثِقُ بِهِ في نَوائِبِهِ ومُهِمّاتِهِ، يَكْفِيهِ كُلَّ ما أهَمَّهُ، والحَسْبُ الكافِي ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كافِينا اللَّهُ.
وَكُلَّما كانَ العَبْدُ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، حَسَنَ الرَّجاءِ لَهُ، صادِقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخَيِّبُ أمَلَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَيِّبُ أمَلَ آمِلٍ، ولا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ.
(فائدة)
قَوْله تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
لَمّا ذَكَرَ كِفايَتَهُ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ فَرُبَّما أوْهَمَ ذَلِكَ تَعْجِيلَ الكِفايَةِ وقْتَ التَّوَكُّلِ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
أيْ وقْتًا لا يَتَعَدّاهُ فَهو يَسُوقُهُ إلى وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ.
فَلا يَسْتَعْجِلُ المُتَوَكِّلُ ويَقُولُ: قَدْ تَوَكَّلْت، ودَعَوْت فَلَمْ أرَ شَيْئًا ولَمْ تَحْصُلْ لِي الكِفايَةُ، فاللَّهُ بالِغُ أمْرِهِ في وقْتِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وهو بابٌ لَطِيفٌ مِن أبْوابِ فَهْمِ النُّصُوصِ.
(فصل)
قالَ في التَّوَكُّلِ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾.
فانْظُرْ إلى هَذا الجَزاءِ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُتَوَكِّلِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهِ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ أقْوى السُّبُلَ عِنْدَهُ وأحَبُّها إلَيْهِ. ولَيْسَ كَوْنُهُ وكَلَ الأُمُورَ إلى نَفْسِهِ بِمُنافٍ لِتَوَكُّلِ العَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذا تَحْقِيقُ كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّها مَوْكُولَةً إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا عَلِمَ ذَلِكَ وتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صارَتْ حالُهُ التَّوَكُّلَ - قَطْعًا - عَلى مَن هَذا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ الأُمُورَ كُلَّها مَوْكُولَةٌ إلَيْهِ، وأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنها. فَهو لا يَجِدُ بُدًّا مِنَ اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ. وتَفْوِيضِهِ إلَيْهِ. وثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ:
مِن جِهَةِ فَقْرِهِ، وعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ.
وَمِن جِهَةِ كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وإلَيْهِ.
والتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِن هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ.
(فائدة)
من اشْتغل بِالله عَن نَفسه كفاه الله مؤونة نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالله عَن النّاس كَفاهُ الله مؤونة النّاس.
وَمن اشْتغل بِنَفسِهِ عَن الله وكله الله إلى نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالنّاسِ عَن الله وكله الله إلَيْهِم.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه، والقدر يكون علميا ويكون عينيا.
فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا.
ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.
فالقدر الإلهي نوعان:
أحدهما: في العلم والكتابة.
والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء.
والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا.
والمقصود أن كل موجد فله قدر، والعباد لا يقدرون الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره، ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
[فصل: التَّوَكُّلُ]
وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابُهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قِيلَ لَهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ مِن أُحُدٍ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
فَتَجَهَّزُوا وخَرَجُوا لِلِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وأعْطَوْهُمُ الكَيْسَ مِن نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَأثَّرَتِ الكَلِمَةُ أثَرَها، واقْتَضَتْ مُوجَبَها، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢]
فَجَعَلَ التَّوَكُّلَ بَعْدَ التَّقْوى الَّذِي هو قِيامُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، فَحِينَئِذٍ إنْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، فَهو حَسْبُهُ، وكَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]
فالتَّوَكُّلُ والحَسْبُ بِدُونِ قِيامِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها عَجْزٌ مَحْضٌ، فَإنْ كانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَكُّلِ، فَهو تَوَكُّلُ عَجْزٍ، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها الَّتِي لا يَتِمُّ المَقْصُودُ إلّا بِها كُلِّها.
وَمِن هاهُنا غَلِطَ طائِفَتانِ مِنَ النّاسِ: إحْداهُما: زَعَمَتْ أنَّ التَّوَكُّلَ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كافٍ في حُصُولِ المُرادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الأسْبابُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ المُوصِلَةُ إلى مُسَبِّباتِها، فَوَقَعُوا في نَوْعِ تَفْرِيطٍ وعَجْزٍ، بِحَسَبِ ما عَطَّلُوا مِنَ الأسْبابِ، وضَعُفَ تَوَكُّلُهم مِن حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرادِهِ عَنِ الأسْبابِ، فَجَمَعُوا الهَمَّ كُلَّهُ، وصَيَّرُوهُ هَمًّا واحِدًا، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلَّما قَوِيَ جانِبُ التَّوَكُّلِ بِإفْرادِهِ أضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ في السَّبَبِ الَّذِي هو مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الأسْبابُ، وكَمالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ فِيها، وهَذا كَتَوَكُّلِ الحَرّاثِ الَّذِي شَقَّ الأرْضَ، وألْقى فِيها البِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في زَرْعِهِ وإنْباتِهِ، فَهَذا قَدْ أعْطى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، ولَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الأرْضِ، وتَخْلِيَتِها بُورًا، وكَذَلِكَ تَوَكُّلُ المُسافِرِ في قَطْعِ المَسافَةِ مَعَ جِدِّهِ في السَّيْرِ، وتَوَكُّلُ الأكْياسِ مِنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، والفَوْزِ بِثَوابِهِ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في طاعَتِهِ، فَهَذا هو التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَن قامَ بِهِ.
وَأمّا تَوَكُّلُ العَجْزِ والتَّفْرِيطِ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ولَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صاحِبِهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يَكُونُ حَسْبَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إذا اتَّقاهُ، وتَقْواهُ فِعْلُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لا إضاعَتُها.
والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّتِي قامَتْ بِالأسْبابِ، ورَأتِ ارْتِباطَ المُسَبِّباتِ بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وأعْرَضَتْ عَنْ جانِبِ التَّوَكُّلِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ وإنْ نالَتْ بِما فَعَلَتْهُ مِنَ الأسْبابِ ما نالَتْهُ، فَلَيْسَ لَها قُوَّةُ أصْحابِ التَّوَكُّلِ، ولا عَوْنُ اللَّهِ لَهم وكِفايَتُهُ إيّاهم ودِفاعُهُ عَنْهُمْ، بَلْ هي مَخْذُولَةٌ عاجِزَةٌ، بِحَسَبِ ما فاتَها مِنَ التَّوَكُّلِ.
فالقُوَّةُ كُلُّ القُوَّةِ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، فالقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، والكِفايَةُ والحَسْبُ والدَّفْعُ عَنْهُ، وإنَّما يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوى والتَّوَكُّلِ، وإلّا فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِما، لا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وكافِيَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْشَدَ العَبْدَ إلى ما فِيهِ غايَةُ كَمالِهِ، ونَيْلُ مَطْلُوبِهِ، أنْ يَحْرِصَ عَلى ما يَنْفَعُهُ، ويَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التَّحَسُّبُ، وقَوْلُ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بِخِلافِ مَن عَجَزَ وفَرَّطَ، حَتّى فاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ، ثُمَّ قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَإنَّ اللَّهَ يَلُومُهُ، ولا يَكُونُ في هَذا الحالِ حَسْبَهُ، فَإنَّما هو حَسْبُ مَنِ اتَّقاهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
[أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها]
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ]
فَصْلٌ قالَ أرْبابُ الحِيَلِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
والحِيَلُ مَخارِجٌ مِن المَضائِقِ.
والجَوابُ إنّما يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ قاعِدَةٍ في أقْسامِ الحِيَلِ ومَراتِبِها، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ هي أقْسامٌ.
[القِسْمُ الأوَّلُ مِن الحِيَلِ طُرُقٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى ما هو حَرامٌ]
القِسْمُ الأوَّلُ: الطُّرُقُ الخَفِيَّةُ الَّتِي يُتَوَصَّل بِها إلى ما هو مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ، بِحَيْثُ لا يَحِلُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ بِحالٍ، فَمَتى كانَ المَقْصُودُ بِها مُحَرَّمٌ في نَفْسِهِ فَهي حَرامٌ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ كالحِيَلِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ وظُلْمِهِمْ في نُفُوسِهِمْ وسَفْكِ دِمائِهِمْ وإبْطالِ حُقُوقِهِمْ وإفْسادِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وهي مِن جِنْسِ حِيَلِ الشَّياطِينِ عَلى إغْواءِ بَنِي آدَمَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وهم يَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ لِيُوقِعُوهم في واحِدَةٍ مِن سِتَّةٍ ولا بُدَّ؛ فَيَتَحَيَّلُونَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ أنْ يُوقِعُوهم في الكُفْرِ والنِّفاقِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، فَإذا عَمِلَتْ حِيَلُهم في ذَلِكَ قَرَّتْ عُيُونُهُمْ، فَإنْ عَجَزَتْ حِيَلُهم عَنْ مَن صَحَّتْ فِطْرَتُهُ وتَلاها شاهِدُ الإيمانِ مِن رَبِّهِ بِالوَحْيِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ أعْمَلُوا الحِيلَةَ في إلْقائِهِ في البِدْعَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وقَبُولِ القَلْبِ لَها وتَهْيِئَتِهِ واسْتِعْدادِهِ.
فَإنْ تَمَّتْ حِيَلُهم كانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن المَعْصِيَةِ، وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً، ثُمَّ يَنْظُرُونَ في حالِ مَن اسْتَجابَ لَهم إلى البِدْعَةِ؛ فَإنْ كانَ مُطاعًا مَتْبُوعًا في النّاسِ أمَرُوهُ بِالزُّهْدِ والتَّعَبُّدِ ومَحاسِنِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ، ثُمَّ أطارُوا لَهُ الثَّناءَ بَيْنَ النّاسِ لِيَصْطادُوا عَلَيْهِ الجُهّالَ ومَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالسُّنَّةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ جَعَلُوا بِدْعَتَهُ عَوْنًا لَهُ عَلى ظُلْمِهِ أهْلَ السُّنَّةِ وأذاهم والنِّيلِ مِنهُمْ، وزَيَّنُوا لَهُ أنَّ هَذا انْتِصارٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن الحَقِّ، فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ ومَنَّ اللَّهُ عَلى العَبْدِ بِتَحْكِيمِ السُّنَّةِ ومَعْرِفَتِها والتَّمْيِيزِ بَيْنَها وبَيْنَ البِدْعَةِ ألْقَوْهُ في الكَبائِرِ، وزَيَّنُوا لَهُ فِعْلَها بِكُلِّ طَرِيقٍ، وقالُوا لَهُ: أنْتَ عَلى السُّنَّةِ، وفُسّاقُ أهْلِ السُّنَّةِ أوْلِياءُ اللَّهِ، وعُبّادُ أهْلِ البِدْعَةِ أعْداءُ اللَّهِ، وقُبُورُ فُسّاقِ أهْلِ السُّنَّةِ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، وقُبُورُ عُبّادِ أهْلِ البِدَعِ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ، والتَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ يُكَفِّرُ الكَبائِرَ، كَما أنَّ مُخالَفَةَ السُّنَّةِ تُحْبِطُ الحَسَناتِ، وأهْلُ السُّنَّةِ إنْ قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قامَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ البِدَعِ إذا قامَتْ بِهِمْ أعْمالُهم قَعَدَتْ بِهِمْ عَقائِدُهُمْ، وأهْلُ السُّنَّةِ هم الَّذِينَ أحْسَنُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ إذْ وصَفُوهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ووَصَفُوهُ بِكُلِّ كَمالٍ وجَلالٍ ونَزَّهُوهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، واللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ، وأهْلُ البِدَعِ هم الَّذِينَ يَظُنُّونَ بِرَبِّهِمْ ظَنَّ السُّوءِ؛ إذْ يُعَطِّلُونَهُ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ ويُنَزِّهُونَهُ عَنْها، وإذا عَطَّلُوهُ عَنْها لَزِمَ اتِّصافُهُ بِأضْدادِها ضَرُورَةً؛ ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مَن أنْكَرَ صِفَةً واحِدَةً مِن صِفاتِهِ وهي صِفَةُ العِلْمِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وأخْبَرَهم عَنْ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أنَّ عَلَيْهِمْ دائِرَةَ السَّوْءِ، وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَعَنَهُمْ، وأعَدَّ لَهم جَهَنَّم وساءَتْ مَصِيرًا، فَلَمْ يَتَوَعَّدْ بِالعِقابِ أحَدًا أعْظَمَ مِمَّنْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السُّوءَ، وأنْتَ لا تَظُنُّ بِهِ ظَنَّ السُّوءِ، فَما لَك ولِلْعِقابِ؟ وأمْثالُ هَذا مِن الحَقِّ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ وصْلَةً لَهُمْ، وحِيلَةً إلى الِاسْتِهانَةِ بِالكَبائِرِ، وأخْذِهِ الأمْنَ لِنَفْسِهِ.
وَهَذِهِ حِيلَةٌ لا يَنْجُو مِنها إلّا الرّاسِخُ في العِلْمِ، العارِفُ بِأسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّهُ كُلَّما كانَ بِاللَّهِ أعْرَفَ كانَ لَهُ أشَدَّ خَشْيَةً، وكُلَّما كانَ بِهِ أجْهَلَ كانَ أشَدَّ غُرُورًا بِهِ وأقَلَّ خَشْيَةً.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وعَظُمَ وقارُ اللَّهِ في قَلْبِ العَبْدِ هَوَّنُوا عَلَيْهِ الصَّغائِرَ، وقالُوا لَهُ: إنّها تَقَعُ مُكَفِّرَةً بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ حَتّى كَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ورُبَّما مَنَّوْهُ أنَّهُ إذا تابَ مِنها - كَبائِرَ كانَتْ أوْ صَغائِرَ - كُتِبَ لَهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ، فَيَقُولُونَ لَهُ: كَثِّرْ مِنها ما اسْتَطَعْت، ثُمَّ ارْبَحْ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً بِالتَّوْبَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِساعَةٍ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ وخَلَّصَ اللَّهُ عَبْدَهُ مِنها نَقَلُوهُ إلى الفُضُولِ مِن أنْواعِ المُباحاتِ والتَّوَسُّعِ فِيها، وقالُوا لَهُ: قَدْ كانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ إلّا واحِدَةً ثُمَّ أرادَ تَكْمِيلَها بِالمِائَةِ، وكانَ لِسُلَيْمانَ ابْنِهِ مِائَةُ امْرَأةٍ، وكانَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ مِن الأمْوالِ ما هو مَعْرُوفٌ، وكانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مِن الدُّنْيا وسَعَةِ المالِ ما لا يُجْهَلُ، ويُنْسُوهُ ما كانَ لِهَؤُلاءِ مِن الفَضْلِ، وأنَّهم لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ اللَّهِ بِدُنْياهُمْ، بَلْ سارُوا بِها إلَيْهِ، فَكانَتْ طَرِيقًا لَهم إلى اللَّهِ.
فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - بِأنْ تَفْتَحَ بَصِيرَةَ قَلْبِ العَبْدِ حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُ بِها الآخِرَةَ وما أعَدَّ اللَّهُ فِيها لِأهْلِ طاعَتِهِ وأهْلِ مَعْصِيَتِهِ، فَأخَذَ حَذَرَهُ، وتَأهَّبَ لِلِّقاءِ رَبِّهِ، واسْتَقْصَرَ مُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في جَنْبِ الحَياةَ الباقِيَةَ الدّائِمَةَ - نَقَلُوهُ إلى الطّاعاتِ المَفْضُولَةِ الصَّغِيرَةِ الثَّوابِ لِيَشْغَلُوهُ بِها عَنْ الطّاعاتِ الفاضِلَةِ الكَثِيرَةِ الثَّوابِ، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَرْكِهِ كُلَّ طاعَةٍ كَبِيرَةٍ إلى ما هو دُونَها، فَيُعْمِلُ حِيلَتَهُ في تَفْوِيتِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنْ أعْجَزَتْهم هَذِهِ الحِيلَةُ - وهَيْهاتَ - لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا حِيلَةٌ واحِدَةٌ، وهي تَسْلِيطُ أهْلِ الباطِلِ والبِدَعِ والظَّلَمَةِ عَلَيْهِ يُؤْذُونَهُ، ويُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْهُ، ويَمْنَعُونَهم مِن الِاقْتِداءِ بِهِ؛ لِيُفَوِّتُوا عَلَيْهِ مَصْلَحَةَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وعَلَيْهِمْ مَصْلَحَةَ الإجابَةِ.
فَهَذِهِ مَجامِعُ أنْواعِ حِيَلِ الشَّيْطانِ، ولا يُحْصِي أفْرادَها إلّا اللَّهُ، ومَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن العَقْلِ يَعْرِفُ الحِيلَةَ الَّتِي تَمَّتْ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الحِيَلِ، فَإنْ كانَتْ لَهُ هِمَّةٌ إلى التَّخَلُّصِ مِنها، وإلّا فَيَسْألُ مَن تَمَّتْ عَلَيْهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[مِن حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ]
وَهَذِهِ الحِيَلُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ نَظِيرُ حِيَلِ شَياطِينِ الإنْسِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ويَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى أغْراضِهِمْ الفاسِدَةِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وذَلِكَ كَحِيَلِ القَرامِطَةِ الباطِنِيَّةِ عَلى إفْسادِ الشَّرائِعِ، وحِيَلِ الرُّهْبانِ عَلى أشْباهِ الحَمِيرِ مِن عابِدِ الصَّلِيبِ بِما يُمَوِّهُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن المَخارِيقِ والحِيَلِ كالنُّورِ المَصْنُوعِ وغَيْرِهِ مِمّا هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الإشاراتِ مِن الإذْنَ والتَّسْيِيرِ والتَّغْيِيرِ وإمْساكِ الحَيّاتِ ودُخُولِ النّارِ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن حِيَلِ أشْباهِ النَّصارى الَّتِي تَرُوجُ عَلى أشْباهِ الأنْعامِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ الدَّكِّ وخِفَّةِ اليَدِ الَّتِي تَخْفى عَلى النّاظِرِينَ أسْبابُها ولا يَتَفَطَّنُونَ لَها، وكَحِيَلِ السَّحَرَةِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِ السِّحْرِ؛ فَإنَّ سِحْرَ البَيانِ هو مِن أنْواعِ التَّحَيُّلِ: إمّا لِكَوْنِهِ بَلَغَ مِن اللُّطْفِ والحُسْنِ إلى حَدِّ اسْتِمالَةِ القُلُوبِ فَأشْبَهَ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ، وإمّا لِكَوْنِ القادِرِ عَلى البَيانِ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْسِينِ القَبِيحِ وتَقْبِيحِ الحَسَنِ فَهو أيْضًا يُشْبِهُ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии