Аль-Вахиди (аль-Басит) · Тафсир · на арабском
Аль-Фуркан 25:63–67
25:63Страница 365
وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣
А рабами Милостивого являются те, которые ступают по земле смиренно, а когда невежды обращаются к ним, они говорят: «Мир!»
قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال الليث [[(الليث) في (ج).]]: الهون: مصدر الهَيِّن في معنى [[(معنى) ساقطة من النسخ الثلاث، وهي في "تهذيب اللغة" 4/ 92 (هون).]] السكينة والوقار. تقول: هو يمشي هَوْنًا، وجاء عن علي رضي الله عنه: (أحبب حبيبك هونًا ما) [[كتاب "العين" 4/ 92 (هون)، بنصه. و"تهذيب اللغة" 6/ 440 (هان)، وفيهما: مصدر الهين، في معنى السكينة والوقار. والأثر ذكره الثعلبي 8/ 101 ب، مرفوعاً للنبي -ﷺ- بدون إسناد، ولفظه: "أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيظك يوماً ما، وأبغض بغيظك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما". وأخرجه الترمذي 6/ 314، مرفوعاً، كتاب البر والصلة رقم: 1997. وقال: حديث غريب. وصححه الألباني مرفوعاً، في "غاية المرام" 273، وذكر له طرقاً. وأما الموقوف == فقد قال الترمذي: والصحيح عن علي موقوف. والموقوف أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن علي -رضي الله عنه-، "صحيح الأدب المفرد" ص 501. وقد جمع طرقه الزيلعي، في تخريجه لأحاديث الكشاف 2/ 464.]].
قال شمِر في تفسيره: الهَوْنُ: الرِّفق، والدَّعَة، والهِينَة، يقول: لا تُفرط في حُبه ولا بغضه [["تهذيب اللغة" 6/ 441 (هان)، وفيه: قاله في تفسير حديث علي. قال ابن القيم: الهَون، بالفتح في اللغة: الرفق واللين. والهُون، بالضم: الهوان. فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان. والمضموم: صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران. مدارج السالكين 2/ 327. قال ابن كثير 6/ 122: وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعًا ورياءً، فقد كان سيد ولد آدم -ﷺ- إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع ... وإنما المراد بالهَون هنا السكينة والوقار.]]، وأنشد:
تَهادَى في رِداءِ المِرْط هَونًا [["تهذيب اللغة " 6/ 441 (هان)، ولم ينسبه، وصدره:
مررت على الوَرِيقَةِ ذات يوم
ولم يسم الأزهري من أنشد هذا البيت. وأورده في "لسان العرب" 13/ 439، وصدره:
مررت على الوديعة ذات يوم
فلعل: الوريقة تصحيف: الوديعة. والله أعلم. تهادى مأخوذ من التهويد، وهو: المشي الرُّوَيد، مثل الدبيب ونحوه. "تهذيب اللغة" 6/ 388 (هاد). المرط: جمعه: مروط، وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. "تهذيب اللغة" 13/ 345 (مرط).]]
قال ابن عباس: يريد بالسكينة والوقار [[أخرج بسنده ابن جرير 19/ 33، عن ابن عباس رضي الله عنه من طريق علي بن أبي طلحة: بالطاعة والعفاف والتواضع، وكذا ابن أبي حاتم 8/ 2719. واختاره الزجاج 4/ 74، واقتصر عليه، ولم ينسبه. واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 783.]]. وهو لفظ مجاهد [["تفسير مجاهد" 2/ 455. وبسنده ذكره الفراء 2/ 272، ونسبه لعكرمة أيضًا. == وأخرجه بسنده، عبد الرزاق، في تفسيره 2/ 71. وكذا ابن جرير 19/ 32، وابن أبي حاتم 8/ 2719، وأخرجه عن الحسن أيضًا. وذكره الهوَّاري 3/ 216.]].
وقال الحسن، وعطاء، والضحاك، ومقاتل: حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد [["تفسير مقاتل" ص 47 أ. وأخرجه بسنده عن الحسن، عبد الرزاق، في تفسيره 2/ 71، وعنه ابن جرير 19/ 34، ولفظه عندهما: حلماء علماء لا يجهلون. وأخرجه أيضًا الثعلبي 8/ 101 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2719، عن ابن عباس رضي الله عنهما: علماء حلماء.]]
وقال قتادة: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ تواضعًا لله لعظمته [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2721.]].
وروى أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: لا يشتدون [[أخرجه ابن جرير 19/ 34.
أسامة بن زيد بن أسلم العمري المدني، ضعيف، ليس له في الكتب الستة سوى حديث واحد عند ابن ماجه. "سير أعلام النبلاء" 6/ 343، و"تقريب التهذيب" ص 123، وأما أبوه زيد بن أسلم فهو مولى عمر رضي الله عنه، ثقة عالم، وكان يرسل. ت: 136. "سير أعلام النبلاء" 5/ 316، و"تقريب التهذيب" ص 350.]].
وقال ابن وهب: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون [[أخرجه ابن جرير 19/ 34، فقال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون. وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2721، دون ذكر الآية. قال الزمخشري 3/ 283: ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: ﴿وَيَمْشِي في الْأَسْوَاقِ﴾.]].
وانتصب ﴿هَوْنًا﴾؛ لأنه صفة مصدر محذوف، أي: يمشون مشيًا هونًا [[قال ابن قتيبة: أي: مشياً رويداً. "غريب القرآن" ص 315.]]. قال المفسرون: هذا من صفة خواص عباد الله، أضافهم إليه لاصطفائه إياهم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 315. من قوله: أضافهم إليه .. قال البغوي 6/ 93: الإضافة هنا للتخصيص، والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني السفهاء [["تفسير مقاتل" ص 47 أ. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2722، عن سعيد بن جبير: يعني: السفهاء من الكبار.]] ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ يقول: إذا سمعوا الأذى من كفار مكة، ردوا معروفًا [["تفسير مقاتل" ص 47 أ. و"تنوير المقباس" ص 305.]]. قال الكلبي: نسختها آية القتال [[ذكره الثعلبي 8/ 102 أعن أبي العالية، والكلبي، ولفظه: هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسختها آية القتال. ولفظ الفراء يشعر بميله لهذا القول؛ قال 2/ 272: كان أهل مكة إذا سبوا المسلمين ردوا عليهم رداً جميلاً قبل أن يؤمروا بقتالهم. ونسبه للكلبي، السمرقندي 2/ 465. وذكره عنهما البغوي 6/ 93.]].
وقال ابن عباس: ردوا سدادًا من القول [["تنوير المقباس" ص 305.]]، لا يجهلون مع من يجهل. وهذا قول مجاهد؛ قال: قالوا سدادًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 71، وعنه ابن جرير 19/ 35. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2722. وذكره عنه الثعلبي 8/ 102 أ.]].
وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا [[أخرجه ابن جرير 19/ 35. وذكر الثعلبي عن الحسن 8/ 102 أ، قولا آخر؛ ولفظه: سلموا عليهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: 55]. وأخرج عنه ابن أبي حاتم 8/ 2722، دون ذكر الآية. وذكر الماوردي 4/ 155، عن الضحاك، قالوا: وعليك السلام. ولم == يعترض عليه، وكذلك العز، في تفسيره 2/ 431. وذكر البغوي 6/ 93، قول الحسن، بعد أن قال: وليس المراد منه السلام المعروف!. والذي يظهر أنه لا يمنع من إرادة السلام المعروف مانع، كما في الآية التي استدل بها الحسن، ويكون التسليم قطعاً للكلام وفراقاً بينهم. والله أعلم. وعلى هذا يفرق بين المشركين، وغيرهم من الجاهلين، وذلك للنهي عن ابتداء المشركين بالسلام، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ-، قَال: "لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ" وفي إحدى روايات مسلم: "إِذَاَ لَقِيتُمُوهُمْ" وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. أخرجهما مسلم 4/ 1707، كتاب السلام، رقم: 2167. والترمذي 5/ 57، كتاب الاستئذان، رقم: 2700. قال ابن العربي 3/ 452: وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له: سلام عليك. وحمل الأصم السلام في الآية على أن المراد به سلام توديع لا تحية، كقول إبراهيم -ﷺ- لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: 47]. "تفسير الرازي" 24/ 108. وأما ابن القيم، فإنه لم يرتض تفسير الآية بـ: سلام عليكم؛ فقال: ووَصَف نطقهم بأنه سلام فهو نطق حلم وسكينة ووقار لا نطق جهل، وفحش وخناء وغلظة، فلهذا جمع بين المشي والنطق في الآية، فلا يليق بهذا المعنى الشريف العظيم الخطير أن يكون المراد منه: سلام عليكم، فتأمله. بدائع الفوائد 2/ 158. والتسليم لا ينافي ما ذكر ابن القيم؛ لأن التسليم فيه حلم وسكينة ووقار، ويشهد له حديث النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-، وَسَبَّ رَجُلٌ رَجُلاً عِنْدَهُ قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: "أَمَا إِنَّ مَلَكًا بَيْنكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ كُلَّمَا يَشْتُمُكَ هَذَا قَالَ لَهُ بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ لا بَلْ لَكَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ". أخرجه الإمام أحمد 9/ 191، رقم: 23806، قال ابن كثير 6/ 122: إسناده حسن ولم يخرجوه. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي، وهو ثقة. وجمع بين القولين ابن عاشور 19/ 69.]].
وقال قتادة. كانوا لا يجاهلون أهل الجاهلية [[(الجاهلية) في (ج).]] والجهل [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 272، ونسبه لابن أبي حاتم، ولكني لم أجده عنده.]].
وقال مقاتل بن حيان: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 102 أ، وابن الجوزي 6/ 101، وجمع في "الوجيز" بين قولي مجاهد، وابن حيان، فقال: سدادًا من القول يسلمون فيه من الإثم. قال الثعالبي: إذا نازعك إنسان فلا تجبه؛ فإن الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها فإن أمسكت عنها بترتها، وقطعت نسلها، وإن أجبتها ألقحتها فكم من نسل مذموم يتولد بينهما في ساعة واحدة. الجواهر الحسان 2/ 472.]].
قال أبو إسحاق، وأبو علي: نتسلم منكم سلامًا لا نجاهلكم كأنهم قالوا: تسلمًا منكم لا نتلبس بشيء من أمركم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 74. وذهب إلى هذا المبرد؛ فقال: تأويله المتاركة، أي: لا خير بيننا وبينكم ولا شر. المقتضب 3/ 219، وسبقه إلى هذا سيبويه، "الكتاب" 1/ 324.]].
وقال أبو الهيثم: معناه: سدادًا من القول، وقصدًا لا لغو فيه [["تهذيب اللغة" 12/ 448 (سلم).]]. وهو معنى قول ابن حيان. وذكرنا معنى: السلام فيما تقدم [[قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: 94] وقرئ: ﴿السَّلَمَ﴾ فمن قرأ بالألف واللام فله معنيان؛ أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين؛ أي: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها متعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا بماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره. والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، وكف يده عنكم فلم يقاتلكم: لست مؤمناً .. وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة.]]. والأولى أن لا تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنها صفة لخواص من عباد الله، لا يجهلون، ولا يرفثون، بل يحلمون [[قال السمرقندىِ 2/ 465، بعد أن ذكر قول الكلبي، في أن الآية منسوخة: وقال بعضهم: هذا خطأ؛ لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خبر من حالهم، والنسخ يجرى == في الأمر والنهي. ورد مكي بن أبي طالب القول بأن هذه الآية خبر لا يجوز نسخه؛ فقال: هذا ليس من الخبر الذي لا يجوز نسخه؛ لأنه ليس فيه خبر من الله لنا عن شيء يكون أو شيء كان فنسخ بأنه لا يكون، أو بأنه لم يكن -هذا الذي لا يجوز فيه النسخ- وإنما هذا خبر من الله لنا أن هذا الأمر كان من فعل هؤلاء الذين هم عباد الرحمن قبل أن يؤمروا بالقتال. "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 371، وهذا كلام جيد؛ لكن القول بأن الآية منسوخة ليس بصواب، فلا تعارض بين هذه الآية، وبين الأمر بالقتال، فلكل واحد منهما ما يناسبه من الزمان والمكان، قال الطوسي 7/ 505: الأمر بالقتال لا ينافي حسن المحاورة في الخطاب، وحسن العشرة. ونقض القول بالنسخ أيضًا الزمخشري 3/ 284. قال ابن عطية 11/ 67: وهذه الآية كانت قبل آية السيف، فنسخ منها ما يخص الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة. وذكر نحوه ابن جزي 487. وأحسن الحديث عن النسخ في هذه الآية النحاس، في كتابه "الناسخ والمنسوخ" 2/ 568.]].
قال أبو إسحاق: ﴿وَعِبَادُ﴾ مرفوع بالابتداء، والأحسن أن يكون الخبر: ما جاء في آخر السورة؛ من قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ويجوز أن يكون خبره: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 74.]] ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ﴾ صفة للذين يمشون [[ذكر هذا الزمخشري 3/ 284.]].
قال الحسن: هذا صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس، وليلُهم [[في (أ)، (ب): (وأجلهم).]] خير ليل إذا خلو فيما بينهم وبين ربهم يراوحون بين أطرافهم [[أخرجه بنحوه ابن جرير 19/ 35، وابن أبي حاتم 8/ 2723.]]؛ وهو:
25:64Страница 365
وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤
Они проводят ночи, падая ниц и стоя перед своим Господом.
قوله تعالى: ميووَ ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ قال الليث: البَيْتُوتَة: دخولُك في الليل، تقول: بِتُّ أصنع كذا. ومن قال: بات فلان إذا نام؛ فقد أخطأ [["العين" 8/ 138 (بيت)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 14/ 333 (بات).]].
وقال الزجاج: كل من أدركه الليل فقد بات يَبِيت، نام أو لم ينم. يقال: بات فلان قلقًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 75. ومما يشهد على أن المراد بالبيات الليل قوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4].]]. قال الكلبي ومقاتل: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة سجدًا وقيامًا [["تفسير مقاتل" ص 47 أ. و"تنوير المقباس" ص 305.]]. وذكر الكلبي، عن ابن عباس، قال: من صلي ركعتين، أو أكثر بعد العشاء، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا [["الوسيط" 3/ 345، وذكر نحوه الفراء 2/ 272، ولم ينسبه. وكذا الهواري 3/ 217. وذكر الثعلبي 8/ 102 أ، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: من صلى بالليل ركعتين أو أكثر من ذلك فقد بات لله ساجدًا وقائمًا. ثم قال: قال الكلبي: ويقال الركعتان بعد المغرب، وأربع بعد العشاء الآخرة. وذكر ذلك السمرقندي 2/ 465، وصدره بقوله: رُوي. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2723، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله -ﷺ- كان يقول: أصيبوا من هذا الليل ولو ركعتين، أو أربعاً. وقد ذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 230، أثر ابن عباس مرفوعاً، ونحوه عن ابن عمر مرفوعاً، وضعفهما. لكن ثبت في الصحيح أن عَبْدَ الرحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلاةِ الْمَغْرِب فَقَعَدَ وَحْدَهُ فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ". أخرجه مسلم 1/ 454، كتاب المساجد، رقم: 656. والترمذي 1/ 433، أبواب الصلاة، رقم: 221.]].
25:65Страница 365
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥
Они говорят: «Господь наш! Отврати от нас мучения в Геенне, поскольку мучения там не отступают.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: إنهم يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم [[ذكره عنه القرطبي 13/ 72. قال الزمخشري 3/ 284: وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم، كقولى تعالى. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60].]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ قال الليث: الغرام: العذاب اللازم، أو الشر اللازم، والغُرْمُ: أداءُ شيء يَلزم [[كتاب "العين" 4/ 418 (غرم)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 8/ 131. واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 782.]].
وقال الفراء: العرب تقول: إن فلانًا لَمُغرَمٌ بالنساء، إذا كان مُولَعًا بهن. وإني بك لَمُغرم إذا لم يَصبِر عنه. ونرى أن الغريم إنما سمي غريمًا؛ لأنه يطلب حقه، وُيلح حتى يقبضه، فمعنى: ﴿غَرَامًا﴾ مُلِحًا دائمًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 272. وذكره في "تهذيب اللغة" 8/ 131 (غرم). و"تفسير الثعلبي" 8/ 102 أ.]].
قال مقاتل: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يعني: لازمًا له لا يفارقه [["تفسير مقاتل" ص 47 أ.]] كلزوم الغريم للغريم. وقال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه أبدًا، وكل عذاب يفارق صاحبه فليس بغرام، وكل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم [[أخرجه ابن جرير 19/ 36، وابن أبي حاتم 8/ 2723. وذكره بنحوه الهواري 3/ 217. والثعلبي 8/ 102 ب.]]. وقال سليمان التيمي: كل أسير لابد أن يفك أُساره يومًا، أو يموت، إلا أَسير جهنم، فهو الغرام لا يُفك أبدًا [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2724. سليمان بن طَرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التَّيم فنسب إليهم، ثقة عابد، ت: 143هـ. "سير أعلام النبلاء" 6/ 195. و"تقريب التهذيب" ص 409.]]. وقال الكلبي: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ مُولَعًا، ويقال مُلِحًا [["تنوير المقباس" ص 305.]].
وقال القرظي: إن الله عز وجل سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه، فأغرمهم، فأدخلهم النار [[أخرجه ابن جرير 6/ 19، وابن أبي حاتم 8/ 2724. وذكره الثعلبي 8/ 102 ب. والسمرقندي 2/ 465.]]. هذا الذي ذكرنا في تفسير الغرام هو الموافق لما قيل في أصل اللغة. وقريب من هذا ذكره الزجاج، في تفسير الغرام؛ فقال: هو أشد العذاب، وأنشد قول بشر بن أبي خازم:
ويومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفَا ... رِ كانا عذابًا وكانا غرامًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 75، ولم ينسب البيت. وأنشده أبو عبيدة، في "المجاز" 2/ 80، ونسبه لبشر. وكذا ابن الأنباري، "الزاهر" 1/ 239. وابن جرير 19/ 36. وأورده السيوطي، في "الإتقان" 1/ 171 في سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس. و"غريب القرآن في شعر العرب" ص 196. وذكره الثعلبي 8/ 102 ب، منسوبًا لبشر. النسار: بكسر النون، موضع، قيل: هو ماء لبني عامر. ومنه يوم النسار. "لسان العرب" 5/ 205 (نسر). والجفار: موضع، قيل: هو ماء لبني تميم، ومنه يوم الجفار. "لسان العرب" 4/ 144 (جفر).]]
وقد ذُكر في تفسير الغرام أقوال، هي من معنى الغرام، وليس بتفسير له؛ قال ابن عباس، في رواية عطاء: إن عذابها كان قطعيًّا. وسأله نافع بن الأزرق، عن معنى الغرام؛ فقال: هو الموضع، وأنشد لعبد الله بن عجلان [[عبد الله بن عجلان، بن عامر النهدي، من قضاعة، شاعر جاهلي، من عشاق العرب المشهورين. "الشعر والشعراء" 482، "الأعلام" 4/ 103.]]:
ما أكلةٌ إن نلتها بغنيمةٍ ... ولا جوعةٌ إن جعتها بغرامٍ [[لم أجده في "الإتقان"، ولا في "غريب القرآن في شعر العرب"، الذي جمع سؤالات نافع بن الأزرت، من "الإتقان" وغيره. وإنما وجدت البيت الذي قبله. وذكر السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 274، روايتين؛ الأولى: أخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن الآية، فقال: ملازماً شديداً، كلزوم == الغريم الغريم، وأنشد قول بشر بن أبي حازم. والرواية الثانية، قال: أخرج ابن الأنباري، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن نافع ابن الأزرق، قال له: أخبرني عن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ ما الغرام، قال: المولع، وأنشد بيت ابن عجلان. وأنشد ابن الأنباري البيت، ونسبه لحاتم بن عبد الله الطائي، وليس فيه ذكر السؤال، أو أنه من إنشاد ابن عباس. كتابه "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 240. والبيت في "ديوان حاتم الطائي" ص 127، بيتاً مفرداً.]] وقال أبو عبيدة: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ أي: هلاكًا. وهو اختيار المبرد وابن قتيبة [["مجاز القرآن" 2/ 80. و"غريب القرآن" ص 315. وذكره البخاري، ولم ينسبه، "الفتح" 8/ 495. واقتصر عليه الغزنوي، في وضح البرهان 2/ 126، واستدل ببيت بشر عليه. ومن الأقوال الواردة في الغرام، ما ذكره الهواري 3/ 217 ﴿غَرَامًا﴾ أي: انتقاماً. وما ذكره الماوردي 4/ 155، عن قطرب: ثقيلاً، ومنه قوله ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: 46].]]
25:66Страница 365
إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦
Как скверны эта обитель и местопребывание!».
К этому аяту нет толкования
25:67Страница 365
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧
Когда они делают пожертвования, то не излишествуют и не скупятся, а придерживаются середины между этими крайностями.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ فيه ثلاثهَ أوجه من القراءة؛ ضم الياء، من ﴿يَقْتُرُوا﴾ وضم التاء، وكسر التاء مع فتح الياء [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بفتح الياء، وكسر التاء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿يَقتُرُواْ﴾ بفتح الياء، وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: ﴿يُقتروا﴾ بضم الياء، وكسر التاء. "كتاب السبعة في القراءات" 466، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 124، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 348، و"النشر" 2/ 334. قال النحاس، معلقاً على قراءة ضم الياء: وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، فإنما يقال: أقتر يُقتر، إذا افتقر، كما قال جل وعز: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعاً، وهذا تأويل بعيد، ولكن التأويل أن أبا عمرو الجرمي، حكى عن الأصمعي، أنه يقال للإنسان إذا ضَيَّق: قتر يقتُر ويقتِر، وقتَّر يُقتِّر، وأقتر يُقتر، فعلى هذا تصح القراءة، وإن كان فتح الياء أصح، وأقرب متناولاً، وأشهر وأعرف. "إعراب القرآن" 3/ 167.]]، يقال: قَتَر الرجل على عياله، يَقْتِرُ ويَقْتُرُ قَتْرًا، مثل: يَعْكُف ويعكِف، ويفسُق ويفسِق، ويحشُر ويحشِر، إذا ضَيَّق ولم يُنفق إلا قدر ما يُمسك الرَّمَق [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 349. والرَّمَق: بقية الحياة. "تهذيب اللغة" 9/ 145.]]. ومثله: أقتر.
قال أبو عبيد: وهي ثلاث لغات، معناها: لم يضيقوا في الإنفاق [[قال ابن جرير 19/ 40: كل هذه القراءات ... بمعنى واحد، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب. وكذا الأزهري في "معاني القراءات" 2/ 218.]]. وقال غيره: قَتَر إذا ضَتَّق، وأقتر إذا أَقلَّ وافتقر، والمقتر، ضدُ الموسر، قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وقال الشاعر:
لكم مسجد الله المزوران والحصا ... لكم قِبصُهُ من بين أثْرى وأقترا [[البيت للكميت بن زيد يمدح بني أمية، المسجدان: مسجد مكة والمدينة، أي: لكم العدد الكثير من جميع الناس، المثري منهم والمقتر. "لسان العرب" 3/ 205 (سجد). وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 8/ 385 (قبص)، ولم ينسبه، ثم قال: أي من بين مُثرٍ ومُقلٍ، واستشهد به على أن القبص: العدد الكثير. وذكره أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 348، ولم ينسبه. وكذا الأنباري في "الإنصاف" 2/ 721، والطبرسي 7/ 277.]]
تقديره من بين رجل أثرى، ورجل أقتر، فأقام الصفة مقام الموصوف، وعلى هذا معنى: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يفتقروا في إنفاقهم؛ لأن المسرف مُشرف على الافتقار لسرفه في إنفاقه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 348، من قولى: قتر إذا ضيق.]].
واختلفوا في معنى هذا الإسراف والإقتار؛ فقال الكلبي، والنخعي: هذا في الإنفاق على العيال، إذا أنفقوا على أهلهم وعيالهم وعلى أنفسهم لم يسرفوا في النفقة [[اختار هذا القول الهواري 3/ 217، ولم ينسبه.]].
وقال إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة يقول الناس: إنك قد أسرفت فيها [[إبراهيم هو النخعي، أخرج قوله ابن جرير 1/ 389. وابن أبي حاتم 8/ 2725، 2726. وهذا القول يدل على أن الإسراف: تجاوز الحد في الإنفاق، والإقتار: التقصير عما لا بد منه. "تفسير البغوي" 6/ 94.]].
وقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لم يخرجوا في إنفاقهم من السِّطَةِ [[هكذا في النسخ الثلاث، وأيضًا عند أبي علي في "الحجة" 5/ 349، ومعناه: التوسط. يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسِطة، أي: توسطتهم. كتاب "العين" 7/ 279 (وسط)، و"تهذيب اللغة" 13/ 28، و"اللسان" 7/ 429. ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله -ﷺ- الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم" فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير". قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلاقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن. أخرجه مسلم 2/ 603، كتاب صلاة العيدين، رقم 885، وابن خزيمة 2/ 357، رقم 1460.]] والاقتصاد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يمسكوا ولم ينقصوا عن الاقتصاد فيقصروا عن التوسط فمن كان في هذا الطرَف فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: 29] ويبين هذا قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: كان إنفاقهم بين ذلك لا إسرافًا، يدخل به في حد التبذير، ولا تضييقًا يصير في حد المنع [[في (ج): (المانع).]] لما يجب [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 349. وظاهر هذا أن الإنفاق أريد به الإنفاق الواجب، ولم يرتض ابن عاشور 19/ 71، هذا فقال: أريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب، وذلك إنفاق المرء على أهله، وأصحابه؛ لأن الإنفاق الواجب لا يذم الإسراف فيه، والإنفاق الحرام لا يُحمد مطلقاً بَلْه أن يذم الإقتار فيه، على أن في قوله: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا﴾ إشعاراً بأنهم اختاروا أن ينفقدا ولم يكن واجباً عليهم.]]. وهذا هو المحمود من النفقة: أن تكون في غير إسراف ولا تقتير [[قال الهواري 3/ 218: ذكروا أن هذه أنزلت في أصحاب النبي -ﷺ-، وصفهم الله بهذه الصفة، كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، وكانت قلوبهم على قلب واحد. وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 38، وابن أبي حاتم 8/ 2725، عن يزيد بن أبي حبيب. وليس معنى هذا أنه لا يجوز التوسع في الملبس، والمأكل، والمسكن، بل الضابط في ذلك: التوسط، فاتخاذ الرجل الثوب للجمال، يلبسه عند اجتماعه مع الناس، وحضوره المحافل والجمع والأعياد، دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قواه على عبادة ربه، مما ارتفع عما قد يسد الجوع فذلك خارج عن معنى الإسراف، بل ذلك من القوام؛ لأن النبي -ﷺ- قد أمر ببعض ذلك، وحض على بعضه، كقوله -ﷺ-: "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِن وَجَدَ أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ" أخرجه أبو داود 1/ 650، كتاب الصلاة، رقم 1078. وابن ماجه 1/ 349، كتاب الصلاة، رقم: 1096. وصححه الألباني، "صحيح سنن أبي داود" 1/ 201. وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: "إِنَّ الله يُحِبَّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِغَمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ". قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. "سنن الترمذي" 5/ 114، كتاب الأدب، رقم: 2819. وقد بين ذلك ابن جرير 19/ 39.]].
وذُكر أن عبد الملك بن مروان، دخل على عمر بن عبد العزيز، بعد ما زوجه ابنته، فقال له: كيف نفقتك على عيالك؟ قال: الحسنة بين السيئتين، قال: كيف ذاك؟ قال: كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ ﴿يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [[ذكر هذه القصة الزمخشري 3/ 285، وابن عطية 11/ 71، والقرطبي 13/ 73. وأخرج نحو قول عمر ابن عبد العزيز، ابن جرير 19/ 38، عن قتادة، ويزيد بن مرة الجعفي. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2727، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: العلم خير من العمل، وخير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين، ذلك بأن الله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ يقول: سيئة ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يقول: سيئة ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ يقول: حسنة.]]. وعد عمر -رضي الله عنه- من السرف: أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا أكله، وقال: كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما يشتهي [[أخرجه ابن ماجه 2/ 1112، كتاب الأطعمة، رقم: 3352. وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" 2/ 229، والسيوطي في "اللآلئ" 2/ 246، والألباني، في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 272. وقد ذكروه جميعاً من طريق الحسن، عن أنس مرفوعاً، وليس بموقوف. وأخرجه عبد الرزاق، في التفسير 2/ 71، عن عمر، وفي إسناده رجل لم يسم، ومن طريقه أخرجه الثعلبي 8/ 103 أ. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2726، من طريق آخر، من كلام الحسن، وليس بموقوف على عمر، وفي إسناده رجل لم يسم. وذكره الزمخشري 3/ 285، عن عمر. وحكم عليه بالانقطاع ابنُ حجر، "الكاف الشاف"، بحاشية الكشاف 3/ 285. فتبين بهذا أنه لم يثبت هذا القول؛ وعليه فلا يدخل في السرف أكل الإنسان من الشيء يشتهيه إذا لم يترتب على ذلك ارتكاب مخالفة شرعية، أو التقصير في واجب. والله أعلم.]]. وهذا القول هو الاختيار في تفسير هذه الآية [[يعني الواحدي بالقول الذي اختاره: النفقة المتوسط فيها بين الإسراف والتقتير. واختار هذا القول قبله الثعلبي 8/ 102 ب، فقال: وقال قوم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عما ينبغي مما لابد منه. وهذا الاختيار. وقال ابن عطية 11/ 71: وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشارع فيها ألاَّ يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا، وألاَّ يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح ... ولهذا ترك رسول الله -ﷺ- أبا بكر الصديق رضي الله عنه يتصدق بجميع ماله؛ لأن ذلك وسط بنسبة == جَلَدِه وصبره، في الدين، ومنع غيره من ذلك. ونقله القرطبي 13/ 73، ولم يعترض عليه. واستظهر هذا القول الشنقيطي 6/ 351.]].
وروى الضحاك عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهمًا في غير حق فهو سرف، ومن منع من حق فقد قتر [[قال مجاهد: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله ما كان سرفاً، ولو أنفقت في معصة الله كان سرفاً. "تفسير ابن جرير" 19/ 37. وأخرج ابن جرير 19/ 37، وابن أبي حاتم 8/ 2725، 2726، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقدن في معصية الله، ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى. وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 37، عن ابن جريج، وابن زيد. وعلى هذا الإسراف: النفقة في معصية الله؛ ولكن يشكل على هذا تجاوز الحد في المباح، أو الطاعة، كإكرام الضيف، ونحوه، فهل يسمى هذا سرفاً أم لا؟ ولعل الصواب في ذلك أن يقال: التبذير: الإنفاق في معصية الله، قليلاً كان أو كثيرًا، والإسراف: تجاوز الحد في المباح، والتقتير: المنع من الواجب. ويدل لهذا التفصيل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31] وقَول النَّبِيُّ -ﷺ- "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا في غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ. أخرج البخاري الحديث المرفوع والموقوف معلقاً بصيغة الجزم، في كتاب اللباس، "فتح الباري" 10/ 252. وأخرج المرفوع ابن ماجه 2/ 1192، كتاب اللباس، رقم 3605، والنسائي، "السنن الكبرى" 2/ 41، كتاب الزكاة، رقم 2340، وحسنه الألباني، "صحيح سنن ابن ماجه" 2/ 284، رقم 1904. وبهذا تجتمع أقوال السلف، وعباراتهم في التفريق بين ذلك. والله أعلم. وذكر أقوالهم: ابن جرير 15/ 72، وذكرها الواحدي في "الوسيط" 19/ 38، وابن كثير 6/ 124. وهو اختيار ابن جرير 38/ 19.]].
وقال سفيان في هذه الآية: لم يضعوا في غير حقه، ولم يقصروا عن حقه. وقال الحسن: لم ينفقوا في معاصي الله، ولم يمسكوا عن فرائض الله [["تفسير مقاتل" ص 47، بنحوه. وفي "تنوير المقباس" ص 305: لم ينفقوا في المعصية، ولم يمنعوا من الحق. وذكر نحوه، الهواري 3/ 217، ولم ينسبه. وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 39، عن ابن زيد.]]. وهذا أيضًا قول جيِّد. وما سوى هذين القولين مما ذكر في تفسير هذه الآية لا وجه له.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: بين الإسراف والإقتار [["تنوير المقباس" ص 305.]] ﴿قَوَامًا﴾ القِوام من العيش: ما أقامك وأغناك. وقِوام الجسم: تمامه، وقِوام كلِّ شيء ما استقام به [["تهذيب اللغة" 9/ 360 (قام). قال ابن جرير 19/ 39: القَوام، في كلام العرب، بفتح القاف، هو: الشيء بين الشيئين ... فأما إذا كسرت القاف، فقلت: إنه قوام أهله، فإنه يعني به: أنه به يقوم أمرهم وشأنهم. وقال ابن جني: القَوام، بفتح القاف: الاعتد الذي الأمر .. وأما القِوام، بكسر القاف، فإنه مِلاك الأمر، وعِصامه. "المحتسب" 2/ 125.]]. قال سفيان: عدلاً [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2727، عن سفيان، عن الأعمش. ونسبه الماوردي 4/ 156، للأعمش. قال ابن العربي، في تفسير العدل: وهو أن ينفق الواجب، ويتسع في الحل الذي غير دوام على استيفاء اللذات في كل وقت من كل طريق. "أحكام القرآن" 3/ 453.]]. وقال مقاتل: مقتصدًا [["تفسير مقاتل" ص 47.]]. وقال الفراء: القَوام قَوام الشيء بين الشيئين. قال: وفي نصب: القَوام وجهان؛ أحدهما: أن يضم الاسم، من الإنفاق، على تقدير: وكان إنفاقهم قوامًا بين ذلك، وإن شئت جعلت ﴿بَيْنَ﴾ في معنى رفع كما تقول: كان دون هذا كافيًا. تريد: أقلّ من هذا فيكون معنى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وكان الوسط قوامًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 273. وذكره بنصه، ابن جرير 19/ 40، ولم ينسبه. == واعترض على هذا النحاس، فقال: ما أدري ما وجه هذا؛ لأن بين إذا كانت في موضع رفع رفعت، كما يقال: بين عينيه أحمرُ، فترفع بين. إعراب القرآن 3/ 168. وقال الرازي 24/ 110: وهذا التأويل ضعيف؛ لأن القوام هو الوسط، فيصير التأويل: وكان الوسط وسطاً، وهذا لغو. وذكر نحوه البيضاوي 2/ 147. وفي "المحتسب" 2/ 125: فقوام إذاً: تأكيد وجارٍ مجرى الصفة.]].
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии