An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الناس
An-Nas
Mankind · Meccan · 6 ayahs
(p-٦٩٩)سُورَةُ "اَلنّاسِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الناسِ﴾ أيْ: مُرَبِّيهِمْ، ومُصْلِحِهِمْ.
﴿مَلِكِ الناسِ﴾، مالِكِهِمْ ومُدَبِّرِ أُمُورِهِمْ.
﴿إلَهِ الناسِ﴾، مَعْبُودِهِمْ، ولَمْ يَكْتَفِ بِإظْهارِ المُضافِ إلَيْهِ مَرَّةً واحِدَةً، لِأنَّ قَوْلَهُ: "مَلِكِ الناسِ إلَهِ الناسِ"، عَطْفُ بَيانٍ لِـ "رَبِّ الناسِ"، لِأنَّهُ يُقالُ لِغَيْرِهِ: "رَبُّ الناسِ"، و"مَلِكُ الناسِ"، وأمّا "إلَهِ الناسِ"، فَخاصٌّ لا شَرِكَةَ فِيهِ، وعَطْفُ البَيانِ لِلْبَيانِ، فَكَأنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْإظْهارِ دُونَ الإضْمارِ، وإنَّما أُضِيفَ الرَبَّ إلى الناسِ خاصَّةً - وإنْ كانَ رَبَّ كُلِّ مَخْلُوقٍ - تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ وقَعَتْ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ في صُدُورِ الناسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: "أعُوذُ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ إلى الناسِ، بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ، وهو إلَهُهُمْ، ومَعْبُودُهُمْ"، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ الأطْفالَ، ومَعْنى الرُبُوبِيَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِالثانِي الشُبّانَ، ولَفْظُ المَلِكِ - المُنْبِئُ عَنِ السِياسَةِ - يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِالثالِثِ الشُيُوخَ، ولَفْظُ الإلَهِ - المُنْبِئُ عَنِ العِبادَةِ - يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِالرابِعِ الصالِحِينَ، إذِ الشَيْطانُ مُولَعٌ بِإغْوائِهِمْ، (p-٧٠٠)وَبِالخامِسِ المُفْسِدِينَ، لِعَطْفِهِ عَلى المُعَوَّذِ مِنهُ.
﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾، هو اسْمٌ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، كَـ "اَلزِّلْزالُ"، بِمَعْنى "اَلزَّلْزَلَةُ"، وأمّا المَصْدَرُ فَـ "وِسْواسٌ"، بِالكَسْرِ، كَـ "اَلزِّلْزالُ"، والمُرادُ بِهِ الشَيْطانُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، كَأنَّهُ وسْوَسَةٌ في نَفْسِهِ، لِأنَّها شُغْلُهُ الَّذِي هو عاكِفٌ عَلَيْهِ، أوْ أُرِيدَ "ذُو الوَسْواسِ"، و"اَلْوَسْوَسَةُ": اَلصَّوْتُ الخَفِيُّ،
﴿الخَنّاسِ﴾، اَلَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ، مَنسُوبٌ إلى "اَلْخُنُوسُ"، وهو التَأخُّرُ، كَـ "اَلْعَواجُ"، و"اَلْبَتاتُ"، لِما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ، خَنِسَ الشَيْطانُ، ووَلّى، وإذا غَفَلَ، رَجَعَ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ".
114:5Page 604
ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ ٥
Who whispers [evil] into the breasts of mankind -
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ﴾، في مَحَلِّ الجَرِّ، عَلى الصِفَةِ، أوِ الرَفْعِ، أوِ النَصْبِ، عَلى الشَتْمِ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى "اَلْخَنّاسِ".
﴿مِنَ الجِنَّةِ والناسِ﴾، بَيانٌ لِلَّذِي يُوَسْوِسُ، عَلى أنَّ الشَيْطانَ ضَرْبانِ، جِنِّيٌّ، وإنْسِيٌّ، كَما قالَ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وعَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللهِ مِن شَيْطانِ الإنْسِ؟ "، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ، سُحِرَ، فَمَرِضَ، فَجاءَهُ مَلَكانِ، وهو نائِمٌ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: "ما بالُهُ؟!"، فَقالَ: "طُبَّ"، قالَ: "وَمَن طَبَّهُ؟"، قالَ: " لَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ اليَهُودِيُّ"، قالَ: "وَبِمَ طَبَّهُ؟"، قالَ: "بِمُشْطٍ ومُشاطَةٍ، في جُفِّ طَلْعَةٍ، تَحْتَ راعُوفَةٍ، في بِئْرِ ذِي أرْوانَ "، فانْتَبَهَ ﷺ، فَبَعَثَ زُبَيْرًا، وعَلِيًّا، وعَمّارًا - رَضِيَ اللهُ عَنْهم -، فَنَزَحُوا ماءَ البِئْرِ، وأخْرَجُوا الجُفَّ، فَإذا فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ، وأسْنانٌ مِن مُشْطِهِ، وإذا فِيهِ وتَرٌ مُعْقَدٌ، فِيهِ إحْدى عَشَرَةَ عُقْدَةً، مَغْرُوزَةً بِالإبَرِ، فَنَزَلَتْ هاتانِ السُورَتانِ، فَكُلَّما قَرَأ جِبْرِيلُ آيَةً، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، حَتّى قامَ ﷺ عِنْدَ انْحِلالِ العُقْدَةِ الأخِيرَةِ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ، وجَعَلَ جِبْرِيلُ يَقُولُ: "بِاسْمِ اللهِ أرْقِيكَ، واللهُ يَشْفِيكَ مِن كُلِّ داءٍ (p-٧٠١)يُؤْذِيكَ"، » ولِهَذا جُوِّزَ الِاسْتِرْقاءُ بِما كانَ مِن كِتابِ اللهِ، وكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ، لا بِما كانَ بِالسُرْيانِيَّةِ، والعِبْرانِيَّةِ، والهِنْدِيَّةِ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ اعْتِقادُهُ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، ومِن سَيِّئاتِ أعْمالِنا، وأقْوالِنا، ومِن شَرِّ ما عَمِلْنا، وما لَمْ نَعْمَلْ، ونَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ، ورَسُولُهُ، ونَبِيُّهُ، وصَفِيُّهُ، أرْسَلَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ، ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ، مَصابِيحِ الأنامِ، وأصْحابِهِ مَفاتِيحِ دارِ السَلامِ،
واللهُ أعْلَمُ بِالصَوابِ، وإلَيْهِ المَلْجَأُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences