An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الشرح
Ash-Sharh
The Relief · Meccan · 8 ayahs
(p-٦٥٦)سُورَةُ "اَلشَّرْحِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، اسْتَفْهَمَ عَنِ انْتِفاءِ الشَرْحِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ، فَأفادَ إثْباتَ الشَرْحِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: "شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ"، ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ: "وَضَعْنا"، اِعْتِبارًا لِلْمَعْنى، أيْ: فَسَحَناهُ، بِما أوْدَعْناهُ مِنَ العُلُومِ، والحِكَمِ، حَتّى وسِعَ هُمُومَ النُبُوَّةِ ودَعْوَةِ الثَقَلَيْنِ، وأزَلْنا عَنْهُ الضِيقَ، والحَرَجَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ العَمى، والجَهْلِ، وعَنِ الحَسَنِ: "مُلِئَ حِكْمَةً وعِلْمًا".
﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾، وخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ النُبُوَّةِ، والقِيامِ بِأمْرِها، وقِيلَ: هو زَلَّةٌ لا تُعْرَفُ بِعَيْنِها، وهي تَرْكُ الأفْضَلِ، مَعَ إتْيانِ الفاضِلِ، والأنْبِياءُ يُعاتَبُونَ بِمِثْلِها، ووَضْعُهُ عَنْهُ أنْ غَفَرَ لَهُ، و"اَلْوِزْرُ": اَلْحِمْلُ الثَقِيلُ.
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، أثْقَلَهُ، حَتّى سُمِعَ نَقِيضُهُ، وهو صَوْتُ الِانْتِقاضِ.
﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، ورَفْعُ ذِكْرِهِ أنْ قُرِنَ بِذِكْرِ اللهِ في كَلِمَةِ الشَهادَةِ، والأذانِ، والإقامَةِ، والخُطَبِ، والتَشَهُّدِ، وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ: ﴿أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ﴾ [النور: ٥٤] ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ [النور: ٥٢]، (p-٦٥٧)﴿واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وفي تَسْمِيَتِهِ "رَسُولَ اللهِ"، و"نَبِيَّ اللهِ"، ومِنهُ ذِكْرُهُ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وفائِدَةُ "لَكَ"، ما عُرِفَ في طَرِيقَةِ الإبْهامِ، والإيضاحِ، لِأنَّهُ يُفْهَمُ بِقَوْلِهِ: "ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ"، أنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا، ثُمَّ أُوضِحَ بِقَوْلِهِ: "صَدْرَكَ"، ما عُلِمَ مُبْهَمًا، وكَذَلِكَ "لَكَ ذِكْرَكَ"، و"عَنْكَ وِزْرَكَ".
94:5–6Page 596
فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ٥
For indeed, with hardship [will be] ease [i.e., relief].
إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا ٦
Indeed, with hardship [will be] ease.
﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ أيْ: إنَّ مَعَ الشِدَّةِ الَّتِي أنْتَ فِيها مِن مَقاساةِ بَلاءِ المُشْرِكِينَ يُسْرًا بِإظْهارِي إيّاكَ عَلَيْهِمْ، حَتّى تَغْلِبَهُمْ، وقِيلَ: كانَ المُشْرِكُونَ يُعَيِّرُونَ رَسُولَ اللهِ والمُؤْمِنِينَ بِالفَقْرِ، حَتّى سَبَقَ إلى وهْمِهِ أنَّهم رَغِبُوا عَنِ الإسْلامِ لِافْتِقارِ أهْلِهِ، فَذَكَّرَهُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن جَلائِلِ النِعَمِ، ثُمَّ قالَ: " ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ "، كَأنَّهُ قالَ: "خَوَّلْناكَ ما خَوَّلْناكَ فَلا تَيْأسْ مِن فَضْلِ اللهِ، فَإنَّ مَعَ العُسْرِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ يُسْرًا"، وجِيءَ بِلَفْظِ "مَعَ"، لِغايَةِ مُقارَبَةِ اليُسْرِ العُسْرَ، زِيادَةً في التَسْلِيَةِ، ولِتَقْوِيَةِ القُلُوبِ، وإنَّما قالَ ﷺ عِنْدَ نُزُولِها: " «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، » لِأنَّ العُسْرَ أُعِيدَ مُعَرَّفًا، فَكانَ واحِدًا، لِأنَّ المَعْرِفَةَ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، كانَتِ الثانِيَةُ عَيْنَ الأُولى، واليُسْرَ أُعِيدَ نَكِرَةً، والنَكِرَةُ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً، كانَتِ الثانِيَةُ غَيْرَ الأُولى، فَصارَ المَعْنى: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ"، قالَ أبُو مُعاذٍ: يُقالُ: "إنَّ مَعَ الأمِيرِ غُلامًا، إنَّ مَعَ الأمِيرِ غُلامًا"، فالأمِيرُ واحِدٌ، ومَعَهُ غُلامانِ، وإذا قالَ: "إنَّ مَعَ أمِيرٍ غُلامًا، وإنَّ مَعَ الأمِيرِ الغُلامَ"، فالأمِيرُ واحِدٌ والغُلامُ واحِدٌ"، وإذا قِيلَ: "إنَّ مَعَ أمِيرٍ غُلامًا، وإنَّ مَعَ أمِيرٍ غُلامًا"، فَهُما أمِيرانِ، وغُلامانِ، كَذا في "شَرْحُ التَأْوِيلاتِ".
94:7Page 596
فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ٧
So when you have finished [your duties], then stand up [for worship].
﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ أيْ: فَإذا فَرَغْتَ مِن دَعْوَةِ الخَلْقِ فاجْتَهِدْ في عِبادَةِ الرَبِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "فَإذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ فاجْتَهِدْ في الدُعاءِ"، واخْتُلِفَ أنَّهُ قَبْلَ السَلامِ أوْ بَعْدَهُ، ووَجْهُ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ السالِفَةَ، ومَواعِيدَهُ الآتِيَةَ، بَعَثَهُ عَلى الشُكْرِ (p-٦٥٨)والِاجْتِهادِ في العِبادَةِ، والنَصَبِ فِيها، وأنْ يُواصِلَ بَيْنَ بَعْضِها وبَعْضٍ، ولا يُخَلِّيَ وقْتًا مِن أوْقاتِهِ مِنها، فَإذا فَرَغَ مِن عِبادَةٍ ذَنَّبَها بِأُخْرى.
﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾، واجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلَيْهِ خُصُوصًا، ولا تَسْألْ إلّا فَضْلَهُ، مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences