As-Sam'aniYunus · 10:1–27

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

يونس

Yunus

Jonah · Meccan · 109 ayahs

10:1Page 208

الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the wise2 Book.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

تَفْسِير سُورَة يُونُس

وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث.

وَحكى عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه قَالَ: هَذِه السُّورَة كَانَت بعد السُّورَة السَّابِقَة.

قَوْله تَعَالَى ﴿آلر﴾ روى أَبُو الضُّحَى عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ﴿آلر﴾ أَنا الله أرى. وروى عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الر، وحم، وَنون هُوَ تَمام اسْم الرَّحْمَن.

وَفِي الْحُرُوف المهجيات أَقْوَال ذَكرنَاهَا فِي أول سُورَة الْبَقَرَة.

وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: هَذِه آيَات الْكتاب. قَالَ الشَّاعِر:

(تِلْكَ خيلي مِنْهُ وَتلك ركابي ... هن صفر أَوْلَادهَا كالزبيب)

وَقَالَ الزّجاج: معنى الْآيَة: وَهُوَ أَن الْآيَات الَّتِي أنزلتها عَلَيْك من قبل ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب الْحَكِيم﴾ وَالْكتاب: هُوَ الْقُرْآن، والحكيم: هُوَ الْمُحكم، على قَول أَكثر الْمُفَسّرين، فعيل بِمَعْنى مفعل، مثل قَوْله: ﴿هَذَا مَا لَدَى عتيد﴾ أَي: مُعْتَد. وَقَالَ بَعضهم: الْحَكِيم على وَضعه، وسمى الْقُرْآن حكيما؛ لِأَنَّهُ كالناطق بالحكمة.

10:2Page 208

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor1 with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا﴾ الْعجب: حَالَة تعتري الْإِنْسَان من رُؤْيَة شَيْء على خلاف الْعَادة.

وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة: أَن الله تَعَالَى لما بعث مُحَمَّدًا قَالَ الْمُشْركُونَ: أما وجد الله نَبيا سوى يَتِيم أَبى طَالب، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وهى قَوْله: ﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا﴾ وَمَعْنَاهُ: أعجب النَّاس، يعْنى: الْمُشْركين ﴿أَن أَوْحَينَا إِلَى رجل مِنْهُم﴾ وَالرجل هَا هُنَا: النَّبِي، وَقَوله: ﴿مِنْهُم﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ: إِنَّه رجل يعرفونه باسمه وَنسبه، لَا يكْتب، وَلَا يشْعر، وَلَا يتكهن، ولايكذب.

وَقَوله: ﴿أَن أنذر النَّاس﴾ الْإِنْذَار: هُوَ الْإِعْلَام مَعَ التخويف. وَقَوله: ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا﴾ قد بَينا معنى الْبشَارَة. وَقَوله: ﴿أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال:

القَوْل الأول - وَهَذَا قَول الْأَكْثَرين - أَن الْقدَم الصدْق: هُوَ الْأَعْمَال الصَّالِحَة، يُقَال: لفُلَان قدم فِي الشجَاعَة، وَقدم فى الْعلم، وَيُقَال: فلَان وضع قدمه فى كَذَا، إِذا شرع فِيهِ بِعَمَلِهِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْقدَم الصدْق: هُوَ الثَّوَاب.

وَالْقَوْل الثَّالِث: حكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْقدَم الصدْق: هُوَ السَّعَادَة فِي الذّكر الأول.

وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن المُرَاد مِنْهُ: هُوَ الرَّسُول، وَقدم صدق: شَفِيع صدق، قَالَه مقَاتل بن حَيَّان.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا لساحر مُبين﴾ وقرىء بقراءتين: " لساحر مُبين "، و " إِن هَذَا لسحر مُبين "؛ فالساحر ينْصَرف إِلَى الرَّسُول، وَالسحر ينْصَرف إِلَى الْقُرْآن.

10:3Page 208

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ربكُم الله الذى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام﴾ فِي الْأَيَّام قَولَانِ:

أَحدهمَا: أَنَّهَا كأيام الْآخِرَة، كل يَوْم ألف سنة. وَالْآخر أَنَّهَا كأيام الدُّنْيَا.

قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ قد بيينا مَذْهَب أهل السّنة فِي الاسْتوَاء؛ وَهُوَ أَنه نؤمن بِهِ وَنكل علمه إِلَى الله تَعَالَى من غير تَأْوِيل وَلَا تَفْسِير.

وَأما الْمُعْتَزلَة: فَإِنَّهُم أولُوا الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ، وَهُوَ بَاطِل عِنْد أهل الْعَرَبيَّة.

حكى عَن أَحْمد بن أبي دَاوُد - وَكَانَ من رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة - أَنه قَالَ لِابْنِ الْأَعرَابِي: أتعرف الْعَرَب الاسْتوَاء؟ بِمَعْنى الإستيلاء فَقَالَ. لَا. ويحكى أَن هَذِه الْمَسْأَلَة جرت فِي مجْلِس الْمَأْمُون، فَقَالَ بشر المريسي: الاسْتوَاء بِمَعْنى الِاسْتِيلَاء، فَقَالَ لَهُ أَبُو السمراء - وَهُوَ رجل من أهل اللُّغَة - اخطأت يَا شيخ؛ فَإِن الْعَرَب لَا تعرف الِاسْتِيلَاء إِلَّا بعد عجز سَابق.

قَوْله تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر﴾ قَالَ مُجَاهِد: يقْضِي الْأَمر ﴿مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه﴾ مَعْنَاهُ: أَن الشفعاء لَا يشفعون إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا رد على النَّضر بن الْحَارِث، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يشفعني اللات والعزى. قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكُم الله ربكُم﴾ يعْنى: ذَلِك الَّذِي فعله هَذَا ربكُم ﴿فاعبدوه أَفلا تذكرُونَ﴾ أَفلا تتعظون.

10:4Page 208

إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا وعد الله حَقًا﴾ نصب وعد الله حَقًا يعْنى: وعد الله وَعدا حَقًا ﴿إِنَّه يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم ﴿ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بِالْعَدْلِ ﴿وَالَّذين كفرُوا لَهُم شراب من حميم﴾ الْحَمِيم هُوَ المَاء الَّذِي انْتهى حره. وَفِي الْقَصَص: أَن النَّار أوقدت عَلَيْهِ مُنْذُ يَوْم خلقهَا إِلَى أَن يدْخل الْكفَّار [فِي] (١) النَّار. قَوْله: {وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا أَي: عَذَاب موجع بكفرهم.

10:5Page 208

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا﴾ الْآيَة، الشَّمْس وَالْقَمَر جسمان نيران، أَحدهمَا أَضْوَأ من الآخر، وَقَوله: ﴿جعل الشَّمْس ضِيَاء﴾ أَي: ذَات ضِيَاء ﴿وَالْقَمَر نورا﴾ أَي: ذَا نور. وَقَوله: ﴿وَقدره منَازِل﴾ مِنْهُم من قَالَ: هَذَا ينْصَرف إِلَى الْقَمَر خَاصَّة، وَمِنْهُم من قَالَ: ينْصَرف إِلَيْهِمَا، إِلَّا أَنه اكْتفى بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر.

ومنازل الْقَمَر ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلا، أساميها مَعْلُومَة عِنْد الْعَرَب، تكون أَرْبَعَة عشر مِنْهَا ظَاهِرَة أبدا، وَأَرْبَعَة عشر مِنْهَا غَائِبَة أبدا، وَكلما طلع وَاحِد غَابَ وَاحِد، وَالْقَمَر ينزل كل لَيْلَة منزلا مِنْهَا.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ يَعْنِي: قدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين وحساب الشُّهُور وَالْأَيَّام. وَقَوله: ﴿مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي: للحق.

قَوْله: ﴿يفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

10:6Page 208

إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم إِلَى آخر الْآيَة، وَقد ذكرنَا من قبل.

10:7Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين لَا يرجون لقاءنا﴾ قَوْله: " لَا يرجون " فِيهِ قَولَانِ:

أَحدهمَا: لَا يخَافُونَ، وَالْآخر: لَا يطمعون.

وَقَوله: ﴿لقاءنا﴾ قد بَينا من قبل. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَرَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ قَتَادَة: لَهَا يطْلبُونَ وَبهَا يفرحون. وَقَوله تَعَالَى: ﴿واطمأنوا بهَا﴾ سكنوا إِلَيْهَا. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم عَن آيَاتنَا غافلون﴾ الْغَفْلَة سَهْو يعتري الْقلب يصرفهُ عَن وجد الْعلم.

10:8Page 209

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

ثمَّ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ مأواهم النَّار بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

10:9Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات يهْدِيهم رَبهم بإيمَانهمْ﴾ قَالَ مُجَاهِد: هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿نورا يمشي بِهِ﴾ . وَقَالَ غَيره: يهْدِيهم رَبهم: يرشدهم رَبهم بإيمَانهمْ إِلَى الْجنَّة ﴿تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار﴾ أَي: من تَحت الْأَشْجَار. قَوْله: ﴿فِي جنَّات النَّعيم﴾ .

10:10Page 209

دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"

ثمَّ قَالَ: ﴿دَعوَاهُم فِيهَا﴾ مَعْنَاهُ: دعاؤهم فِيهَا ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ هَذَا كلمة تَنْزِيه وتبرئة الرب عَن السوء. وَفِي الْأَخْبَار: " أَن قَوْله: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ عَلامَة بَين أهل الْجنَّة والخدم، وَإِذا أَرَادوا الطَّعَام قَالُوا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، فَيدْخل الخدم بالموائد، كل مائدة ميل فِي ميل، قَوَائِمهَا من اللُّؤْلُؤ، على كل مائدة سَبْعُونَ ألف صَحْفَة، فِي كل صَحْفَة لون من الطَّعَام لَا يشبه بعضه بَعْضًا، ثمَّ تجىء الطير كأمثال البخت، قَوَائِمهَا لون، وأجنحتها لون، وبطونها وظهورها لون، فَيَقَع بَين أيدى أهل الْجنَّة فَيَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا يشاءون، ثمَّ تطير كَمَا كَانَت ".

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وتحيتهم فِيهَا سَلام﴾ يعْنى: تَحِيَّة بَعضهم بَعْضًا يكون بِالسَّلَامِ، وَيُقَال مَعْنَاهُ: إِن تَحِيَّة الْمَلَائِكَة لَهُم بِالسَّلَامِ، وَيُقَال: إِن تَحِيَّة الله لَهُم بِالسَّلَامِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخر دَعوَاهُم﴾ مَعْنَاهُ: وَآخر قَوْلهم: ﴿أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ فَيكون ابْتِدَاء أَمرهم بالتسبيح، وانتهاء أَمرهم بِالْحَمْد وَالشُّكْر.

10:11Page 209

۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١

And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ استعجالهم بِالْخَيرِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا فِي قَول الرجل يَقُول عِنْد الْغَضَب لأَهله وَولده: لعنكم الله، لَا بَارك الله فِيكُم، وَمَعْنَاهُ: وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ - يعْنى: الْمَكْرُوه - استعجالهم بِالْخَيرِ أَي: كَمَا يحبونَ استعجالهم بِالْخَيرِ ﴿لقضى إِلَيْهِم أَجلهم﴾ فهلكوا جَمِيعًا وماتوا. وَقَوله: ﴿فَنَذر الَّذين لَا يرجون لقاءنا﴾ أَي: لَا يخَافُونَ لقاءنا ﴿فِي طغيانهم﴾ أَي: فِي ضلالتهم. قَوْله ﴿يعمهون﴾ يَتَرَدَّدُونَ، وَقيل: يتمادون، وَقد ثَبت الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي بشر أغضب كَمَا يغْضب الْبشر، فأيما [رجل] سببته أولعنته فاجعلها لَهُ طهرة وَرَحْمَة ". وَفِي الْبَاب رِوَايَات كَثِيرَة كلهَا صَحِيحَة.

10:12Page 209

وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing.

قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان الضّر﴾ أَي: الْمَكْرُوه ﴿دَعَانَا لجنبه أَو قَاعِدا أَو قَائِما﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هَذَا يحْتَمل مَعْنيين:

أَحدهمَا: إِذا مس الْإِنْسَان الضّر لجنبه أَو قَاعِدا أَو قَائِما دَعَانَا.

وَالْآخر: يحْتَمل إِذا مس الْإِنْسَان الضّر دَعَانَا لجنبه أَو قَاعِدا أَو قَائِما، يَعْنِي: على هَذِه الْأَحْوَال كلهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كشفنا عَنهُ ضره مر﴾ فِيهِ مَعْنيانِ:

أَحدهمَا: مر طاغيا كَمَا كَانَ من قبل، وَالْآخر: اسْتمرّ على مَا كَانَ من قبل. قَالَ بَعضهم فِي هَذَا الْمَعْنى:

(كَأَن الْفَتى لم يعر يَوْمًا إِذا اكتسى ... وَلم تَكُ صعلوكا إِذا مَا تمولا)

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَن لم يدعنا إِلَى ضرّ مَسّه﴾ مَعْنَاهُ: كَأَن لم يطْلب منا كشف ضرمسه. قَوْله ﴿كَذَلِك زين للمسرفين﴾ قَالَ ابْن جريج: كَذَلِك زين للمسرفين {مَا كَانُوا يعْملُونَ) من الدُّعَاء عِنْد الْبلَاء، وَترك الشُّكْر عِنْد الرخَاء. وَفِيه معنى آخر: وَهُوَ أَنه كَمَا زين لكم أَعمالكُم، كَذَلِك زين للمسرفين الَّذين كَانُوا من قبلكُمْ أَعْمَالهم.

10:13Page 209

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٣

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أهلكنا الْقُرُون من قبلكُمْ لما ظلمُوا وجاءتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا ليؤمنوا﴾ قَالَ الزّجاج: هَذَا فِي قوم علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَنعهم الله من الْإِيمَان جَزَاء على كفرهم. قَوْله: ﴿كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن قَول ابْن الْأَنْبَارِي أصح.

10:14Page 209

ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من بعدهمْ﴾ يَعْنِي: خلفاء فِي الأَرْض من بعدهمْ ﴿لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وَمَعْنَاهُ: ليختبركم فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ.

رُوِيَ عَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: يَا ابْن أم عمر، لقد اسْتخْلفت، فَانْظُر كَيفَ تعْمل.

وَرُوِيَ أَنه قَالَ فِي موعظته: أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِن الله استخلفكم لينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ، فأروا الله أَعمالكُم الْحَسَنَة، وَكفوا عَن الْأَعْمَال القبيحة.

10:15Page 210

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur’ān other than this or change it." Say, [O Muḥammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله﴾ رُوِيَ فِي التفاسير أَن الْمُشْركين قَالُوا للنَّبِي: يَا مُحَمَّد، إِن كنت تُرِيدُ أَن نؤمن لَك فأت بقرآن لَيْسَ فِيهِ سبّ آلِهَتنَا، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْبَعْث والنشور وَإِن لم ينزله الله هَكَذَا، فقله من عِنْد نَفسك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. فَإِن قَالَ قَائِل: أيش الْفرق بَين قَوْله: ﴿ائْتِ بقرآن غير هَذَا﴾ [وَقَوله] : ﴿أَو بدله﴾ أَلَيْسَ مَعْنَاهُمَا وَاحِد؟ الْجَواب: أَن مَعْنَاهُمَا مُخْتَلف، وَقَوله: ﴿ائْتِ بقرآن غير هَذَا﴾ يجوز أَن يَأْتِي بِغَيْرِهِ مَعَه، وَقَوله: ﴿أَو بدله﴾ لَا يكون إِلَّا أَن يتْرك هَذَا وَيَأْتِي بِغَيْرِهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لم أقل هَذَا من تِلْقَاء نَفسِي حَتَّى أَقُول غَيره من تِلْقَاء نَفسِي.

10:16Page 210

قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦

Say, "If Allāh had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it.1 Then will you not reason?"

ثمَّ قَالَ: ﴿قل لَو شَاءَ الله مَا تلوته عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: لَو شَاءَ الله مَا أنزل الْقُرْآن عَليّ، ﴿وَلَا أدراكم بِهِ﴾ أَي: وَلَا أعلمكُم الله بِهِ ﴿فقد لَبِثت فِيكُم عمرا من قبله﴾ الْعُمر والعمر بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الشَّاعِر:

(بَان الشَّبَاب وأخلف الْعُمر ... وتنكر الإخوان والدهر)

وَقدر الْعُمر الَّذِي لبث فيهم من قبله: هُوَ أَرْبَعُونَ سنة بِاتِّفَاق أهل الْعلم؛ فَإِن النَّبِي بعث إِلَيْهِم وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، ولبث بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة، وبالمدينة عشرا، وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة. وَفِي رِوَايَة عَن أنس " أَن النَّبِي مكث بِمَكَّة عشرا، وبالمدينة عشرا وتوفاه الله على رَأس سِتِّينَ سنة. وَالرِّوَايَة الأولى أظهر وَأشهر.

قَوْله ﴿أَفلا تعقلون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تفقهون.

10:17Page 210

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧

So who is more unjust than he who invents a lie about Allāh or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بآياته إِنَّه لَا يفلح المجرمون﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

10:18Page 210

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨

And they worship other than Allāh that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allāh." Say, "Do you inform Allāh of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿وَلَا يضرهم﴾ وَلَا شكّ أَنه ضرهم؟

الْجَواب عَنهُ مَعْنَاهُ: لَا يضرهم إِن تركُوا عِبَادَته، وَلَا يَنْفَعهُمْ إِن عبدوه. وَقَوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله وهم لَا يُؤمنُونَ بِالْبَعْثِ؟ .

الْجَواب: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله فِي مصَالح مَعَايِشنَا فِي الدُّنْيَا.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل أتنبئون الله﴾ أَي: أتخبرون الله؟ ﴿بِمَا لَا يعلم فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

وَحَقِيقَة الْآيَة: الرَّد أَو الْإِنْكَار عَلَيْهِم.

10:19Page 210

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاس إِلَّا أمة وَاحِدَة﴾ فِيهِ قَولَانِ:

أَحدهمَا: قَول مُجَاهِد وَهُوَ: أَن النَّاس كَانُوا على الْإِسْلَام فِي زمَان آدم إِلَى أَن قتل أحد ابنيه الآخر ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ .

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْعَرَب كَانُوا على دين إِبْرَاهِيم حَتَّى اخْتلفُوا. وَمن الْمَعْرُوف أَن أول من غير دين إِبْرَاهِيم من الْعَرَب هُوَ عَمْرو بن لحي. وَثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت [عَمْرو] بن لحي يجر قصبه فِي النَّار ".

وَيُقَال فِي الْآيَة: إِن المُرَاد من " الْأمة " أهل سفينة نوح عَلَيْهِ السَّلَام.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك﴾ يَعْنِي: فِي التَّأْجِيل والإمهال ﴿لقضى بَينهم فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَي: لحكم بَينهم فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

10:20Page 210

وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ الرَّسُول قد أَتَى بِالْآيَاتِ على زعمكم؟

الْجَواب عَنهُ: بلَى، وَمعنى الْآيَة: هلا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه على مَا نقترحه.

﴿فَقل إِنَّمَا الْغَيْب لله﴾ يَعْنِي: علم الْغَيْب لله، إِن شَاءَ أَتَى بِالْآيَةِ الَّتِي تسألونها وَإِن شَاءَ لم يَأْتِ ﴿فانتظروا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين﴾ يَعْنِي: انتظروا الْغَيْب إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين.

10:21Page 211

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة من بعد ضراء مستهم﴾ الذَّوْق: تنَاول مَاله طعم بفمه ليجد طعمه، فَأَما الرَّحْمَة هَاهُنَا فِيهَا قَولَانِ:

أَحدهمَا: أَنَّهَا الْعَافِيَة، وَالْآخر: أَنَّهَا الخصب وَالنعْمَة.

وَالضَّرَّاء فِيهَا قَولَانِ:

أَحدهمَا: أَنَّهَا الشدَّة، وَالْآخر: أَنَّهَا الجدب والقحط.

﴿مستهم﴾ أَي: أَصَابَتْهُم. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذا لَهُم مكر فِي آيَاتنَا﴾ الْمَكْر: صرف الشَّيْء عَن وَجهه بطرِيق الْحِيلَة. قَالَ مُجَاهِد: ﴿إِذا لَهُم مكر فِي آيَاتنَا﴾ أَي: تَكْذِيب واستهزاء.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل الله أسْرع مكرا﴾ يَعْنِي: أَشد أخذا. وَيُقَال: مَعْنَاهُ: إِن مَا يَأْتِي من الْعَذَاب من قبله أسْرع فِي إهلاككم مِمَّا يَأْتِي مِنْكُم فِي دفع الْحق وتكذيبه.

وَقَوله: ﴿إِن رسلنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

10:22Page 211

هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ قُرِئت بقراءتين: " يسيركم " و " ينشركم "، وَالْمَعْرُوف: " يسيركم " وَمَعْنَاهُ: تسهيل طَرِيق السّير عَلَيْكُم فِي الْبر وَالْبَحْر. وَأما من قَرَأَ: " ينشركم " مَعْنَاهُ: يبثكم. وَرُوِيَ عَن الضَّحَّاك أَنه قَالَ: الْبَحْر هُوَ الْأَمْصَار، وَالْبر هُوَ الْبَوَادِي. وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك﴾ قَالَ أهل اللُّغَة: الْفلك تؤنث وتذكر. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وجرين بهم﴾ وَقَالُوا أَيْضا: إِن الْفلك يكون بِمَعْنى الْوَاحِد وَبِمَعْنى الْجمع. وَقَوله: ﴿برِيح طيبَة﴾ أَي: هينة لينَة.

وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الرّيح من روح الله، فسألوا الله من خَيرهَا، وتعوذوا بِاللَّه من شَرها ".

فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم﴾ فَهَذَا تَغْيِير الْكَلَام عَن وَجهه؟

وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْعَرَب تقيم المعاينة مقَام المخاطبة، والمخاطبة مقَام المعاينة، قَالَ الشَّاعِر:

(وشطت مَزَار العاشقين فَأَصْبَحت ... عسيرا على طلابك ابْنة مخرم)

وَمِنْهُم من قَالَ: معنى الْآيَة: حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة يَا مُحَمَّد. وَقَوله: ﴿وفرحوا بهَا جاءتها ريح عاصف﴾ وَهِي الشَّدِيدَة الْمهْلكَة، قَالَ الشَّاعِر:

(فِي فيلق شهباء ملمومة ... تعصف بالحاسر والدارع)

وَقَوله: ﴿وجاءهم الموج من كل مَكَان﴾ الموج: مَا يظْهر على الْبَحْر من الرّيح.

﴿وجاءهم الموج من كل مَكَان وظنوا أَنهم أحيط بهم دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾

وَقَوله: ﴿وظنوا﴾ وتيقنوا ﴿أَنهم أحيط بهم﴾ يُقَال لمن كَانَ فِي بلَاء وَشدَّة: إِنَّه قد أحيط بِهِ. وَقَوله: ﴿دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم أَخْلصُوا فِي الدُّعَاء، وَلم يدعوا أحدا سوى الله. وَقَوله: ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

10:23Page 211

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣

But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ الْبَغي: هُوَ قصد الاستعلاء على الْغَيْر بالظلم، وَالْبَغي هَا هُنَا بِمَعْنى الْفساد، وَيُقَال: بغي الْجرْح إِذا أدّى إِلَى الْفساد، وبغت الْمَرْأَة إِذا فجرت.

وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يُؤَخر الله صَاحب بغي " أَي: لَا يمهله. وَفِي الْأَخْبَار - أَيْضا -: " الْبَغي مصراعة ".

ثمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم﴾ أَي: وبال بَغْيكُمْ عَلَيْكُم.

قَوْله ﴿مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وقرىء: " مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا "؛ فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع مَعْنَاهُ: هُوَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمن قَرَأَ بِالنّصب مَعْنَاهُ: يمتعون مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا. وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: الْمَتَاع: زَاد الرَّاكِب. وَقَالَ أهل الْمعَانِي: حَقِيقَة معنى الْآيَة: أَن الْبَغي مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِلَيْنَا مرجعكم فننبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: نخبركم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ.

10:24Page 211

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا صفة الْحَيَاة الدُّنْيَا ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء﴾ أَي: من السَّحَاب ﴿فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض﴾ يَعْنِي: اخْتَلَط الْمَطَر بالنبات، والنبات بالمطر ﴿مِمَّا يَأْكُل النَّاس والأنعام﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا أخذت الأَرْض زخرفها﴾ الزخرف: كَمَال الْحسن، وَالذَّهَب زخرف؛ لكماله فِي الْحسن، وَمعنى الزخرف هَاهُنَا: الْبَهْجَة والنضرة. وَقَوله: ﴿وازينت﴾ أَي: تزينت، وَقَالُوا مَعْنَاهُ: أنبتت وأثمرت وأينعت.

وَقَوله: ﴿وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون عَلَيْهَا﴾ مَعْنَاهُ: وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون على جذاذها وقطافها وحصادها. وَقَوله: ﴿أَتَاهَا أمرنَا لَيْلًا أَو نَهَارا﴾ أَي: عذابنا لَيْلًا أَو نَهَارا. وَقَوله: ﴿فجعلناها حصيدا﴾ الحصيد: المحصود، وَالْمعْنَى هَا هُنَا: هُوَ الاستئصال بِالْعَذَابِ. وَقَوله: ﴿كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: كَأَن لم تعمر بالْأَمْس. وَقَالَ غَيره: كَأَن لم يكن قَائِما بالْأَمْس، يُقَال: غنى فلَان بِالْمَكَانِ إِذا قَامَ فِيهِ، والمغاني هِيَ الْمنَازل، قَالَ لبيد:

(وَلَقَد سئمت من الْحَيَاة وطولها ... وسؤال هَذَا النَّاس كَيفَ لبيد)

(وغنيت سبتا قبل مجْرى داحس ... لَو كَانَ للنَّفس اللجوج خُلُود)

وَمعنى غنيت: أَقمت، والسبت: الدَّهْر هَاهُنَا.

قَالَ قَتَادَة: معنى الْآيَة: هُوَ أَن المتشبث بالدنيا يَأْتِيهِ أَمر الله وعذابه أغفل مَا يكون وأعجب بهَا.

وَقَوله ﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يتفكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

10:25Page 211

وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥

And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.

قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ فِي الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " مَا من يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس إِلَّا وبجنبتيها ملكان يسمعان الْخَلَائق إِلَّا الثقلَيْن: أَلا هلموا إِلَى ربكُم، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يدعوا إِلَى دَار السَّلَام﴾ . وَفِي الْآثَار - أَيْضا -: " أَنه مَا من يَوْم وَلَا ليل إِلَّا وينادى مُنَاد: يَا طَالب الْخَيْر هَلُمَّ، وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر.

وَأما دَار السَّلَام: فالدار هِيَ الْجنَّة، وَفِي السَّلَام قَولَانِ:

أَحدهمَا: أَنه هُوَ الله. وَالْآخر: أَن السَّلَام بِمَعْنى السَّلامَة؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام من الْآفَات.

وروى أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر، عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَن النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن على رَأْسِي جِبْرِيل، وَكَأن على رجْلي مِيكَائِيل، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: اضْرِب لَهُ مثلا، فَقَالَ الآخر: مثلك يَا مُحَمَّد مثل ملك بنى دَارا ثمَّ بنى فِي دَار بَيْتا، ثمَّ وضع فِي الْبَيْت مأدبة، ثمَّ دَعَا إِلَيْهَا النَّاس، فَمنهمْ التارك وَمِنْهُم الْمُجيب، فالملك: هُوَ الله تَعَالَى، وَالدَّار: هُوَ الْإِسْلَام، وَالْبَيْت: الْجنَّة، والداعي: أَنْت، فَمن أجَاب دخل الْجنَّة، وَمن دخل الْجنَّة أكل مِنْهَا ".

وَقَوله: ﴿وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم: هُوَ الْإِسْلَام، وَفِيه أَقْوَال أخر، ذَكرنَاهَا من قبل.

10:26Page 212

۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦

For them who have done good is the best [reward] - and extra.1 No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally.

قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ الْإِحْسَان هَاهُنَا: الْإِسْلَام، وَالْإِحْسَان: هُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله. وَاخْتلفُوا فِي الْحسنى وَزِيَادَة، فَروِيَ عَن أبي بكر الصّديق وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَابْن عَبَّاس، وَحُذَيْفَة، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنهم قَالُوا: الْحسنى: هِيَ الْجنَّة، وَالزِّيَادَة: هِيَ النّظر إِلَى الله عز وَعلا. وروى أَبُو الْقَاسِم بن بنت منيع، عَن هدبة بن خَالِد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، عَن صُهَيْب - رَضِي الله عَنْهُم - أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة قَالَ الله - تَعَالَى -: يَا أهل الْجنَّة، إِن لكم عِنْدِي موعدا وَأَنا منجزكموه، فَقَالُوا: وَمَا ذَلِك؟ ألم تبيض وُجُوهنَا؟ ألم تثقل موازيننا؟ ألم تُدْخِلنَا الْجنَّة وتخلصنا من النَّار؟ قَالَ: فيتجلى لَهُم فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجهه، فَمَا أعْطوا شَيْئا هُوَ أحب (إِلَيْهِم) من النّظر إِلَيْهِ، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ ".

﴿للَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾

قَالَ الإِمَام أَبُو المظفر: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور بِالتَّخْفِيفِ بِبَغْدَاد قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن حبابة قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن بنت منيع ... الْخَبَر خرجه مُسلم فِي " الصَّحِيح ".

وَفِي الْآيَة أَقْوَال آخر.

وروى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: الزِّيَادَة: غرفَة من اللُّؤْلُؤ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب. وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: الْحسنى: هِيَ الْمثل من الثَّوَاب، وَالزِّيَادَة: هِيَ الزِّيَادَة على الْمثل إِلَى سَبْعمِائة ضعف. وَقَالَ مُجَاهِد: الْحسنى، هِيَ الْمثل، وَالزِّيَادَة: رضوَان الله تَعَالَى.

قَوْله ا \ تَعَالَى: ﴿وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة﴾ القتر: سَواد الْوَجْه، وأصل (القتار) : هُوَ الدُّخان.

قَوْله: ﴿وَلَا ذلة﴾ أَي: هوان.

قَوْله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

10:27Page 212

وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allāh no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا﴾ الْآيَة، هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يَجْزِي إِلَّا مثلهَا﴾ . قَوْله: ﴿ [و] ترهقهم ذلة﴾ أَي: تغشاهم ذلة، أَي: ذل. ﴿مَا لَهُم من الله من عَاصِم﴾ أَي: مَانع. وَقَوله: ﴿كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا﴾ قُرِئت بقراءتين: " قطعا " و " قطعا "، فالقطع بتحريك الطَّاء - جمع الْقطعَة، وَالْقطع - بِسُكُون الطَّاء - وَاحِد.

فَإِن قيل: كَيفَ لم يقل: " قطعا من اللَّيْل مظْلمَة "؟

قُلْنَا: تَقْدِير الْآيَة: قطعا من اللَّيْل فِي حَال ظلمته، هَكَذَا قَالَه أهل اللُّغَة.

﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском