As-Sam'aniHud · 11:94–123

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Hud 11:94–123

11:94Page 232

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤

And when Our command came, We saved Shuʿayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَ أمرنَا﴾ مَعْنَاهُ: لما جَاءَ وَقت عذابنا ﴿نجينا شعيبا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ والصيحة: الْهَلَاك، تَقول الْعَرَب: صَاح فلَان فِي مَال فلَان أَي: أهلكه، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

(فدع عَنْك نهبا صِيحَ فِي حجراته ... وَلَكِن حَدِيثا مَا حَدِيث الرَّوَاحِل)

رُوِيَ أَن عليا - رَضِي الله عَنهُ - تمثل بِهَذَا الْبَيْت فِي بعض أُمُوره.

وَيُقَال: إِن الصَّيْحَة هَاهُنَا صَيْحَة جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - صَاح بهم صَيْحَة وَاحِدَة فماتوا عَن آخِرهم، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين﴾ أَي: ميتين خامدين، لَا يتحركون.

11:95Page 232

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥

As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamūd was taken away.

قَوْله: ﴿كَأَن لم يغنوا فِيهَا﴾ مَعْنَاهُ: كَأَن لم يَكُونُوا يُقِيمُونَ فِيهَا منعمين مسرورين.

وَقَوله: ﴿أَلا بعدا لمدين كَمَا بَعدت ثَمُود﴾ مَعْنَاهُ: أَلا خيبة وهلاكا لمدين كَمَا خابت وَهَلَكت ثَمُود.

11:96Page 232

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين﴾ مَعْنَاهُ: بِآيَاتِنَا التسع، وسلطان مُبين أَي: حجَّة بَيِّنَة، وكل سُلْطَان ذكر فِي الْقُرْآن فَهُوَ بِمَعْنى الْحجَّة. وَقيل: السُّلْطَان مَأْخُوذ من السليط، وَهُوَ الزَّيْت الَّذِي يستضاء بِهِ.

11:97Page 232

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧

To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.

قَوْله: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وملئه﴾ وملأه مَعْلُوم. قَوْله: ﴿فاتبعوا أَمر فِرْعَوْن وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد﴾ مَعْنَاهُ: اتبعُوا أَمر فِرْعَوْن فِي اتِّخَاذه إِلَهًا وَترك الْإِيمَان بمُوسَى ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد﴾ أَي: بمرشد إِلَى خير وَصَلَاح.

11:98Page 233

يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨

He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة﴾ مَعْنَاهُ: يتَقَدَّم قومه يَوْم الْقِيَامَة ﴿فأوردهم النَّار﴾ فأدخلهم النَّار. ﴿وَبئسَ الْورْد المورود﴾ مَعْنَاهُ: بئس الدَّاخِل وَبئسَ الْمدْخل.

وَفِي بعض المسانيد: عَن أبي بردة، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - رَضِي الله عَنهُ - أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع الله الْخَلَائق فِي صَعِيد وَاحِد، ثمَّ يرفع لكل قوم آلِهَتهم الَّتِي كَانُوا يعبدونها من دون الله، فيوردونهم النَّار، وَيبقى الْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُول الله عز وَعلا لَهُم: مَاذَا تنتظرون؟ فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِر رَبًّا كُنَّا نعبده بِالْغَيْبِ، فَيَقُول لَهُم: هَل تعرفونه؟ فَيَقُولُونَ: إِن شَاءَ عرفنَا نَفسه. قَالَ: فيتجلى لَهُم، فَيَخِرُّونَ لَهُ سجدا، فَيَقُول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أهل التَّوْحِيد، ارْفَعُوا رءوسكم؛ فقد أوجبت لكم الْجنَّة، وَجعلت مَكَان كل وَاحِد مِنْكُم يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا ".

11:99Page 233

وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩

And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift1 which is given.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأتبعوا فِي هَذِه لعنة﴾ مَعْنَاهُ: فِي الدُّنْيَا لعنة بِعَذَاب التَّفْرِيق ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة﴾ لعنة بِعَذَاب النَّار. وَقَوله: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ يَعْنِي: بئست اللَّعْنَة بعد اللَّعْنَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: بئس العون (المعان) ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: أَن اللَّعْنَة جعلت لَهُم فِي مَوضِع المعونة. وَقيل: بئس الْعَطاء الْمُعْطِي.

11:100Page 233

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠

That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك من أنباء الْقرى نَقصه عَلَيْك﴾ مَعْنَاهُ: من أَخْبَار الْقرى نَقصه عَلَيْك ﴿مِنْهَا قَائِم وحصيد﴾ أَي: مِنْهَا معمور وخراب. وَقيل مَعْنَاهُ: مِنْهَا قَائِم أَي: بقيت الْحِيطَان، وَسَقَطت السقوف. وَمِنْهَا حصيد: أَي: انمحى أَثَره.

11:101Page 233

وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١

And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن ظلمُوا أنفسهم﴾ قد بَيناهُ من قبل. وَقَوله: ﴿فَمَا أغنت عَنْهُم آلِهَتهم الَّتِي يدعونَ من دون الله من شَيْء لما جَاءَ أَمر بك﴾ يَعْنِي: بِالْعَذَابِ. وَقَوله: ﴿وَمَا زادوهم غير تتبيب﴾ أَي: غي تخسير. وَقيل: غير تدمير.

11:102Page 233

وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢

And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذْ أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة﴾ وَجه التَّشْبِيه أَن أَخذه هَؤُلَاءِ فِي حَال الظُّلم والشرك كأخذه أهل الْقرى حِين كَانُوا فِي مثل حَالهم من الظُّلم والشرك. وَقَوله: ﴿إِن أَخذه أَلِيم شَدِيد﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله بمهل الظَّالِم - أَو يملي الظَّالِم - حَتَّى إِذا أَخذه لم يفلته " ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة﴾ وَالْخَبَر فِي " الصَّحِيحَيْنِ " بِرِوَايَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

11:103Page 233

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣

Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة﴾ مَعْنَاهُ: لعبرة ﴿لمن خَافَ عَذَاب الْآخِرَة﴾ ظَاهر الْمَعْنى ﴿ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة يجمع الله فِيهِ الْأَوَّلين والآخرين ﴿وَذَلِكَ يَوْم مشهود﴾ يَعْنِي: يشهده جَمِيع الْخلق. وَقيل: أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض.

11:104Page 233

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤

And We do not delay it except for a limited term.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نؤخره إِلَّا لأجل مَعْدُود﴾ يَعْنِي: إِلَّا لوقت مَعْلُوم عِنْد الله لَا عِنْد النَّاس.

وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ: مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة، لَا يدْرِي أحدكُم مَا مضى مِنْهَا وَكم بَقِي.

11:105Page 233

يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥

The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.

وَقَوله: ﴿يَوْم يَأْتِ﴾ وَقُرِئَ: " يَوْم يَأْتِي " بِالْيَاءِ. وَحكى الْخَلِيل وسيبويه أَن الْعَرَب تَقول: لَا أدر، أَي: لَا أَدْرِي. وَذكر الْفراء أَن الْعَرَب تجتزيء بالكسرة عَن الْيَاء بعْدهَا. وَقَوله: ﴿لَا تكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فِي الْآيَة سُؤال مَعْرُوف وَهُوَ: أَن الله تَعَالَى قد قَالَ فِي (مَوضِع) آخر: ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لَا تكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا؟

الْجَواب: قد ذكرنَا أَن فِي الْقِيَامَة مَوَاقِف؛ فَفِي موقف يَتَكَلَّمُونَ ويتساءلون، وَفِي مَوضِع يسكتون وَلَا يَتَكَلَّمُونَ، وَفِي موقف يخْتم على أَفْوَاههم وتتكلم جوارحهم، وَقيل غير هَذَا، وَقد بَينا.

وَقَوله: ﴿فَمنهمْ شقي وَسَعِيد﴾ الشقاوة: قُوَّة أَسبَاب الْبلَاء، والسعادة: قُوَّة أَسبَاب النِّعْمَة. وَمعنى الْآيَة هَاهُنَا عِنْد أهل السّنة: فَمنهمْ شقي سبقت لَهُ الشقاوة، وَمِنْهُم سعيد سبقت لَهُ السَّعَادَة.

وَفِي الْأَخْبَار المسندة: أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لما حَضرته الْوَفَاة أُغمي عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: أَتَانِي ملكان فظان غليظان وجراني وَقَالا: تعال نحاكمك إِلَى الْعَزِيز الْأمين، قَالَ: فلقيهما ملك وَقَالَ: أَيْن تريدان بِهِ؟ قَالَا: نحاكمه إِلَى الْعَزِيز الْأمين، فَقَالَ لَهما: خليا عَنهُ، فَإِنَّهُ مِمَّن سبقت لَهُ السَّعَادَة فِي الذّكر الأول.

وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي خبر ملك الْأَرْحَام: " إِنَّه إِذا كتب أَجله وَعَمله ورزقه يَقُول: يَا رب، أشقي أم سعيد؟ فَيَقُول الله تَعَالَى، وَيكْتب الْملك ". خرجه مُسلم.

وروى ابْن عمر عَن عمر - رَضِي الله عَنْهُمَا - " أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمنهمْ شقي وَسَعِيد﴾ قَالَ عمر: يَا رَسُول الله: فيمَ الْعَمَل؟ أنعمل فِي أَمر قد فرغ مِنْهُ وَجَرت بِهِ الأقلام، أَو فِي أَمر لم يفرغ مِنْهُ؟ فَقَالَ: بل فِي أَمر قد فرغ مِنْهُ وَجَرت بِهِ الأقلام يَا عمر، وَلَكِن كل ميسر لما خلق لَهُ ". أوردهُ أَبُو عِيسَى فِي جَامعه.

وَقَالَ بَعضهم: إِن السَّعَادَة والشقاوة هَاهُنَا فِي الرزق والحرمان. وَقَالَ بَعضهم: الشقاوة: بِالْعَمَلِ السيء، والسعادة: بِالْعَمَلِ الْحسن. والمأثور الصَّحِيح هُوَ الأول.

11:106Page 233

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦

As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.1

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين شَقوا فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق﴾ هَذِه الْآيَة تعد من مشكلات الْقُرْآن، وَقد أَكثر الْعلمَاء فِيهَا الْأَقْوَال، وَنَذْكُر مَا يعْتَمد عَلَيْهِ:

أما الزَّفِير: قيل: إِنَّه صَوت فِي الْحلق، والشهيق: صَوت فِي الْجوف. وَيُقَال: إِن الزَّفِير: أول نهاق الْحمير، والشهيق: آخر نهاق الْحمير.

11:107Page 233

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧

[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.

وَقَوله: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أما بِالْمَعْنَى الْمَأْثُور: روى الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْآيَة نزلت فِي قوم من الْمُؤمنِينَ يدخلهم الله تَعَالَى النَّار، ثمَّ يخرجهم مِنْهَا إِلَى الْجنَّة، ويسمون الجهنميين. وَقد ثَبت بِرِوَايَة جَابر أَن النَّبِي قَالَ: " يخرج الله قوما من النَّار قد صَارُوا (حمما) فيدخلهم الْجنَّة ".

وَفِي الْبَاب أَخْبَار كَثِيرَة.

فعلى هَذَا القَوْل معنى الْآيَة: فَأَما الَّذين شَقوا: هَؤُلَاءِ الَّذين أدخلهم النَّار ﴿لَهُم فِيهَا زفير وشهيق﴾ ظَاهر الْمَعْنى ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ مقيمين فِيهَا ﴿مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ عبر بِهَذَا عَن طول الْمكْث.

وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبك إِن رَبك فعال لما يُرِيد﴾ الِاسْتِثْنَاء وَقع على مَا بعد الْإِخْرَاج من النَّار بشفاعة الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ.

11:108Page 233

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨

And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.

وَأما قَوْله: ﴿وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة﴾ أَرَادَ بِهِ الْمُؤمنِينَ الَّذين أدخلهم الْجنَّة من غير أَن يدخلُوا فِي النَّار. وَقَوله: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: مقيمين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض، كنى بِهَذَا عَن طول الْمكْث، وَالْعرب تَقول مثل هَذَا وتريد بِهِ الْأَبَد، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: لَا آتِيك مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض يَعْنِي: لَا آتِيك أبدا، وَلَا آتِيك مَا كَانَ لله فِي الْبَحْر قَطْرَة يَعْنِي: لَا آتِيك أبدا. فَخرج هَذَا الْكَلَام على مخرج كَلَام الْعَرَب. وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ الِاسْتِثْنَاء وَقع على الْمدَّة الَّتِي كَانُوا فِي النَّار قبل إدخالهم الْجنَّة.

وَفِي الْآيَة قَولَانِ آخرَانِ معروفان سوى هَذَا عِنْد أهل الْمعَانِي:

أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ هُوَ على ظَاهره، أَي: مُدَّة بَقَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ مَعْنَاهُ: سوى مَا شَاءَ رَبك من الزِّيَادَة على مُدَّة بقائهما. وَحكى الْفراء عَن الْعَرَب أَنهم يَقُولُونَ: لَك عَليّ ألف إِلَّا الْأَلفَيْنِ يَعْنِي: سوى الْأَلفَيْنِ الَّذين تقدما.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: مَا دَامَ سموات الْجنَّة وأرضها. وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ الِاسْتِثْنَاء وَاقِف على زمَان الْوُقُوف فِي الْقِيَامَة وَمُدَّة الْمكْث فِي الْقَبْر.

وَقيل فِي الِاسْتِثْنَاء قَول ثَالِث وَهُوَ: أَنه قَالَ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو شَاءَ لقطع التخليد عَلَيْهِم، وَلَكِن لَا يَشَاء، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا [يكون] لنا ان نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين، وَلَكِن لَا يَشَاء الله. وَقَوله: {إِن رَبك فعال لما يرد﴾ يَعْنِي: لَا يمْتَنع عَلَيْهِ شَيْء، وَقَالَ فِي الْآيَة الثَّانِيَة: ﴿عَطاء غير مجذوذ﴾ غير مَقْطُوع.

وَفِي بعض التفاسير عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: يَأْتِي على جَهَنَّم زمَان لَا يبْقى فِيهَا أحد. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَرِيبا من هَذَا.

وَمعنى هَذَا عِنْد أهل السّنة - إِن ثَبت - أَن المُرَاد مِنْهُ الْموضع الَّذِي فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ من النَّار، ثمَّ يخرجُون عَنهُ فَلَا يبْقى فِيهَا أحد، وَأما مَوَاضِع الْكفَّار فَهِيَ ممتلئة بهم أَبَد الْأَبَد على مَا نطق بِهِ الْكتاب وَالسّنة، نَعُوذ بِاللَّه من النَّار.

11:109Page 234

فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩

So do not be in doubt, [O Muḥammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مرية﴾ فِي شكّ ﴿مِمَّا يعبد هَؤُلَاءِ﴾ يُقَال: إِن الْخطاب مَعَه وَالْمرَاد مِنْهُ الْأمة. وَقَوله: ﴿مَا يعْبدُونَ إِلَّا كَمَا يعبد آباؤهم من قبل﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لموفوهم نصِيبهم غير مَنْقُوص﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس مَعْنَاهُ: لموفوهم نصِيبهم من الْخَيْر وَالشَّر بِلَا نُقْصَان.

11:110Page 234

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠

And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب فَاخْتلف فِيهِ﴾ المُرَاد من الْآيَة: تَسْلِيَة النَّبِي، كَأَنَّهُ قَالَ: إِن اخْتلفُوا عَلَيْك وَلم يُؤمنُوا بك فقد اخْتلفُوا على مُوسَى وَلم يُؤمنُوا بِهِ. وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك﴾ يَعْنِي: لَوْلَا مَا سبق من حكم الله بِتَأْخِير الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿لقضي بَينهم﴾ أَي: لعذبوا فِي الْحَال وأهلكوا. وَقَوله: ﴿وَإِنَّهُم لفي شكّ مِنْهُ مريب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

11:111Page 234

وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كلا﴾ قرئَ: " وَإِن " و " إِن " - بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد -، أما " إِن " و " إِن " قَالُوا: هما بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الشَّاعِر:

((وَوجه) حسن النَّحْر ... كَأَن ثدييه حقان)

مَعْنَاهُ: كَأَن ثدييه حقان.

وَقَوله: ﴿لما﴾ بِالتَّخْفِيفِ قيل: " لما " بِمَعْنى " لمن "، وَيُقَال: إِن اللَّام للقسم، كَأَن الله تَعَالَى قَالَ: وَإِن كلا لمن الله ليوفينهم رَبك أَعْمَالهم. وَأما قَوْله: " لما " بِالتَّشْدِيدِ قيل: معنى " لما " بِالتَّشْدِيدِ هُوَ مَعْنَاهَا بِالتَّخْفِيفِ. ذكره الْمَازِني.

وَقَالَ الْأَزْهَرِي: أصح الْمعَانِي أَن " لما " بِمَعْنى " إِلَّا " أَي: وَإِلَّا ليوفينهم رَبك أَعْمَالهم ﴿إِنَّه بِمَا يعْملُونَ خَبِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

11:112Page 234

فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاستقم كَمَا أمرت﴾ معنى الاسْتقَامَة: هُوَ المداومة على مُوجب الْأَمر وَالنَّهْي. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي مُسلم الْخَولَانِيّ، عَن عمر بن الْخطاب - وَالصَّحِيح عَن أبي ذَر - أَنه قَالَ: " لَو صليتم حَتَّى تَكُونُوا كالحنايا، وصمتم حَتَّى تَكُونُوا كالحنائر - وَمَعْنَاهُ: كالأوتاد - ثمَّ كَانَ الِاثْنَان أحب إِلَيْكُم من الْوَاحِد لم تبلغوا حد الاسْتقَامَة ". روى هَذَا الْخَبَر جمَاعَة من الزهاد؛ رَوَاهُ حَاتِم الْأَصَم، عَن شَقِيق، عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم، عَن مَالك بن دِينَار، عَن أبي مُسلم بِهَذَا الْإِسْنَاد.

وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف: أَن النَّبِي قَالَ: " اسْتَقِيمُوا وَلنْ تُحْصُوا، وَلنْ يحافظ على الْوضُوء إِلَّا مُؤمن ". وَعَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: الاسْتقَامَة: أَن تستقيم على الْأَمر وَالنَّهْي، وَلَا تروغ روغان الثعالب. وَهَذَا أثر مَشْهُور.

وَقد رُوِيَ غير هَذَا فِي الاسْتقَامَة، يذكر فِي موضعهَا.

وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَيْضا: أَن النَّبِي قَالَ: " شيبتني هود " وَفِيه مَعْنيانِ:

أَحدهمَا: قَالَ هَذَا لِكَثْرَة مَا ذكر الله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة من إهلاك الْقُرُون الْمَاضِيَة (و) الْأُمَم السالفة.

وَالْمعْنَى الثَّانِي: أَنه قَالَ؛ لقَوْله تَعَالَى ﴿فاستقم كَمَا أمرت﴾ .

وَقَوله: ﴿وَمن تَابَ مَعَك﴾ مَعْنَاهُ: وَمن أسلم مَعَك. وَقَوله: ﴿وَلَا تطغوا﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: وَلَا تطغوا فِي الاسْتقَامَة يَعْنِي: لَا تَزِيدُوا على مَا أمرت ونهيت، فتحرموا مَا أحل الله، وتكلفوا أَنفسكُم مَا لم يشرعه الله وَلم يَفْعَله الرَّسُول وَأَصْحَابه.

وَالْمعْنَى الثَّانِي: الطغيان هُوَ البطر لزِيَادَة النِّعْمَة. وَقيل: الطغيان وَالْبَغي بِمَعْنى وَاحِد.

﴿إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

11:113Page 234

وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فمسكم النَّار﴾ الركون: هُوَ الْمحبَّة والمودة والميل بِالْقَلْبِ. وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي قَالَ: هُوَ الرِّضَا بأعمالهم. وَعَن السّديّ قَالَ: هُوَ المداهنة مَعَهم. وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: هُوَ طاعتهم. وَقَوله: ﴿فتمسكم النَّار﴾ أَي: فتصيبكم النَّار.

وَقَوله: ﴿وَمَا لكم من دون الله من أَوْلِيَاء ثمَّ لَا تنْصرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

11:114Page 234

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: طرفِي النَّهَار: الصُّبْح وَالْعصر، ﴿وَزلفًا من اللَّيْل﴾ : الْمغرب وَالْعشَاء.

وَقَالَ مُجَاهِد: طرفِي النَّهَار: الصُّبْح وَالظّهْر وَالْعصر، وَزلفًا من اللَّيْل: الْمغرب وَالْعشَاء.

وعَلى هَذَا القَوْل: الْآيَة جَامِعَة للصلوات الْخمس. وَعَن بَعضهم: طرفا النَّهَار: الصُّبْح وَالْمغْرب، وَزلفًا من اللَّيْل: الْعَتَمَة.

وَمعنى قَوْله: ﴿زلفا من اللَّيْل﴾ سَاعَات اللَّيْل. وَقيل: سَاعَة من اللَّيْل. وَقَرَأَ مُجَاهِد: " وزلفى من اللَّيْل " وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن: " وَزلفًا من اللَّيْل ". وَالْمَعْرُوف: زلفا من اللَّيْل. قَالَ الشَّاعِر:

(طي اللَّيَالِي زلفا فزلفا ... سماوة الْهلَال حَتَّى احقوقفا) وَسبب نزُول الْآيَة: مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - " أَن رجلا أَتَى النَّبِي فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي دخلت بستانا فَأَصَبْت امْرَأَة، فنلت مِنْهَا مَا ينَال الرجل من امْرَأَته، إِلَّا أَنِّي لم أجامعها، وَهَا أَنا ذَا بَين يَديك فَاصْنَعْ مَا شِئْت، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وأقم الصَّلَاة﴾ إِلَى ان قَالَ: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ . قَالَ معَاذ بن جبل: يَا رَسُول الله - وَفِي رِوَايَة قَالَ: جَاءَ رجل من الْقَوْم فَقَالَ: يَا رَسُول الله - هَذَا لَهُ خَاصَّة أَو للْمُسلمين عَامَّة؟ فَقَالَ رَسُول الله: بل للْمُسلمين عَامَّة ".

وروى أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ: " أَن رجلا أَتَى رَسُول الله وَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِنِّي أصبت حدا فأقمه عَليّ، فَقَالَ: هَل شهِدت مَعنا هَذِه الصَّلَاة وَقد تطهرت؟ فَقَالَ: نعم. قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: اذْهَبْ فقد غفر الله لَك مَا أصبت ". وروت عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن النَّبِي قَالَ: " لَو أَن نَهرا بِبَاب أحدكُم يغْتَسل فِيهِ خمس مَرَّات فِي الْيَوْم، هَل يبْقى من درنه شَيْئا؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُول الله. قَالَ: فَذَلِك مثل الصَّلَوَات الْخمس يمحو الله بهَا الْخَطَايَا ". وَهَذَا خبر صَحِيح.

وَفِي تَكْفِير الْخَطَايَا بالصلوات الْخمس خبر عُثْمَان - رَضِي الله عَنهُ - وَذكر فِيهِ: " أَن كل صَلَاة تكفر مَا بَينهَا وَبَين الصَّلَاة الْأُخْرَى ". وَعَن سلمَان - رَضِي الله عَنهُ - أَنه كَانَ قَاعِدا فِي ظلّ شَجَرَة فَأخذ مِنْهَا غصنا يَابسا وهزه فتحات عَنهُ الْوَرق، ثمَّ قَالَ: هَل تَدْرُونَ لم فعلت هَذَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: من تطهر وَصلى الصَّلَوَات الْخمس تحاتت عَنهُ الذُّنُوب كَمَا تحات هَذَا الْوَرق من هَذَا الْغُصْن. وَعَن أبي الْيُسْر - رجل من الْأَنْصَار - " أَن امْرَأَة أَتَت إِلَيْهِ تطلب تَمرا تشتريه، فَقَالَ: فِي الدّكان تمر أَجود مِمَّا ترينه، قَالَ: فَدخلت الدّكان فقبلها والتزمها، وَأصَاب مِنْهَا مَا يُصِيب الرجل من امْرَأَته إِلَّا أَنه لم يُجَامِعهَا، ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي - عَلَيْهِ السَّلَام - وَذكر لَهُ ذَلِك، وَقَالَ: افْعَل بِي مَا شِئْت، فَسكت النَّبِي سَاعَة، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ .

وَرُوِيَ عَن معَاذ أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله، أوصني، فَقَالَ: " اتَّقِ الله حَيْثُمَا كنت، وأتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها، وخالق النَّاس بِخلق حسن ".

فَهَذِهِ الْأَخْبَار كلهَا دَالَّة على معنى الْآيَة.

وَفِي بعض التفاسير: أَن رجلا جلس إِلَى سعيد بن الْمسيب، فَسَمعهُ ابْن الْمسيب يَقُول: اللَّهُمَّ وفقني للباقيات الصَّالِحَات، فَقَالَ لَهُ سعيد: وَمَا الْبَاقِيَات الصَّالِحَات؟ قَالَ: الصَّلَوَات الْخمس، فَقَالَ سعيد: لَا، إِنَّمَا الْبَاقِيَات الصَّالِحَات: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم، وَإِنَّمَا الصَّلَوَات الْخمس هِيَ الْحَسَنَات.

وَقَوله: ﴿ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: ذَلِك عظة للمتعظين.

11:115Page 234

وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥

And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.

قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، حث على الصَّبْر على هَذِه الصَّلَوَات، فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ.

11:116Page 234

فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦

So why were there not1 among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

قَوْله: ﴿فلولا كَانَ من الْقُرُون من قبلكُمْ﴾ الْآيَة، قَوْله: " فلولا " مَعْنَاهُ: فَهَلا، وَقيل: فَلم لَا، وَالْآيَة للتوبيخ والتعجيب. وَقَوله: ﴿أولُوا بَقِيَّة﴾ قيل: أولُوا طَاعَة. وَقيل: أولُوا تَمْيِيز. وَقيل: أولو بَقِيَّة من خير. وَيُقَال: فلَان على بَقِيَّة من الْخَيْر إِذا كَانَ على طَاعَة، أَو مسكة من عقل، أَو على خصْلَة محمودة. وَقَوله: ﴿ينهون عَن الْفساد فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: يقومُونَ بِالنَّهْي عَن الْفساد. وَقَوله: ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن قَلِيلا مِمَّن أنجينا من الْقُرُون (نهوا) عَن الْفساد.

وَقَوله: ﴿مِمَّن أنجينا مِنْهُم وَاتبع الَّذين ظلمُوا مَا أترفوا فِيهِ﴾ المترف: هُوَ المتنعم. وَقيل: هُوَ المعود بِالسَّعَةِ واللذة. وَقيل: المترف: هُوَ الَّذِي أبطره الْغنى وَالنعْمَة.

فَمَعْنَى الْآيَة: وَاتبع الَّذين ظلمُوا مَا عودوا من ركُوب الشَّهَوَات وَاللَّذَّات.

﴿وَكَانُوا مجرمين﴾ ظَاهر.

11:117Page 234

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبك ليهلك الْقرى بظُلْم وَأَهْلهَا مصلحون﴾ فِي الْآيَة قَولَانِ:

أَحدهمَا: أَنه لَا يُهْلِكهُمْ بِمُجَرَّد الشّرك إِذا تعاطوا الْإِنْصَاف فِيمَا بَينهم، وَلم يظلم بَعضهم بَعْضًا.

وَالثَّانِي: هُوَ أَن الله لَا يظلم أهل قَرْيَة فيهلكهم بِلَا جِنَايَة. وَالْأول أشهر.

11:118Page 235

وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ,

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة﴾ أَي: وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس على دين وَاحِد.

وَقَوله: ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين﴾ المُرَاد مِنْهُ: أهل الْبَاطِل كاليهود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَأهل الشّرك، وَكَذَلِكَ من خَالف السّنة من أهل الْقبْلَة.

11:119Page 235

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

وَقَوله: ﴿إِلَّا من رحم رَبك﴾ أَي: لَكِن من رحم رَبك، وهم أهل الْحق لَا يَخْتَلِفُونَ. وَقَوله: ﴿وَلذَلِك خلقهمْ﴾ فِيهِ أَقْوَال:

أَحدهَا: مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: وللرحمة خلقهمْ. وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: وللاختلاف خلقهمْ. وَهُوَ أَيْضا مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة أُخْرَى: خلق أهل الْجنَّة للجنة، وَخلق أهل النَّار للنار، وَخلق أهل الشَّقَاء للشقاء، وَخلق أهل السَّعَادَة للسعادة.

وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: إِن الَّذِي أختاره فِي معنى الْآيَة: أَنه خلق فريقا للرحمة وفريقا للعذاب. قَالَ: وَعَلِيهِ أهل السّنة.

وَذكر بَعضهم: أَن مَقْصُود الْآيَة هُوَ أَن أهل الْبَاطِل مُخْتَلفُونَ، وَأهل الْحق متفقون، وَخلق أهل الْبَاطِل للِاخْتِلَاف، وَخلق أهل الْحق للاتفاق.

قَالَ النّحاس: وَهَذَا أبين الْأَقْوَال وأسرحها.

وَاسْتدلَّ أَبُو عبيد على مَا زعم من الْمَعْنى بقوله تَعَالَى: ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ: وَمَعْنَاهُ: وَتمّ حكم رَبك لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ.

وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ - حاكيا عَن الله مُحَاجَّة الْجنَّة وَالنَّار، فَقَالَ للجنة: " أَنْت رَحْمَتي أرْحم بك من شِئْت من عبَادي، وَقَالَ للنار: أَنْت عَذَابي أعذب بك من شِئْت، وَلكُل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا ".

11:120Page 235

وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٠

And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك﴾ مَعْنَاهُ: وكل الَّذِي تحْتَاج إِلَيْهِ من أنباء الرُّسُل نَقصهَا عَلَيْك؛ لثبت بهَا فُؤَادك. فَإِن قيل: قد كَانَ فُؤَاده ثَابتا فأيش معنى قَوْله: ﴿لنثبت بِهِ فُؤَادك﴾ ؟

قُلْنَا مَعْنَاهُ: لتزداد ثباتا، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة إِبْرَاهِيم: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ .

وَقَوله: ﴿وجاءك فِي هَذِه الْحق﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن مَعْنَاهُ: وجاءك فِي هَذِه السُّورَة الْحق. وَقَالَ بَعضهم: وجاءك فِي هَذِه الدُّنْيَا الْحق.

فَإِن قيل: أَي فَائِدَة فِي تَخْصِيص هَذِه السُّورَة وَقد جَاءَهُ الْحق فِي كل سُورَة؟

قُلْنَا: فَائِدَته: تشريف السُّورَة، وتشريفها بالتخصيص لَا يدل على انه لم يَأْته الْحق فِي غَيرهَا، أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يَقُول: فلَان فِي الْحق إِذا حَضَره الْمَوْت، وَإِن كَانَ فِي الْحق قبله وَبعده.

قَوْله: ﴿وموعظة﴾ مَعْنَاهُ: وجاءتك موعظة ﴿وذكرى للْمُؤْمِنين﴾ أَي: وتذكير للْمُؤْمِنين.

11:121Page 235

وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنَّا عَٰمِلُونَ ١٢١

And say to those who do not believe, "Work according to your position; indeed, we are working.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل للَّذين لَا يُؤمنُونَ اعْمَلُوا على مكانتكم إِنَّا عاملون﴾ معنى الْآيَة: هُوَ التهديد والوعيد على مَا بَينا من قبل.

11:122Page 235

وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٢٢

And wait; indeed, we are waiting."

وَقَوله: ﴿وَانْتَظرُوا إِنَّا منتظرون﴾ فِي معنى الْآيَة.

11:123Page 235

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٢٣

And to Allāh belong the unseen [aspects] of the heavens and the earth and to Him will be returned the matter, all of it, so worship Him and rely upon Him. And your Lord is not unaware of that which you do.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: وَللَّه علم مَا غَابَ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض.

وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ مَعْنَاهُ: إِلَيْهِ يرجع أَمر الْعباد فيجازيهم على الْخَيْر وَالشَّر ﴿وَمَا رَبك بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أَنه لَا يغيب عَنهُ شَيْء من أَعمال الْعباد وَإِن صغر، وَالله أعلم.

تمّ بِحَمْد الله تَعَالَى المجلد الثَّانِي من تَفْسِير أبي المظفر السَّمْعَانِيّ ويتلوه المجلد الثَّالِث إِن شَاءَ الله تَعَالَى وأوله تَفْسِير سُورَة يُوسُف

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском