As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
Hud 11:32–63
11:32Page 225
قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢
They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " فَأَكْثَرت جدالنا " بِالْفَتْح؛ والمجادلة خُصُومَة على وَجه الْمُبَالغَة، وأصل الجدل: هُوَ الفتل، وَالْعرب تسمى الصَّقْر: الأجدل؛ لِشِدَّتِهِ فِي الْجَوَارِح.
وَالْفرق بَين الْحجَّاج والمجادلة: أَن الْمَطْلُوب من الْحجَّاج ظُهُور الْحق فِي الْمَطْلُوب، وَمن المجادلة هُوَ رُجُوع الْخصم إِلَى قَوْله.
وَالْفرق بَين المراء والمجادلة: أَن الْمَرْء مَذْمُوم؛ لِأَنَّهُ خُصُومَة بعد ظُهُور الْحق، والجدال غير مَذْمُوم، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُبَالغ فِيهِ من غير قصد طلب الْحق.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين﴾ هَذَا دَلِيل على أَنه كَانَ وعدهم الْعَذَاب إِن لم يُؤمنُوا.
11:33Page 225
قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣
He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يأتيكم بِهِ الله إِن شَاءَ﴾ يَعْنِي: بِالْعَذَابِ. وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين﴾ أَي: بفائتين وَلَا هاربين.
11:34Page 225
وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤
And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا ينفعكم نصحي﴾ والنصح: إخلاص الْعَمَل عَن الْفساد. وَقيل: إِنَّه بَيَان مَوضِع الغي ليجتنب، وَبَيَان مَوضِع الرشد ليطلب. وَقَوله: ﴿إِن أردْت أَن أنصح لكم﴾ أَرَادَ مُوَافقَة لأمر الله. وَقَوله: ﴿إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن مَعْنَاهُ: يضلكم. وَقيل: يخلق الغي فِي قُلُوبكُمْ، والغي ضد الرشد. وَذكر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ أَن معنى قَوْله: ﴿يغويكم﴾ : يهلككم. وَلم يرض ابْن الْأَنْبَارِي هَذَا من حَيْثُ اللُّغَة، وَقَالَ: لَا يَسْتَقِيم فِي اللُّغَة أَن يذكر الإغواء بِمَعْنى الإهلاك. وَقَالَ بَعضهم: يخيبكم من رَحمته.
وَقَوله: ﴿هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة.
11:35Page 225
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥
Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ افتراه﴾ بل يَقُولُونَ: افتراه أَي: اختلقه. وَقَوله: ﴿قل إِن افتريته فعلي إجرامي﴾ قرئَ فِي الشاذ: " قعلي أجرامي " بِالْفَتْح، والأجرام: جمع الجرم، والإجرام: هُوَ كسب الذَّنب، وَمعنى الْآيَة: فعلي وبال ذَنبي وجرمي. وَقَوله: ﴿وَأَنا برِئ مِمَّا تجرمون﴾ يَعْنِي: أَنا برِئ مِمَّا تكتسبون من الذَّنب.
11:36Page 225
وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأوحى إِلَى نوح﴾ روى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَن قوم نوح كَانُوا يضْربُونَ نوحًا حَتَّى [يسْقط] ، فيلقونه فِي لبد ويلقونه فِي بَيته ويظنون أَنه قد مَاتَ، فَيخرج فِي الْيَوْم الثَّانِي ويدعوهم إِلَى الله؛ فَروِيَ أَن شَيخا جَاءَ يتَوَكَّأ على عَصا وَمَعَهُ ابْنه فَقَالَ: يَا بني لَا يغرنك هَذَا الشَّيْخ الْمَجْنُون، فَقَالَ: يَا ابة، أمكني من الْعَصَا، فَدفع إِلَيْهِ الْعَصَا، فَضرب نوحًا على رَأسه وشجمة شجة مُنكرَة حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاء مِنْهُ، وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى الْإِيمَان، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ فَحِينَئِذٍ استجار بِالدُّعَاءِ وَقَالَ: ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ . وَقَوله: ﴿فَلَا تبتئس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة: فَلَا تحزن. قَالَ أهل اللُّغَة: الابتئاس: حزن مَعَ استكانة، قَالَ الشَّاعِر:
(مَا يقسم الله فاقبل غير مبتئس ... مِنْهُ واقعد كَرِيمًا ناعم الْبَالِي)
11:37Page 225
وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧
And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."
قَوْله تَعَالَى: ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: بمرأى منا.
وَعَن الضَّحَّاك: بمنظر منا. وَقيل: برؤيتنا وحفظنا. وَفِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - أَتَى نوحًا - عَلَيْهِ السَّلَام - فَقَالَ: إِن رَبك يَأْمُرك أَن تصنع الْفلك. قَالَ: كَيفَ أصنع وَلست بنجار؟ ! فَقَالَ: إِن رَبك يَقُول: اصْنَع الْفلك فَأَنت بعيني. فَأخذ الْقدوم وَجعل يصنع الْفلك فَلَا يخطيء موضعا.
وَقَوله: ﴿ووحينا﴾ أَي: وأمرنا. وَقَوله: ﴿وَلَا تخاطبني فِي الَّذين ظلمُوا إِنَّهُم مغرقون﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: وَلَا تخاطبني فِي إمهال الْكفَّار، فَإِنِّي قد حكمت بإغراقهم.
وَالثَّانِي: لَا تخاطبني فِي ابْنك؛ فَإِنَّهُ هَالك مَعَ الْقَوْم.
11:38Page 226
وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨
And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويصنع الْفلك﴾ رُوِيَ عَن زيد بن أسلم أَنه قَالَ: مكث نوح مائَة سنة يغْرس الْأَشْجَار وَيقطع، وَمكث مائَة سنة يعْمل الْفلك. وَعَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ: إِن نوحًا عمل السَّفِينَة فِي ثَلَاثِينَ سنة. وَرُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي: أَن نوحًا عمل السَّفِينَة فِي أَرْبَعمِائَة سنة. ذكر فِي بعض التفاسير، وَالْمَعْرُوف الأول.
وَقَوله: ﴿وَكلما مر عَلَيْهِ مَلأ من قومه سخروا مِنْهُ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانُوا إِذا مروا عَلَيْهِ قَالُوا: إِن هَذَا الَّذِي كَانَ يزْعم أَنه نَبِي قد صَار نجارا.
وَرُوِيَ أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: يَا نوح، مَا تصنع؟ فَيَقُول: أصنع بَيْتا يمشي على المَاء، فيضحكون ويتعجبون مِنْهُ.
وَفِي بعض التفاسير عَن ابْن عَبَّاس: أَنهم لم يَكُونُوا رَأَوْا بحرا قطّ وَلَا سفينة، وَإِنَّمَا الْبحار الْآن من بقايا الطوفان.
وَقَوله: ﴿قَالَ إِن تسخروا منا فَإنَّا نسخر مِنْكُم كَمَا تسخرون﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن يسخر نَبِي من الْأَنْبِيَاء من قومه؟
الْجَواب: إِن هَذَا على وَجه ازدواج الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: إِن تستجهلوني فَإِنِّي أستجهلكم إِذا نزل الْعَذَاب. وَقيل مَعْنَاهُ: إِن تسخروا مني فسترون عَاقِبَة سخريتكم.
11:39Page 226
فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩
And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَوف تعلمُونَ من يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه﴾ هَذَا مُتَّصِل بقوله: ﴿فَسَوف تعلمُونَ﴾ وَمَعْنَاهُ: فَسَوف تعلمُونَ أَيّنَا ﴿يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه﴾ وَقيل: فَسَوف تعلمُونَ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه، هَذَا وَمعنى قَوْله: " يخزيه ": يهلكه، وَقيل: يذله. وَقَوله ﴿وَيحل عَلَيْهِ عَذَاب مُقيم﴾ مَعْنَاهُ: ينزل عَلَيْهِ عَذَاب دَائِم، وَهُوَ الْغَرق.
11:40Page 226
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠
[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور﴾ اخْتلفُوا فِي التَّنور على أَقْوَال: الْأَكْثَرُونَ على أَنه تنور الخابزة، هَذَا قَول ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَجَمَاعَة.
وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: هُوَ وَجه الأَرْض. وَحكي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا. وَقَالُوا: كَأَن الله تَعَالَى جعل بَينه وَبَين نوح عَلامَة، وَقَالَ: إِذا رَأَيْت المَاء قد فار على وَجه الأَرْض فاركب السَّفِينَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " وفار التَّنور " يَعْنِي: انفجر الصُّبْح؛ وَهُوَ من قَوْلهم: نور الصُّبْح تنويرا. وَقَالَ بَعضهم: التَّنور هَاهُنَا: تنور من حِجَارَة كَانَت حَوَّاء تخبز فِيهِ فورثه نوح، وَقَالَ الله تَعَالَى لنوح: إِذا فار المَاء من آخر مَوضِع فِي دَارك فَهُوَ الْعَلامَة، وَاسم التَّنور اسْم وَافَقت الْعَرَبيَّة فِيهِ العجمية.
وَاخْتلفُوا فِي مَوضِع التَّنور:
رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: كَانَ بِالْكُوفَةِ، وَأَشَارَ إِلَى بَاب كِنْدَة لِلْمَسْجِدِ، وَمثله عَن الشّعبِيّ أَن التَّنور فار من نَاحيَة الْجَانِب الْأَيْمن من مَسْجِد الْكُوفَة. وَحكي أَن رجلا جَاءَ إِلَى عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي اشْتريت رَاحِلَة وأعددت زادا لأذهب وأصلي فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَقَالَ: بِعْ راحلتك، وكل زادك، وصل فِي هَذَا الْمَسْجِد - يَعْنِي: مَسْجِد الْكُوفَة -؛ فَإِنَّهُ صلى فِيهِ سَبْعُونَ نَبيا، وَمِنْه فار التَّنور.
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ التَّنور بِالشَّام. وَقَالَ بَعضهم كَانَ بِأَرْض الْهِنْد.
وَقَالَ بَعضهم: التَّنور عين بالجزيرة تسمى عين الوردة.
وَقَوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ " فِيهَا " ينْصَرف إِلَى الْفلك، وَاخْتلفُوا فِي قدر الْفلك:
رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: كَانَ طول السَّفِينَة ألفا وَمِائَتَيْنِ ذِرَاع، وعرضها سِتّمائَة ذِرَاع. وَالْمَعْرُوف أَن طولهَا كَانَ ثلثمِائة ذِرَاع، وعرضها كَانَ (خمسين) ذِرَاعا، وارتفاعها إِلَى السَّمَاء كَانَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعا، وَقد قيل غير هَذَا، وَالله أعلم.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ بَابهَا فِي عرضهَا. قَالُوا: وَكَانَت ثَلَاث طَبَقَات: الطَّبَقَة الْعليا للطير، والطبقة السُّفْلى للسباع والوحوش، وَالْوُسْطَى للنِّسَاء وَالرِّجَال، والحاجز بَين النِّسَاء وَالرِّجَال جَسَد آدم؛ فَإِنَّهُ كَانَ حمله مَعَ نَفسه فِي السَّفِينَة.
وَقَوله: ﴿من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الزَّوْج كل وَاحِد لَا يَسْتَغْنِي عَن مثله، يُقَال: زوج خف، وَزوج نعل، وَالْمرَاد من الزَّوْجَيْنِ هَاهُنَا: الذّكر وَالْأُنْثَى، وَمَعْنَاهُ: من كل ذكر وَأُنْثَى اثْنَيْنِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن نوحًا - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: يَا رب، كَيفَ أحمل من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؟ فحشر الله تَعَالَى السبَاع وَالطير إِلَيْهِ، فَجعل يضْرب بيدَيْهِ فِي كل جنس، فَيَقَع الذّكر فِي يَده الْيُمْنَى وَالْأُنْثَى فِي يَده الْيُسْرَى فيحملها فِي السَّفِينَة. وَذكر وهب بن مُنَبّه أَن النَّاس شكوا الفأر إِلَى نوح فِي السَّفِينَة، فَأمره الله تَعَالَى أَن يمسح جبهة الْأسد، فَخرج من مَنْخرَيْهِ سنوران فأكلا الفأر، وَشَكوا إِلَيْهِ أَيْضا كَثْرَة الْعذرَة فَأمره أَن يمسح على مُؤخر الْفِيل، فَخرج مِنْهُ خنزيران فأكلا الْعذرَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأهْلك﴾ مَعْنَاهُ: واحمل أهلك ﴿إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل﴾ يَعْنِي: ابْنه وَامْرَأَته. وَقَوله: ﴿وَمن آمن﴾ مَعْنَاهُ: وأحمل من آمن.
وَقَوله: ﴿وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل﴾ اخْتلفُوا فِي عَددهمْ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كَانُوا ثَمَانِينَ نَفرا. وَعَن بَعضهم: كَانُوا اثْنَيْنِ وَسبعين نَفرا. وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانُوا سَبْعَة نفر: ثَلَاثَة بَنِينَ لنوح وهم: سَام، وَحَام، وَيَافث وَثَلَاث كنائنهم - يَعْنِي: نِسَاؤُهُم -، ونوح. وَقَالَ قَتَادَة: كَانُوا ثَمَانِيَة نَفرا.
11:41Page 226
۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١
And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله مجريها ومرسيها﴾ بِفَتْح الميمين، وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء العطاردي: " مجريها ومرسيها " بِالرَّفْع.
أما معنى قَوْله: ﴿مجريها ومرسيها﴾ يَعْنِي: بِسم الله إجراؤها وإرساؤها، وَمعنى مجريها ومرسيها بِالنّصب يَعْنِي: بِسم الله جريها ورسوها. وَقَالَ بَعضهم: كَانَ إِذا قَالَ نوح: بِسم الله وَأَرَادَ الجري جرت، وَإِذا قَالَ: بِسم الله وَأَرَادَ الرسو رست.
وَأما مُدَّة لبث نوح فِي السَّفِينَة: قَالُوا: اسْتَقَلت السَّفِينَة على وَجه المَاء لعشر خلون من رَجَب، وَجَرت مائَة وَخمسين يَوْمًا، وأرست لعشر خلون من ذِي الْحجَّة، وهبطوا يَوْم عَاشُورَاء إِلَى الأَرْض، فصَام ذَلِك الْيَوْم وَأمر الْقَوْم بصومه.
وَفِي الْقَصَص: أَن السَّفِينَة طافت جَمِيع الدُّنْيَا، وَحين وصلت إِلَى الْكَعْبَة طافت بهَا أسبوعا، وَكَانَت الْكَعْبَة قد رفعت وَبَقِي الْموضع.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي لغَفُور رَحِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
11:42Page 226
وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢
And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهِي تجْرِي بهم فِي موج كالجبال﴾ معنى الموج: قِطْعَة من الْبَحْر ترْتَفع عِنْد شدَّة الرّيح.
وَقَوله: ﴿ونادى نوح ابْنه وَكَانَ فِي معزل﴾ قيل: فِي معزل من السَّفِينَة، وَقيل: فِي معزل من قومه.
وَقَوله: ﴿يَا بني اركب مَعنا﴾ قرىء بقراءتين: " يَا بني " و " يابني "، ومعناهما وَاحِد. وَقَوله: ﴿وَلَا تكن مَعَ الْكَافرين﴾ أَي: من الْكَافرين، مَعْنَاهُ ظَاهر.
وَاخْتلفُوا فِي أَنه هَل كَانَ ابْنه من صلبه أَولا؟
فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - وَعِكْرِمَة، وَسَعِيد بن جُبَير، وَالضَّحَّاك، وَجَمَاعَة أَنهم قَالُوا: كَانَ ابْنه من صلبه. قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: مَا بَغت امْرَأَة نَبِي قطّ. وَكَانَ عِكْرِمَة بِحلف أَنه كَانَ ابْن نوح لصلبه. وَأما الْحسن وَمُجاهد: فَإِنَّهُمَا قَالَا: كَانَ ابْن امْرَأَته، وَلم يكن ابْنه، واستدلا بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ ، قَالَا: كَانَ يظنّ أَنه ابْنه وَلم يكن ابْنه. وَالْأول هُوَ الْأَصَح. وَقيل: إِن اسْمه كَانَ كنعان. وَقيل: إِن اسْمه كَانَ " يام ".
11:43Page 226
قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣
[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سآوي إِلَى جبل يعصمني من المَاء﴾ يَعْنِي: ألتجىء إِلَى الْجَبَل يَمْنعنِي من الْغَرق. ف ﴿قَالَ﴾ لَهُ نوح: ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم﴾ فَفِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن العاصم بِمَعْنى الْمَعْصُوم، وَمَعْنَاهُ: لَا مَعْصُوم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من رحم﴾ هُوَ الله تَعَالَى. وَقَوله ﴿وَحَال بَينهمَا الموج فَكَانَ من المغرقين﴾ أَي: صَار من المغرقين.
وَفِي الْقِصَّة: أَن المَاء علا على رُءُوس الْجبَال بِقدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا. وَقيل: دونه، وَالله أعلم.
11:44Page 226
وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك﴾ مَعْنَاهُ: اشربي ماءك، وَيُقَال: ابلعي أَي: غيبي ماءك فِي جوفك. وَقَوله: ﴿وَيَا سَمَاء أقلعي﴾ أَي: أمسكي. وَقَوله: ﴿وغيض المَاء وَقضى الْأَمر﴾ مَعْنَاهُ: وَنقص المَاء ونضب. وَقَوله: ﴿وَقضي الْأَمر﴾ أَي: فرغ من الْأَمر، وَهُوَ هَلَاك الْقَوْم. وَقَوله: ﴿واستوت على الجودى﴾ مَعْنَاهُ: واستقرت على الجودى، قيل: إِنَّه جبل بِنَاحِيَة آمد. وَقَالَ الْفراء: جبل بِنَاحِيَة نَصِيبين. وَقَوله: ﴿وَقيل بعدا للْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: هَلَاكًا للْقَوْم الظَّالِمين.
وَفِي مصحف ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ -: " وغيض المَاء واستوت على الجودي وَقضي الْأَمر ".
وَرُوِيَ أَن نوحًا - صلوَات الله عَلَيْهِ - بعث بالغراب ليَأْتِيه بِخَبَر الأَرْض، فَوَقع على جيفة وَلم يرجع، فَبعث بالحمامة فَجَاءَت بورق زيتونة فِي منقارها ولطخت رِجْلَيْهَا بالطين؛ ليعلم نوح أَن المَاء قد نضب، فَأعْطيت الطوق [وخضاب] الرجلَيْن من ذَلِك الْوَقْت.
وَهَذِه الْآيَة تعد من فصيحات الْقُرْآن، وَحكي أَنَّهَا قُرِئت عِنْد أَعْرَابِي فَقَالَ: هَذَا كَلَام قَادر.
11:45Page 226
وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥
And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ونادى نوح ربه فَقَالَ رب إِن ابْني من أَهلِي وَإِن وَعدك الْحق وَأَنت أحكم الْحَاكِمين﴾ يَعْنِي: أَنْت وَعَدتنِي أَن تنجي أَهلِي وَأَنت أحكم الْحَاكِمين يَعْنِي: وَأَنت أحكم الْحَاكِمين بِالْعَدْلِ.
11:46Page 227
قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦
He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا نوح إِنَّه لَيْسَ من أهلك﴾ مَعْنَاهُ: لَيْسَ من أهلك الَّذين وعدتك أَن أنجيهم. وعَلى قَول الْحسن، وَمُجاهد يَعْنِي: لَيْسَ بابنك.
وَقَوله: ﴿إِنَّه عمل غير صَالح﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّه ذُو عمل غير صَالح.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن سؤالك إيَّايَ إنجاءه؛ عمل غير صَالح.
وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ - " إِنَّه عمل غير صَالح ".
﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَهَذَا يُؤَيّد الْمَعْنى الثَّانِي. وقرىء: " إِنَّه عمل غير صَالح " وَمَعْنَاهُ: إِن ابْنك عمل غير صَالح.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن نوحًا كَانَ يظنّ أَنه مُسلم وَهُوَ يبطن الْكفْر من أَبِيه، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿لَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ بِابْن لَك على مَا ذكرنَا.
وَقَوله: ﴿إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين﴾ مَعْنَاهُ: إِنِّي أحذرك أَن تكون من الآثمين، وذنب الْمُؤمن جهل، وذنب الْكَافِر كفر.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين﴾ - يَعْنِي: أَن تَدْعُو بِهَلَاك الْكفَّار ثمَّ تطلب نجاة كَافِر.
11:47Page 227
قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧
[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ﴾ أَي: قَالَ نوح: ﴿رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك﴾
غير أَنِّي أمتنع بك أَن أَسأَلك ﴿مَا لَيْسَ لي بِهِ علم﴾ وَمَعْنَاهُ: سُؤال الْعِصْمَة.
وَقَوله: ﴿وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
11:48Page 227
قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨
It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قيل يَا نوح اهبط بِسَلام منا﴾ مَعْنَاهُ: انْزِلْ بسلامة لَك من قبلنَا.
وَقَوله: ﴿وبركات عَلَيْك﴾ الْبركَة: ثُبُوت الْخَيْر، وَمِنْه بروك الْبَعِير. وَقيل: إِن الْبركَة هَاهُنَا هُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعله آدم الْأَصْغَر، فَأهْلك سَائِر من مَعَه من غير نسل، وَجعل النَّسْل من ذُريَّته إِلَى قيام السَّاعَة. وَقَوله: ﴿وعَلى أُمَم مِمَّن مَعَك﴾ مَعْنَاهُ: على ذُرِّيَّة أُمَم مِمَّن مَعَك. قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: دخل فِيهِ كل مُؤمن إِلَى قيام السَّاعَة كَانَ فِي صلب نوح. وَقَوله ﴿وأمم سنمتعهم﴾ ابْتِدَاء كَلَام، وَمَعْنَاهُ: وأمم سنمتعهم وهم الْكفَّار. وَقَوله ﴿ثمَّ يمسهم منا عَذَاب أَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
11:49Page 227
تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.
قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ من أنباء الْغَيْب نوحيها إِلَيْك﴾ أَي: نلقيها إِلَيْك. قَوْله: ﴿مَا كنت تعلمهَا أَنْت وَلَا قَوْمك من قبل هَذَا﴾ يَعْنِي: من قبل انزال الْقُرْآن. قَوْله: ﴿فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
11:50Page 227
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠
And to ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هودا﴾ عَاد قوم كَانُوا بالأحقاف، وَهِي رمال بَين الْيمن وَالشَّام. وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا بِنَفس الْيمن، وَكَانُوا أعْطوا زِيَادَة فِي الْجِسْم وَالْقُوَّة على سَائِر الْخلق. وَقَوله: ﴿أَخَاهُم﴾ يَعْنِي: أَخَاهُم فِي النّسَب لَا فِي الدّين، وَمعنى الْآيَة: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُم وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُم هودا.
قَوْله: ﴿قَالَ يَا قوم اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله. قَوْله: ﴿مالكم من إِلَه غَيره إِن أَنْتُم إِلَّا مفترون﴾ والافتراء: الْكَذِب، وَكَانَ كذبهمْ على الله تَعَالَى.
11:51Page 227
يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١
O my people, I do not ask you for it [i.e., my advice] any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا قوم لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا﴾ أَي: ثَوابًا، يَعْنِي: لَا أَسأَلكُم على الإبلاغ أجرا. وَقَوله: ﴿إِن أجري إِلَّا على الَّذِي فطرني﴾ مَعْنَاهُ: إِن ثوابي إِلَّا على الَّذِي فطرني، أَي: خلقني ﴿أَفلا تعقلون﴾ ظَاهر [الْمَعْنى] .
11:52Page 227
وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢
And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قدم الاستغفارعلى التَّوْبَة لما بَينا من الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ مَعْنَاهُ: يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا بالمطر مرّة بعد أُخْرَى فِي أَوْقَات الْحَاجة، والمدرار على طَرِيق الْمُبَالغَة، يُقَال: امْرَأَة معطار مذكار. وَقَوله: ﴿ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى حبس عَنْهُم الْمَطَر ثَلَاث سِنِين، وأعقم أَرْحَام الْأُمَّهَات فَلم يلدن، فَمَعْنَى قَوْله: ﴿يزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم﴾ يَعْنِي: يُرْسل عَلَيْكُم الْمَطَر فتزدادون مَالا، ونعيد أَرْحَام الْأُمَّهَات إِلَى مَا كَانَ فيلدن فتزدادون قُوَّة بالأموال وَالْأَوْلَاد. وَقيل: " ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم " أَي: شدَّة إِلَى شدتكم. وَقيل: يزدكم قُوَّة فِي دينكُمْ إِلَى قوتكم فِي أبدانكم. وَقَوله: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مجرمين﴾ أَي: وَلَا تعرضوا.
11:53Page 227
قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣
They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا هود مَا جئتنا بِبَيِّنَة﴾ أَي: بِحجَّة وَاضِحَة. وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك﴾ أَي: بِسَبَب قَوْلك: ﴿وَمَا نَحن لَك بمؤمنين﴾ أَي: بمصدقين.
11:54–55Page 228
إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤
We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh
مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥
Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن نقُول إِلَّا اعتراك﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا أَصَابَك، قَالَ الشَّاعِر:
(أَتَيْتُك عَارِيا خلقا ثِيَابِي ... على خوف تظن بِي الظنونا) والعاري هَاهُنَا هُوَ السَّائِل؛ سمي عَارِيا لِأَنَّهُ يطْلب الْإِصَابَة.
وَقَوله: ﴿بعض آلِهَتنَا بِسوء﴾ أَي: بلمم وخبل، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّك سببت آلِهَتنَا فانتقموا مِنْك بالتخبيل واللمم. وَقَوله: ﴿قَالَ إِنِّي أشهد الله واشهدوا أَنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون من دونه﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ للْمُشْرِكين: ﴿واشهدوا﴾ وَلَا شَهَادَة لَهُم؟ قُلْنَا: هَذَا مَذْكُور على طَرِيق الْمُبَالغَة فِي الْحجَّة، لَا على طَرِيق إِثْبَات الشَّهَادَة لَهُم.
وَقَوله: ﴿فكيدوني جَمِيعًا ثمَّ لَا تنْظرُون﴾ الكيد: احتيال بشر. وَهَذَا القَوْل معْجزَة لهود صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَمرهم أَن يحتالوا بِكُل حِيلَة لإيصال مَكْرُوه إِلَيْهِ، ومنعهم الله تَعَالَى عَن ذَلِك فَلم يقدروا عَلَيْهِ، وَهَذَا مثل قَول نوح فِي سُورَة يُونُس: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة ثمَّ اقضوا إِلَيّ وَلَا تنْظرُون﴾ وَقد بَينا تَفْسِيره.
11:56Page 228
إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦
Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي توكلت على الله رَبِّي وربكم﴾ مَعْنَاهُ: اعتمدت على الله رَبِّي وربكم. وَقَوله: ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ مَعْنَاهُ: مَا من دَابَّة إِلَّا وَهِي فِي قَبضته وتنالها قدرته، وَخص الناصية بِالذكر؛ لِأَن الإذلال والإقماء فِي أَخذ الناصية.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فِيهِ أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ: إِن رَبِّي يعْمل بِالْعَدْلِ، وَإِن كَانَ قَادِرًا على كل شَيْء، فَلَا يعْمل إِلَّا بِالْإِحْسَانِ وَالْعدْل.
وَالثَّانِي: ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ مَعْنَاهُ: إِن دين رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم.
وَالثَّالِث: قَوْله ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ يَعْنِي: إِنَّه على طَرِيق الْخلق أجمع.
11:57Page 228
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧
But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن توَلّوا فقد أبلغتكم مَا أرْسلت بِهِ إِلَيْكُم﴾ مَعْنَاهُ: فَإِن أَعرضُوا فقد أبلغتكم مَا أرْسلت بِهِ إِلَيْكُم. وَقَوله: ﴿ويستخلف رَبِّي قوما غَيْركُمْ﴾ مَعْنَاهُ: إِن أعرضتم يهلككم ويستخلف قوما غَيْركُمْ هم أطوع لله مِنْكُم. وَقَوله ﴿وَلَا تضرونه شَيْئا﴾ يَعْنِي: وَلَا تنقصونه شَيْئا. وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي على كل شَيْء حفيظ﴾ أَي: حَافظ لأمور خلقه على مَا دبر وَقدر.
11:58Page 228
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨
And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما جَاءَ أمرنَا نجينا هودا وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿أمرنَا﴾ أَي: عذابنا، ﴿نجينا هودا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا﴾ أَي: بِمَا هديناهم وبيناهم طَرِيق الْهدى حَتَّى آمنُوا. وَقَوله: ﴿ونجيناهم من عَذَاب غليظ﴾ الْعَذَاب الغليظ: هُوَ الْعَذَاب الَّذِي أهلك بِهِ عادا وَقَومه وَهُوَ الرّيح الْعَقِيم، فَكَانَت الرّيح تدخل فِي مناخرهم وأفواههم، وَتخرج من أدبارهم فتقطعهم تقطيعا أَي: قِطْعَة قِطْعَة.
11:59Page 228
وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩
And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَتلك عَاد جَحَدُوا بآيَات رَبهم﴾ مَعْنَاهُ: أَنْكَرُوا آيَات رَبهم. وَقَوله: ﴿وعصوا رسله﴾ أَي: بالتكذيب. وَقَوله: ﴿وَاتبعُوا أَمر كل جَبَّار عنيد﴾ قيل: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يقتل على الْغَضَب، والعنيد هم هُوَ المعاند. قَالَ الشَّاعِر:
(إِنِّي لشيخ لَا أُطِيق العندا ... وَلَا أُطِيق البكرات الشردا)
11:60Page 228
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠
And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأتبعوا فِي هَذِه الدُّنْيَا لَعنه﴾ اللَّعْنَة: هِيَ الإبعاد عَن الرَّحْمَة. قَالَ أهل الْعلم: وَلَا يجوز لعن الْبَهَائِم؛ لِأَنَّهَا غير مُسْتَحقَّة للبعد من رَحْمَة الله. وَقد ثَبت " أَن رجلا لعن بعيره فِي سَفَره فَأمره النَّبِي أَن ينزل عَنهُ ويخليه وَقَالَ: لَا يصحبنا مَلْعُون ". وَهَذَا على طَرِيق الزّجر والردع للاعن. وَقَوله: ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة أَلا إِن عادا كفرُوا رَبهم) أَي: كفرُوا برَبهمْ. وَقَوله: {أَلا بعدا لعاد قوم هود﴾ مَعْنَاهُ: أَلا سحقا وخزيا وهلاكا لعاد قوم هود.
11:61Page 228
۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١
And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا﴾ مَعْنَاهُ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا، وَقَوله: ﴿أَخَاهُم﴾ على مَا قدمنَا، وَثَمُود قوم كَانُوا بِحجر بَين الْحجاز وَالشَّام.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا قوم اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله ﴿مالكم من إِلَه غَيره﴾ أَي: مالكم من معبود غَيره.
وَقَوله: ﴿هُوَ أنشأكم من الأَرْض﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا أنشأكم فِي الأَرْض، وَالْآخر وَهُوَ: أَنه أنشأكم من الأَرْض؛ لِأَنَّهُ خلقهمْ من آدم، وَخلق آدم من الأَرْض.
وَقَوله ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ ] فِيهِ [قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَطَالَ عمركم فِيهَا وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يعِيش من ثلثمِائة سنه إِلَى ألف سنة، وَهَكَذَا قوم عَاد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: جعلكُمْ عمارا فِيهَا، بِبِنَاء المساكن وغرس الْأَشْجَار. ذكره الْفراء والزجاج.
وَقَوله: ﴿فاستغفروه ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد بَينا الْمَعْنى. وَقَوله: {إِن رَبِّي قريب مُجيب) قريب من الْمُؤمنِينَ، مُجيب لدعائهم.
11:62Page 228
قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢
They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا صَالح قد كنت فِينَا مرجوا قبل هَذَا﴾ أَي: قد كُنَّا نرجوا فِيك الْخَيْر، والآن قد يئسنا من خيرك وفلاحك. وَقَوله: ﴿أتنهانا أَن نعْبد مَا يعبد آبَاؤُنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿وإننا لفي شكّ﴾ لفي ريب ﴿مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ مريب﴾ أَي: مرتاب. وَهَذَا على طَرِيق التَّأْكِيد.
11:63Page 229
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قوم أَرَأَيْتُم إِن كنت على بَيِّنَة من رَبِّي﴾ أَي: على حجَّة من رَبِّي. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وآتاني مِنْهُ رَحْمَة﴾ الرَّحْمَة هَاهُنَا: بِمَعْنى النُّبُوَّة.
وَقَوله: ﴿فَمن ينصرني من الله إِن عصيته﴾ أَي: فَمن يمْنَع مني عَذَاب الله إِن عصيته.
وَقَوله: ﴿فَمَا تزيدونني غير تخسير﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: إِن اتبعتكم مَا كنت إِلَّا كمن يزْدَاد خسارا وهلاكا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: فَمَا تزيدونني غير تخسير لكم، وَحَقِيقَته: أَنِّي أطلب مِنْكُم الرشد، وَأَنْتُم تعطونني الخسار والهلاك، يَعْنِي: لأنفسكم.
هَذَا كُله جَوَاب عَن سُؤال من سَأَلَ فِي هَذِه الْآيَة: كَيفَ قَالَ ﴿فَمَا تزيدونني غير تخسير﴾ وَلم يَك صَالح فِي خسار؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences