As-Sam'aniAl‑Hijr · 15:1–43

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

الحجر

Al-Hijr

The Rocky Tract · Meccan · 99 ayahs

15:1Page 262

الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ١

Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the Book and a clear Qur’ān [i.e., recitation].

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

تَفْسِير سُورَة الْحجر وَهِي مَكِّيَّة

قَوْله تَعَالَى: ﴿الر﴾ مَعْنَاهُ: أَنا الله أرى، وَقيل: " الر "، و " حم " و " ن " هُوَ الرَّحْمَن. ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب﴾ مَعْنَاهُ: هَذِه آيَات الْكتاب.

﴿وَقُرْآن مُبين﴾ مَعْنَاهُ: أَنه يبين الْحَلَال من الْحَرَام، وَالْحق من الْبَاطِل، فَإِن قَالَ قَائِل: الْقُرْآن هُوَ الْكتاب، وَالْكتاب هُوَ الْقُرْآن، فأيش فَائِدَة الْجمع بَينهمَا؟

الْجَواب: أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُفِيد معنى لَا يفِيدهُ الآخر، فَإِن الْكتاب هُوَ مَا يكْتب، وَالْقُرْآن هُوَ مَا يجمع بعضه إِلَى بعض، وَقيل: إِن المُرَاد من الْكتاب هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالْقُرْآن هُوَ الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على مُحَمَّد.

15:2Page 262

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٢

Perhaps those who disbelieve will wish1 that they had been Muslims.

قَوْله تَعَالَى: ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين﴾ اعْلَم أَن كم للتكثير، وَرب للتقليل، وَيُقَال: رُبمَا للتشديد، وَرُبمَا بِالتَّخْفِيفِ، وربتما بِالتَّاءِ بِمَعْنى وَاحِد. قَالَ الشَّاعِر:

(ماوي يَا ربتما غَارة ... شعواء كاللذعة بالميسم)

وَقد فصل بَعضهم بَين رب وَرُبمَا، قَالَ: رب تدخل على الِاسْم، وَرُبمَا على الْفِعْل، فَقَالَ: رب رجل جَاءَنِي، وَيُقَال: رُبمَا جَاءَنِي.

وَاخْتلف القَوْل فِي الْحَال الَّذِي يتَمَنَّى الْكفَّار هَذَا، - والود هُوَ التَّمَنِّي -[فَالْقَوْل] الأول: أَنه فِي حَال المعاينة، وَهَذَا قَول الضَّحَّاك.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ الْأَشْهر -: أَنه حِين يخرج الله الْمُؤمنِينَ من النَّار. وَفِي الْأَخْبَار المسندة بِرِوَايَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي قَالَ: " يدْخل الله قوما - من أهل الْقبْلَة النَّار مَعَ الْكفَّار فيمكثون فِيهَا مَا شَاءَ الله؛ فَيَقُول الْكفَّار لَهُم: أَنْتُم مُسلمُونَ، فَيَقُولُونَ: نعم، فَيَقُول الْكفَّار: مَا أغْنى عَنْكُم إسلامكم شَيْئا، وَأَنْتُم مَعنا فِي النَّار، فَيَقُولُونَ: نَحن أَذْنَبْنَا ذنوبا فأخذنا بهَا، فَيسمع الله تَعَالَى ذَلِك كُله، فَيَقُول: أخرجُوا من النَّار من كَانَ مُسلما - وَفِي رِوَايَة: من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله - فَيخْرجُونَ، فَحِينَئِذٍ يتَمَنَّى الْكفَّار لَو كَانُوا مُسلمين ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " أَن الْكفَّار إِذا قَالُوا للْمُسلمين هَذِه الْمقَالة؛ يغْضب الله تَعَالَى لقَولهم، فَيَقُول: أخرجُوا ... ، على مَا بَينا.

فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَت رُبمَا للتقليل، فَكيف يقل تمنيهم هَذَا، وَنحن نعلم حَقِيقَة أَن كلهم يتمنون هَذَا، وَأَن هَذَا التَّمَنِّي مِنْهُم يكثر؟

وَالْجَوَاب: أَن الْعَرَب قد تذكر هَذَا اللَّفْظ وتريد بِهِ التكثير، يَقُول الْقَائِل لغيره: رُبمَا تندم على هَذَا الْفِعْل، وَهُوَ يعلم أَنه يكثر مِنْهُ النَّدَم عَلَيْهِ، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّك لَو نَدِمت قَلِيلا لَكَانَ الْقَلِيل من الندامة يَكْفِيك للاجتناب عَنهُ، فَكيف الْكثير؟ ! .

وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن شغلهمْ بِالْعَذَابِ لَا يفرغهم للندامة، وَفِي بعض الآحايين رُبمَا يَقع لَهُم هَذَا النَّدَم، ويخطر ببالهم.

15:3Page 262

ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٣

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا﴾ الْآيَة. هَذَا تهديد ووعيد، وَالْأكل مَعْلُوم، وَأما التَّمَتُّع هُوَ التَّلَذُّذ بِطَلَبِهِ حَالا بعد حَال (كالتعرب) هُوَ طلبه حَالا بعد حَال. قَوْله: ﴿ويلههم الأمل﴾ أَي: يشغلهم الأمل عَن الْآخِرَة.

قَوْله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: " ذرهم " تهديد. وَقَوله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، فَمَتَى يهنأ الْعَيْش بَين تهديدين؟ .

15:4Page 262

وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ ٤

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم﴾ أَي: أجل مَضْرُوب لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَا يتَأَخَّر عَنهُ.

15:5Page 262

مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٥

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

وَقَوله: ﴿مَا تسبق من أمة أجلهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَن الْعَذَاب الْمَضْرُوب لَا يتَقَدَّم على وقته، وَلَا يتَأَخَّر عَن وقته، وَقيل: هَذَا فِي الْمَوْت أَنه لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر عَن وقته.

15:6Page 262

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر إِنَّك لمَجْنُون﴾ الذّكر هُوَ الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿إِنَّك لمَجْنُون﴾ خطابهم مَعَ النَّبِي.

وَقَوله " ﴿يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر﴾ إِنَّمَا قَالُوهُ على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء؛ لأَنهم لَو قَالُوا ذَلِك على طَرِيق التَّحْقِيق لآمنوا بِهِ.

15:7Page 262

لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ أَي: هلا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ، قَالَ الشَّاعِر:

(تَعدونَ (قَعْر) النيب أفضل مجدكم ... بنى (طوطبري) لَوْلَا الكمي المقنعا)

أَي: هلا تَعدونَ الكمي المقنعا.

وَقَوله: ﴿إِن كنت من الصَّادِقين﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّك نَبِي.

15:8Page 262

مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨

We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننزل الْمَلَائِكَة إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الْحق الَّذِي تنزل بِهِ الْمَلَائِكَة هُوَ الْوَحْي، وَقبض [أَرْوَاح] الْعباد، وإهلاك الْكفَّار، وكتبة الْأَعْمَال، وَمَا أشبه ذَلِك.

وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذا منظرين﴾ أَي: مؤخرين، وَقد كَانَ الْكفَّار يطْلبُونَ إِنْزَال الْمَلَائِكَة عيَانًا، فأجابهم الله تَعَالَى بِهَذَا، وَمَعْنَاهُ: أَنهم لَو نزلُوا عيَانًا زَالَ الْإِمْهَال عَن الْكفَّار وعذبوا فِي الْحَال.

15:9Page 262

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩

Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنا نَحْفَظ مُحَمَّدًا، وَالْآخر: أَنا نَحْفَظ الْقُرْآن، وَهُوَ الْأَلْيَق بِظَاهِر اللَّفْظ، وَمعنى حفظ الْقُرْآن أَنه يمْنَع من الزِّيَادَة فِيهِ أَو النُّقْصَان عَنهُ، قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ وَالْبَاطِل هُوَ إِبْلِيس، وَمَعْنَاهُ: أَن إِبْلِيس لَا يقدر أَن يزِيد فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا أَن ينقص عَنهُ مَا هُوَ مِنْهُ.

15:10Page 262

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين﴾ الشِّيعَة: هم الْقَوْم المجتمعة المتفقة كلمتهم، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: فِي أُمَم الْأَوَّلين.

15:11Page 262

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

وَقَوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ هَذَا تَسْلِيَة للنَّبِي، وَمَعْنَاهُ: أَنهم كَمَا استهزءوا بك فقد استهزىء بالأنبياء من قبلك.

15:12Page 262

كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢

Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك نسلكه فِي قُلُوب الْمُجْرمين﴾ قَالَ الْحسن: كَذَلِك نسلك الشّرك فِي قُلُوب الْمُجْرمين، ونسلك، أَي: ندخل، وَقَالَ مُجَاهِد: نسلك التَّكْذِيب، وَمعنى كَاف التَّشْبِيه، أَي: كَمَا فعلنَا بالكفار من قبل هَؤُلَاءِ، كَذَلِك نَفْعل بهؤلاء الْكفَّار. وَقد قَالَ بَعضهم: إِن معنى قَوْله: ﴿كَذَلِك نسلكه﴾ أَي: نسلك الْقُرْآن، وَمَعْنَاهُ: أَنه لما أَعْطَاهُم مَا يفهمون بِهِ الْقُرْآن، فَكَأَنَّهُ سلك الْقُرْآن فِي قُلُوبهم. وَالْمَنْقُول عَن السّلف هُوَ القَوْل الأول، وَهُوَ رد على الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا.

15:13Page 262

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

وَقَوله: ﴿لَا يُؤمنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّ وَالْقُرْآن. ﴿وَقد خلت سنة الْأَوَّلين﴾ أَي: مَضَت سنة الْأَوَّلين، وَسنة الْأَوَّلين: هُوَ الإهلاك عِنْد تَكْذِيب الْأَنْبِيَاء.

15:14Page 262

وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو فتحنا عَلَيْهِم بَابا من السَّمَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿فظلوا فِيهِ يعرجون﴾ يُقَال: ظلّ يفعل كَذَا إِذا فعله نَهَارا، وَبَات يفعل كَذَا إِذا فعله لَيْلًا.

وَقَوله: ﴿يعرجون﴾ يصعدون، يُقَال: عرج يعرج إِذا صعد، وعرج يعرج إِذا صَار أعرج، وَاخْتلف القَوْل فِي الْمَعْنى بقوله: ﴿فظلوا﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنهم الْمَلَائِكَة، وَالْقَوْل الآخر أَنهم الْمُشْركُونَ.

15:15Page 262

لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

وَقَوله: ﴿لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا﴾ قرىء بقراءتين " سُكِّرت " " سُكِرت " مخفف، فَمَعْنَى التَّخْفِيف أَي: سحرت، وَمعنى التَّشْدِيد أَي: سدت وَأخذت، وَقيل: عميت، قَالَ عَمْرو بن الْعَلَاء: هُوَ مَأْخُوذ من السكر، يَعْنِي: كَمَا أَن السكر يُغطي على عقولنا، كَذَلِك هَذَا غطي على أبصارنا. وَقَوله: ﴿بل نَحن قوم مسحورون﴾ أَي: مخدوعون، وَقيل مَعْنَاهُ: عمل فِينَا السحر.

15:16Page 263

وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦

And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجا﴾ البروج: هِيَ النُّجُوم الْكِبَار، وَهُوَ مَأْخُوذ من الظُّهُور، يُقَال: تبرجت الْمَرْأَة إِذا ظَهرت. وَيُقَال: إِنَّهَا الْمنَازل، وَيُقَال: إِنَّهَا البروج الإثنا عشر، وَيُقَال: إِنَّهَا السَّبع السيارة، وَعَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ: أَنَّهَا قُصُور فِي السَّمَاء عَلَيْهَا الحرس. قَوْله: ﴿وزيناها للناظرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

15:17Page 263

وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧

And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]

قَوْله تَعَالَى: ﴿وحفظناها من كل شَيْطَان رجيم﴾ ذكر الْكَلْبِيّ أَن السَّمَوَات لم تكن مَحْفُوظَة من الشَّيَاطِين قبل عِيسَى، فَلَمَّا بعث عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - حفظت ثَلَاثَة من السَّمَوَات، فَلَمَّا بعث مُحَمَّد حفظت السَّمَوَات كلهَا. وَقَوله: ﴿رجيم﴾ أَي: مرجوم، وَقيل: أَي: مَلْعُون، وَقيل: شتيم.

15:18Page 263

إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨

Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من اسْترق السّمع﴾ فِي الْأَخْبَار: أَن الشَّيَاطِين يركب بَعضهم بَعْضًا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، ويسترقون السّمع من الْمَلَائِكَة؛ فترجمهم الْكَوَاكِب فَتقْتل الْبَعْض وتخبل الْبَعْض ". وَاخْتلف القَوْل فِي أَنهم مَتى يسْتَرقونَ السّمع؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنهم يسْتَرقونَ السّمع من الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء، وَالْقَوْل الآخر: أَنهم يسْتَرقونَ السّمع من الْمَلَائِكَة فِي الْهَوَاء. وَأما معرفَة مَلَائِكَة السَّمَاء بِالْأَمر فباستخبارهم مَلَائِكَة أهل السَّمَاء الثَّانِيَة، هَكَذَا يستخبر أهل كل سَمَاء من أهل السَّمَاء [الَّتِي] فَوْقهم، حَتَّى يصلوا إِلَى حَملَة الْعَرْش فيخبرون بِمَا قَضَاهُ الله تَعَالَى من الْأَمر، وَيرجع الْخَبَر من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى يصل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ الشَّيَاطِين يسْتَرقونَ على مَا قُلْنَا من قبل.

وَقَوله: ﴿فَأتبعهُ شهَاب مُبين﴾ الشهَاب هُوَ الشعلة من النَّار، فَإِن قَالَ قَائِل: نَحن لَا نرى نَارا، وَإِنَّمَا نرى نورا أَو نجما ينْقض.

وَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل أَنه ينْقض نورا، فَإِذا وصل إِلَيْهِ صَار نَارا، أَو يحْتَمل أَنه يرى من بعد الْمَكَان أَنه نجم وَهُوَ نَار، وَقيل: إِن النَّجْم ينْقض فَيَرْمِي الشَّيْطَان ثمَّ يعود إِلَى مَكَانَهُ. وَاعْلَم أَن هَذَا لم يكن ظَاهرا فِي زمن الْأَنْبِيَاء قبل الرَّسُول، وَلم يذكرهُ شَاعِر من الْعَرَب قبل زمَان النَّبِي، وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا فِي ابْتِدَاء أَمر النَّبِي، وَكَانَ ذَلِك أساسا لنبوته، وَإِنَّمَا ذكر الشُّعَرَاء ذَلِك فِي زَمَانه، قَالَ الشَّاعِر:

(كَأَنَّهُ كَوْكَب فِي إِثْر عفرية ... مُسَوَّم فِي سَواد اللَّيْل منقضب)

15:19Page 263

وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ ١٩

And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض مددناها﴾ مَعْنَاهُ: بسطناها، وَيُقَال: إِنَّهَا مسيرَة خَمْسمِائَة سنة فِي مثلهَا، دحيت من تَحت الْكَعْبَة.

وَقَوله: ﴿وألقينا فِيهَا رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت، وَقد كَانَت الأَرْض تميل إِلَى أَن أرساها الله بالجبال.

وَقَوله: ﴿وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون﴾ أَي: مَعْلُوم، وَيُقَال: من كل شَيْء مَوْزُون مَعْنَاهُ: من الْحَدِيد والرصاص والنحاس وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وكل مَا يُوزن.

15:20Page 263

وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠

And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.1

وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا لكم فِيهَا معايش﴾ قيل: إِنَّهَا المطاعم والمشارب والملابس، وَقيل: إِنَّهَا مَا يَعش بِهِ الْمَرْء فِي الدُّنْيَا، قَالَ جرير شعرًا:

(تطالبني معيشة آل زيد ... وَمن لي (بالمرقق وَالصِّنَاب))

الضباب من الآجار، وَغير ذَلِك من (اللوامخ) ﴿وَمن لَسْتُم لَهُ برازقين﴾ مَعْنَاهُ: جعلنَا فِيهَا معايش لكم، وَجَعَلنَا فِيهَا من لَسْتُم (فِيهَا) برازقين، وَهِي الدَّوَابّ والطيور والوحوش. وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَنا جعلنَا لكم فِيهَا معايش، وَجَعَلنَا لكم أَيْضا الدَّوَابّ والطيور والأنعام، وكفيناكم رزقها، فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ: " وَمن لَسْتُم لَهُ برازقين "، و " من " إِنَّمَا تقال فِيمَن يعقل لَا فِيمَن لَا يعقل؟ .

وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن العبيد والمماليك قد دخلُوا فِي هَؤُلَاءِ، وَالْعرب إِذا جمعت بَين من يعقل وَبَين من لَا يعقل غلبت من يعقل.

15:21Page 263

وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه﴾ يَعْنِي: مَفَاتِيح خزائنه، وَقيل: إِنَّهَا نفس الخزائن، وَمعنى الخزائن أَنه إِذا قَالَ: كن كَانَ.

قَوْله: ﴿وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ أَي: إِلَّا بِقدر مَعْلُوم فِي وَقت مَعْلُوم، وَيُقَال: إِنَّه لَا تنزل قَطْرَة من السَّمَاء إِلَّا وَمَعَهَا ملك يَسُوقهَا حَيْثُ يُرِيد الله، وَالله أعلم.

15:22Page 263

وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢

And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ملاقح واحدتها ملقحة، وَقَالَ غَيره: هِيَ لَوَاقِح وَاحِدهَا لاقح، وَمعنى اللاقح أَنَّهَا تحمل المَاء، وَمعنى الملقح أَنَّهَا تمر على السَّحَاب وَالْأَرْض فتلقحه، وإلقاح السَّحَاب هُوَ أَن يلقِي إِلَى السَّحَاب مَا يحمل بِهِ المَاء، وَقيل: إِنَّهَا تلقح الْأَشْجَار أَيْضا.

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِن الرّيح تحمل المَاء فتجريه السَّحَاب؛ فتدر السَّحَاب، كَمَا تدر اللقحة، وَعَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ: تجىء الرّيح المبشرة فتقم الأَرْض قما، ثمَّ تجىء الرّيح المنشأة فتنشىء السَّحَاب نشئا، ثمَّ تَجِيء الرّيح الْمُؤَلّفَة فتؤلف السَّحَاب بعضه إِلَى بعض، ثمَّ تَجِيء الرّيح اللاقحة فتلقح السَّحَاب. (وفى) : أَن لقح الرِّيَاح؛ الْجنُوب.

وَفِي بعض الْآثَار: " مَا هبت ريح الْجنُوب إِلَّا وأنبعت عينا غرقة غدقة "، وَأما الرّيح الْعَقِيم هِيَ الَّتِي لَا تلقح وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ.

وَقَوله: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء فأسقيناكموه﴾ يَعْنِي: أعطينا لكم بهَا سقيا، يُقَال: أسْقى فلَانا إِذا جعل لَهُ سقيا، وَسَقَى فلَانا إِذا أعطَاهُ مَا يشرب.

وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْتُم لَهُ بخازنين﴾ يَعْنِي: أَنه فِي خزائننا، وَلَيْسَ فِي خزائنكم، وَقيل: وَمَا أَنْتُم لَهُ بمانعين وَلَا دافعين (أَي: أردتموه) .

15:23Page 263

وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لنَحْنُ نحيي ونميت وَنحن الوارثون﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: وَالْوَارِث فِي صِفَات الله أَنه الْبَاقِي بعد هَلَاك الْخلق أَجْمَعِينَ، وَقيل مَعْنَاهُ: أَن مصير الْخلق إِلَيْهِ.

15:24Page 263

وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ قَالَ الشّعبِيّ: مَعْنَاهُ: وَلَقَد علمنَا الْأَوَّلين مِنْكُم والآخرين، وَيُقَال مَعْنَاهُ: علمنَا الْمُتَقَدِّمين مِنْكُم بِالطَّاعَةِ، والمتأخرين مِنْكُم بالمعصية، وَقيل: علمنَا من خلقنَا مِنْكُم وَمن سنخلقه من بعد. وَعَن الرّبيع بن أنس " أَن النَّبِي حض النَّاس على الْجَمَاعَة فَتقدم بَعضهم، وَتَأَخر الْبَعْض لِكَثْرَة الْجمع؛ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ ".

وَيُقَال مَعْنَاهُ: وَلَقَد علمنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم فِي حق الْقِتَال، وَعلمنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ عَنهُ. وَفِي الْآيَة خبر مُسْند بِرِوَايَة أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس: " أَن امْرَأَة كَانَت تحضر الْجَمَاعَة، وَهِي من أحسن النِّسَاء وَجها، فَكَانَ قوم يتقدمون لِئَلَّا يرونها، وَقوم يتأخرون. فَإِذا ركعوا نظرُوا إِلَيْهَا من تَحت آباطهم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". أوردهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه.

15:25Page 263

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن رَبك هُوَ يحشرهم﴾ يَعْنِي: يحشرهم إِلَى الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿إِنَّه حَكِيم عليم﴾ أَي: حَكِيم فِي تَدْبيره، عليم بخلقه.

15:26Page 263

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من صلصال من حمأ مسنون﴾ الصلصال هُوَ الطين الْيَابِس الَّذِي إِذا حرك صلصل أَي: صَوت، قَالَ الشَّاعِر:

(وقاع ترى الصلصال فِيهِ ودونه ... بقاع تلال بالعرى والمناكب)

وَيُقَال: الصلصال المنتن، يُقَال: صل اللَّحْم إِذا أنتن، وَذكر الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: أَن الصلصال هُوَ الطين الرطب، وَيُقَال: إِذا جرى المَاء على الأَرْض الطينة، ثمَّ انحسر المَاء وتشققت الأَرْض حَتَّى يرى مثل الخزف، فَهُوَ صلصال.

وَقَوله: ﴿من حمأ مسنون﴾ الحمأ: الحمأة، وَهِي الطين الْأسود، والمسنون: الْمُتَغَيّر المنتن، كَذَلِك قَالَه مُجَاهِد. وَقَالَ بَعضهم: الْمسنون المصبوب، وَهَذَا يشبه القَوْل الَّذِي بَينا أَن الصلصال هُوَ الطين الرطب، وَفِي الْآثَار: أَن الْحسن كَانَ يسن المَاء على وَجهه سنا، أَي: يصب.

وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن الْمسنون هُوَ المصبوب على قالب وَصُورَة، وَفِي بعض (التفاسير) : أَن الله تَعَالَى خمر طِينَة آدم، وَتَركه حَتَّى صَار متغيرا أسود منتنا، ثمَّ خلق آدم مِنْهَا.

15:27Page 263

وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧

And the jinn We created before from scorching fire.

قَوْله: ﴿والجآن خلقناه من قبل من نَار السمُوم﴾ يُقَال: الجآن هُوَ إِبْلِيس، وَيُقَال: الجآن أَبُو الْجِنّ، كَمَا أَن آدم أَبُو الْبشر، وَأما إِبْلِيس هُوَ أَبُو الشَّيَاطِين، وَفِي الْجِنّ مُؤمنُونَ وكافرون، ويحيون ويموتون.

وَأما الشَّيَاطِين فَلَيْسَ فيهم مُسلم، ويموتون إِذا مَاتَ إِبْلِيس، وَذكر وهب بن مُنَبّه: أَن من الْجِنّ من يُولد لَهُم، ويأكلون وَيَشْرَبُونَ بِمَنْزِلَة الْآدَمِيّين، وَمن الْجِنّ من هم بِمَنْزِلَة الرّيح لَا يتوالدون، وَلَا يَأْكُلُون، وَلَا يشربون، وَالله أعلم.

وَقَوله: ﴿من نَار السمُوم﴾ أَي: من الرّيح الحارة، والسموم: ريح حارة تدخل فِي مسام الْإِنْسَان فتقتله، وَيُقَال: إِن السمُوم بِالنَّهَارِ والحرور بِاللَّيْلِ، وَيُقَال: إِن السمُوم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار جَمِيعًا، وَقيل: نَار السمُوم لهيب النَّار.

وَفِي بعض الْآثَار عَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن هَذَا السمُوم الَّذِي نرَاهُ جُزْء من سبعين جُزْءا من سموم جَهَنَّم. وَيُقَال: من نَار السمُوم أَي: من نَار جَهَنَّم.

15:28Page 263

وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٨

And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون﴾ قد ذكرنَا.

15:29Page 263

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٢٩

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا سويته﴾ أَي: صورته. وَقَوله: ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ الرّوح: جسم لطيف يحيا بِهِ الْإِنْسَان، [وأضافها] إِلَى نَفسه تَشْرِيفًا وتكريما.

وَقَوله: ﴿فقعوا لَهُ ساجدين﴾ أَي: أسقطوا لَهُ ساجدين.

15:30Page 263

فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٣٠

So the angels prostrated - all of them entirely,

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فِي بعض التفاسير: أَنه قَالَ لجَماعَة من الْمَلَائِكَة: اسجدوا لآدَم فَلم يَفْعَلُوا؛ فَجَاءَت نَار وأحرقتهم جَمِيعًا، ثمَّ قَالَ لجَماعَة آخَرين: اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس.

وَقَوله: ﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فِيهِ سُؤال مَعْرُوف، وَهُوَ أَنه يُقَال: لما قَالَ ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة﴾ ؟ فأيش فَائِدَة قَوْله: ﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ ؟ .

وَالْجَوَاب: أَن الْخَلِيل وسيبويه زعما أَن هَذَا تَأْكِيدًا بعد تَأْكِيد، (وَذكر) الْمبرد أَن قَوْله: ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة﴾ كَانَ من الْمُحْتَمل أَن بَعضهم سجد؛ فَذكر كلهم ليزيل هَذَا الْإِشْكَال، ثمَّ كَانَ يحْتَمل أَنهم سجدوا فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة؛ فَذكر أَجْمَعُونَ ليزيل الالتباس.

15:31Page 263

إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣١

Except Iblees;1 he refused to be with those who prostrated.

وَقَوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى أَن يكون مَعَ الساجدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

15:32Page 264

قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣٢

[Allāh] said, "O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيس مَا لَك أَلا تكون مَعَ الساجدين﴾ مَعْنَاهُ: لم لم تسْجد وَقد أَمرتك؟

15:33Page 264

قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٣٣

He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."

قَوْله: ﴿قَالَ لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون﴾ مَعْنَاهُ: أَنِّي أفضل مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ طيني، وَأَنا نَارِي، وَالنَّار تَأْكُل الطين.

وَفِي بعض الْآثَار: " أَن الله تَعَالَى خلق الْمَلَائِكَة من نور الْعِزَّة، وَخلق الجآن من النَّار، وَخلق آدم من التُّرَاب ".

فَإِن قَالَ: إِذا كَانَ عنْدكُمْ أَن إِبْلِيس من الْمَلَائِكَة، وَقد خلقُوا من النُّور، فَكيف قَالَ إِبْلِيس خلقتني من نَار؟

الْجَواب عَنهُ: أَن إِبْلِيس كَانَ من قَبيلَة من الْمَلَائِكَة خلقُوا من النَّار، وَقد ذكرنَا فِي سُورَة الْبَقَرَة.

15:34–35Page 264

قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٣٤

[Allāh] said, "Then depart from it,1 for indeed, you are expelled.

وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٣٥

And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."

قَوْله: ﴿قَالَ فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم وَإِن عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدّين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَيُقَال: إِن إِبْلِيس مَلْعُون السَّمَاء وَالْأَرْض، وَإِن أهل السَّمَاء يلعنونه، كَمَا أَن أهل الأَرْض يلعنونه.

15:36Page 264

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٣٦

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ أَي: فأمهلني إِلَى يَوْم الْبَعْث، وَأَرَادَ الملعون أَلا يَمُوت؛ فَأَجَابَهُ الله تَعَالَى وَقَالَ:

15:37–38Page 264

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٣٧

[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved

إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٣٨

Until the Day of the time well-known."

﴿إِنَّك من المنظرين إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم﴾ أَي: الْوَقْت الَّذِي يَمُوت فِيهِ الْخَلَائق، وَيُقَال: إِن مُدَّة موت إِبْلِيس أَرْبَعُونَ سنة، وَهُوَ مَا بَين النفختين. وَقَالَ أهل الْمعَانِي: إِن إِبْلِيس لما سَأَلَ الْإِمْهَال لم تكن إِجَابَة الله إِيَّاه كَرَامَة لَهُ، بل كَانَت زِيَادَة لَهُ فِي شقائه وبلائه.

15:39Page 264

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩

[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them [i.e., mankind] on earth, and I will mislead them all

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن مَعْنَاهُ: بِمَا أضللتني، وَقيل: بِمَا خيبتني من رحمتك، وَقيل: بِمَا أهلكتني، وَيُقَال: بِمَا نسبتني إِلَى الغواية، وَهُوَ تَأْوِيل بَاطِل عِنْد أهل السّنة.

وَقَوله: ﴿لأزينن لَهُم فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: لأزينن لَهُم حب الدُّنْيَا والغواية. وَقَوله: ﴿ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: لأضلنهم أَجْمَعِينَ، وَالْمرَاد من إغواء إِبْلِيس تسببه إِلَى الغواية.

15:40Page 264

إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠

Except, among them, Your chosen servants."

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ والمخلصين: ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا من قبل.

15:41Page 264

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٤١

[Allāh] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ أَكثر أهل الْمعَانِي على أَن الْآيَة للتهديد والوعيد، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: طريقك عَليّ، مسيرك إِلَيّ، أَي: لَا تفلت مني. وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ أَي: على طَرِيق الْخلق.

وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن معنى قَوْله: ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ﴾ أَي: إِلَيّ.

وَقَوله ﴿مُسْتَقِيم﴾ أَي: بأَمْري وإرادتي.

وَالْقَوْل الثَّالِث: صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم أَي: عَليّ استقامته بِالْبَيَانِ والبرهان والتوفيق وَالْهِدَايَة، وَقَرَأَ الْحسن وَابْن سِيرِين: " هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم " أَي: رفيع، وعبروا عَنهُ: رفيع من أَن ينَال، مُسْتَقِيم من أَن يمال، وَقَالَ الشَّاعِر فِي الصِّرَاط بِمَعْنى الطَّرِيق:

(أَمِير الْمُؤمنِينَ على صِرَاط ... إِذا اعوج الْمَوَارِد مُسْتَقِيم)

15:42Page 264

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٤٢

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ هَذَا تَحْقِيق لقَوْله تَعَالَى فِيمَا سبق: ﴿إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ .

15:43Page 264

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٣

And indeed, Hell is the promised place for them all.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جَهَنَّم لموعدهم أَجْمَعِينَ﴾ يَعْنِي: موعد إِبْلِيس وَمن تبعه للخلود فِيهَا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском