As-Sam'aniAn‑Nahl · 16:97–128

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:97–128

16:97Page 278

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧

Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.

قَوْله تَعَالَى: ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة﴾ اخْتلفُوا فِي الْحَيَاة الطّيبَة على أقاويل: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْحَيَاة الطّيبَة هِيَ الرزق الْحَلَال. وَعَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة: أَنَّهَا القناعة، وَفِي بعض دُعَاء النَّبِي: " اللَّهُمَّ قنعني بِمَا رزقتني " وَفِي منثور الْكَلَام: القناعة ملك خَفِي.

وَالْقَوْل الثَّالِث: رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: الْحَيَاة الطّيبَة فِي الْجنَّة، قَالَ الْحسن: وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَيَاة طيبَة، وَعنهُ أَنه قَالَ: الدُّنْيَا كلهَا بلَاء، فَمَا كَانَ فِيهَا من خير فَهُوَ ريح، وَرُوِيَ أَنه سمع رجلا يَقُول لآخر: لَا أَرَاك الله مَكْرُوها أبدا، فَقَالَ لَهُ: دَعَوْت الله لَهُ بِالْمَوْتِ، فَإِن الدُّنْيَا لَا تَخْلُو عَن الْمَكْرُوه.

وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: الْحَيَاة الطّيبَة رزق يَوْم بِيَوْم، وَقيل: إِنَّه حلاوة الْعِبَادَة وَأكل الْحَلَال، وَيُقَال: إِنَّهَا عَيْش الْإِنْسَان فِي بَلَده مَعَ الْكِفَايَة والعافية، وَقيل: مُطلق الْكِفَايَة والعافية.

وَقَوله: ﴿ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ قد بَينا الْمَعْنى.

16:98Page 278

فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨

So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن﴾ رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بعد الْقِرَاءَة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه﴾ وَحكى بَعضهم عَن مَالك مثل هَذَا.

وَالأَصَح أَن الِاسْتِعَاذَة قبل الْقِرَاءَة، وَقد رُوِيَ ذَلِك بروايات كَثِيرَة عَن النَّبِي وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي المتَوَكل النَّاجِي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ لَهُ: " إِذا افتتحت الْقِرَاءَة فَقل: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ". وَثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان من همزه ونفثه ".

وَأما معنى الْآيَة: إِذا أردْت قِرَاءَة الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يأيها الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾ يَعْنِي: إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة، وَفِي بعض الْآثَار: أَنه لَا شَيْء أَشد على إِبْلِيس من الِاسْتِعَاذَة، والاستعاذة بِاللَّه هِيَ الِاعْتِصَام بِاللَّه.

وَقَوله: ﴿من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ أَي: الشَّيْطَان المرجوم.

16:99Page 278

إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا﴾ أَي: لَيْسَ لَهُ ولَايَة على الَّذين آمنُوا. وَقَوله: ﴿وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ يُقَال مَعْنَاهُ: أَنه لَا يقدر على إيقاعهم فِي ذَنْب لَيْسَ لَهُم مِنْهُ تَوْبَة، وَقيل: إِنَّه لَا يقدر على إدخالهم فِي الشّرك وإغوائهم.

16:100Page 278

إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه﴾ يَعْنِي: الَّذين يدْخلُونَ فِي ولَايَته ويتبعونه.

وَقَوله: ﴿وَالَّذين هم بِهِ مشركون﴾ قَالَ بَعضهم: بِرَبّ الْعَالمين مشركون، وَقَالَ ثَعْلَب: وَالَّذين هم بِهِ مشركون أَي: لأَجله مشركون أَي: لأجل إِبْلِيس، وَهَذَا معنى صَحِيح؛ لِأَن من يُشْرك بإبليس يكون مُؤمنا بِاللَّه، فَالْمَعْنى هَذَا.

16:101Page 278

وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانَ النَّبِي إِذا نزلت عَلَيْهِ آيَة شدَّة، ثمَّ نسخت، وأنزلت عَلَيْهِ آيَة لين، قَالَ الْمُشْركُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرجل يُبدل كَلَام الله من قبل نَفسه، وَكَانُوا يَقُولُونَ على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء: وتبدل الشَّيْء بالشَّيْء؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ " أَي: وَضعنَا آيَة مَكَان آيَة.

وَقَوله: ﴿وَالله أعلم بِمَا ينزل﴾ يَعْنِي: وَالله أعلم بِمَنْفَعَة الْعباد فِيمَا ينزل.

وَقَوله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْت مفتر﴾ أَي: مختلق. وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ يَعْنِي: كلهم لَا يعلمُونَ أَنِّي أَنا الْمنزل لجَمِيع الْآيَات النَّاسِخ والمنسوخ.

16:102Page 278

قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢

Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل نزله روح الْقُدس﴾ أَي: جِبْرِيل. وَقَوله: ﴿من رَبك بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالصّدقِ وَقَوله: ﴿ليثبت الَّذين آمنُوا﴾ أَي: ليثبت قُلُوب الَّذين آمنُوا.

وَقَوله: ﴿وَهدى وبشرى للْمُسلمين﴾ قد بَينا الْمَعْنى.

16:103Page 279

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.

قَوْله: ﴿وَلَقَد نعلم أَنهم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعلمهُ بشر﴾ الْآيَة، اخْتلفت الْأَقَاوِيل فِي معنى قَوْله: ﴿بشر﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ غُلَام لعامر بن الْحَضْرَمِيّ، وَكَانَ يقْرَأ الْكتب، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يَزْعمُونَ أَن رَسُول الله يتَعَلَّم مِنْهُ، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ غُلَام لحويطب، وَقَالَ غَيره: كَانَ اسْمه جبر، وَمِنْهُم من قَالَ: غلامان من عين التَّمْر يُسمى أَحدهمَا: جبر، وَالْآخر: يسَار، وَكَانَا يقرآن الْكتب بلسانهما، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ اسْمه: أَبُو (فكيهة) ، وَقيل: كَانَ اسْمه: عايش، قَالُوا: كَانَ النَّبِي يجلس إِلَيْهِمَا، ويدعوهما، إِلَى الْإِسْلَام، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.

وَقَوله: ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ﴾ قرئَ: " يلحدون إِلَيْهِ " و " يلحدون "، والإلحاد: الْميل، والملحد هُوَ الَّذِي مَال عَن الْحق إِلَى التعطيل؛ فَقَوله: ﴿يلحدون إِلَيْهِ﴾ أَي: يميلون إِلَيْهِ.

وَقَوله: ﴿يلحدون إِلَيْهِ﴾ أَي: يميلون القَوْل إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: يومئون إِلَيْهِ، وَقَوله: ﴿أعجمي﴾ الأعجمي: هُوَ الَّذِي لَا يفصح بِالْعَرَبِيَّةِ.

وَقَوله: ﴿وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ أَي: كَلَام عَرَبِيّ مُبين، وَمعنى الْآيَة: أَنه كَيفَ يَأْخُذ مِنْهُم، وهم لَا يفصحون بِالْعَرَبِيَّةِ؟ وَقد رُوِيَ أَن ذَلِك الرجل الَّذِي كَانُوا يشيرون إِلَيْهِ أسلم، وَحسن إِسْلَامه.

16:104Page 279

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤

Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بآيَات الله لَا يهْدِيهم الله﴾ يَعْنِي: لَا يرشدهم الله إِلَى الْحق، وَقد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ .

وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: مؤلم.

16:105Page 279

إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بآيَات الله وَأُولَئِكَ هم الكذبون﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ: ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب﴾ فأيش معنى قَوْله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْكَاذِبُونَ﴾ ؟

وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن قَوْله: ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب﴾ هَذَا إِخْبَار عَن فعل الْكَذِب، وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْكَاذِبُونَ﴾ نعت لَازم، وَمَعْنَاهُ: أَن هَذَا صفتهمْ ونعتهم، وَهَذَا كَالرّجلِ يَقُول لغيره: كذبت، وَأَنت كَاذِب أَي: كذبت فِي هَذَا القَوْل، وَمن صِفَتك الْكَذِب. وَفِي بعض المسانيد عَن يعلى بن الْأَشْدَق عَن عبد الله بن جَراد أَنه قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله: الْمُؤمن يَزْنِي؟ قَالَ: قد يكون ذَلِك، فَقلت: الْمُؤمن يسرق؟ قَالَ: قد يكون ذَلِك، فَقلت الْمُؤمن يكذب؟ فَقَالَ: لَا، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بآيَات الله﴾ " وَعَن أبي بكر الصّديق - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ : الْكَذِب مُجَانب للْإيمَان.

16:106Page 279

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;

قَوْله تَعَالَى: ﴿من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه﴾ نزلت الْآيَة فِي عمار بن يَاسر - رَضِي الله عَنهُ - أَخذه الْمُشْركُونَ، وأكرهوه على سبّ النَّبِي فطاوعهم فِي بعض القَوْل، ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: " مَا وَرَاءَك؟ فَقَالَ: شَرّ يَا رَسُول الله، لم يتركني الْكفَّار حَتَّى نلْت مِنْك، وَذكرت آلِهَتهم بِخَير، فَقَالَ: وَكَيف وجدت قَلْبك؟ فَقَالَ: مطمئنا بِالْإِيمَان؛ فَقَالَ: إِن عَادوا فعد؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة " وَتَقْدِير الْآيَة: من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب أَلِيم إِلَّا من أكره، وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان ﴿وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ فَحكمه مَا بَينا. وَقَوله: ﴿شرح﴾ أَي: فتح قلبه لقبُول الْكفْر.

16:107Page 279

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم استحبوا الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة﴾ يَعْنِي: آثروا الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة. وَاعْلَم أَن الْمُؤمن يجوز أَن يطْلب الدُّنْيَا، وَيطْلب الْآخِرَة، وَلَكِن لَا يُؤثر الدُّنْيَا على الْآخِرَة إِلَّا الْكَافِر. وَقَوله: ﴿وَأَن الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ لَا يرشد الْقَوْم الْكَافرين.

16:108Page 279

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وسمعهم وأبصارهم وَأُولَئِكَ هم الغافلون﴾ أَي: عَمَّا يُرَاد بهم.

16:109Page 279

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جرم أَنهم فِي الْآخِرَة هم الخاسرون﴾ أَي: حَقًا أَنهم فِي الْآخِرَة هم المغبونون.

16:110Page 279

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد فتنُوا﴾ نزلت الْآيَة فِي قوم كَانُوا بقوا بِمَكَّة من الْمُسلمين، وعذبهم الْمُشْركُونَ حَتَّى ذكرُوا كلمة الْكفْر بلسانهم، مِنْهُم عمار وخباب وصهيب وَغَيرهم.

وَقَوله: ﴿من بعد مَا فتنُوا﴾ أَي: عذبُوا حَتَّى وَقَعُوا فِي الْفِتْنَة، ثمَّ إِنَّهُم بعد ذَلِك هَاجرُوا، وَلَحِقُوا بِالنَّبِيِّ. وَقَوله: ﴿ثمَّ جاهدوا وصبروا﴾ يَعْنِي: على الْجِهَاد وَالْإِيمَان.

وَقَوله: ﴿إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم﴾ أَي: من بعد فعلتهم الَّتِي فَعَلُوهَا من إِعْطَاء الْكفَّار بعض مَا أَرَادوا مِنْهُم.

فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَ ذَلِك رخصَة، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة؟ وَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل أَنهم فعلوا مَا فعلوا ذَلِك قبل نزُول الرُّخْصَة.

16:111Page 280

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا﴾ . فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: تجَادل، وَقد سبق ذكر كل، وَلَفظ كل مُذَكّر؟

وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه عَاد كلمة كل على الْمُؤَنَّث؛ فَلهَذَا الْمَعْنى أنث، وَهَذَا كَمَا يُقَال: كل امْرَأَة قَائِمَة، وَمَا أشبه هَذَا.

وَقَوله: ﴿تجَادل عَن نَفسهَا﴾ أَي: تخاصم عَن نَفسهَا، ومجادلتهم هِيَ قَوْلهم: وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين، وَقَوْلهمْ: رَبنَا هَؤُلَاءِ شركاؤنا الَّذين كُنَّا ندعوا من دُونك، وَمَا أشبه هَذَا من الْأَقْوَال الَّتِي ذكرت فِي الْقُرْآن.

وَقيل: تجَادل عَن نَفسهَا: تدفع عَن نَفسهَا. وَرُوِيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ: تزفر جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة زفرَة، فَلَا يبْقى ملك مقرب، وَلَا نَبِي مُرْسل إِلَّا خر وجثى على رُكْبَتَيْهِ، وَيَقُول: نَفسِي نَفسِي حَتَّى إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن فَيَقُول: رَبِّي لَا أُرِيد إِلَّا نجاة نَفسِي، قَالَ كَعْب: وَهُوَ فِي كتاب الله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَن نَفسهَا﴾ .

وَرُوِيَ أَنه قَالَ هَذَا بَين يَدي عمر - رَضِي الله عَنهُ - وَقد كَانَ عمر قَالَ لَهُ: حَدثنَا، ذكرنَا. وَقَوله: ﴿وَتوفى كل نفس مَا عملت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

16:112Page 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة﴾ الْآيَة. أَكثر أهل التَّفْسِير: أَن الْقرْيَة هَا هُنَا هِيَ مَكَّة - وَقَوله: ﴿يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان﴾ هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ .

وَقَوله: ﴿فكفرت بأنعم الله﴾ الأنعم: جمع النِّعْمَة. وَقَوله: ﴿فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف﴾ ذكر الذَّوْق، لِأَن المُرَاد من لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف التعذيب، ويستقيم أَن يُقَال فِي التعذيب: ذُقْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ .

وَالْمعْنَى: أَن الْعَذَاب يَتَجَدَّد إِدْرَاكه كل سَاعَة كالذوق.

رُوِيَ أَن الله تَعَالَى سلط عَلَيْهِم الْقَحْط سبع سِنِين حَتَّى أكلُوا (الطَّعَام) الْمُحْتَرِقَة وَالْعِلْهِز، وَهُوَ الْوَبر بِالدَّمِ، حَتَّى كَانَ ينظر أحدهم إِلَى السَّمَاء فَيرى كشبه الدُّخان من الْجُوع ".

﴿وَالْخَوْف﴾ هُوَ الْخَوْف من الْقَتْل، وَمن سَرَايَا النَّبِي.

وَالْمرَاد من الْقرْيَة: أهل الْقرْيَة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿آمِنَة﴾ أَي: آمن أَهلهَا، وَكَذَلِكَ مطمئنة.

وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَنه كل بلد من بلدان الْكفَّار.

وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَنَّهَا الْمَدِينَة، وكفران أَهلهَا بأنعم الله هُوَ مَا فعلوا بعد النَّبِي من قتل عُثْمَان، وَمَا يعقبه من الْأُمُور، وَهُوَ قَول ضَعِيف. وَأما ذكر اللبَاس فِي الْآيَة، فَلِأَن من جَاع لحقه من الهزال والشحوب والتغير مَا يزِيد ظَاهره عَمَّا كَانَ من قبل؛ فَجعل ذَلِك كاللباس لجلوده.

وَقَوله: ﴿بِمَا كَانُوا يصنعون﴾ أَي: يكفرون.

16:113Page 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جَاءَهُم رَسُول مِنْهُم﴾ أَي: مُحَمَّد، وَقَوله: ﴿مِنْهُم﴾ أَي: نسبهم، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وَقَوله: ﴿فَكَذبُوهُ﴾ أَي: كفرُوا بِهِ. وَقَوله: ﴿فَأَخذهُم الْعَذَاب وهم ظَالِمُونَ﴾ أَي: كافرون.

16:114Page 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رزقكم الله حَلَال طيبا واشكروا نعْمَة الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ قد بَينا الْمَعْنى.

16:115Page 280

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد﴾ معنى قَوْله: ﴿بَاغ﴾ أَي: طَالب بذلك ليتقوى على الْمعْصِيَة ﴿وَلَا عَاد﴾ أَي: لَا يتَعَدَّى الْقدر الَّذِي جوز لَهُ من التَّنَاوُل، وَهَذَا دَلِيل على أَن العَاصِي فِي السّفر لَا يترخص بِهَذِهِ الرُّخْصَة.

وَقَوله: ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

16:116Page 280

وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦

And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.

قَوْله: ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب﴾ يَعْنِي: لوصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب. وَقَوله: ﴿هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ المُرَاد مِنْهُ: مَا ذَكرُوهُ فِي الْبحيرَة والسائبة والوصيلة والحام، وَقد كَانُوا يحلونها لقوم، ويحرمونها على قوم. وَقَوله: ﴿لتفتروا على الله الْكَذِب﴾ أَي: لتختلقوا على الله الْكَذِب. وَقَوله: ﴿إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون﴾ أَي: لَا يفوزون.

16:117Page 280

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧

[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: عيشهم فِي الدُّنْيَا مَتَاع قَلِيل، ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: وجيع.

16:118Page 280

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨

And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين هادوا حرمنا مَا قَصَصنَا عَلَيْك من قبل﴾ مَعْنَاهُ: مَا ذكره فِي سُورَة الْأَنْعَام، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر﴾ . وَقَوله: ﴿وَمَا ظلمناهم﴾ أَي: مَا نقصنا من حَقهم ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ أَي: هم الَّذين نَقَصُوا من حُقُوقهم.

16:119Page 281

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩

Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين عمِلُوا السوء بِجَهَالَة﴾ قَالَ أهل الْعلم: وكل من عمل بِمَعْصِيَة، فَهُوَ من دَاعِي الْجَهَالَة. وَقَوله: ﴿ثمَّ تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا﴾ شَرط الصّلاح هَاهُنَا، وَمَعْنَاهُ: الاسْتقَامَة على التَّوْبَة. وَقَوله: ﴿إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم﴾ أَي: من بعد الفعلة الَّتِي تَابُوا عَنْهَا.

16:120Page 281

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة﴾ فِي الْأمة أَقْوَال، أحسن الْأَقَاوِيل مَا حَكَاهُ مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود أَنه الْمعلم للخير، وَهُوَ الَّذِي يقْتَدى بِهِ ويؤتم؛ وَرُوِيَ أَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ بعد موت معَاذ بن جبل: كَانَ معَاذ بن جبل أمة، وَأَرَادَ بِهِ هَذَا الْمَعْنى.

القَوْل الثَّانِي: كَانَ أمة، أَي: إِمَام هدى، وَالْقَوْل الثَّالِث: كَانَ أمة أَي: كَانَ مُؤمنا بِاللَّه، وَجَمِيع النَّاس كافرون. وَقَوله: ﴿قَانِتًا لله﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: مُطيعًا لله، وَقَالَ غَيره: قَائِما بأوامر الله، وَقيل: دَائِما على الْعِبَادَة.

وَقَوله: ﴿حَنِيفا﴾ أَي: مخلصا، وَقيل: مُسْتَقِيمًا على الدّين.

قَوْله: ﴿وَلم يَك من الْمُشْركين﴾ أَي: مِمَّن يعبد الْأَصْنَام، وَقَالَ بعض أهل الْمعَانِي: كَانَ يرى الْعَطاء وَالْمَنْع من الله.

16:121Page 281

شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١

[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.

قَوْله: ﴿شاكرا لأنعمه﴾ أَي: لنعمه. وَقَوله: ﴿اجتباه وهداه﴾ أَي: اخْتَارَهُ وأرشده. وَقَوله: ﴿إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: إِلَى دين الْحق.

16:122Page 281

وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢

And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.

قَوْله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ قيل: هِيَ النُّبُوَّة، وَقيل: لِسَان الصدْق، وَقيل: التنويه لذكره بِطَاعَتِهِ لرَبه، وَقيل: قبُول كل أهل الْملَل لَهُ، وَقيل: ضيافته وَدُعَاء النَّاس لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

16:123Page 281

ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣

Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ هَذَا دَلِيل على أَنه يجوز للفاضل أَن يتبع الْمَفْضُول. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقد قَالَ بعض أهل الْأُصُول: إِن النَّبِي كَانَ مَأْمُورا بشريعة إِبْرَاهِيم إِلَّا مَا نسخ فِي شَرِيعَته بِدَلِيل هَذِه الْآيَة، وَقد قيل غير هَذَا، وَالصَّحِيح أَنه كَانَ مَأْمُورا بِاتِّبَاع شَرِيعَته فِي بعض الْأَشْيَاء، وَصَارَ ذَلِك شَرِيعَة لَهُ.

16:124Page 281

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤

The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جعل السبت على الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا جعل السبت لعنة على الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ. وَقَوله: ﴿اخْتلفُوا فِيهِ﴾ أَي: خالفوا فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم: اخْتلفُوا فِيهِ أَي: حرم بَعضهم، وَأحل بَعضهم يَعْنِي: السبت.

وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ الله تَعَالَى أَمرهم بِالْجمعَةِ فَأَبَوا، وطلبوا السبت فَشدد عَلَيْهِم فِيهِ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى أمروا بِالْجمعَةِ فَأَبَوا، وطلبوا الْأَحَد، وَأعْطى الله تَعَالَى الْجُمُعَة لهَذِهِ الْأمة فقبلوا، وبورك لَهُم فِيهَا، وَفِي الْبَاب خبر صَحِيح قد بَيناهُ من قبل.

قَوْله: ﴿وَإِن رَبك ليحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

16:125Page 281

ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥

Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْع إِلَى سَبِيل رَبك﴾ إِلَى دين رَبك. وَقَوله: ﴿بالحكمة﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ، وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مراتبها فِي الْحسن والقبح، وَقيل: الدُّعَاء بالحكمة هُوَ الرَّد عَن الْقَبِيح إِلَى الْحسن بِشَرْط الْعلم.

وَقَوله: ﴿وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة﴾ الموعظة هِيَ الدُّعَاء إِلَى الله بالترغيب والترهيب، وَقيل: الموعظة الْحَسَنَة هِيَ القَوْل اللين الرَّقِيق من غير غلظة وَلَا تعنيف.

وَقَوله: ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ أَي: مَعَ الْإِعْرَاض عَن أذاهم لَك وَالصَّبْر على مكروههم، وَقد نسخ هَذَا بِآيَة السَّيْف.

وَقَوله: ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

16:126Page 281

وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦

And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِيمَا فعله الْمُشْركُونَ بِحَمْزَة وَأَصْحَابه؛ فَإِنَّهُ يرْوى: " أَن النَّبِي - مر عَلَيْهِ، وَقد بقر بَطْنه، وَأخذ كبده، وَقطعت مذاكيره وَجعلت فِي فِيهِ؛ فَرَأى أمرا فظيعا؛ فَقَالَ: لَئِن قدرت عَلَيْهِم لَأُمَثِّلَن بسبعين مِنْهُم، وَرُوِيَ أَن الصَّحَابَة قَالُوا قَرِيبا من هَذَا القَوْل فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ".

وَقد قَالَ زيد بن أسلم وَالضَّحَّاك: إِن الْآيَة مَكِّيَّة، وَلَيْسَت فِي حَمْزَة وَأَصْحَابه، وَالأَصَح هُوَ الأول.

وَقَوله: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين﴾ يَعْنِي: لَئِن عفوتم ﴿لَهو خير للصابرين﴾ أَي: خير للعافين، وَقد تحقق هَذَا الْعَفو فِي حق وَحشِي قَاتل حَمْزَة بَعْدَمَا أسلم، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كل الْمُشْركين الَّذين أَسْلمُوا.

16:127Page 281

وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧

And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.

قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ أَي: بمعونة الله. وَقَوله: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ أَي: لَا تحزن على أفعالهم وإبائهم لِلْإِسْلَامِ.

وَقَوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضيق مِمَّا يمكرون﴾ قرئَ: " فِي ضيق " وَمعنى الْقِرَاءَتَيْن: لَا يضيقن صدرك ﴿مِمَّا يمكرون﴾ أَي: يشركُونَ، وَقيل: مِمَّا فعلوا من الأفاعيل.

16:128Page 281

إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨

Indeed, Allāh is with those who fear Him and those who are doers of good.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ يَعْنِي: اتَّقوا المناهي ﴿وَالَّذين هم محسنون﴾ بأَدَاء الْفَرَائِض، [وَقَوله] : ﴿مَعَ﴾ بِالْحِفْظِ والنصرة والمعونة، وَالله أعلم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском