As-Sam'aniMaryam · 19:34–70

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:34–70

19:34Page 307

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤

That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ يَعْنِي: هَذَا عِيسَى ابْن مَرْيَم ﴿قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ . يَعْنِي: هَذَا القَوْل هُوَ القَوْل الْحق، وَقَوله ﴿الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ أَي: يَخْتَلِفُونَ.

19:35Page 307

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد﴾ مَعْنَاهُ: مَا يصلح لله، وَمَا يَنْبَغِي أَن يتَّخذ من ولد. فَإِن قيل: هلا قَالَ ولدا؟ قُلْنَا: قَالَ من ولد للْمُبَالَغَة؛ فَإِن الرجل قد يَقُول: مَا اتخذ فلَان فرسا يُرِيد الْعدَد، وَإِن كَانَ قد اتخذ وَاحِدًا. فَإِذا قَالَ: مَا اتخذ فلَان من فرس، يكون ذَلِك نفيا للْوَاحِد وَالْعدَد. وَقد بَينا أَن الْوَلَد يكون من جنس الْوَالِد، وَالله لَا جنس لَهُ.

وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِذا قضى أمرا﴾ قد بَينا معنى الْقَضَاء.

وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ قد ذكرنَا أَيْضا.

19:36Page 307

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الله رَبِّي وربكم﴾ . أَكثر الْمُفَسّرين أَن هَذَا بِنَاء على قَول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَمَعْنَاهُ: قَالَ إِنِّي عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقَالَ: إِن الله رَبِّي وربكم، وَأما أَن بِالْفَتْح مَعْنَاهُ: وَأخْبر بِأَن الله رَبِّي وربكم، وَقيل تَقْدِيره: وَلِأَن الله رَبِّي وربكم، فاعبده، وَالْعَامِل قَوْله: ﴿فاعبدوه﴾ .

وَقَوله: ﴿فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

19:37Page 307

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧

Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم﴾ قَالَ قَتَادَة وَابْن جريج وَغَيرهمَا: لما رفع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى السَّمَاء، اخْتَار بَنو إِسْرَائِيل أَرْبَعَة من رُءُوسهم، وسألوهم عَن عِيسَى، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ أحدهم: كَانَ هُوَ الله نزل من السَّمَاء، وَصَارَ فِي بطن مَرْيَم، وَأَحْيَا وأمات، ثمَّ صعد إِلَى السَّمَاء. فَقَالَ الْآخرُونَ: كذبت، وَهَذَا قَول اليعقوبية من النَّصَارَى.

وَقَالَ الثَّانِي: كَانَ هُوَ ابْن الله، فَقَالَ الْآخرَانِ: كذبت. وَهَذَا قَول النسطورية من النَّصَارَى.

وَقَالَ الثَّالِث: كَانَ ثَالِث ثَلَاثَة: الله وَمَرْيَم وَعِيسَى، فعيسى أحد الأقانيم الثَّلَاثَة، وَهَذَا قَول الملكانية من النَّصَارَى، قَالَ الرَّابِع: كذبت. ثمَّ إِن الرَّابِع قَالَ: هُوَ عبد الله وَرَسُوله، وَتبع كل وَاحِد جمَاعَة فَاقْتَتلُوا، وَظهر على الْمُسلمين، وَبَقِي الْأَقْوَال الثَّلَاثَة من النَّصَارَى. فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم﴾ .

وَقَوله: ﴿فويل للَّذين كفرُوا﴾ . قد بَينا معنى الويل.

وَقَوله: ﴿من مشْهد يَوْم عَظِيم﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.

19:38Page 307

أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨

How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ يَعْنِي: مَا أسمعهم وأبصرهم يَوْم الْقِيَامَة. وَإِنَّمَا وَصفهم بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى كَانَ وَصفهم بالبكم والعمي والصمم فِي الدُّنْيَا، فَأخْبر أَنهم يسمعُونَ ويبصرون فِي الْآخِرَة، مَا لم يسمعوا ويبصروا فِي الدُّنْيَا. وَيُقَال: وَصفهم بِشدَّة السّمع وَالْبَصَر فِي الْآخِرَة بِحُصُول الْإِدْرَاك بِغَيْر رُؤْيَة وَلَا فكر.

وَقَوله: ﴿يَوْم يأتوننا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله: ﴿لَكِن الظَّالِمُونَ الْيَوْم فِي ضلال مُبين﴾ أَي: خطأ بَين.

وَيُقَال قَوْله: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ تهديد ووعيد وَمَعْنَاهُ: أَنهم يسمعُونَ مَا تصدع قُلُوبهم، ويرون مَا يُهْلِكهُمْ.

19:39Page 308

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩

And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة﴾ مَعْنَاهُ: يَوْم الندامة، وَيُقَال: كل النَّاس يندمون يَوْم الْقِيَامَة؛ أما الْمُسِيء فيندم هلا أحسن، وَأما المحسن فيندم هلا ازْدَادَ (حسنا) . وَأما قَول أَكثر الْمُفَسّرين فِي الْآيَة: هَذِه الْحَسْرَة حَيْثُ يذبح الْمَوْت على الصِّرَاط، وَقد صَحَّ الْخَبَر بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي، أَنه قَالَ:

" إِذا أَدخل الله أهل الْجنَّة الْجنَّة، وَأهل النَّار النَّار يُنَادي مُنَاد: يَا أهل الْجنَّة، فيشرفون وَيَنْظُرُونَ، وينادي: يَا أهل النَّار، فيشرفون وَيَنْظُرُونَ؛ فَيُؤتى بِالْمَوْتِ على صُورَة كَبْش أَمْلَح، فَيُقَال لَهُم: هَل تعرفُون هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نعرفه، هَذَا هُوَ الْمَوْت فَيذْبَح ". وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: " يذبح على الصِّرَاط " ثمَّ يُقَال: يَا أهل الْجنَّة خُلُود (وَلَا موت) ، وَيَا أهل النَّار، خُلُود فَلَا موت ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " لَو مَاتَ أهل الْجنَّة لماتوا فَرحا، وَلَو مَاتَ أهل النَّار لماتوا حزنا، ثمَّ قَرَأَ النَّبِي: ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر﴾ . . الْآيَة ".

وَقَوله: ﴿قضي الْأَمر﴾ أَي: فرغ من الْأَمر.

وَقَوله: ﴿وهم فِي غَفلَة﴾ مَعْنَاهُ: وهم فِي غَفلَة فِي الدُّنْيَا عَمَّا يعْمل بهم فِي الْآخِرَة.

وَقَوله: ﴿وهم لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: لَا يصدقون.

19:40Page 308

إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠

Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نرث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا﴾ الْآيَة. مَعْنَاهُ: إِنَّا نميت سكان الأَرْض، ونهلكهم، فَتكون الأَرْض وَمن عَلَيْهَا لنا وَفِي حكمنَا. وَمعنى الْإِرْث: هُوَ أَنه لَا يبْقى لأحد ملك وَلَا سَبَب سوى الله.

قَوْله: ﴿وإلينا يرجعُونَ﴾ أَي: يردون.

19:41Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١

And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِبْرَاهِيم إِنَّه كَانَ صديقا﴾ الصّديق هُوَ: الْكثير الصدْق، الْقَائِم عَلَيْهِ. وَيُقَال: من صدق الله فِي وحدانيته، وَصدق أنبياءه وَرُسُله، وَصدق بِالْبَعْثِ، وَقَامَ بالأوامر فَعمل بهَا؛ فَهُوَ صديق.

وَقَوله: ﴿نَبيا﴾ النَّبِي هُوَ: العالي فِي الرُّتْبَة بإرسال الله إِيَّاه، وَإِقَامَة الدَّلِيل على صدقه.

19:42Page 308

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢

[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَت﴾ مَعْنَاهُ: يَا أبي، فأقيمت التَّاء مقَام يَاء الْإِضَافَة.

وَقَوله: ﴿لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾ أَي: لَا يسمع إِن دَعوته، وَلَا يبصر إِن أَتَيْته ﴿وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾ لَا يدْفع عَنْك، وَمَعْنَاهُ: لَا يغيثك إِن استغثت بِهِ.

19:43Page 308

يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣

O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَبَت إِنِّي قد جَاءَنِي مَا لم يأتك﴾ أَي: من الْعلم والمعرفة بِاللَّه مَا لم يأتك.

﴿فاتبعني أهدك﴾ أرشدك ﴿صراطا سويا﴾ مُسْتَقِيمًا.

19:44Page 308

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤

O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَبَت لَا تعبد الشَّيْطَان﴾ مَعْنَاهُ: لَا تُطِع الشَّيْطَان فِيمَا يزين لَك من الْكفْر والشرك.

وَقَوله: ﴿إِن الشَّيْطَان كَانَ للرحمن عصيا﴾ أَي: عَاصِيا.

19:45Page 308

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَبَت إِنِّي أَخَاف﴾ الْخَوْف هَا هُنَا بِمَعْنى: الْعلم، وَمَعْنَاهُ: إِنِّي أعلم أَنه ﴿يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن﴾ إِن أَقمت على الْكفْر.

﴿فَتكون للشَّيْطَان وليا﴾ يَعْنِي: يلزمك ولَايَة أَي: مُوالَاة الشَّيْطَان وَتَكون مثله. وَقيل: فتوكل إِلَى الشَّيْطَان، ويخذلك الله.

19:46Page 308

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦

[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أراغب أَنْت عَن آلهتي يَا إِبْرَاهِيم﴾

فِي الْقِصَّة: أَن أَبَا إِبْرَاهِيم كَانَ ينحت الصَّنَم ويعبده، وَكَانَ يُعْطي الْأَصْنَام بنيه يبيعونها، فَكَانَ إِذا أعْطى إِبْرَاهِيم صنما يَبِيعهُ، فَيَقُول إِبْرَاهِيم: من يَشْتَرِي مني مَا يضرّهُ وَلَا يَنْفَعهُ؟ ! فَيرجع وَمَا بَاعَ، وَيرجع سَائِر الْبَنِينَ وَقد باعوا.

وَقَوله: ﴿قَالَ أراغب أَنْت عَن آلهتي يَا إِبْرَاهِيم﴾ يُقَال: رغب عَن الشَّيْء إِذا تَركه، وَرغب (فِي الشَّيْء إِذا طلبه) .

وَقَوله: ﴿لَئِن لم تَنْتَهِ﴾ يَعْنِي: عَن عَمَلك. ﴿لأرجمنك﴾ . قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لأَقْتُلَنك بِالْحِجَارَةِ، وَقَالَ غَيره: لأشتمنك، ولأبعدنك عَن نَفسِي بالشتم والقبح من القَوْل "، وَهَذَا أعرف الْقَوْلَيْنِ. وَقَوله: ﴿واهجرني مَلِيًّا﴾ قَالَ الْحسن: زَمَانا طَويلا. وَقَالَ عِكْرِمَة: دهرا.

قَالَ مهلهل شعرًا:

(فتصدعت صم الْجبَال لمَوْته ... وبكت عَلَيْهِ المرملات مَلِيًّا)

وَمِنْه: الملوان هُوَ اللَّيْل وَالنَّهَار. وَيُقَال: مَلِيًّا أَي: سليما سويا من عقوبتي وإيذائي، وَحكي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَمِنْه: فلَان ملي بِأَمْر كَذَا، إِذا كَانَ كَامِلا فِيهِ.

19:47Page 308

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧

[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سَلام عَلَيْك﴾ .

قَالَ بَعضهم: هَذَا سَلام هجران ومفارقة. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَلام بر ولطف، وَهُوَ جَوَاب حَلِيم لسفيه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ .

وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿سَلاما﴾ أَي: سَلامَة لَك مني؛ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر بقتاله.

وَقَوله: ﴿سأستغفر لَك رَبِّي﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: سأستغفر لَك رَبِّي إِن آمَنت، وَالْقَوْل الثَّانِي: سأسأل الله لَك التَّوْبَة الَّتِي توجب الْمَغْفِرَة، وَقد كَانَت تَوْبَته هِيَ الْإِيمَان. وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ بِي حفيا﴾ أَي: عودني الْإِجَابَة لدعائي. وَقيل: محبا.

19:48Page 308

وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨

And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأعتزلكم﴾ [هَذَا الاعتزال] هُوَ: تَركهم فِي مهاجرته إِلَى الشَّام على مَا قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي﴾ .

وَقَوله: ﴿وَمَا تدعون من دون الله﴾ أَي: تَعْبدُونَ من دون الله.

وَقَوله: ﴿وأدعو رَبِّي﴾ أَي: وأعبد رَبِّي.

وَقَوله: ﴿عَسى أَلا أكون بِدُعَاء رَبِّي شقيا﴾ عَسى من الله وَاجِب، وَالدُّعَاء بِمَعْنى الْعِبَادَة، والشقاوة: الخيبة من الرَّحْمَة.

19:49Page 308

فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩

So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يعْبدُونَ من دون الله وهبنا لَهُ إِسْحَاق﴾ ﴿وَيَعْقُوب﴾ هُوَ ابْن إِسْحَاق.

وَمَعْنَاهُ: أَنا أعطيناه أَوْلَادًا كراما بررة عوض الَّذين كَانَ يَدعُوهُم إِلَى عبَادَة الله فَلم يجيبوا.

وَقَوله: ﴿وكلا جعلنَا نَبيا﴾ يَعْنِي: إِسْحَاق وَيَعْقُوب.

19:50Page 308

وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠

And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.

﴿وَوَهَبْنَا لَهُم من رَحْمَتنَا﴾ يَعْنِي: أنعمنا عَلَيْهِم، وأعطيناهم من كرامتنا ونعمنا.

وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا﴾ أَي: ثَنَاء حسنا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقد بَينا أَن كل أهل الْأَدْيَان يتولون: إِبْرَاهِيم، فَهُوَ الثَّنَاء الْحسن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

19:51Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١

And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مُوسَى إِنَّه كَانَ مخلصا﴾ وَقُرِئَ: " مخلصا " " مخلصا " بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فبالكسر أَي: موحدا لله وبالفتح أَي: مُخْتَارًا من الله تَعَالَى. وَقيل: مخلصا أَي: خَالِصا، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ورجلا سلما لرجل﴾ أَي: خَالِصا لرجل.

وَقَوله: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ . قيل: الرَّسُول وَالنَّبِيّ وَاحِد، وَقد فرق بَينهمَا، وَقد بَينا من قبل.

19:52Page 309

وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢

And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ الطّور: جبل بَين مصر ومدين، وَيُقَال: اسْمه الزبير.

وَقَوله: ﴿الْأَيْمن﴾ وَقيل: يَمِين الْجَبَل، وَقيل: يَمِين مُوسَى، وَالأَصَح يَمِين مُوسَى؛ لِأَن الْجَبَل لَيْسَ لَهُ يَمِين وَلَا شمال.

وَقَوله: ﴿وقربناه نجيا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أدناه حَتَّى سمع صرير الْقَلَم، وَقيل: صريف الْقَلَم. وَفِي رِوَايَة: رَفعه على الْحجب.

وَيُقَال: قربناه نجيا أَي: كلمناه، والتقريب هَا هُنَا هُوَ التَّكَلُّم، وَأما النجي فَهُوَ المناجي، وَكَأن مَعْنَاهُ على هَذَا القَوْل: أَن الله يكلمهُ، وَهُوَ يكلم الله.

19:53Page 309

وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣

And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ من رَحْمَتنَا أَخَاهُ هَارُون نَبيا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِنَّمَا سمى نبوة هَارُون هبة لمُوسَى؛ لِأَن مُوسَى كَانَ قَالَ: ﴿وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي﴾ .

19:54Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤

And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل﴾ . الْأَكْثَرُونَ أَن هَذَا: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم أَبُو النَّبِي، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ إِسْمَاعِيل بن حزقيل، نَبِي آخر؛ فَإِن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم توفّي قبل إِبْرَاهِيم. وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول، وَقد كَانَ بعث إِلَى جرهم [وَهِي] قَبيلَة، وَأما وَفَاته قبل إِبْرَاهِيم لَا تعرف.

وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد﴾ قَالَ سُفْيَان: لم يعد الله شَيْئا من نَفسه إِلَّا وفى بِهِ، وَمن الْمَعْرُوف أَنه وعد إنْسَانا شَيْئا فأنتظره ثَلَاثَة أَيَّام فِي مَكَان وَاحِد، فَسُمي صَادِق الْوَعْد، وَيُقَال: انتظره حولا.

وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ: إِن للكذاب أطرافا، وَأعظم الْكَذِب إخلاف المواعيد، واتهام الأبرياء.

وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي بَايع رجلا قبل الْوَحْي، فَقَالَ لَهُ ذَلِك الرجل: مَكَانك يَا مُحَمَّد، حَتَّى أرجع إِلَيْك، وَذهب وَنسي، ثمَّ مر بذلك الْمَكَان بعد ثَلَاثَة أَيَّام، فَوجدَ النَّبِي جَالِسا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: أتعبتني أَيهَا الرجل، أَنا أنتظرك مُنْذُ ثَلَاث ".

وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه جعل إخلاف الْوَعْد ثلث النِّفَاق.

وَعَن زيد بن أَرقم، أَن من وعد إنْسَانا وَمن نِيَّته أَن يَفِي بِهِ، ثمَّ لم يتَّفق الْوَفَاء، فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد.

وروى [قباث] بن أَشْيَم أَن النَّبِي قَالَ: " الْعدة عَطِيَّة ". هُوَ خبر غَرِيب.

وَقَوله: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ قد بَينا.

19:55Page 309

وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥

And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].

قَوْله: ﴿وَكَانَ يَأْمر أَهله بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وَكَانَ يَأْمر قومه بِالصَّلَاةِ ".

وَقَالَ أهل التَّفْسِير: إِن معنى قَوْله: ﴿وَكَانَ يَأْمر أَهله﴾ أَي: أمته، وَإِن أمة كل نَبِي أهلوه.

وَقَوله: ﴿وَكَانَ عِنْد ربه مرضيا﴾ أَي: مُخْتَارًا وَمَعْنَاهُ: رضيه الله لنبوته ورسالته.

19:56Page 309

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦

And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِدْرِيس﴾ . قيل: إِدْرِيس هُوَ أَبُو جد نوح. يُسمى إِدْرِيس لِكَثْرَة درسه الْكتب.

وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ أول من خطّ بالقلم، وَأول من لبس الثِّيَاب، وَكَانَ من قبله يلبسُونَ الْجُلُود، وَأول من اتخذ السِّلَاح وَقَاتل الْكفَّار.

قَوْله: ﴿إِنَّه كَانَ صديقا نَبيا﴾ قد بَينا.

19:57Page 309

وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧

And We raised him to a high station.

وَقَوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ قد ثَبت بِرِوَايَة أنس أَن النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت إِدْرِيس لَيْلَة الْمِعْرَاج فِي السَّمَاء الرَّابِعَة ". فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ فِي الْجنَّة يَعْنِي: رَفعه.

وَقيل: هِيَ الرّفْعَة بعلو الْمرتبَة. وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة حَيّ أم ميت: أحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه حَيّ.

قَالَ قوم من أهل الْعلم: أَرْبَعَة من الْأَنْبِيَاء فِي الْأَحْيَاء، اثْنَان فِي السَّمَاء، وَاثْنَانِ فِي الأَرْض، أما اللَّذَان فِي السَّمَاء: فإدريس، وَعِيسَى، وَأما اللَّذَان فِي الأَرْض: فالخضر، وإلياس.

وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن إِدْرِيس ميت. قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: كَانَ لإدريس صديق من الْمَلَائِكَة، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أحب أَن أعرف مَتى أَمُوت؛ لِأَزْدَادَ من الْعَمَل، فَهَل لَك أَن تسْأَل ملك الْمَوْت؟ فَقَالَ: أسأله وَأَنت تسمع، ثمَّ رَفعه تَحت جنَاحه إِلَى السَّمَاء، وَجَاء إِلَى ملك الْمَوْت، فَقَالَ: هَل تعرف أَن إِدْرِيس مَتى يَمُوت؟ فَقَالَ: حَتَّى أنظر، ثمَّ استخرج كتابا، وَنظر فِيهِ، فَقَالَ: بَقِي من عمره سِتّ سَاعَات - وَفِي رِوَايَة لَحْظَة - وَقبض روحه ثمَّة، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا﴾ وَهَذَا قَول مَعْرُوف.

19:58Page 309

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨

Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.

قَوْله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة آدم﴾ وَالْمرَاد من ذُرِّيَّة آدم: إِدْرِيس.

وَقَوله: ﴿وَمِمَّنْ حملنَا مَعَ نوح﴾ . أَي: وَمن ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح، وَالْمرَاد مِنْهُ: إِبْرَاهِيم؛ لِأَنَّهُ كَانَ من ولد سَام بن نوح.

وَقَوله: ﴿وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم﴾ المُرَاد مِنْهُ: إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِسْرَائِيل﴾ . أَي: من ذُرِّيَّة إِسْرَائِيل، وَالْمرَاد مِنْهُ: مُوسَى وَدَاوُد وَسليمَان ويوسف وَعِيسَى، وكل أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل.

وَقَوله: ﴿وَمِمَّنْ هدينَا واجتبينا﴾ هَذَا يرجع إِلَى الْأَوَّلين، وَمَعْنَاهُ: أَنا هديناهم، واختبرناهم، وَهَؤُلَاء ذُرِّيتهمْ.

وَقَوله: ﴿إِذا تتلى عَلَيْهِم آيَات الرَّحْمَن خروا سجدا﴾ أَي: سقطوا، وَقيل: وَقَعُوا بِوُجُوهِهِمْ ساجدين، والسجد جمع ساجد.

وَقَوله: ﴿وبكيا﴾ أَي: بَاكِينَ.

وَرُوِيَ أَن النَّبِي مر على رجل، وَهُوَ ساجد يَدْعُو، فَقَالَ: " هَذَا السُّجُود وَأَيْنَ الْبكاء "؟ ! .

19:59Page 309

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩

But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -

قَوْله تَعَالَى: ﴿فخلف من بعدهمْ خلف﴾ الْخلف: الرَّدِيء من الْقَوْم. وَالْخلف الصَّالح فِي الْقَوْم. وَالْخلف هُوَ الَّذِي يخلف غَيره، وَذكر الْفراء والزجاج أَنه يجوز أَن يسْتَعْمل أَحدهمَا مَكَان الآخر.

وَقَوله: ﴿أضاعوا الصَّلَاة﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أخروها عَن وَقتهَا، وَالْآخر: تركوها أصلا. وَعَن ابْن شَوْذَب: هُوَ التَّأْخِير عَن الْوَقْت، وَلَو تركوها أصلا لكفروا.

وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: هُوَ شربهم الْخمر، وتركهم الصَّلَاة.

وَقَالَ مُجَاهِد: هَؤُلَاءِ قوم يظهرون فِي آخر الزَّمَان ينزوا بَعضهم على بعض فِي الْأَسْوَاق والأزقة، وَقيل: هم الزناة. وَيُقَال: أضاعوا الصَّلَاة بِاتِّبَاع الشَّهَوَات.

وَقَوله: ﴿فَسَوف يلقون غيا﴾ قيل: الغي وَاد فِي جَهَنَّم، وَقيل: غيا: هَلَاكًا، وَقيل: غيا: جُزْءا غيهم. شعر:

(وَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره ... وَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما)

19:60Page 309

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠

Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من تَابَ وآمن وَعمل صَالحا فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا يظْلمُونَ شَيْئا﴾ . أَي: لَا ينقصُونَ شَيْئا.

19:61Page 309

جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١

[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1

قَوْله: ﴿جنَّات عدن الَّتِي وعد الرَّحْمَن عباده بِالْغَيْبِ﴾ مَعْنَاهُ: جنَّات إِقَامَة، يُقَال: عدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ.

وَقَوله: ﴿الَّتِي وعد الرَّحْمَن عباده بِالْغَيْبِ﴾ أَي: بالمغيب.

وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ وعده مأتيا﴾ . مفعول فِي الْإِتْيَان، وكل مَا أَتَيْته فقد أَتَاك، وَالْعرب لَا تفرق بَين أَن يَقُول الْقَائِل: أتيت على خمسين سنة أَو يَقُول: أَتَت على خَمْسُونَ سنة، وَكَذَلِكَ لَا تفرق بَين أَن يَقُول الْقَائِل: وصل الْخَيْر إِلَيّ، وَبَين أَن يَقُول: وصل إِلَيّ الْخَيْر:

وَيُقَال معنى قَوْله: (" آتِيَا " أَي: " مأتيا ") مفعول بِمَعْنى الْفَاعِل.

19:62Page 309

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢

They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا إِلَّا سَلاما﴾

الغغو: هُوَ الْفَاسِد من الْكَلَام، وَمَا لَا معنى لَهُ، وَقيل: هُوَ الهذر من القَوْل، وَقيل: الْقَبِيح مِنْهُ، وَقيل: هُوَ الْحلف الكاذبة.

وَقَوله: ﴿إِلَّا سَلاما﴾ . مَعْنَاهُ: لَكِن يسمعُونَ سَلاما. فَإِن قيل: أَيجوزُ اسْتثِْنَاء السَّلَام من اللَّغْو؛ وَهُوَ لَيْسَ من جنسه؟ قُلْنَا: هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع كَمَا بَينا. وَذكر الْأَزْهَرِي أَن تَقْدِيره: لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا، لَا يسمعُونَ إِلَّا سَلاما. وَأما السَّلَام فَهُوَ تَسْلِيم بَعضهم على بعض، وَقيل: تَسْلِيم الله عَلَيْهِم. وَيُقَال: هُوَ قَول يسلمُونَ مِنْهُ. وَالسَّلَام اسْم لكَلَام جَامع للخيارت، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ اسْم لكَلَام يتَّصل بِهِ السَّلامَة.

وَقَوله: ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿بكرَة وعشيا﴾ ، وَلَيْسَ فِي الْجنَّة ليل وَلَا نَهَار؟ ! وَالْجَوَاب عَنهُ أَن مَعْنَاهُ: بكرَة وعشياء أَي: على مقادير الْبكر والعشايا.

وَيُقَال: إِنَّه يعرف وَقت النَّهَار بِرَفْع الْحجب وَفتح الْأَبْوَاب، وَوقت اللَّيْل بإسبال الْحجب وغلق الْأَبْوَاب.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿بكرَة وعشيا﴾ أَي: لَهُم فِيهَا رفاهة الْعَيْش؛ الرزق الْوَاسِع من غير تضييق وَلَا تقتير.

وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ إِذا قَرَأَ هَذِه الْآيَة قَالَ: لقد علمت الْعَرَب أَن أرفه الْعَيْش هُوَ الرزق بالبكرة والعشية، وَلَا يعْرفُونَ من الرَّفَاهِيَة فَوق هَذَا.

19:63Page 309

تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣

That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.

قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الْجنَّة الَّتِي نورث من عبادنَا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: يعْطى وينول، وَالْقَوْل الآخر: أَنه مَا من أحد من الْكفَّار إِلَّا وَله منزل فِي الْجنَّة وَأهل لَو أسلم، فَإِذا لم يسلم وَرثهُ الْمُؤْمِنُونَ.

وَقَوله: ﴿من كَانَ تقيا﴾ قيل: مخلصا.

19:64Page 309

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤

[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك﴾ . قد ثَبت بِرِوَايَة عمر بن ذَر، عَن أَبِيه، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس أَن جِبْرِيل، أَبْطَأَ على النَّبِي، فَلَمَّا نزل، قَالَ: " يَا جِبْرِيل لَو زرتنا أَكثر مِمَّا تَزُورنَا، فَقَالَ جِبْرِيل: وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك ".

وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: " يَا جِبْرِيل، قد كنت مشتاقا إِلَيْك، (فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، وَأَنا وَالله قد كنت مشتاقا إِلَيْك) ، وَلَكِن مَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك ".

وَرُوِيَ أَنه أَبْطَا [اثْنَتَا عشرَة] لَيْلَة، وَرُوِيَ أَكثر من هَذَا، وَالله أعلم.

وَقَوله: ﴿لَهُ مَا بَين أَيْدِينَا وَمَا خلفنا﴾ . يَعْنِي: لَهُ علم مَا بَين أَيْدِينَا وَمَا خلفنا. وَفِي الْآيَة أَقْوَال:

أَحدهَا: مَا بَين أَيْدِينَا يَعْنِي: الْآخِرَة، وَمَا خلفنا: مَا مضى من الدُّنْيَا، وَمَا بَين ذَلِك: من السَّاعَة إِلَى النفخة.

وَالْقَوْل الثَّانِي: مَا بَين أَيْدِينَا: مَا قابلناه وواجهناه، وَمَا خلفنا: مَا استدبرناه وجاوزناه (بَين) الْوَقْت وَمَا بَين ذَلِك، الْحَال.

وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا بَين أَيْدِينَا: الأَرْض، وَمَا خلفنا: السَّمَوَات، وَمَا بَين ذَلِك: الْهَوَاء.

وَالْقَوْل الرَّابِع: مَا بَين أَيْدِينَا: بعد أَن نموت، وَمَا خلفنا: قبل أَن نخلق، وَمَا بَين ذَلِك. مُدَّة الْحَيَاة.

وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ . أَي: مَا نسيك رَبك، وَمعنى نسيك أَي: تَركك.

19:65Page 310

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"

قَوْله تَعَالَى: ﴿رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله: ﴿فاعبده﴾ أَي: وَحده.

وَقَوله: ﴿واصطبر لعبادته﴾ أَي: اصبر على عِبَادَته.

وَقَوله: ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هَل تعلم أحدا يُسمى " الرَّحْمَن " غير الله؟ وَقيل: يُسمى " الله " غير الله، وَقَالَ قَتَادَة: هَل تعلم لَهُ سميا؟ أَي: مثلا، وَقَالَ بَعضهم: سميا أَي: ولدا.

19:66Page 310

وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦

And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الْإِنْسَان أإذا مَا مت﴾ قَالُوا: نزلت الْآيَة فِي أبي بن خلف.

وَقَوله: ﴿لسوف أخرج حَيا﴾ أَي: أسوف أخرج حَيا؟

19:67Page 310

أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧

Does man not remember that We created him before, while he was nothing?

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَولا يذكر﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب: " أَولا يتَذَكَّر الْإِنْسَان " وَمَعْنَاهُ: أَولا يتفكر، وَلَا ينظر ﴿الْإِنْسَان﴾ .

وَقَوله: ﴿أَنا خلقناه من قبل وَلم [يَك] شَيْئا﴾ . وَمَعْنَاهُ: أَنا لما قَدرنَا على إنْشَاء خلقهمْ، فَنحْن على الْإِعَادَة أقدر.

19:68Page 310

فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨

So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1

قَوْله تَعَالَى: ﴿فوربك لنحشرنهم وَالشَّيَاطِين﴾ . فِي الْخَبَر: أَنه يحْشر كل كَافِر مسلسلا مَعَ شَيْطَان.

وَقَوله: ﴿ثمَّ لنحضرنهم حول جَهَنَّم جثيا﴾ أَي: جاثين على الركب. قَالَ السّديّ: قاعين على الركب من ضيق الْمَكَان، " وحول جَهَنَّم " هُوَ عين جَهَنَّم.

19:69Page 310

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩

Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لننزعن من كل شيعَة﴾ أَي: لنستخرجن ونأخذن من كل شيعَة، أَي: من كل أمة وَأهل دين من الْكفَّار.

وَقَوله: ﴿أَيهمْ أَشد على الرَّحْمَن عتيا﴾ أَي: الأعتى فالأعتى، وَمعنى الْآيَة: أَنا نقدم فِي إِدْخَال النَّار من هُوَ أَكثر جرما، وَأَشد أمرا، وَقَالَ أهل اللُّغَة: وَقَوله: ﴿عتيا﴾ أَي: افتراء بلغَة تَمِيم. وَيُقَال: هَؤُلَاءِ هم قادة الْكفْر ورؤساؤه، وَفِي بعض الْآثَار: أَنهم يحْضرُون جَمِيعًا حول جَهَنَّم مسلسلين مغلولين، ثمَّ يقدم الأكفر فالأكفر.

19:70Page 310

ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠

Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لنَحْنُ أعلم بالذين هم أولى بهَا صليا﴾ أَي: أَحَق دُخُولا. وَيُقَال: الَّذين هم أَشد عنوا أولى بهَا صليا، فَهَذَا تَقْدِير الْآيَة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском