As-Sam'aniAl‑Baqarah · 2:129–154

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:129–154

2:129Page 20

رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا، وَفِي الْخَبَر، أَن النَّبِي قَالَ: " أَنا دَعْوَة أبي إِبْرَاهِيم وبشرى عِيسَى " وَأَرَادَ بدعوة إِبْرَاهِيم هَذَا؛ فَإِنَّهُ دَعَا أَن يبْعَث فِي بني إِسْمَاعِيل رَسُولا مِنْهُم.

قَالَ ابْن عَبَّاس: كل الْأَنْبِيَاء من بني إِسْرَائِيل إِلَّا عشرَة: نوح، وَهود، وَصَالح، وَشُعَيْب، وَلُوط، وَإِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، وَمُحَمّد صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.

وَفِي الْقَصَص: أَن لكل نَبِي مِمَّن مضى [اسْما وَاحِدًا] فِي الْقُرْآن إِلَّا نبين يَعْقُوب وَعِيسَى. أما يَعْقُوب لَهُ اسمان: يَعْقُوب، وَإِسْرَائِيل، وَأما عِيسَى لَهُ اسمان: عِيسَى، والمسيح.

﴿يَتْلُو عَلَيْهِم آياتك﴾ يَعْنِي من الْقُرْآن ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ فِيهَا أَقْوَال:

قيل: الْحِكْمَة فهم الْقُرْآن، وَقَالَ أَبُو بكر بن دُرَيْد صَاحب الجمهرة: الْحِكْمَة كل كلمة زجرتك ووعظتك ونهتك عَن قَبِيح، ودعتك إِلَى حسن، وَقيل: الْحِكْمَة الْفِقْه. وَهَذَا قَول حسن.

﴿ويزكيهم﴾ أَي: يطهرهم، ويجعلهم أزكياء طهرة. وَفِيه قَول آخر: أَنه بِمَعْنى التَّزْكِيَة. يشْهد الرُّسُل بِالنُّبُوَّةِ من سَائِر الْأُمَم وَذَلِكَ أَن مؤمني سَائِر الْأُمَم شهدُوا للرسل بِالنُّبُوَّةِ وتبليغ الرسَالَة فَهَذِهِ الْأمة تزكّى أُولَئِكَ الشُّهُود.

﴿إِنَّك أَنْت الْعَزِيز﴾ قيل: هُوَ الْمُمْتَنع، وَالله مُمْتَنع لَا تناله الْأَيْدِي، وَلَا يصل إِلَيْهِ شَيْء. وَقيل: هُوَ الْقوي الْغَالِب. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وعزني فِي الْخطاب﴾ أَي: غلبني.

وَيُقَال فِي الْمثل: " من عز بز " أَي: من غلب سلب ﴿الْحَكِيم﴾ مَعْلُوم.

2:130Page 20

وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ أَي: طَريقَة إِبْرَاهِيم ﴿إِلَّا من سفه نَفسه﴾ حكى أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: أهلك نَفسه.

وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ جهل نَفسه، وكل سَفِيه جَاهِل، وَذَلِكَ أَن من جهل نَفسه لم يعرف الله.

وَفِي الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى دَاوُد: اعرف نَفسك واعرفني. فَقَالَ يَا رب كَيفَ أعرف نَفسِي، وَكَيف أعرفك؟ فَأوحى الله إِلَيْهِ: اعرف نَفسك بالضعف وَالْعجز والفناء، واعرفني بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة والبقاء.

وَقيل: مَعْنَاهُ سفه نَفسه وَجعله سَفِيها، وَفِيه قَول رَابِع: مَعْنَاهُ سفه فِي نَفسه، فَحذف كلمة " فِي " فَصَارَ: سفه نَفسه.

﴿وَلَقَد اصطفيناه﴾ اخترناه ﴿فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ من الْأَنْبِيَاء.

2:131Page 20

إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١

When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم﴾ يَعْنِي أَي: استسلم وأخلص عبادتك لله.

﴿قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين﴾ أخلصت وفوضت إِلَيْهِ.

قَالَ ابْن عَبَّاس: وَقد حقق التَّفْوِيض إِلَيْهِ، وَلم يستعن بِأحد من الْمَلَائِكَة حِين ألْقى فِي النَّار.

2:132Page 20

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

قَوْله تَعَالَى: ﴿ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب﴾ قرىء " وَأوصى " من الْإِيصَاء. " ووصى " من التوصية وَهِي للْمُبَالَغَة والتكثير، يَعْنِي أوصى إِبْرَاهِيم بنيه. وَأوصى يَعْقُوب بنيه. ﴿يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين﴾ اخْتَار لكم دين الْإِسْلَام ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: فَلَا تموتمن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ وَلَيْسَ بيدهم أَن لَا يموتوا إِلَّا مُسلمين؟

قيل مَعْنَاهُ: داوموا على الْإِسْلَام حَتَّى لَا يصادفكم الْمَوْت. إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ، وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل: لَا أريتك تفعل كَذَا مَعْنَاهُ: لَا تفعل كَذَا، حَتَّى لَا أَرَاك وَأَنت فَاعل لَهُ.

2:133Page 20

أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء﴾ بِمَعْنى: أَكُنْتُم شُهَدَاء وَالْمرَاد بِهِ مَا كُنْتُم شُهَدَاء.

﴿إِذا حضر يَعْقُوب الْمَوْت﴾ أَي: مَا كُنْتُم حضورا حِين قرب يَعْقُوب من الْمَوْت.

﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ وهم اثْنَا عشر سبطا. على مَا سَيَأْتِي ﴿مَا تَعْبدُونَ من بعدِي﴾ أَي: أيش تَعْبدُونَ من بعدِي ﴿قَالُوا نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب إِلَهًا وَاحِدًا وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَعَاصِم الجحدري. " وإله أَبِيك " كَأَنَّهُ على هَذِه الْقِرَاءَة لم يَجْعَل الْعم وَلَا الْجد أَبَا.

وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة " وإله آبَائِك " فَجعل الْجد وَالْعم أباء.

وَإِبْرَاهِيم هُوَ الْجد وَإِسْمَاعِيل هُوَ الْعم. وَقد سمى رَسُول الله عَمه الْعَبَّاس أَبَا حَيْثُ قَالَ: " إِنَّه من بَقِيَّة آبَائِي ". وَقَالَ: " ردوا على أبي كَيْلا تفعل بِهِ قُرَيْش مَا فعلت ثَقِيف بِعُرْوَة بن مَسْعُود " وَذَلِكَ أَنهم قَتَلُوهُ.

2:134Page 20

تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أمة قد خلت﴾ أَي: مَضَت ﴿لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعلمُونَ﴾ مَعْنَاهُ: يجازي كل بِكَسْبِهِ، وَيسْأل كل عَن عمله. وَالله أعلم.

2:135Page 21

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا كونُوا هودا أَو نَصَارَى﴾ هود جمع هائد، وَهُوَ مثل حَائِل وحول. وَقيل: كَانَ أَصله كونُوا يهودا فحذفت الْيَاء فَصَارَ: هودا.

وَقيل: هود مصدرها يهود هودا، فَهُوَ مصدر بِمَعْنى الْجمع كَمَا يُقَال: قوم صَوْم وَقوم فطر.

وَمَعْنَاهُ: قَالَت الْيَهُود: كونُوا يهودا وَقَالَت النَّصَارَى كونُوا نَصَارَى فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿كونُوا هودا أَو نَصَارَى تهتدوا﴾ .

﴿قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ قَرَأَ الْأَعْرَج " بل مِلَّة " بِالرَّفْع. وَمَعْنَاهُ بل ملتنا مِلَّة إِبْرَاهِيم.

وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿بل مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ أَي: بل نتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم.

وَقيل: مَعْنَاهُ: بل نَكُون على مِلَّة إِبْرَاهِيم، فَحذف " على " فَصَارَ مَنْصُوبًا.

قَالَ الْكسَائي: هُوَ نصب على الإغراء كَأَنَّهُ يَقُول: اتبعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا، وَأما الحنيف: هُوَ الْمُسلم، وَأَصله الْميل، وَمِنْه الْأَحْنَف وَهُوَ: المائل الْقدَم، وَالْمُسلم مائل من سَائِر الْأَدْيَان إِلَى مِلَّة الْإِسْلَام.

وَقيل: مَعْنَاهُ الْمُسْتَقيم، فَسَماهُ حَنِيفا على الضِّدّ كَمَا يُقَال للمهلكة: مفازة وللديغ سليم.

وَقيل: الحنيف هُوَ الْحَاج المختتن؛ وَذَلِكَ أَنه لم يبْق مَعَ الْعَرَب من مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا الْحَج والختان، وَكَانُوا يعْرفُونَ كل من حج واختتن على مِلَّة إِبْرَاهِيم، وَعرفُوا الرجل بذلك حَنِيفا. فَقَالَ: بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا على وفْق مَا عرفُوا ﴿وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ .

2:136Page 21

قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦

Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتى مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتى النَّبِيُّونَ من رَبهم﴾ .

قَالَ الضَّحَّاك: علمُوا أَوْلَادكُم أَسمَاء الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن كي يُؤمنُوا بهم، وَلَا تظنوا أَن الْإِيمَان بِمُحَمد يَكْفِي عَن الْإِيمَان بِسَائِر الْأَنْبِيَاء.

وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى من رَكْعَتي الْفجْر هَذِه الْآيَة قَوْله تَعَالَى ﴿آمنا بِاللَّه﴾ إِلَى آخرهَا. وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة ﴿قل آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل علينا﴾ إِلَى آخرهَا ". أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.

حكى عَن السّلف أَنهم كَانُوا إِذا قيل للرجل مِنْهُم: [أمؤمن أَنْت] ؟ قَرَأَ ﴿آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ الْآيَة.

وَأما الأسباط: هم اثْنَا عشر سبطا وهم أَوْلَاد يَعْقُوب والأسباط فِي بني إِسْرَائِيل كالقبائل فِي [الْعَرَب] .

وَقيل: السبط: الشّجر، سمى بذلك لِكَثْرَة فروعه.

﴿لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ أَي: نؤمن بِالْكُلِّ، وَلَا نفضل الْبَعْض عَن الْبَعْض.

2:137Page 21

فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن آمنُوا بِمثل مَا آمنتم بِهِ﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس " بِالَّذِي آمنتم بِهِ " وَهُوَ الْمَعْنى. فَقيل مَعْنَاهُ: بِمَا أمنتم بِهِ.

والمثل: ضد كَمَا فِي قَوْله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ كَهُوَ شَيْء.

قَالَ الشَّاعِر:

(يَا عاذلي دَعْنِي عَن عذلكا ... مثلي لَا يقبل من مثلكا) أَي: لَا يقبل مِنْك.

وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ فَإِن أَتَوا بِإِيمَان كإيمانكم، وتصديق كتصديقكم، وتوحيد كتوحيدكم، وَقَالَ أَبُو معَاذ النَّحْوِيّ: مَعْنَاهُ فَإِن آمنُوا بِكِتَابِكُمْ كَمَا آمنتم بِكِتَابِهِمْ.

﴿فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا هم فِي شقَاق﴾ أَي: مُنَازعَة؛ لِأَن كل مُنَازع يكون فِي شقّ آخر عِنْد الْمُنَازعَة.

﴿فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وعده أَن يَكْفِيهِ شرهم، وَقد كفى بإجلاء بني النَّضِير وَقتل بني قُرَيْظَة، وَضرب الْجِزْيَة على الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقتل الْمُشْركين.

(وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم) ظَاهر الْمَعْنى.

2:138Page 21

صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨

[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

قَوْله تَعَالَى: ﴿صبغة الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ وَقَتَادَة، وَالْحسن، وَعِكْرِمَة، والسدى: مَعْنَاهُ: دين الله. وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صبغة؛ لِأَنَّهُ يظْهر أثر الدّين على المتدين كَمَا يظْهر أثر الصَّبْغ على الثَّوْب.

وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: فطْرَة الله. وَهَذَا يقرب من الأول.

وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْخِتَان. وَقَوله (صبغة الله) أَي: تَطْهِير الله بالختان، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صبغة؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مقَام فعل النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يصبغون الْوَلَد فِي مَاء أصفر بدل الْخِتَان فِي زِيّ الْيَهُود. ويعدونه تَطْهِيرا للْوَلَد فَالله تَعَالَى أَقَامَ التَّطْهِير بالختان فِي حق الْمُسلمين مقَام مَا صبغوا.

قَالَ الْكسَائي: هُوَ نصب على الإغراء وَتَقْدِيره: ألزموه دين الله. وَمن أحسن من الله دينا، أَو ألزموا تَطْهِير الله ﴿وَمن أحسن من الله صبغة﴾ أَي: تَطْهِيرا ﴿وَنحن لَهُ عَابِدُونَ﴾ .

2:139Page 21

قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩

Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أتحاجوننا فِي الله وَهُوَ رَبنَا وربكم﴾ والمحاجة: المجادلة بِالْحجَّةِ لإِظْهَار الْحق.

نزلت فِي الْيَهُود ونصارى نَجْرَان حَيْثُ حاجوا رَسُول الله وَقَالُوا: ديننَا أقدم من دينكُمْ وَكِتَابنَا أقدم من كتابكُمْ، فَنحْن أولى بِاللَّه مِنْكُم، فَنزل قَوْله: قل يَا مُحَمَّد ﴿أتحاجوننا فِي الله وَهُوَ رَبنَا وربكم﴾ أَي: نَحن وَأَنْتُم سَوَاء فِي الله فَإِنَّهُ رَبنَا وربكم.

(وَلنَا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم) أَي: نجازي بأعمالنا وتجازون بأعمالكم (وَنحن لَهُ مخلصون) يَعْنِي: كَيفَ تدعون أَنكُمْ أولى بِاللَّه وَنحن لَهُ مخلصون وَأَنْتُم بِهِ مشركون؟

2:140Page 21

أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠

Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.

قَوْله تَعَالَى ﴿أم تَقولُونَ﴾ يَعْنِي: أتقولون؟ والصيغة صِيغَة الِاسْتِفْهَام، وَمَعْنَاهُ التوبيخ يَعْنِي أتقولون (إِن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط كَانُوا هودا أَو نَصَارَى) . وَذَلِكَ أَنهم ادعوا أَن هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء كَانُوا يهودا أَو نَصَارَى.

﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قد أعلم الْمُسلمين أَنهم كَانُوا على الدّين الحنيفية وَمَا كَانَ يهودا وَلَا نَصَارَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما﴾ .

﴿وَمن أظلم مِمَّن كتم شَهَادَة عِنْده من الله﴾ فِيهِ قَولَانِ:

أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ بِهِ أَن الله تَعَالَى قد أشهدهم فِي كتبهمْ عَليّ أَن إِبْرَاهِيم كَانَ على الدّين الحنيفية، وَلم يكن يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا؛ فَكَتَمُوا تِلْكَ الشَّهَادَة.

وَقيل أَرَادَ بِالشَّهَادَةِ على نعت مُحَمَّد.

﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا تَعْمَلُونَ.

2:141Page 21

تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

قَوْله تَعَالَى: (تِلْكَ أمة قد خلت) أَي: مَضَت ﴿لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا {كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ يَعْنِي: أَنكُمْ غير مسؤولين عَن أَعْمَالهم بل هم المسئولون.

فَإِن قيل: هَذَا تكْرَار؛ فَإِنَّهُ قد ذكره مرّة.

قُلْنَا: أما الأول: كَانَ فِي الْأَنْبِيَاء الَّذين سبق ذكرهم. وَهَذَا الثَّانِي: فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِي سبق ذكرهم فِي هَذِه الْآيَات. أَو كَرَّرَه تَأْكِيدًا.

وَحكى عَن بعض الْعلمَاء أَنه سُئِلَ عَمَّا وَقع من الْفِتَن بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة رضوَان الله عَلَيْهِم - فَقَرَأَ ﴿تِلْكَ أمة قد خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم﴾ الْآيَة وَهَذَا جَوَاب حسن فِي مثل هَذَا السُّؤَال.

2:142Page 22

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس﴾ أَي: يَقُول السُّفَهَاء الْجُهَّال، وَالسَّفِيه: خَفِيف الْحلم وَالْعقل. وَمِنْه الثَّوْب يَعْنِي السَّفِيه وَيُقَال: رمح سَفِيه، أَي: سريع النّفُوذ.

﴿مَا ولاهم﴾ مَا عدلهم وحرفهم ﴿عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: بَيت الْمُقَدّس ﴿قل لله الْمشرق وَالْمغْرب﴾ يُوَجه الْعباد إِلَى أَيهمَا شَاءَ ﴿يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: طَرِيق مُسْتَقِيم. وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم: هُوَ الْموصل إِلَى الْمَقْصُود.

وَنزلت الْآيَة فِي الْيَهُود؛ حَيْثُ عيروا الْمُسلمين على تحويلهم من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة.

2:143Page 22

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣

And thus We have made you a median [i.e., just] community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels.1 And indeed, it is difficult except for those whom Allāh has guided. And never would Allāh have caused you to lose your faith [i.e., your previous prayers]. Indeed Allāh is, to the people, Kind and Merciful.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: كَمَا اخترنا الْأَنْبِيَاء واخترنا بني إِسْرَائِيل من الْخلق فَكَذَلِك اخترناكم من الْأُمَم. (أمة وسطا) أَي: عدلا خيارا. قَالَ الشَّاعِر: (هم وسط يرضى الْأَنَام بحكمهم ... إِذا نزلت إِحْدَى اللَّيَالِي بمعظم)

وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " إِنَّكُم توفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وأعدلها "

وَقد ورد فِي الْخَبَر عَنهُ أَنه قَالَ: " خير الدّين النمط الْأَوْسَط " يَعْنِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غلو وَلَا تَقْصِير. وَذَلِكَ دين الْإِسْلَام؛ لِأَن النَّصَارَى غلوا فِي دينهم، وَالْيَهُود قصروا. وَأما الْمُسلمُونَ أخذُوا بالنمط الْأَوْسَط.

(لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس) وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة، حِين يسْأَل الْأُمَم عَن إبلاغ الرُّسُل، فينكرون تبليغهم الرسَالَة. فَيسْأَل الرُّسُل فَيَقُولُونَ: بلغنَا، فَيُقَال لَهُم: وَمن يشْهد لكم؟ فَيَأْتُونَ بِهَذِهِ الْأمة فَيَشْهَدُونَ لَهُم بالبلاغ. فَتَقول الْأُمَم: إِنَّهُم أَتَوا بَعدنَا فَكيف يشْهدُونَ بذلك؟ فَيسْأَل هَذِه الْأمة. فَيَقُولُونَ: أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا، وأنزلت علينا كتابا، وأخبرتنا فِيهِ ببلاغ الرُّسُل، وَأَنت صَادِق فِيمَا أخْبرت، فبذلك نشْهد لَهُم بالبلاغ.

(وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا) على أَعمالكُم.

وَقيل: مَعْنَاهُ مزكيا مُصدقا عَليّ شهادتكم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا﴾ أَي: مَا حولنا الْقبْلَة من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة ﴿إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿إِلَّا لنعلم﴾ وَهُوَ عَالم بالأشياء قبل كَونهَا؟ ﴿الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَت لكبيرة إِلَّا على الَّذين هدى الله وَمَا كَانَ الله﴾

قُلْنَا بلَى كَانَ عَالما بِهِ علم الْغَيْب، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا: الْعلم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَهُوَ الْعلم بِوُجُود الأتباع؛ فَإِن كَونه مَوْجُودا إِنَّمَا يعلم بعد الْوُجُود.

وَقيل: مَعْنَاهُ إِلَّا لنرى، وَهُوَ قريب من الأول.

وَقيل: الِابْتِلَاء مُضْمر فِيهِ، وَتَقْدِيره: إِلَّا لنبتلي فَيظْهر المتبع من المنقلب، وَفِي الْخَبَر: " أَن الْقبْلَة لما حولت إِلَى الْكَعْبَة، ارْتَدَّ قوم من الْمُسلمين إِلَى الْيَهُودِيَّة، وَقَالُوا: إِن مُحَمَّدًا رَجَعَ إِلَى دين آبَائِهِ ". فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَت لكبيرة﴾ لثقيلة.

قيل: مَعْنَاهُ: وَإِن كَانَت الْقبْلَة لكبيرة. قَالَ الزّجاج: وَإِن كَانَت التحويلة لكبيرة.

﴿إِلَّا على الَّذين هدى الله﴾ أَي: هدَاهُم الله. ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ نزل هَذَا فِي قوم مُعينين. ذَلِك مَا روى: " أَن الْقبْلَة لما حولت سَأَلَ قوم رَسُول الله فَقَالُوا: إِن قوما منا كَانُوا قد صلوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وماتوا، فَمَا شَأْنهمْ؟ مِنْهُم أسعد بن زُرَارَة، وَأَبُو أُمَامَة والبراء بن معْرور فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ أَي: صَلَاتكُمْ فَجعل الصَّلَاة إِيمَانًا، وَهَذَا دَلِيل على المرجئة؛ حَيْثُ لم يجْعَلُوا الصَّلَاة من الْإِيمَان. وَإِنَّمَا سموا مرجئة لأَنهم أخروا الْعلم عَن الْإِيمَان.

وَحكى: أَن أَبَا يُوسُف شهد عِنْد شريك بن عبد الله القَاضِي فَرد شَهَادَته، قيل لَهُ أترد شَهَادَة يَعْقُوب؟ فَقَالَ: كَيفَ أقبل شَهَادَة من يَقُول: إِن الصَّلَاة لَيست من الْإِيمَان؟ ! .

وَقيل: معنى قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ بالتحويل.

﴿إِن الله بِالنَّاسِ لرءوف رَحِيم﴾ والرأفة: أَشد الرَّحْمَة.

2:144Page 22

قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤

We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.1 And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء﴾ هَذِه الْآيَة وَإِن كَانَت مُتَأَخِّرَة فِي التِّلَاوَة لَكِنَّهَا مُتَقَدّمَة فِي الْمَعْنى؛ فَإِنَّهَا رَأس الْقِصَّة.

وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى جَابر: " أَن النَّبِي بعد مَا قدم الْمَدِينَة صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر شهرا وَكَانَ يود أَن يحوله الله إِلَى الْكَعْبَة فَكَانَ يَقُول لجبريل: وددت لَو حولني الله إِلَى الْكَعْبَة؛ فَإِنَّهَا قبْلَة أبي إِبْرَاهِيم، وَكَانَ يَقُول لجبريل: سل رَبك فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: سل أَنْت فَإنَّك عِنْد الله بمَكَان، وَكَانَ كلما نزل جِبْرِيل تردد وَجهه فِي السَّمَاء؛ رَجَاء أَن ينزل بالنسخ ".

قَالَ السدى: إِنَّه كلما افْتتح صَلَاة، كَانَ يردد وَجهه فِي السَّمَاء رَجَاء أَن يحوله الله إِلَى الْكَعْبَة، فأقامه الله عَلَيْهِ سِتَّة عشر شهرا، ثمَّ نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها﴾ أَي: تودها وتهواها؛ لِأَن الْقبْلَة الأولى كَانَت [ترضيه] أَيْضا.

﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أَي نَحْو الْبَيْت.

﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ أَي: نَحوه. وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " هَذِه الْقبْلَة وَأَشَارَ إِلَى الْبَيْت ".

﴿وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم﴾ يَعْنِي التَّحْوِيل إِلَى الْكَعْبَة ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أول مَا نسخ بَعْدَمَا قدم الْمَدِينَة هُوَ الْقبْلَة.

وَقيل: أول صَلَاة صليت إِلَى الْكَعْبَة كَانَت صَلَاة الْعَصْر. وروى " أَنَّهَا حولت إِلَى الْكَعْبَة وَكَانُوا فِي الصَّلَاة. وَالصَّحِيح: أَن التَّحْوِيل كَانَ خَارج الصَّلَاة. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي حق أهل قبَاء؛ فَإِنَّهُم شرعوا فِي صَلَاة الْعَصْر، وَكَانَت صَلَاة الْعَصْر نَحْو بَيت الْمُقَدّس، فَأَتَاهُم آتٍ وَقَالَ: " أشهد أَنِّي صليت هَذِه الصَّلَاة مَعَ رَسُول الله إِلَى الْكَعْبَة؛ فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة وبنوا على صلَاتهم ".

2:145Page 22

وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلتك﴾ مَعْنَاهُ: لَو أتيتهم بِكُل معْجزَة مَا تبعوك فِي الْكَعْبَة. ﴿وَمَا أَنْت بتابع قبلتهم﴾ يَعْنِي: قبْلَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى (وَمَا بَعضهم بتابع قبْلَة بعض) يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَن قبْلَة الْيَهُود بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ الْمغرب، وقبلة النَّصَارَى الْمشرق، وَأما قبْلَة الْمُسلمين هِيَ الْكَعْبَة.

وَقد روى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة " قَالَ ابْن عمر: يَعْنِي لأهل الْمشرق. وَصورته أَن يَجْعَل مشرق الشتَاء فِي أقصر يَوْم من السّنة على يسَاره. ومغرب الصَّيف فِي أطول يَوْم من السّنة عَن يَمِينه، فَيكون وَجهه إِلَى الْكَعْبَة وَذَلِكَ بِأَن يتَوَجَّه إِلَى مسْقط قلب الْعَقْرَب حِين يسْقط. فَهَذَا معنى قَوْله: " مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبله. . ".

﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم﴾ وَإِن كَانَ الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَلَكِن المُرَاد بِهِ الْأمة كَمَا سبق.

﴿من بعد مَا جَاءَك من الْعلم إِنَّك إِذا لمن الظَّالِمين﴾ مَعْلُوم التَّفْسِير.

2:146Page 23

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦

Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ الْقبْلَة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا.

وروى أَن عبد الله بن سَلام قَالَ: معرفتي بِهَذَا النَّبِي أَشد من معرفتي بِابْني. قَالَ لَهُ عمر: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: لِأَنِّي لَا أعرف مَا أحدثت النِّسَاء، وَأعرف أَنه نَبِي حق. فَقَالَ عمر: لله دَرك.

{وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ

2:147Page 23

ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين) أَي: الشاكين.

2:148Page 23

وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨

For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ قَالَ مُجَاهِد: هُوَ موليها وجهة. يَعْنِي: الْقبْلَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم، عَن الْأَخْفَش مَعْنَاهُ: الله موليها.

فَقَوله: " هُوَ " كِنَايَة عَن الله تَعَالَى يَعْنِي: الله مولي الْأُمَم إِلَى قبلتهم. وَقَرَأَ ابْن عَامر: " هُوَ مَوْلَاهَا " أَي: الْمُسْتَقْبل مَصْرُوف إِلَيْهَا.

﴿فاستبقوا الْخيرَات﴾ أَي: بَادرُوا، وَالْمرَاد هَاهُنَا: الْمُبَادرَة إِلَى الْقبُول من الله ﴿أَيْن مَا تَكُونُوا يَأْتِ بكم الله جَمِيعًا إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ .

2:149Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩

So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أَي: نَحوه.

﴿وَإنَّهُ للحق من رَبك﴾ ذكره تَأْكِيدًا للْأولِ ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .

2:150Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة﴾ يَعْنِي: الْيَهُود؛ وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: إِن مُحَمَّدًا اتبع قبلتنا، فسيعود إِلَى ملتنا.

﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا﴾ وهم الْمُشْركُونَ. وَقيل: " إِلَّا " بِمَعْنى " وَلَا " الَّذين ظلمُوا وَمثله: قَول الشَّاعِر:

(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان)

يَعْنِي: وَلَا الفرقدان.

وَالصَّحِيح: أَنه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، " وَإِلَّا " بِمَعْنى " لَكِن " الَّذين ظلمُوا يخاصمونكم ويحاجونكم بِالْحجَّةِ الْبَاطِلَة، وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين قَالُوا حِين تحولت الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة: إِنَّه رَجَعَ إِلَى قبلتنا فسيعود إِلَى ملتنا، وَالْحجّة الْبَاطِلَة قد تسمى حجَّة، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حجتهم داحضة﴾ فَكَأَنَّهُ أبطل حجَّة الْيَهُود بالتحويل إِلَى الْكَعْبَة: ثمَّ أبطل حجَّة الْمُشْركين بِدَلِيل سواهُ.

﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فَلَا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عَلَيْكُم ولعلكم تهتدون﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تتمّ نعْمَته على الْمُسلم إِلَّا بِأَن يدْخلهُ الْجنَّة.

وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي سمع رجلا يَقُول الْحَمد لله على الْإِسْلَام، فَقَالَ: لقد حمدت الله على نعْمَة عَظِيمَة ".

2:151Page 23

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْكَاف للتشبيه فَأَيْنَ الْمُشبه بِهِ؟ قُلْنَا: قَالَ عَليّ رَضِي الله: عَنهُ تَقْدِيره: فاذكره لي، كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا فَيكون الذّكر على هَذَا القَوْل بِمَعْنى الشُّكْر.

وَقيل: تَقْدِيره: ولأتم نعمتي عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم، وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ قد دَعَا دعوتين: دَعَا أَن يبْعَث فيهم رَسُولا مِنْهُم، ودعا إتْمَام النِّعْمَة على ذُريَّته بالرزق من الثمرات، فَأجَاب إِحْدَى الدعوتين بِأَن بعث فيهم رسلًا، ثمَّ أجَاب الدعْوَة الثَّانِيَة فَقَالَ: ولأتم نعمتي عَلَيْكُم، كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم.

﴿يَتْلُو عَلَيْكُم آيَاتنَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿ويزكيكم﴾ كَمَا بَينا ﴿ويعلمكم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ وَقد ذكرنَا. وَقيل: الْحِكْمَة السّنة، وَقيل: مواعظ الْقُرْآن.

{ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ

2:152Page 23

فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

فاذكروني أذكركم) قيل: ذكر الله هَاهُنَا بِمَعْنى الْمَدْح وَالثنَاء عَلَيْهِ.

وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي " أَن الله تَعَالَى يَقُول: أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي، وَأَنا مَعَه حِين يذكرنِي، فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي، وَإِن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ، وَإِن تقرب إِلَى شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا، وَإِن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا، تقربت إِلَيْهِ باعا وَإِن أَتَانِي يمش أَتَيْته هرولة " أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.

وَقيل: مَعْنَاهُ: فاذكروني كَمَا أرسلنَا، وَهَذَا قريب من قَول عَليّ.

وَقيل: الذّكر من العَبْد الطَّاعَة، وَمن الله الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة. وَمَعْنَاهُ: فاذكروني بِالطَّاعَةِ أذكركم بالمغفرة وَالرَّحْمَة.

﴿واشكروا لي وَلَا تكفرون﴾ يَعْنِي واشكروا لي بِالطَّاعَةِ وَلَا تكفروني بالمعصية. فَإِن من أطَاع الله فقد شكره، وَمن عَصَاهُ فقد كفره.

وَحكى أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ سَأَلَ ربه فَقَالَ: مَا الشُّكْر الَّذِي يَنْبَغِي لَك؟ فَقَالَ أَن لَا يزَال لسَانك رطبا بذكرى.

2:153Page 23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ فالاستعانة: طلب المعونة. وَفِي الصَّبْر قَولَانِ: أَحدهمَا: الثَّبَات على الدّين، وَالْآخر: الصَّوْم. وَوجه الِاسْتِعَانَة بهما مَا سبق.

(إِن لله مَعَ الصابرين) قَالَ عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس: بِالْحِفْظِ والنصر.

2:154Page 24

وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤

And do not say about those who are killed in the way of Allāh, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات﴾ نزلت الْآيَة فِي قوم مُعينين، اسْتشْهدُوا يَوْم بدر، وَكَانَ يَقُول الْمُسلمُونَ: مَاتَ فلَان، فَلم يرض الله تَعَالَى ذَلِك مِنْهُم، وَأنزل الله هَذِه الْآيَة.

(بل أَحيَاء وَلَكِن لَا تشعرون) أَي: شُهَدَاء؛ لِأَن الشَّهِيد حَيّ.

وَقيل: مَعْنَاهُ مَا ورد فِي الْخَبَر: " أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تعلف من ثمار الْجنَّة أَي تَأْكُل وتأوى إِلَى قناديل معلقَة تَحت الْعَرْش ". فَذَلِك قَوْله: ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ .

وَقيل: مَعْنَاهُ أَحيَاء بالثواب وَالثنَاء الْحسن، وَلَيْسوا بأموات بِالذكر السيء وَعدم الثَّوَاب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском