As-Sam'aniAl‑Baqarah · 2:256–272

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:256–272

2:256Page 42

لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.

قَوْله: ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة أَن الْمَرْأَة من أهل الْمَدِينَة كَانَ لَا يعِيش لَهَا ولدا؛ فَكَانَت تنذر وَتقول: إِن عَاشَ لي ولد لأهودنه، فَإِذا عَاشَ لَهَا ولد جعلته بَين الْيَهُود، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَأجلى رَسُول الله بني النَّضِير إِلَى الشَّام بَقِي بَينهم عدد من أَوْلَاد الْأَنْصَار قد هودوا فَاسْتَأْذنُوا رَسُول الله فِي استردادهم؛ فَنزلت الْآيَة ". ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ فَمن شَاءَ مِنْهُم أَن يدْخل فِي الْإِسْلَام، فَلْيدْخلْ وَمن لم يَشَأْ فَلَا إِكْرَاه فِي الدّين.

وَقَالَ الشّعبِيّ: هَذَا فِي أهل الْكتاب لَا يجبرون على الْإِسْلَام إِذا بذلوا الْجِزْيَة.

وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه كَانَ فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ صَار مَنْسُوخا بِآيَة الْقِتَال.

وَقَوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ أَي: الْحق من الْبَاطِل، وَالْإِيمَان من الْكفْر.

وَقَوله: ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه﴾ الطاغوت: هُوَ الشَّيْطَان، وينطلق على الْوَاحِد وَالْعدَد. وَقيل: كل مَا يعبد من دون الله فَهُوَ طاغوت.

وَأما الطاغوت فِي قَوْله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يتحكموا إِلَى الطاغوت﴾ هُوَ كَعْب بن الْأَشْرَف خَاصَّة.

وَقَوله: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا﴾ العروة: الْكوز والدلو. وَالْمرَاد هَاهُنَا بالعروة الوثقى: العقد الوثيق الْمُحكم فِي الدّين.

قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ الْإِسْلَام. وَقيل: هُوَ الْقُرْآن وَمَعْنَاهُ: فقد تمسك بتمسك.

﴿لَا انفصام لَهَا﴾ أَي: لَا انْقِطَاع لَهَا ﴿وَالله سميع﴾ بدعائك إيَّاهُم إِلَى الْإِسْلَام ﴿عليم﴾ بحرصك على إسْلَامهمْ.

2:257Page 43

ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧

Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ يَعْنِي: الْقيم عَلَيْهِم بالنصر والمعونة والمثوبة.

وَقَوله: ﴿يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا سمى الْكفْر ظلمات؛ لِأَن طَرِيق الْكفْر مشتبه ملتبس. وَإِنَّمَا سمى الْإِسْلَام نورا لِأَن طَرِيقه بَين وَاضح.

وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ أَي: من الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر.

فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يخرجونهم من الْإِسْلَام وَلم يدخلُوا فِيهِ؟ قيل: هُوَ فِي قوم من الْمُرْتَدين خَاصَّة.

وَقيل: هُوَ على الْعُمُوم؛ وَذَلِكَ أَنهم لما عدلوا وصرفوا عَن الْإِسْلَام؛ فكأنهم أخرجُوا عَنهُ، يَقُول الرجل لغيره: أخرجتني عَن صلتك، أَي: لم تعطني، وَلم تصلني.

وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

2:258Page 43

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه﴾ مَعْنَاهُ: هَل انْتهى إِلَيْك خبر الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم وَهُوَ نمروذ؟ قَالَه قَتَادَة.

وَهُوَ أول من تجبر فِي الأَرْض وَادّعى الربوبية. والمحاجة: المجادلة، ثمَّ بَين المحاجة فِي سِيَاق الْآيَة.

قَوْله: ﴿أَن آتَاهُ الله الْملك﴾ أَي: كَانَت تِلْكَ المحاجة فِي الربوبية من نظر الْملك وطغيانه.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحي وَيُمِيت﴾ وَفِي الْقَصَص: أَن النَّاس قحطوا على عهد نمروذ، وَكَانُوا يتمارون من عِنْده الطَّعَام، وَكَانَ إِذا أَتَاهُ الرجل فِي طلب الطَّعَام يسْأَله من رَبك؟ فَإِذا قَالَ: أَنْت، بَاعَ مِنْهُ الطَّعَام، فجَاء إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم فِيمَن جَاءَ يمتار الطَّعَام، فَقَالَ لَهُ نمروذ: من رَبك؟ قَالَ: رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت، فأشغل بالمحاجة وَلم يُعْطه شَيْئا، فَانْصَرف عَنهُ إِبْرَاهِيم، وَمر بكثيب من الرمل، فَمَلَأ مِنْهُ الجواليق تطييبا لقلوب أَهله، فَلَمَّا بلغ منزله فَإِذا فِيهِ الدَّقِيق.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَنا أحيي وأميت﴾ هَذَا قَول نمروذ حِين قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: ربى الَّذِي يحيى وَيُمِيت.

قَالَ سُفْيَان: إِنَّه دَعَا برجلَيْن وَجب الْقَتْل عَلَيْهِمَا، فَقتل أَحدهمَا وَلم يقتل الآخر، فَهَذَا إحياؤه وإماتته.

وَقَوله: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيم فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لم انْتقل إِبْرَاهِيم من حجَّة إِلَى حجَّة، وَهَذَا يكون عَجزا؟ قيل: كَانَت الْحجَّة الأولى لَازِمَة، ومعارضة نمروذ إِيَّاه كَانَت فَاسِدَة؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَيَاة وَالْمَوْت اختراعا، وَلم يُعَارضهُ بِمثلِهِ لكنه خَافَ أَن يشْتَبه على السامعين، فَأتى بِحجَّة أوضح من الأولى؛ مُبَالغَة فِي الْإِلْزَام، وقطعا لشغب.

وَقَوله: ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾ أَي: تحير بِغَلَبَة الْحجَّة عَلَيْهِ. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

(وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فَجْأَة ... فأبهت حَتَّى مَا أكاد أُجِيب)

فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ بهت وَكَانَ يُمكنهُ أَن يُعَارض إِبْرَاهِيم فَيَقُول لَهُ: سل أَنْت رَبك حَتَّى يَأْتِي بهَا من الْمغرب؟ قُلْنَا: إِنَّمَا لم يقلهُ؛ لِأَنَّهُ خَافَ أَن لَو سَأَلَهُ ذَلِك دَعَا، فَأتى بهَا من الْمغرب؛ فَكَانَ زِيَادَة فِي فضيحته وانقطاعه.

وَالصَّحِيح أَن الله صرفه عَن تِلْكَ الْمُعَارضَة إِظْهَار للحجة عَلَيْهِ، ولتكون معْجزَة لإِبْرَاهِيم.

وَقَوله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

2:259Page 43

أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة﴾ تَقْدِيره: ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم، وَإِلَى الَّذِي مر على قَرْيَة؟

وَقيل: تَقْدِيره: هَل رَأَيْت كَالَّذي حَاج إِبْرَاهِيم، وكالذي مر على قَرْيَة؟ .

﴿عروشها قَالَ أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه قَالَ كم﴾

وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي مر على قَرْيَة، فَقَالَ قَتَادَة: هُوَ عَزِيز النَّبِي. وَقَالَ وهب: هُوَ إرمياء النَّبِي. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ الْخضر عَلَيْهِم السَّلَام.

وَالصَّحِيح: أَنه كَانَ عَزِيز النَّبِي مر على قَرْيَة، يَعْنِي: على بَيت الْمُقَدّس.

وَقَوله: ﴿وَهِي خاوية على عروشها﴾ قيل: كَانَت السقوف سَاقِطَة على الأَرْض، وَكَانَت الجدران متساقطة على السقوف، فَهِيَ الخاوية على عروشها. وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا كَانَت خَالِيَة، وَكَانَ قد خربها، بخْتنصر الْملك البابلي.

وَقَوله: ﴿قَالَ أَنى يحيى هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن عَزِيزًا مر [بهَا] وَهُوَ على حمَار وَمَعَهُ التِّين والعصير فَقَالَ: إِنِّي يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا؟ !

فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: أَنى يحيى هَذِه الله بعد مَوتهَا، وَهَذَا يكون سَببه الشَّك فِي قدرته؟ قيل: لم يكن شاكا فِيهِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك استبعادا على مَا يُقَال فِي الْعَادة، أَي: لَا يحي هَذِه الله بعد خرابها.

قَالَ عَطاء: دخل فِي قلبه مَا يدْخل فِي قُلُوب النَّاس.

وَقَوله: ﴿فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه﴾ أَي: أَحْيَاهُ، وَإِنَّمَا سمى الْإِحْيَاء بعثا؛ لِأَنَّهُ إِذا أحيي يبتعث للأمور.

وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما قَالَ تِلْكَ الْمقَالة غَلَبَة النّوم، فَقبض الله روحه مئة عَام، وَبعث ملكا عمر بَيت الْمُقَدّس فِي تِلْكَ الأعوام، ثمَّ لما أَحْيَاهُ بعث إِلَيْهِ ملكا فَسَأَلَهُ: كم لَبِثت؟

فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿قَالَ كم لَبِثت﴾ وَقَوله: ﴿قَالَ لَبِثت يَوْمًا أَبُو بعض يَوْم﴾ لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أَمَاتَهُ فِي أول النَّهَار وَبَعثه فِي آخر النَّهَار وَقبل غرُوب الشَّمْس، فَقَالَ: ﴿لَبِثت قَالَ لَبِثت يَوْمًا أَو بعض يَوْم قَالَ بل لَبِثت مائَة عَام فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه وَانْظُر إِلَى حِمَارك ولنجعلك آيَة للنَّاس وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ﴾ لَبِثت يَوْمًا، ثمَّ نظر إِلَى الشَّمْس لم تغرب بعد، فَقَالَ: أَو بعض يَوْم ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي الْملك: ﴿بل لَبِثت مئة عَام فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه﴾ أَي: لم يتَغَيَّر؛ فَإِن التِّين الَّذِي كَانَ مَعَه لم يتَغَيَّر؛ كَأَنَّهُ قطف من سَاعَته، وَكَذَلِكَ الْعصير كَأَنَّهُ عصر من سَاعَته.

قَالَ الْكسَائي: لم يتسنه، مَعْنَاهُ: كَأَنَّهُ لم تأت عَلَيْهِ السنون، وقطف من سَاعَته.

وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ لم ينتن، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿من حمأ مسنون﴾ .

وَقيل: أَصله لم يتسنن، فقلبت إِحْدَى النونين هَاء وَمثله فِي كَلَام الْعَرَب كثير، مثل: يتمطى كَانَ فِي الأَصْل (يتمطط) ، فقلبت إِحْدَى الطائين يَاء. وَقَالَ الشَّاعِر: (يقْضِي الْبَازِي إِذا الْبَازِي انْكَسَرَ ... )

وَكَانَ فِي الأَصْل: (يقضض الْبَازِي) .

وَقَوله: ﴿وَانْظُر إِلَى حِمَارك﴾ قيل: فَنظر إِلَيْهِ، فَإِذا عِظَام بيض تلوح نخرة فَركب الله تَعَالَى الْعِظَام بَعْضهَا على بعض، وَجعله حمارا من عِظَام، ثمَّ أَدخل فِيهِ الدَّم، ثمَّ كَسَاه الْجلد، ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح، فَقَامَ الْحمار ونهق، وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿ولنجعلك آيَة للنَّاس وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها﴾ يقْرَأ بقرائتين بالراء: نحييها، وبالزاي: يركب بَعْضهَا على بعض، من النشز، وَهُوَ الِارْتفَاع.

وَقَوله: ﴿ثمَّ نكسوها لَحْمًا﴾ فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وتقديرها: وَانْظُر إِلَى حِمَارك، وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها، ثمَّ نكسوها لَحْمًا لنحييها.

وَقَوله: ﴿ولنجعلك آيَة للنَّاس﴾ وَبَيَان الْآيَة فِيهِ: أَنه بعث شَابًّا، وَابْنه شيخ.

قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: أَمَاتَهُ الله وَهُوَ ابْن خمسين سنة وَامْرَأَته حَامِل، ثمَّ بعث بعد مئة سنة وَهُوَ ابْن خمسين، وَابْنه [ابْن] مئة سنة.

وَقَوله: ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ قَالَ أعلم﴾ فَلَمَّا ظَهرت لَهُ قدرَة الله تَعَالَى على عمَارَة بَيت الْمُقَدّس، وإحياء الْمَوْتَى ﴿قَالَ أعلم﴾ يقْرَأ بقراءتين: على الْخَبَر، وعَلى الْأَمر، أما على الْخَبَر فَمَعْنَاه: علمت أَن الله على كل شَيْء قدير، وَأما على الْأَمر قَالَ لنَفسِهِ: ﴿أعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ .

2:260Page 44

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ قيل: سَبَب سُؤَاله ذَلِك: أَن إِبْرَاهِيم مر على حَيَوَان على شط الْبَحْر مزقته السبَاع والوحش، وَكَانَ يَأْكُل مِنْهُ حيتان الْبَحْر، فَقَالَ: رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى.

وَفِيه قَول آخر: أَنه لما حجه نمروذ فِي إحْيَاء الْمَوْتَى؛ أَرَادَ أَن يعرف بالعيان مَا آمن بِهِ بالْخبر وَالِاسْتِدْلَال.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَو لم تؤمن﴾ يَعْنِي: قد آمَنت فَلم تسْأَل؟ وَهَذَا مثل قَول الشَّاعِر:

(ألستم خير من ركب المطايا ... )

يَعْنِي: أَنْتُم كَذَلِك.

وَقَوله: ﴿قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَكَانَ إِبْرَاهِيم شاكا فِيهِ ﴿لِيَطمَئِن قلبِي قَالَ فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن إِلَيْك ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ﴾ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى السُّؤَال، وَمَا معنى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم "؟ وَالْجَوَاب: أَنه لم يكن شاكا فِيهِ، وَلكنه إِنَّمَا آمن بالْخبر وَالِاسْتِدْلَال، فَأَرَادَ أَن يعرفهُ عيَانًا.

قَالَ عِكْرِمَة: لِيَزْدَادَ يَقِينا على يَقِين؛ لِأَن العيان فَوق الْخَبَر فِي ارْتِفَاع الْعلم. وَقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة ".

وَأما قَوْله: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنه لما سَأَلَ ذَلِك تعلق بِهِ قلبه، فَقَالَ: وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي عَن ذَلِك التَّعَلُّق.

وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى لما اتَّخذهُ خَلِيلًا، قَالَ ملك الْمَوْت: يَا رب، ائْذَنْ لي حَتَّى أُبَشِّرهُ؛ فبشره بِأَن الله اتخذك خَلِيلًا فَأَرَادَ أَن يرِيه الله إحْيَاء الْمَوْتَى تَخْصِيصًا لَهُ بكرامته؛ لِيَطمَئِن قلبه بالخلة.

وَقيل مَعْنَاهُ: وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي، فأعرف أَنِّي إِذا سَأَلتك أَعْطَيْتنِي، وَإِذا دعوتك أجبتني. وَأما قَوْله: " نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم " إِنَّمَا قَالَه على سَبِيل التَّوَاضُع، يَعْنِي: نَحن دونه، وأحق بِالشَّكِّ مِنْهُ، فَإِذا لمن نشك نَحن فَكيف يشك إِبْرَاهِيم؟

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَخذ أَرْبَعَة من الطير﴾ قيل: هِيَ الطاووس، والديك، والحمامة، والغراب.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فصرهن إِلَيْك﴾ أَي: فَضَمَّهُنَّ إِلَيْك. وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الصَّاد.

وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: فَخذ أَرْبَعَة من الطير إِلَيْك فصرهن، أَي: فقطعن،

وَقَوله: ﴿ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ قيل: جعلهَا على أَرْبَعَة أجبل.

وَقَالَ السدى: على سَبْعَة أجبل، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: على أَرْبَعَة أَربَاع الْعَالم، جُزْءا على جبل بِجَانِب الشرق، وجزءا على جبل جَانب الغرب، وجزءا على الشمَال، وجزءا على الْجنُوب.

وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بقوله: ﴿اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ أَي: عشرا، وَكَانَ على عشرَة أجبل؛ حَتَّى ذهب بعض الْعلمَاء من هَذَا إِلَى أَنه لَو أوصى الْإِنْسَان بِجُزْء من مَاله ينْصَرف إِلَى الْعشْر.

وَقَوله: ﴿ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَنه جُزْء تِلْكَ الطُّيُور الْأَرْبَعَة، وخلط اللَّحْم بِاللَّحْمِ، والريش بالريش، والعظم بالعظم، وَجعلهَا على الأجبل.

وَقيل: دقه بالهاون وَأخذ رءوسهن بَين أَصَابِعه، وَقيل: مناقيرهن، ثمَّ دعاهن؛ فَكَانَ يطير الريش إِلَى الريش، وَاللَّحم إِلَى اللَّحْم، وَالدَّم إِلَى الدَّم، ويركب بَعْضهَا على بعض، وأتين ساعيات إِلَى رءوسهن.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَم أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

2:261Page 44

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١

The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله﴾ قيل: سَبِيل الله: الْجِهَاد.

وَقيل: جَمِيع أَبْوَاب الْخَيْر سَبِيل الله.

وَقَوله: ﴿كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مئة حَبَّة﴾ ضربه مثلا لِلْمُتقين وَمَا وعد من الثَّوَاب على الْإِنْفَاق.

فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ضرب الْمثل بِهِ، وَهل يتَصَوَّر فِي كل سنبلة مئة حَبَّة؟

قيل: لما كَانَ ذَلِك متصورا فِي الْجُمْلَة، صَحَّ ضرب الْمثل بِهِ وَإِن لم يعرف، وَمثله مَا قَالَه امْرُؤ الْقَيْس:

(ومسنونة زرق كأنياب أغوال ... )

وناب الغول لَا يعرف، وَلَكِن لما تصور وجوده بِالْجُمْلَةِ مثل بِهِ. وَقيل: هُوَ يتَصَوَّر فِي سنبلة الدخن وَنَحْوه.

وَقَوله: ﴿وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء﴾ قيل: مَعْنَاهُ: يُضَاعف هَذِه المضاعفة لمن يَشَاء. وَقيل: مَعْنَاهُ يُضَاعف على هَذَا وَيزِيد لمن يَشَاء.

وَقَوله: ﴿وَالله وَاسع﴾ أَي: وَاسع الْفضل وَالرَّحْمَة وَالْقُدْرَة، يُعْطي عَن سَعَة.

وَقَوله: ﴿عليم﴾ أَي: عليم بنية من يُعْطي.

2:262Page 44

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢

Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله ثمَّ لَا يتبعُون مَا أَنْفقُوا منا وَلَا أَذَى﴾ أما الْمَنّ: فَهُوَ أَن يَقُول للْفَقِير: أَعطيتك كَذَا، وصنعت بك كَذَا، فيعدد عَلَيْهِ نعمه، وَأما الْأَذَى: فَهُوَ أَن يعير الْفَقِير، فَيَقُول لَهُ: إِلَى كم تسْأَل، وَكم تؤذيني فَلَا زلت فَقِيرا وَنَحْو ذَلِك.

وَقيل: من الْأَذَى: أَن يذكر إِنْفَاقه عَلَيْهِ عِنْد من لَا يُرِيد أَن يعرف.

وَقَوله: ﴿لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم﴾ أَي: ثوابهم، وَقَوله: ﴿وَلَا خوف عَلَيْهِم﴾ وَلَا يخَافُونَ فَوَات الثَّوَاب، وَقَوله: ﴿وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ أَي: على مَا أَنْفقُوا إِذا رَأَوْا الثَّوَاب.

2:263Page 44

۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَول مَعْرُوف﴾ قَالَ الْحسن: هُوَ القَوْل الْجَمِيل.

وَقيل: هُوَ أَن يُعْطِيهِ ويبرك لَهُ، فَيَقُول: بَارك الله لَك فِيهِ، أَو يمنعهُ وَيَدْعُو لَهُ.

وَقَوله: ﴿ومغفرة﴾ هُوَ: أَن تستر خلته، وَلَا تهتك ستره.

وَقيل: هُوَ أَن تَعْفُو عَن الْفَقِير إِن بدرت مِنْهُ مساءة أَو أَذَى.

وَقَوله: ﴿خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى﴾ يَقُول: ذَلِك القَوْل الْمَعْرُوف، وَتلك الْمَغْفِرَة، خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى.

وَقَوله: ﴿وَالله غَنِي﴾ أَي: مستغن عَن صَدقَاتكُمْ. وَقَوله: ﴿حَلِيم﴾ أَي: لَا يعجل بالعقوبة إِذا منعتم الصَّدَقَة.

2:264Page 44

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ قد ذكرنَا مَعْنَاهُمَا.

وَقيل: الْمَنّ فِي الصَّدَقَة بِمَنْزِلَة الْحَدث فِي الصَّلَاة، يُبْطِلهَا ويحبطها.

وَقَوله: ﴿كَالَّذي ينْفق مَاله رئاء النَّاس﴾ أَي: كإبطال الَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس؛ لِأَن الرِّيَاء يبطل الصَّدَقَة ويحبطها.

وَقَوله: ﴿وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ يَعْنِي: النَّفَقَة مَعَ الرِّيَاء لَيْسَ من فعل الْمُؤمنِينَ.

وَفِي الْجُمْلَة كل من أَتَى بِالصَّدَقَةِ تقربا إِلَى مَخْلُوق فَلَا يكون مُؤمنا.

وَقَوله: ﴿فَمثله كَمثل صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب﴾ الصفوان: الْحجر الصلد الأملس.

وَقَوله: ﴿فَأَصَابَهُ وابل﴾ الوابل: الْمَطَر الشَّديد الْعِظَام الْقطر.

وَقَوله: ﴿فَتَركه صَلدًا﴾ أَي: أملس ﴿لَا يقدرُونَ على شَيْء مِمَّا كسبوا﴾ وَمعنى هَذَا الْمثل: أَن الَّذِي يرائي بِالْإِنْفَاقِ يفرق نَفَقَته، وَلَا يفوز بِشَيْء من الثَّوَاب، كالتراب الَّذِي يكون على الْحجر فَيُصِيبهُ الوابل؛ فَيفوت الَّذِي عَلَيْهِ، وَيبقى أملس، بِحَيْثُ لَا يقدر على شَيْء مِنْهُ.

وَقَوله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

2:265Page 45

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ابْتِغَاء مرضات الله﴾ أَي: خَالِصا لوجه الله.

وَقَوله: ﴿وتثبيتا من أنفسهم﴾ قَالَ قَتَادَة: هُوَ أَن يكون محتسبا بِالْإِنْفَاقِ.

وَقَالَ الْحسن: هُوَ أَن يثبت من نَفسه حَتَّى إِن كَانَت نِيَّته أَن يتَصَدَّق لله يفعل، وَإِن كَانَت نِيَّته غَيره يمسك، وَقَالَ الْكَلْبِيّ، وَالشعْبِيّ: هُوَ أَن يتَصَدَّق على يَقِين بالثواب، وتصديق بوعد الله فِيهِ.

وَقَوله: ﴿كَمثل جنَّة بِرَبْوَةٍ﴾ الْجنَّة: الْبُسْتَان. والربوة: الْمَكَان الْمُرْتَفع.

وَقَوله: ﴿أَصَابَهَا وابل﴾ كَمَا ذكرنَا. وَقَوله: ﴿فآتت أكلهَا ضعفين﴾ أَي: ثَمَرهَا ضعف مَا تُؤْتى غَيرهَا. قَوْله: ﴿فَإِن لم يصبهَا وابل فطل﴾ الطل: الْمَطَر الْخَفِيف الصغار الْقطر، وَيكون دَائِما.

وَمعنى هَذَا الْمثل: أَن الَّذِي ينْفق خَالِصا لوجه الله تَعَالَى لَا تخلف نَفَقَته، بل تنمو وتزكو بِكُل حَال: كَمَا أَن الْجنَّة الَّتِي على الربوة لَا تخلف، بل تنمو وتزكوا بِكُل حَال سَوَاء أَصَابَهَا الوابل، أَو أَصَابَهَا الطل؛ وَذَلِكَ أَن الطل إِذا كَانَ يَدُوم يعْمل عمل الوابل الشَّديد.

وَقَوله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

2:266Page 45

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أيود أحدكُم أَن تكون لَهُ جنَّة من نخيل وأعناب تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار لَهُ فِيهَا من كل الثمرات وأصابه الْكبر وَله ذُرِّيَّة ضعفاء﴾ أَي صغَارًا.

﴿فأصابها إعصارا فِيهِ نَار فاحترقت﴾ الإعصار: ريح ترْتَفع كالعمود نَحْو السَّمَاء، تسميه الْعَرَب، وَسَائِر النَّاس: زَوْبَعَة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

(إِن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارا ... )

وَأما معنى الْآيَة: روى أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - سَأَلَ الصَّحَابَة عَن معنى هَذِه الْآيَة، فَقَالُوا: الله أعلم، فَغَضب عمر، وَقَالَ: قُولُوا: نعلم، أَو لَا نعلم، وَنحن نعلم أَن الله يعلم؛ فَسَكَتُوا، وَكَانَ ابْن عَبَّاس فيهم فَقَالَ: فِي قلبِي شَيْء، فَقَالَ لَهُ عمر: قل، وَلَا تحقر نَفسك، ضرب مثلا لعمل. وروى تَمام الْكَلَام فِيهِ. - ثمَّ اخْتلفُوا، مِنْهُم من قَالَ: تَمام الْكَلَام من عمر، وَمِنْهُم من قَالَ: تَمام الْكَلَام من ابْن عَبَّاس -

وَتَمَامه: أَن الله تَعَالَى ضرب هَذَا مثلا للَّذي يعْمل طول عمره عملا، ثمَّ يحبطه برياء أَو بِشَيْء فِي آخر عمره، فيفوته ذَلِك، وَلَا يَنْفَعهُ فِي أحْوج حَال يكون إِلَيْهِ؛ كَالَّذي لَهُ بُسْتَان ذَات أَشجَار، وثمار وأنهار، فيدركه الْكبر، وَله عيلة كَبِيرَة وَأَوْلَاده صغَار، فَلَمَّا قرب إِدْرَاكه وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ، أَصَابَته نَار فَأَحْرَقتهُ، فيفوته ذَلِك (وَلَا ينْفق) فِي أحْوج حَال يكون إِلَيْهِ.

قَوْله: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ . ظَاهر الْمَعْنى.

2:267Page 45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ أَي: من حَلَال مَا كسبتم، وَفِي هَذَا دلَالَة على أَن الْكسْب يتنوع إِلَى الطّيب، والخبيث.

وَقَوله: ﴿وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض﴾ قيل: هُوَ الْأَمر بِإِخْرَاج العشور.

وَقيل: هُوَ أَمر بِإِخْرَاج الْحُقُوق الَّتِي كَانَت وَاجِبَة فِي نَبَات الأَرْض فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ صَارَت مَنْسُوخَة بآيَات الزَّكَاة.

وَقيل: هُوَ فِي صدقَات التَّطَوُّع.

وَقَوله: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ أم، وَتيَمّم: إِذا قصد. وَأَرَادَ بالخبيث: الرَّدِيء هَاهُنَا، أَي: وَلَا تقصدوا الرَّدِيء مِنْهُ تنفقون.

وَسبب نزُول الْآيَة: " مَا روى أَن أَصْحَاب النخيل على عهد رَسُول الله كَانُوا يأْتونَ بقنو فيعلقونه فِي الْمَسْجِد؛ ليأكله الْفُقَرَاء، فجَاء رجل بقنو حشف أَرَادَ مَا يكون، وعلقه، فَلم يرضه رَسُول الله وَنزلت الْآيَة: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ ".

وَقَوله: ﴿ولستم بآخذيه إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ﴾ إِلَّا أَن تسامحوا وتساهلوا فِي أَخذه، وَمَعْنَاهُ: أَن الْحق لَو كَانَ لكم على غَيْركُمْ، فجَاء بِهِ رديئا لَا تأخذونه إِلَّا بإغماض فِيهِ، فتعتقدون أَنكُمْ تركْتُم بعض حقكم وأغمصتم.

وَقَوله: ﴿وأعلموا أَن الله غَنِي﴾ يُعْطي عَن غنى (حميد) مَحْمُود الْغنى، وَفِيه دَلِيل على أَن الْغنى لغير الله مَذْمُوم.

وَقيل: الحميد: الْمُسْتَحق للحمد.

2:268Page 45

ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ يخوفكم بالفقر، وَالْبَاء محذوفة.

وَقَوله: ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أَي: بِأَن لَا تتصدقوا وتبخلوا، وَمِنْه قَول طرفَة:

(عقيلة مَال الْفَاحِش المتشدد ... )

أَي: الْبَخِيل المتشدد.

وَالْبخل دَاء عَظِيم، قَالَ " وَلَا دَاء أدوى من الْبُخْل ".

وَقَوله: ﴿وَالله يَعدكُم مغْفرَة مِنْهُ وفضلا﴾ مغْفرَة، أَي: عَفْو الله، وفضلا: بالثواب.

وَقَوله: ﴿وَالله وَاسع عليم﴾ وَقد ذكرنَا مَعْنَاهُمَا.

2:269Page 45

يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩

He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَهُوَ حِكْمَة الْقُرْآن، وَهُوَ أَن يعرف ناسخه ومنسوخه، ومقدمه ومؤخره، ومحكمه ومتشابهه، وَحَرَامه وَحَلَاله، وَأَمْثَاله.

وَقيل: هُوَ الْفِقْه فِي الدّين.

وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ معرفَة مَعَاني الْأَشْيَاء وفهمها.

وَفِيه قَول رَابِع: هُوَ الْإِصَابَة، فعلا وقولا.

وَقَوله: ﴿وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ .

قَرَأَ يَعْقُوب: " وَمن يُؤْت " بِكَسْر التَّاء يَعْنِي: وَمن يؤته الله الْحِكْمَة.

قيل: هَذِه الْحِكْمَة: هِيَ الْكِتَابَة، وَمَعْرِفَة الْخط.

وَقيل: هِيَ الْعقل. وَقيل الْأَمَانَة.

﴿وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ أَي: وَمَا يتفكر إِلَّا أولُوا الْعُقُول.

2:270Page 46

وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنفقتم من نَفَقَة أَو أنذرتم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِالنَّفَقَةِ: الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَأما النّذر: هُوَ أَن يَنْوِي عمل الْخَيْر، وَصدقَة التَّطَوُّع.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن النَّفَقَة هِيَ صَدَقَة التَّطَوُّع، وَأما النّذر هُوَ مَا عرف من نذر اللِّسَان؛ وَهُوَ أَن يُوجب التَّصَدُّق على نَفسه.

وَقَوله: ﴿فَإِن الله يُعلمهُ﴾ أَي: يجازي. وَقَالَ مُجَاهِد: يُحْصِيه.

وَقَوله: ﴿وَمَا للظالمين﴾ أَي: الَّذين يتصدقون من الْغَصْب والنهب. ﴿من أنصار﴾ جمع النصير، أَي: مَا لَهُم من ينصر وَيمْنَع من الْعَذَاب.

2:271Page 46

إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن تبدوا الصَّدقَات﴾ مَعْنَاهُ: إِن تظهروا. ﴿فَنعما هِيَ﴾ يقْرَأ بالقراءات بِفَتْح النُّون، وَكسر الْعين، وَيقْرَأ: بكسرهما، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: بِكَسْر النُّون وَجزم الْعين، وَلم يرض ذَلِك مِنْهُ نحاة الْبَصْرَة، وَقَالُوا فِيهِ التقاء الساكنين، وَاسْتشْهدَ أَبُو عَمْرو بقوله لعَمْرو بن الْعَاصِ: " نعم المَال الصَّالح للرجل الصَّالح " وَالْكل فِي الْمَعْنى سَوَاء، وَمَعْنَاهُ: نعم خلة، هِيَ أَو نعم شَيْء هُوَ.

قَوْله: ﴿وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم﴾ قيل: هَذَا فِي صدقَات ﴿وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم وَيكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾

التَّطَوُّع، والإخفاء فِيهَا أفضل، وَقد روى عَن النَّبِي " أَنه قَالَ: صَدَقَة السِّرّ تفضل صَدَقَة الْعَلَانِيَة بسبعين ضعفا ".

وَإِمَّا الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة: فالإظهار فِيهَا أفضل، وَقد قَالَ " صَدَقَة الْعَلَانِيَة تفضل صَدَقَة السِّرّ بِخمْس وَعشْرين "، وَهَذَا فِي الزَّكَاة، وَالْأول فِي التطوعات.

وَقيل: الْآيَة فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَكَانَ الْإخْفَاء خيرا فِي الْكل على عهد رَسُول الله فَأَما فِي زمننا فالإظهار خير فِي الزَّكَاة لسوء الزَّمَان، كَيْلا يساء الظَّن بِهِ.

وَقَوله: ﴿وَيكفر عَنْكُم﴾ يقْرَأ: بالنُّون، وَالْيَاء: وَيقْرَأ: بِالرَّفْع، والجزم ﴿من سَيِّئَاتكُمْ﴾ قيل: من صلَة فِيهِ. وَتَقْدِيره: وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ، فعلى هَذَا يكون شَامِلًا للصغائر، والكبائر.

وَفِيه قَول آخر: أَن " من " على التَّحْقِيق، والتفكير بالصدقات يكون من الصَّغَائِر فَأَما الْكَبَائِر فَإِنَّمَا تكفرها التَّوْبَة.

وَالْأول أقرب إِلَى أهل السّنة، وَقد قَالَ النَّبِي: " صَدَقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب ".

وَقَوله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ هَذَا ظَاهر الْمَعْنى.

2:272Page 46

۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢

Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم هدَاهُم﴾ لَيْسَ المُرَاد بِهِ: هِدَايَة الدعْوَة، فَإِنَّهَا عَلَيْهِ حتم، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ: هِدَايَة التَّوْفِيق.

قَالَ سعيد بن جُبَير: " سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن النَّبِي نهى عَن التَّصْدِيق على المشتركين، وَإِنَّمَا كَانَ نهى عَنهُ، كي تحملهم الْحَاجة على الدُّخُول فِي الْإِسْلَام فَنزلت الْآيَة فَأمر النَّبِي - بالتصدق على أهل الْأَدْيَان كلهَا ".

وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم، بِأَن تلجئهم وتحملهم على الدُّخُول فِي الْإِسْلَام، ﴿وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ أَي يوفق من يَشَاء، ويخذل من يَشَاء.

قَوْله: ﴿وَمَا تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ أَي: تعلمونه لأنفسكم.

قَوْله: ﴿وَمَا تنفقون إِلَّا ابْتِغَاء وَجه الله﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر، أَي: أَنْفقُوا لوجه الله، وَمَعْنَاهُ: ابْتِغَاء مرضاة الله.

وَقيل: هُوَ على الْمُبَالغَة، فَإِن قَول الرجل: عملت لوجه فلَان. أبلغ وأشرف من قَوْله: عملت لفُلَان، فَذَكرنَا شرف اللَّفْظَيْنِ.

وَقَوله: ﴿وَمَا تنفقوا من خير يوف إِلَيْكُم﴾ أَي: يوفر عَلَيْكُم ثَوَابه.

﴿وَأَنْتُم لَا تظْلمُونَ﴾ ظَاهر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском