As-Sam'aniAl‑Baqarah · 2:22–42

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:22–42

2:22Page 4

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا﴾ الْآيَة. هَذَا رَاجع إِلَى مَا تقدم يَعْنِي: اعبدوا الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا، والجعل هَاهُنَا بِمَعْنى: الْخلق ﴿فراشا﴾ أَي: بساطا، وَقيل: وطاء. وَقيل: مقَاما. يعْنى لكم الأَرْض قرارا لِتَكُونُوا عَلَيْهَا ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ أَي: سقفا ﴿وَأنزل من السَّمَاء مَاء﴾ إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى السَّمَاء وَإِن كَانَ ينزل من السَّحَاب؛ لِأَنَّهُ ينزل من جِهَة السَّمَاء.

﴿فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ قيل: الرزق هُوَ كل مَا يُؤْكَل. وَقيل: كل مَا ينْتَفع بِهِ. ﴿فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا﴾ قَالَ قَتَادَة: الند: هُوَ الْمثل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الند هُوَ الضِّدّ. وَهَذَا من الأضداد، وَالله تَعَالَى بَرِيء عَن الْمثل والضد. قَالَ حسان بن ثَابت فِي مدح رَسُول الله:

(أتهجوه وَلست لَهُ بند ... فشركما لخيركما الْفِدَاء)

يعْنى: وَلست لَهُ بِمثل؛ قَالَ لبيد:

(أَحْمد الله فَلَا ند لَهُ ... بيدَيْهِ الْخَيْر مَا شَاءَ فعل) أَي: لَا مثل لَهُ. وَمعنى قَوْله ﴿فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا﴾ أَي: لَا تَتَّخِذُوا من دونه أَرْبَابًا تعبدونهم كعبادة الله، وتطيعونهم كطاعة الله لَا أَن لَهُ مثلا، أَو لَا مثل لله تَعَالَى.

﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَي: فَلَا تعبدوا غَيره وَأَنْتُم تعلمُونَ أَنه خالقكم وخالق السَّمَوَات وَالْأَرْض.

2:23Page 4

وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣

And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.

وَقَوله تَعَالَى: (وَإِن كُنْتُم فِي ريب) أَي: شكّ. فَإِن قيل: كَيفَ ذكره على التشكيك وهم فِي ريب على التَّحْقِيق؟ قيل: مثله جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب؛ كَمَا يَقُول الرجل لغيره: إِن كنت رجلا فافعل كَذَا؛ وَإِن عرف أَنه رجل على التَّحْقِيق. قيل: أَرَادَ بِهِ " وَإِذ كُنْتُم " فَيكون على التَّحْقِيق، ﴿مِمَّا نزلنَا﴾ من الْقُرْآن ﴿على عَبدنَا﴾ يَعْنِي: على الرَّسُول.

﴿فَأتوا بِسُورَة﴾ السُّورَة: اسْم للمنزلة الرفيعة؛ وَمِنْه سُورَة الْبناء؛ لارتفاعه. قَالَ الشَّاعِر:

(ألم تَرَ أَن الله أَعْطَاك سُورَة ... ترى كل شَيْء دونهَا يتذبذب)

أَي: أَعْطَاك سُورَة منزلَة، أَي: منزلَة رفيعة. وَسميت سُورَة الْقُرْآن سُورَة؛ لِأَن القارىء ينَال بِقِرَاءَة كل سُورَة منزلَة؛ حَتَّى يستكمل جَمِيع الْمنَازل باستكمال الْقُرْآن، وَقيل: السُّورَة اسْم لقطعة من الْقُرْآن مَعْلُوم الأول وَالْآخر، وَمِنْه سُؤْر الطَّعَام لما بَقِي مِنْهُ. وَفِي الْخَبَر " إِذا أكلْتُم فاسأروا " أَي: أَبقوا بَقِيَّة. وَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن سُورَة سُورَة حَتَّى [أَن] القارىء كلما قَرَأَ سُورَة وافتتح أُخْرَى ازْدَادَ نشاطا، فَيكون أنشط فِي الْقِرَاءَة، أَو لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يُمكنهُ حفظ جَمِيع الْقُرْآن فيحفظ بعض السُّور.

﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَقَوله: ﴿من مثله﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا قَالَه ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة: أَرَادَ بِهِ من مثل الْقُرْآن. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: من مثل الْقُرْآن، وَلَا مثل لَهُ؟ قيل: أَرَادَ بِهِ من مثله على زعمهم.

وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بِهِ من مثل مُحَمَّد؛ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه مفتري فَقَالَ: فَأتوا بِسُورَة من مفترى مثله.

﴿وَادعوا شهداءكم من دون الله﴾ أَي: اسْتَعِينُوا بأعوانكم وأربابكم من دون الله ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِيمَا تَزْعُمُونَ. وَفَائِدَته: أَنهم إِذا اجْتَمعُوا وأحضروا أربابهم فعجزوا كَانَ أبلغ فِي إِلْزَام الْحجَّة.

2:24Page 4

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is people and stones, prepared for the disbelievers.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا﴾ الْآيَة يعْنى: فَإِن لم تَفعلُوا ذَلِك، وَلنْ تفعلوه أبدا على طَرِيق الْإِخْبَار. " وَتمّ " للماضي، " وَلنْ " للمستقبل. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لبَيَان المعجزة؛ لِأَن الْقُرْآن كَانَ معْجزَة للنَّبِي حَيْثُ عجز الْكل عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ.

﴿فَاتَّقُوا النَّار﴾ أَي: فآمنوا؛ لكَي تتقوا النَّار بِالْإِيمَان ﴿الَّتِي وقودها النَّاس﴾ الْوقُود يَعْنِي: الإيقاد، والوقود بِفَتْح الْوَاو الْحَطب. ﴿وَالنَّاس﴾ أهل جَهَنَّم ﴿وَالْحِجَارَة﴾ قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود: هِيَ حِجَارَة الكبريت؛ لِأَنَّهَا أَكثر توقدا والتهابا، وَقَالَ الْبَاقُونَ: هِيَ جَمِيع الْحِجَارَة. وَهَذَا دَلِيل على عظم تِلْكَ النَّار، و ﴿أعدت للْكَافِرِينَ﴾ أَي: هيئت للْكَافِرِينَ، وَهَذَا دَلِيل على أَن النَّار مخلوقة، لَا كَمَا قَالَ أهل الْبِدْعَة. وَدَلِيل على أَنَّهَا مخلوقة للْكَافِرِينَ، وَإِن دَخلهَا بعض الْمُؤمنِينَ تأديبا وتعريكا.

2:25Page 5

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة، الْبشَارَة: اسْم لكل خبر صدق تَتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه وَيظْهر عَلَيْهَا، وَقد تكون فِي الْخَبَر السوء. كَمَا قَالَ: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ إِلَّا أَنه فِي الْخَبَر السار أغلب. ﴿الَّذين آمنُوا عمِلُوا الصَّالِحَات﴾ ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أَن لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل وَأتوا بِهِ﴾

يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ من أهل الطَّاعَة ﴿أَن لَهُم جنَّات﴾ الجنات: جمع جنَّة وَهُوَ اسْم للبستان الَّذِي فِيهِ أَشجَار مثمرة، فَإِذا لم تكن الْأَشْجَار مثمرة لَا تكون جنَّة وَقيل: الْجنَّة مَا فِيهِ النخيل. والفردوس مَا فِيهِ الْكَرم، وَإِنَّمَا سميت جنَّة من الاجتنان؛ لِأَنَّهَا تستر الأَرْض بالتفافها وأرواقها. وَقيل: الْجنان سبع، وَقيل: ثَمَان، وَالْكل فِي الْقُرْآن.

﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ أَي: من تَحت أشجارها تجْرِي الْمِيَاه من الْأَنْهَار، وَفِي الحَدِيث: " إِن أَنهَار الْجنَّة تجْرِي فِي غير أخدُود " أَي: فِي غير شقّ.

﴿كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا﴾ أَي: كلما رزقوا شَيْئا من ثمار الْجنَّة قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل. وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: رزقنا من قبل فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِي: أَن الثِّمَار فِي الْجنَّة متشابهة فِي اللَّوْن مُخْتَلفَة فِي الطّعْم، فَإِذا رزقوا مِنْهَا ثَمَرَة ثمَّ رزقوا أُخْرَى ظنُّوا أَنَّهَا الأولى لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اللَّوْن ف ( ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل﴾ وَأتوا بِهِ متشابها) قَالَ مُجَاهِد: أَي متشابها فِي اللَّوْن. كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَعْنَاهُ كلهَا خِيَار لَيْسَ فِيهَا رذال. قَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا من ثمار الْجنَّة إِلَّا الْأَسَامِي ﴿وَلَهُم فِيهَا أَزوَاج﴾ قيل: من الْحور الْعين، وَيحْتَمل من أَزوَاج الدُّنْيَا: ﴿مطهرة﴾ من الأدناس؛ لَا يتمخطن، وَلَا يتغوطن، وَلَا يحضن. وَقيل: مطهرة الْأَخْلَاق، فيكُن مطهرات خلقا وخلقا. ﴿وهم فِيهَا خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون لَا يظعنون.

2:26Page 5

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا﴾ وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الله تَعَالَى لما ضرب الْمثل بالذباب وَالْعَنْكَبُوت، قَالَ الْمُشْركُونَ: إِنَّا لَا نعْبد إِلَهًا يذكر الذُّبَاب وَالْعَنْكَبُوت، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يستحيي﴾ أَي: لَا يمْتَنع وَلَا يتْرك ﴿أَن يضْرب مثلا﴾ أَي: يذكر مثلا ﴿مَا بعوضة﴾ (مَا) للصلة هَاهُنَا، أَي: مثلا بالبعوضة. قَالَ الشَّاعِر:

(قَالَت أَلا ليتما هَذَا الْحمام لنا ... إِلَى حمامتنا أَو نصفه فقد)

مَعْنَاهُ أَي: لَيْت هَذَا الْحمام لنا. والبعوض: صغَار البق، سميت بعوضة لِأَنَّهَا بعض البق. ﴿فَمَا فَوْقهَا﴾ مَعْنَاهُ: فَمَا دونهَا؛ كَمَا يُقَال: فلَان جَاهِل، فَيُقَال: وَفَوق ذَلِك. يَعْنِي: أَجْهَل من ذَلِك، فَكَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا فَوْقهَا﴾ يَعْنِي: فِي الصغر، وأصغر من ذَلِك، وَقيل: فَمَا فَوْقهَا على الْحَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ ضرب الْمثل بالذباب، وَالْعَنْكَبُوت. قَالَ الرّبيع بن أنس: مثل الْبَعُوضَة مثل صَاحب الدُّنْيَا؛ لِأَن دأب الْبَعُوضَة أَنَّهَا إِذا شبعت هَلَكت، وَإِذا جاعت عاشت؛ كَذَلِك صَاحب الدُّنْيَا إِذا استكثر من الدُّنْيَا هلك، وَإِذا اسْتَقل مِنْهَا فَازَ وَنَجَا. وَقيل: إِن حكم الله تَعَالَى فِي صغَار خلقه أَكثر من حكمه فِي كبار خلقه. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون أَنه الْحق من رَبهم﴾ يَعْنِي: أَنه الصدْق من رَبهم.

﴿وَأما الَّذين كفرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا﴾ أَي شَيْء أَرَادَ الله بِهَذَا الْمثل؟ يَقُول الله تَعَالَى: ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ أَي: أَرَادَ هَذَا، والإضلال: هُوَ الصّرْف عَن الْحق إِلَى الْبَاطِل. وَقيل: الإضلال هُوَ الإهلاك؛ يُقَال: ضل اللَّبن فِي المَاء أَي: هلك.

﴿وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ أَي: ويرشد بِهِ كثيرا. ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ يَعْنِي: الْكَافرين. وَالْفِسْق: هُوَ الْخُرُوج عَن طَاعَة الرب؛ يُقَال: فسقت (الرّطبَة) إِذا خرجت عَن قشرها، وَمعنى إضلالهم بِالْمثلِ أَنه لما ضرب الْمثل فَكَفرُوا بِهِ ازدادوا ضلالا.

2:27Page 5

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧

Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ أَي: يخالفون أَمر الله. والميثاق: مفعال من التوثقة وَهُوَ الْعَهْد الْمُؤَكّد. وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ نقض الْمِيثَاق الأول الَّذِي أَخذه على آدم وَذريته بقوله ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ .

وَقيل: أَرَادَ بِهِ نقض الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه على النَّبِيين وَسَائِر الْأُمَم أَن [يُؤمنُوا] بِمُحَمد بقوله: ﴿وَإِذا أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين﴾ الْآيَة.

﴿ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال؛ أَحدهَا: أَنهم يقطعون مَا أمروا بوصله من الْإِيمَان بِمُحَمد وبسائر الرُّسُل. وَقيل: أَرَادَ بِهِ قطع الرَّحِم. وَالْأول أولى؛ لِأَنَّهُ أَعم، وَقيل: أَرَادَ بِهِ قطع الْعَمَل عَن الْقبُول؛ فَإِنَّهُم لم يعملوا بِمَا قبلوا.

﴿ويفسدون فِي الأَرْض﴾ بِالْمَعَاصِي ﴿أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ المغبونون.

2:28Page 5

كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨

How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه﴾ قَالَه تَعَجبا، تكفرون بِاللَّه بعد نصب الدَّلَائِل ووضوح الْبَرَاهِين؟ ! ثمَّ ذكر الدَّلِيل فَقَالَ: ﴿وكنتم أَمْوَاتًا﴾ هَذَا دَلِيل، أَي: كُنْتُم نطفا فِي أصلاب الْآبَاء.

(فأحياكم) أَي: خَلقكُم ﴿ثمَّ يميتكم﴾ عِنْد انْتِهَاء الْأَجَل. ﴿ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون﴾ إِلَى الله مصيركم. وَقيل: أَرَادَ بِالْمَوْتِ الأول: الْمَوْت الْمَعْهُود ﴿وكنتم أَمْوَاتًا﴾ أَي: تصيرون أَمْوَاتًا. فأحياكم أَي: يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْر للسؤال، ثمَّ يميتكم بعده فِي الْقَبْر ثمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث. ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون.

2:29Page 5

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ لكَي تعتبروا وتستدلوا، وَقيل: لكَي تنتفعوا.

﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين من السّلف: أَي ارْتَفع وَعلا إِلَى السَّمَاء.

وَقَالَ الْفراء وَابْن كيسَان وَجَمَاعَة من النَّحْوِيين مَعْنَاهُ: أقبل على خلق السَّمَاء؛ لِأَنَّهُ خلق الأَرْض أَولا، ثمَّ أقبل على خلق السَّمَاء، كَمَا ذكر فِي " حم السَّجْدَة ". ﴿فسواهن سبع سموات﴾ أَي: خَلقهنَّ مستويات؛ لَا فطر فِيهَا، وَلَا صدع، وَلَا شقّ.

﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ أَي: عَالم بصغار خلقه وكبارهم.

2:30Page 6

وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠

And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."

قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ مَعْنَاهُ: وَقَالَ رَبك. " إِذْ " زَائِدَة فِيهِ.

وَقيل، مَعْنَاهُ: وَاذْكُر إِذْ قَالَ رَبك. وَالْمَلَائِكَة: جمع الْملك، وأصل الْملك مَالك، فَقبلت الْهمزَة فَصَارَ مَالك ثمَّ اسقط الْهمزَة فَصَارَ ملك، واشتقاقه من الألوكة، وَهِي: الرسَالَة، وَمثلهَا المالكة، والمالكة؛ قَالَ الشَّاعِر:

(ألكنى إِلَيْهَا (وَخير) الرَّسُول ... أعلمهم بنواحي الْخَبَر)

يعْنى: أَرْسلنِي إِلَيْهَا.

﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ اتَّفقُوا على أَن المُرَاد بِهَذَا الْخَلِيفَة آدم صلوَات الله عَلَيْهِ والخليفة، والخليف بِمَعْنى وَاحِد، وَجمع الخليف خلفاء. وَجمع الْخَلِيفَة خلائف.

وَاخْتلفُوا فِي أَنه لما سمى خَليفَة؟ مِنْهُم من قَالَ: لِأَنَّهُ خَليفَة الْجِنّ؛ فَإِن الله تَعَالَى لما خلق الأَرْض أسكنها الْجِنّ، وَلما خلق السَّمَاء أسكنها الْمَلَائِكَة، ثمَّ لما خلق آدم أزعج الْجِنّ إِلَى أَطْرَاف الأَرْض؛ فَهُوَ الْخَلِيفَة الْجِنّ فِي الأَرْض.

وَقيل: إِنَّمَا سَمَّاهُ خَليفَة؛ لِأَنَّهُ يخلفه غَيره. فَيكون الْخَلِيفَة بِمَعْنى أَنه يخلف غَيره. وَيكون الْخَلِيفَة أَنه يخلفه غَيره.

وَقيل: إِنَّمَا سمى خَليفَة لِأَنَّهُ خَليفَة الله فِي الأَرْض؛ لإِقَامَة أَحْكَامه، وتنفيذ قضاياه، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح.

قَوْله تَعَالَى: (قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا) الْآيَة قَالَت الْمَلَائِكَة: أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء؟ ! فَإِن قيل: من أَيْن عمِلُوا ذَلِك؟ قيل: إِن الله تَعَالَى أعلمهم بذلك. وَقيل: اطلعوا عَلَيْهِ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.

﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ هُوَ التَّنْزِيه عَن السوء. وَمَعْنَاهُ: وَنحن ننزهك عَن الأنداد والشركاء.

وَقَالَ الْحسن: معنى قَوْله: ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ هُوَ قَوْلهم: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ. ﴿ونقدس لَك﴾ يَعْنِي: نثنى عَلَيْك بالقدس وَالطَّهَارَة.

وَقيل: مَعْنَاهُ نطهر أَنْفُسنَا بطاعتك وَالثنَاء عَلَيْك.

فَإِن قيل: قَوْلهم ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا﴾ . يشبه الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ. وَقَوْلهمْ نَحن ﴿نُسَبِّح بحَمْدك﴾ يشبه التفاخر بِالْعَمَلِ؛ وَكِلَاهُمَا لَا يجوز على الْمَلَائِكَة. فَمَا معنى هَذَا الْكَلَام؟

قُلْنَا: أما قَوْلهم: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا﴾ مَعْنَاهُ: أَنْت جَاعل فِيهَا على سَبِيل التَّقْدِير، وَمثله قَول الشَّاعِر:

(ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى الْعَالمين بطُون رَاح)

يَعْنِي أَنهم بِهَذِهِ الصّفة.

وَقَالُوا: إِنَّمَا قَالُوهُ على سَبِيل التَّعَجُّب طلبا لوجه الْحِكْمَة فِيهِ.

﴿خَليفَة قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس﴾

وَأما قَوْله: ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ لَيْسَ على سَبِيل التفاخر بل مَعْنَاهُ: أَنه إِذا أفسدوا وسفكوا الدِّمَاء فَنحْن نبقى على هَيْئَة التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس أم لَا؟ قَالَ: ﴿إِنِّي أعلم مَالا تعلمُونَ﴾ لَهُ مَعْنيانِ:

أَحدهمَا: إِنِّي أعلم فيهم من يعبدني ويطيعني من الْأَنْبِيَاء والأولياء والصلحاء.

وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: إِنِّي أعلم فِيكُم أَيهَا الْمَلَائِكَة من يعصيني يَعْنِي إِبْلِيس.

2:31Page 6

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ أما آدم إِنَّمَا سمى آدم؛ لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض، وَلما خلقه الله تَعَالَى علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء بأجمعها.

قَالَ ابْن عَبَّاس: علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة، والفسوة والفسية.

وَإِنَّمَا علمه ذَلِك تكريما وتشريفا لَهُ. وَذَلِكَ دَلِيل على أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من الْمَلَائِكَة وَإِن كَانُوا رسلًا كَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل السّنة.

﴿ثمَّ عرضهمْ﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب: " ثمَّ عرضهَا " [وَهِي] فِي الشواذ. وَرجع [الْكِنَايَة] إِلَى المسميات الَّتِي لَا تعقل. وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: " ثمَّ عرضهمْ " فَإِن المسميات لما جمعت من يعقل وَمن لَا يعقل؛ كنى بِلَفْظ من يعقل تَغْلِيبًا لَهُ.

وَإِنَّمَا عرضهمْ على الْمَلَائِكَة لإِظْهَار فضيلته عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم كَانُوا قد قَالُوا: لن يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا، فَقَالَ: ﴿أنبئوني﴾ أخبروني ﴿بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِيمَا زعمتم.

2:32Page 6

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ قد ذكرنَا معنى التَّسْبِيح. وَمعنى الْآيَة: أَنَّك أجل من أَن نحيط بِشَيْء من علمك؛ إِلَّا الَّذِي علمتنا مِنْهُ.

﴿إِنَّك أَنْت الْعَلِيم﴾ أَي: الْعَالم ﴿الْحَكِيم﴾ لَهُ مَعْنيانِ أَحدهَا: الْحَاكِم، وَهُوَ القَاضِي بِالْعَدْلِ.

وَالثَّانِي: معنى الْحَكِيم: الْمُحكم لِلْأَمْرِ كَيْلا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الْفساد، وَمِنْه: أحكمت الدَّابَّة لِأَنَّهَا (تمنعها) من الْفساد.

2:33Page 6

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ لما عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فعجزوا؛ يَقُول الله تَعَالَى لآدَم: أخْبرهُم بِأَسْمَائِهِمْ ﴿فَلَمَّا أنباهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فَأخْبرهُم آدم بأسماء تِلْكَ المسميات، وَالْحكمَة الَّتِي لأَجلهَا خلقُوا، فَلَمَّا أخْبرهُم بهَا ﴿قَالَ الله﴾ تَعَالَى للْمَلَائكَة: ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِنَّهُ قد قَالَ لَهُم: ﴿إِنِّي أعلم مَالا تَعْمَلُونَ﴾ وغيب السَّمَوَات وَالْأَرْض كل مَا غَابَ وخفي عَن الْأَبْصَار.

(وَأعلم مَا تبدون) أَي قَوْلكُم: أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا.

﴿وَمَا كُنْتُم تكتمون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا كتموا من قَوْلهم: لن يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا.

وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ مَا كتمه إِبْلِيس فيهم حِين خلق آدم؛ فَإِنَّهُ قد قَالَ: إِن سلطت عَلَيْهِ لأهلكنه وَإِن سلط عَليّ لَا أطيعه.

2:34Page 6

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ اخْتلفُوا فِي أَن هَذَا الْخطاب مَعَ أَي الْمَلَائِكَة؟ فَقَالَ بَعضهم: هُوَ خطاب مَعَ مَلَائِكَة الأَرْض خَاصَّة.

وَقيل: هُوَ خطاب لجَمِيع الْمَلَائِكَة. هُوَ الْأَصَح لقَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ .

وَالسُّجُود عبَادَة مَعَ التَّوَاضُع والخشوع والخضوع، وَمِنْه شَجَرَة سَاجِدَة إِذا مَاتَت من كَثْرَة حملهَا.

وَفِي قَوْله: ﴿اسجدوا لآدَم﴾ قَولَانِ أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ اسجدوا إِلَى آدم، فَيكون آدم كالقبلة. وَالسُّجُود لله تَعَالَى.

وَالأَصَح: أَن السُّجُود كَانَ لآدَم على الْحَقِيقَة. وتضمن معنى الطَّاعَة لله تَعَالَى بامتثال أمره فِيهِ. فعلى هَذَا يكون السُّجُود لآدَم على سَبِيل التَّحِيَّة لَهُ. وَهُوَ كسجود إخْوَة يُوسُف ليوسف بِمَعْنى التَّحِيَّة لَهُ. ثمَّ نقل ذَلِك إِلَى السَّلَام بَين الْمُسلمين.

﴿فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس﴾ قَالَ بَعضهم: إِبْلِيس مُشْتَقّ من الإبلاس. وَهُوَ الْيَأْس من الْخَيْر، قَالَ الشَّاعِر:

(يَا صَاح هَل تعرف (رسما) مكرسا ... قَالَ: نعم أعرفهُ وأبلسا)

وَقيل: هُوَ اسْم أعجمي مُعرب لَا اشتقاق لَهُ وَلذَلِك لَا ينْصَرف.

وَاخْتلفُوا فِي إِبْلِيس، وَالَّذِي قَالَه ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين: أَنه كَانَ من الْمَلَائِكَة.

وَقَالَ الْحس: كَانَ من الْجِنّ لقَوْله تَعَالَى ﴿كَانَ من الْجِنّ ففسق عَن أَمر ربه﴾ وَلِأَنَّهُ خلق من النَّار، وَالْمَلَائِكَة خلقُوا من النُّور، وَلِأَن لَهُ ذُرِّيَّة وَلَا ذُرِّيَّة للْمَلَائكَة.

وَالأَصَح أَنه كَانَ من الْمَلَائِكَة لِأَن خطاب السُّجُود كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَة.

وَأما قَوْله: ﴿كَانَ من الْجِنّ﴾ قيل: إِن فرقة من الْمَلَائِكَة سموا جنا خلقهمْ الله تَعَالَى من النَّار. وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا﴾ .

حَيْثُ قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله. فسماهم جنَّة. وَإِنَّمَا سموا جنا لاستتارهم عَن الْأَعْين.

وإبليس كَانَ من ذَلِك الْقَبِيل. وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ ذُرِّيَّة؛ لِأَنَّهُ أخرجه من الْمَلَائِكَة ثمَّ جعل لَهُ ذُرِّيَّة.

وَقيل: إِن الله تَعَالَى لما خلق إِبْلِيس أعطَاهُ ملك الأَرْض، وَملك السَّمَاء الدُّنْيَا، وَجعله خَازِن الْجنَّة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَبى﴾ امْتنع ﴿واستكبر﴾ أَي: أنف؛ حَيْثُ ظن أَنه خير من آدم ﴿وَكَانَ من الْكَافرين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ وَصَارَ من الْكَافرين فِي علم الله تَعَالَى.

قَالَ مُجَاهِد: علم الله فِي أزله أَنه تكون مِنْهُ الْمعْصِيَة فخلقه للمعصية.

2:35Page 6

وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ أَرَادَ بزوجه حَوَّاء، فَإِن قيل: [لم] أَمرهمَا بِدُخُول الْجنَّة، وَقد وعد أَن من دَخلهَا يكون خَالِدا فِيهَا فَكيف أخرجهُمَا من الْجنَّة؟

قُلْنَا: إِنَّمَا ذَلِك الْوَعْد فِي حق من يدخلهَا للثَّواب وَالْجَزَاء، وآدَم إِنَّمَا دخل الْجنَّة بالكرامة دون الثَّوَاب.

﴿وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما﴾ الرغد: الْوَاسِع من الْعَيْش. وَهُوَ أَن يَأْكُل مَا شَاءَ إِذا شَاءَ كَيفَ شَاءَ. ﴿وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ يَعْنِي: للْأَكْل.

والشجرة: اسْم لما يقوم على السَّاق، والنجم اسْم لما (لَا) يقوم على سَاق.

قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والنجم وَالشَّجر يسجدان﴾ وَفِي تِلْكَ الشَّجَرَة ثَلَاثَة أَقْوَال: قَالَ ابْن مَسْعُود: كَانَت شَجَرَة الْعِنَب. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَت شَجَرَة السنبلة. وَقَالَ ابْن جريج: كَانَت شَجَرَة التِّين. وَقيل: إِنَّهَا شَجَرَة الْعَلِيم.

﴿فتكونا من الظَّالِمين﴾ الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَفِيه يُقَال: " من أشبه باه فَمَا ظلم " أَي: فَمَا وضع الشّبَه فِي غير مَوْضِعه.

2:36Page 6

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَة: " فأزالهما " وَمَعْنَاهُ: نحاهما وبعدهما عَن الْجنَّة.

وَقَوله: (فأزلهما) إِلَى الزلة ﴿فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يَعْنِي من نعيم الْجنَّة. وَإِنَّمَا نسب الْإِخْرَاج إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَب فِيهِ.

(وَقُلْنَا اهبطوا) الهبوط هُوَ النُّزُول من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، وَالْخطاب مَعَ آدم، وإبليس، وحواء، والحية، وَهِي الْحَيَّة [الَّتِي] كَانَت من خزان الْجنَّة فخدعها إِبْلِيس حَتَّى أدخلته (الْجنَّة) .

﴿بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ الْعَدو: اسْم للْوَاحِد وَالْجمع، مَعْنَاهُ أَعدَاء.

﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر﴾ أَي: قَرَار ﴿ومتاع﴾ مُتْعَة تتغذون بهَا ﴿إِلَى حِين﴾ إِلَى مُنْتَهى الْآجَال.

2:37Page 6

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات﴾ التلقي: هُوَ قبُول عَن فطنة وَفهم دَلِيل: فَتلقى هُوَ [أَي: تعلم] : ﴿ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾ إِلَى آخِره.

وَقَالَ عبيد بن عُمَيْر: هِيَ كَلِمَات قَالَهَا آدم حِين ابتلاه الله بالمعصية.

﴿من ربه كَلِمَات﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْأَكْثَرُونَ: الْكَلِمَات هِيَ قَوْله: رَبنَا أَي: تعلم بالمعصية يارب هَذَا شَيْء كتبته عَليّ [أم] ابتدعته من تِلْقَاء نَفسِي؟ فَقَالَ: بل شَيْء كتبته عَلَيْك. فَقَالَ آدم: (فَكَمَا) كتبته عَليّ فاغفره.

﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فَقبل تَوْبَته ﴿إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ هُوَ الْقَابِل للتَّوْبَة من الْعباد؛ الرَّحِيم بهم.

2:38Page 7

قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الهبوط الأول كَانَ من الْجنَّة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، والهبوط الثَّانِي كَانَ من السَّمَاء الدُّنْيَا إِلَى الأَرْض.

(فإمَّا يَأْتينكُمْ مني هدى) أَي: رشد [و] بَيَان شَرِيعَة.

﴿فَمن تبع هُدَايَ﴾ أَي: ذَلِك الرشد والشريعة.

﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فِي الْآخِرَة.

2:39Page 7

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: كفرُوا بِاللَّه وبالرسل وكذبوا بآياته ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار﴾ يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .

2:40Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل﴾ إِسْرَائِيل اسْم يَعْقُوب. وَله فِي الْقُرْآن اسمان: يَعْقُوب وَإِسْرَائِيل. وَمعنى إِسْرَائِيل عبد الله، " إسر " مثل قَوْلنَا " عبد "، و " إيل " مثل قَوْلنَا " الله " ﴿اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ الذّكر يكون بِالْقَلْبِ، وَيكون بِاللِّسَانِ، وَهُوَ ضد النسْيَان. وَقَوله: ﴿نعمتي﴾ أَي: نعمي، ذكر الْجمع بِلَفْظ الوحدان، وَمثله كثير فِي الْقُرْآن.

وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ النعم. قَالَ قَتَادَة: هِيَ النعم الَّتِي خصت بهَا بَنو إِسْرَائِيل من إنجائهم من فِرْعَوْن بتغريقه، وإرسال مُوسَى إِلَيْهِم، وإنزال التَّوْرَاة عَلَيْهِم، وَنَحْو ذَلِك.

وَقَالَ غَيره: هِيَ جَمِيع النعم الَّتِي لله على عباده.

فَإِن قَالَ قَائِل: لم أَمرهم بِالذكر وهم كَانُوا ذاكرين لتِلْك النعم؟

قُلْنَا: الذّكر بِمَعْنى الشُّكْر، وَمَعْنَاهُ: اشكروا نعمتي. وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الذّكر؛ لِأَن فِي الشُّكْر ذكرا، وَفِي الْكفْر نِسْيَانا. ﴿وأوفوا بعهدي﴾ أوفي يُوفى، ووفى يَفِي، بِمَعْنى وَاحِد. وَقد جمعهَا الشَّاعِر فِي بَيت وَاحِد فَقَالَ:

(أما ابْن عَوْف فقد أوفى بِذِمَّتِهِ ... كَمَا وفى بقلاص النَّجْم حاويها)

والعهد: هُوَ الْأَمر الْمُؤَكّد. وَمَعْنَاهُ: " أَوْفوا بعهدي " بامتثال أَمْرِي. ﴿أوف بعهدكم﴾ بِالْقبُولِ وَالثَّوَاب. وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهَذَا الْعَهْد مَا ذكر فِي سُورَة الْمَائِدَة ﴿وَلَقَد أَخذ الله مِيثَاق بني إِسْرَائِيل وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ إِلَى آخر الْآيَة. ﴿وإياي فارهبون﴾ فخافوني.

2:41Page 7

وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

قَوْله تَعَالَى ﴿وآمنوا بِمَا أنزلت مُصدقا لما مَعكُمْ﴾ بِمَا أنزلت فِي الْقُرْآن مُصدقا لما مَعكُمْ من التَّوْرَاة. يَعْنِي أَن الْقُرْآن مُصدق لما فِي التَّوْرَاة من التَّوْحِيد ونعت مُحَمَّد ﴿وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ﴾ يَعْنِي أول من كفر بِهِ. وَقيل: أول فريق كَافِر بِهِ. وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء. فَإِن قيل: قد كفر بِهِ مشركو الْعَرَب قبلهم، فَكيف قَالَ: وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ؟ قُلْنَا: أَرَادَ بِهِ من أهل الْكتاب؛ لِأَن الْخطاب مَعَ أهل الْكتاب.

﴿وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ وَلَا تستبدلوا؛ ذَلِك أَن علماءهم وَأَحْبَارهمْ كَانَت لَهُم مأكلة على أغنيائهم وجهالهم؛ فخافوا أَن تذْهب مأكلتهم إِن آمنُوا بِمُحَمد فغيروا نَعته، وكتموا اسْمه، فَهَذَا معنى بيع الْآيَات بِالثّمن الْقَلِيل.

﴿وإياي فاتقون﴾ فاحذرون.

2:42Page 7

وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ اللّبْس: هُوَ الْخَلْط والتعمية.

يُقَال: لبس يلبس لبسا، من اللبَاس. وَلبس يلبس لبسا، من التلبيس. قَالَ الله تَعَالَى ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ أَي: خلطنا عَلَيْهِم كَمَا خلطوا. وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لِلْحَارِثِ: لَا يكن ملبوسا عَلَيْك، الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ، أعرف الْحق تعرف أَهله.

فَمَعْنَى قَوْله: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ أَي: الْإِسْلَام باليهودية والنصرانية، كَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ. وَقيل: هُوَ لبس التَّوْرَاة بِمَا غيروا من نعت مُحَمَّد.

﴿وتكتموا الْحق﴾ يَعْنِي نعت مُحَمَّد. ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَنه حق. قَالَ مُحَمَّد ابْن سِيرِين: هَذَا الْخطاب مَعَ قوم من الْيَهُود كَانُوا بِالشَّام رَأَوْا فِي كتبهمْ اسْم مُحَمَّد ونعته، وَأَنه يبْعَث من الْقرى الْعَرَبيَّة، فَخَرجُوا فِي طلبه ونزلوا بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا بعث مُحَمَّد حسدوه، وغيروا اسْمه ونعته؛ خوفًا من ذهَاب مأكلتهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском