As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:66–88
2:66Page 10
فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦
And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناها نكالا لما بَين يَديهَا﴾ أَي: فَجعلنَا عقوبتهم بالمسخ نكالا. والنكال: اسْم لكل عُقُوبَة تنكل النَّاظر من فعل مَا جعلت الْعقُوبَة جَزَاء عَلَيْهِ. وَمِنْه النّكُول من الْيَمين، وَهُوَ منع الْيَمين.
﴿لما بَين يَديهَا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يكون نكالا لما بَين يَديهَا وهم قد مضوا؟ قيل: أَرَادَ بِهِ الَّذين حَضَرُوا فِي ذَلِك الزَّمَان.
﴿وَمَا خلفهَا﴾ الَّذين يأْتونَ من بعد " وَمَا " هَاهُنَا: بِمَعْنى " من " وَفِيه قَول آخر: أَرَادَ " لما بَين يَديهَا ": مَا سبقت من الذُّنُوب ﴿وَمَا خلفهَا﴾ مَا حضرت من الذُّنُوب الَّتِي أخذُوا بهَا.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَرَادَ " بِمَا بَين يَديهَا " الْقرى الَّتِي كَانَت مَبْنِيَّة فِي الْحَال. وَمَا خلفهَا: بِالْحَدَثِ من الْقرى من بعد.
﴿وموعظة لِلْمُتقين﴾ من أمة مُحَمَّد.
2:67Page 10
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧
And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ وَاذْكُر إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ الْبَقَرَة: الْأُنْثَى من الْبَقر. وَهِي مَأْخُوذَة من الْبَقر، وَهُوَ الشق. سميت بذلك لِأَنَّهَا تشق الأَرْض بالحراثة.
وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي نهى عَن التبقر فِي الْأَهْل وَالْمَال " أَي: التَّوَسُّع. والقصة فِي ذَلِك: أَنه كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل غَنِي، وَله ابْن عَم فَقير، فاستطال حَيَاته فَقتله، وَحمله إِلَى حَيّ آخر، وَطَرحه بفنائهم، ثمَّ أصبح يطْلب دَمه. فسألوا مُوسَى أَن يسْأَل ربه من الْقَاتِل؟ فَسَأَلَ فَأوحى الله تَعَالَى [إِلَيْهِ] أَن يَأْمُرهُم بِذبح الْبَقَرَة.
فَقَالَ: إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة ﴿قَالُوا أتتخذنا هزوا﴾ لأَنهم لما سَأَلُوهُ أَن يسْأَل ربه من الْقَاتِل؟ فَقَالَ: إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة، فلبعد مَا بَين السُّؤَال وَالْجَوَاب، قَالُوا: أتتخذنا هزوا. وَذَلِكَ من شدَّة جهلهم، وتبسطهم فِي الْكَلَام نسبوا نَبِيّهم إِلَى الِاسْتِهْزَاء.
﴿قَالَ أعوذ بِاللَّه﴾ أَعْتَصِم وأمتنع بِاللَّه. ﴿أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ بِالْجَوَابِ، لَا على وفْق السُّؤَال. لِأَن كل من سُئِلَ عَن شَيْء فَأجَاب لَا على وفْق السُّؤَال يكون جَاهِلا.
2:68Page 10
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨
They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ﴾ هَذَا استيصاف السن ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول﴾ يَعْنِي: فَسَأَلَ فَقَالَ: إِنَّه يَقُول: ﴿إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك﴾ قيل: الفارض الْكَبِيرَة المسنة، وَالْبكْر: الْفَتى، والعوان مَا بَين ذَلِك.
وَمِنْه يُقَال: عونت الْمَرْأَة، إِذا زَادَت على الثَّلَاثِينَ. وَيُقَال: فِي الْمثل " الْعوَان لَا تعلم الْخمْرَة " أَي: الاختمار.
وَقيل: الفارض الَّتِي ولدت بطونا، وَالْبكْر: الَّتِي لم تَلد أصلا، والعوان: الَّتِي ولدت بَطنا أَو بطنين. ﴿فافعلوا مَا تؤمرون﴾ من الذّبْح.
2:69Page 10
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩
They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"
قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْع لنا رَبك﴾ سل لنا رَبك. ﴿يبين لنا مَا لَوْنهَا﴾ هَذَا اسيتصاف اللَّوْن. ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة صفراء﴾ قَالَ الْحسن: الصَّفْرَاء: السَّوْدَاء.
وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(تِلْكَ خيلي مِنْهُ وَتلك ركاب ... هن صفر ألوانها كالزبيب)
يَعْنِي سود، وَالصَّحِيح: أَنه أَرَادَ بِهِ الصَّفْرَاء الْمَعْهُودَة بِدَلِيل قَوْله: ﴿فَاقِع لَوْنهَا﴾ وَإِنَّمَا يُقَال: أصفر فَاقِع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأبيض يقق. وَيُقَال: ذَلِك للْمُبَالَغَة.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: كَانَت صفراء الْقُرُون والظلف. وَالصَّحِيح: أَنه كَانَت صفراء بجميعها.
﴿تسر الناظرين﴾ أَي تعجبهم وَتدْخل السرُور فِي قلبهم من حسنها وَهَذَا دأب كل حسن قد يرى. وَقد قَالَ النَّبِي " من لبس نعلا صفراء لم يزل فِي سرُور حَتَّى يَنْزِعهَا ".
2:70Page 11
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠
They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك﴾ سل لنا رَبك. ﴿يبين لنا مَا هِيَ﴾ وَهَذَا استيصاف الْعَمَل أَنَّهَا من العوامل أم لَا؟ ﴿إِن الْبَقر تشابه علينا﴾ أَي: اشْتبهَ. ﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ وَفِي الْخَبَر " أَنهم لَو لم يَقُولُوا: إِن شَاءَ الله مَا اهتدوا أبدا ".
2:71Page 11
قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١
He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض﴾ الذلول: بَين الذلة، والذليل بَين الذل، وَالْبَقَرَة الذلول الَّتِي أذلها الْعَمَل بإثارة الأَرْض.
﴿وَلَا تسقى الْحَرْث﴾ لَيست بساقية ﴿مسلمة﴾ عَن الْعُيُوب. ﴿لَا شية فِيهَا﴾ قَالَ الزّجاج: لَيْسَ فِيهَا لون يُخَالف مُعظم لَوْنهَا.
﴿قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ فَإِن قيل: قد كَانَ جَاءَ بِالْحَقِّ فِي كل مرّة. فَمَا معنى قَوْله ﴿الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ ؟ ! قيل: مَعْنَاهُ: الْآن أتيت بِالْبَيَانِ التَّام الشافي الَّذِي لم يبْق مَعَه لبس وَلَا إِشْكَال.
﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يَعْنِي: من غلاء ثمنهَا، لِأَنَّهُ روى أَنهم اشتروها بملء مسكها ذَهَبا.
وَحكى عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: مَا اشتروها بذلك، إِنَّمَا اشتروها بِثَلَاثَة دَنَانِير.
وَقيل: مَعْنَاهُ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ من شدَّة اضطرابهم وَاخْتِلَافهمْ فِيهَا، وَالْأول أصح. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: {شَدَّدُوا على أنفسهم؛ فَشدد الله عَلَيْهِم. وَلَو اعْترضُوا بقرة فذبحوها؛ حصل مُرَادهم ".
2:72Page 11
وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢
And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قتلتم نفسا﴾ هَذَا فِي التِّلَاوَة مُؤخر، وَفِي الْمَعْنى مقدم؛ لِأَنَّهُ أول الْقِصَّة. ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ أَي: اعوججتم وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(فنكب عَنْهُم دَرْء الأعادي ... وداووا بالجنون من الْجُنُون)
أَي: اعوجاجهم.
وَقيل: مَعْنَاهُ: تدافعتم إِذا كَانَ يحِيل بَعضهم على بعض وأصل [الدرء] الدّفع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون﴾ أَي: مظهر مَا كُنْتُم تكتمون؛ فَإِن الْقَاتِل كَانَ يكتم الْقَتْل.
2:73Page 11
فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣
So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أَمر الله تَعَالَى أَن يضْرب الْمَقْتُول بعض الْبَقَرَة. وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك الْبَعْض؛ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين: كَانَ ذَلِك من الغضروف إِلَى الْكَتف. قَالَ مُجَاهِد: وَهُوَ عجب الذَّنب. وَقَالَ غَيره: هُوَ الْفَخْذ. وَقَالَ بَعضهم: اللِّسَان.
وَقيل: بعض مِنْهَا لَا بِعَيْنِه؛ أَي بعض: كَانَ.
﴿كَذَلِك يحيى الله الْمَوْتَى﴾ لِأَنَّهُ أَرَاهُم إحْيَاء الْمَقْتُول حِين ضرب بِبَعْض الْبَقَرَة. وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما ضرب بِبَعْضِهَا قَامَ حَيا وَقَالَ: " قاتلي فلَان "، ثمَّ سقط مَيتا؛ فَحرم قَاتله الْمِيرَاث.
وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " مَا ورث قَاتل بعد صَاحب الْبَقَرَة ".
﴿ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ تمْنَعُونَ أَنفسكُم من الْمعاصِي.
وَقيل: إِنَّمَا خص الْبَقَرَة بذلك الذّبْح؛ لأَنهم كَانُوا قد عبدُوا الْعجل، فَأَرَادَ أَن يُرِيهم هوانها، وَأَنَّهَا تعجز عَن دفع الْقَتْل عَن نَفسهَا.
أَو ابْتَلَاهُم بِالْأَمر بذبحها حَتَّى [يراهم] هَل يقتلُون أم لَا.
2:74Page 11
ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤
Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك﴾ يَعْنِي يَبِسَتْ وجفت، وجفاف الْقلب بِخُرُوج الرَّحْمَة والرقة عَنهُ. ﴿من بعد ذَلِك﴾ من بعد مَا ظهر لكم من تِلْكَ الْآيَات. ﴿فَهِيَ كالحجارة﴾ يَعْنِي فِي الصلابة ﴿أَو أَشد قسوة﴾ .
فَإِن قيل: لم قَالَ: أَو أَشد قسوة و " أَو " كلمة التشكيك؟ وَلم شبه بِالْحِجَارَةِ وَالْحَدِيد أَصْلَب من الْحِجَارَة؟ .
قُلْنَا: أما الأول مَعْنَاهُ وَأَشد قسوة. وَقيل: بل أَشد قسوة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ﴾ أَو بل يزِيدُونَ.
وَقَالَ جمَاعَة النَّحْوِيين: مَعْنَاهُ إِن شِئْت مثلهم بِالْحِجَارَةِ؛ وَإِن شِئْت مثلهم بِمَا هُوَ أَشد من الْحِجَارَة، فَأَنت مُصِيب فِي الْكل. وَهَذَا قَول حسن.
وَإِنَّمَا لم يشبه بالحديد؛ لِأَنَّهُ قَابل للين، فَإِنَّهُ يلين بالنَّار، وَقد لَان لداود عَلَيْهِ السَّلَام، وَالْحِجَارَة لَا تلين قطّ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من الْحِجَارَة لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ جَمِيع الْحِجَارَة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْحجر الَّذِي كَانَ يضْرب عَلَيْهِ مُوسَى للأسباط.
﴿وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء﴾ أَرَادَ بِهِ عيُونا دون الْأَنْهَار، وَتَكون فِي بعض الْأَحْجَار ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ أَي ينزل من مَخَافَة الله.
فَإِن قيل: الْحجر جماد لَا يفهم؛ فَكيف يخْشَى؟ ! قُلْنَا: قد قَالَ أهل السّنة: إِن لله تَعَالَى علما فِي الْموَات لَا يُعلمهُ غَيره.
وَقيل: إِن الله تَعَالَى يفهمهم ويلهمهم ذَلِك فيخشون بإلهامه، وبمثل هَذَا وَردت الْأَخْبَار.
فَإِنَّهُ روى: " أَن النَّبِي كَانَ عَليّ " ثبير " وَالْكفَّار يطلبونه، فَقَالَ الْجَبَل: أنزل عني فَإِنِّي أَخَاف أَن تُؤْخَذ على فيعاقبني الله بذلك. فَقَالَ لَهُ جبل حراء: إِلَى يَا رَسُول الله ".
وروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كَانَ حجر يسلم على بِمَكَّة قبل أَن أبْعث، وَأَنا أعرفهُ الْآن " الْخَبَر صَحِيح.
وَفِي الْبَاب حَدِيث أنس وَسَهل بن سعد، " أَن رَسُول الله كَانَ يخْطب إِلَى جذع فِي الْمَسْجِد قَائِما، فَلَمَّا اتخذ لَهُ الْمِنْبَر تحول إِلَيْهِ فَلَمَّا رقاه حن الْجذع ".
ويروي: " أَنه خار كَمَا يخور الثور، حَتَّى ارتج الْمَسْجِد؛ فَنزل رَسُول الله من الْمِنْبَر وَكَانَ الْجذع يخور حَتَّى الْتَزمهُ فسكن. فخيره النَّبِي بَين أَن يكون شَجَرَة فِي الدُّنْيَا أَو شَجَرَة فِي الْجنَّة، فَاخْتَارَ الْجنَّة، فَأمر بِهِ فَدفن ".
وَقد قَالَ مُجَاهِد: لَا ينزل حجر من [الْأَعْلَى] إِلَى الْأَسْفَل إِلَّا من خشيَة الله.
وَيشْهد لكل مَا قُلْنَا. قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله﴾ .
﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: يُشَاهد مَا تَصْنَعُونَ.
2:75Page 11
۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفتطمعون﴾ أَي: ترجون ﴿أَن يُؤمنُوا لكم﴾ أَي: يصدقونكم بِمَا تخبرونهم بِهِ. ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم سمعُوا التَّوْرَاة ثمَّ حرفوا مَا فِيهَا من الْأَحْكَام ونعت مُحَمَّد.
القَوْل الثَّانِي: أَنه أَرَادَ بِهِ السّبْعين الَّذين حملهمْ مُوسَى إِلَى الطّور حِين قَالُوا: إِن كنت ترى الله فَيَنْبَغِي أَن نرى الله، وَإِن كنت تسمع كَلَام الله؛ فَيَنْبَغِي أَن نسْمع كَلَام الله. فَقَالَ مُوسَى: أما أَنا فَلَا أرى الله، وَلَكِنِّي أسمع كَلَامه، ثمَّ سَأَلَ مُوسَى ربه تَعَالَى أَن يسمعهم كَلَامه فَقَالَ الله تَعَالَى: مرهم فليصوموا كَذَا وليغسلوا أَو ليلبسوا ثيابًا جددا نظيفة، ثمَّ ليحضروا فَفَعَلُوا ذَلِك. وسمعوا كَلَام الله.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه قَالَ لَهُم: أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا، أخرجتكم من مصر بيد شَدِيدَة فاعبدوني وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئا، وافعلوا كَذَا، وَكَذَا فَلَمَّا سمعُوا كَلَامه، خرجت أَرْوَاحهم وماتوا فأحياهم الله تَعَالَى فَقَالُوا لمُوسَى: إِنَّا لَا نطيق أَن نسْمع كَلَامه، فاسمع أَنْت، وبلغنا إِيَّاه. ثمَّ رجعُوا إِلَى قَومهمْ قَالُوا: قد سمعنَا كَلَام الله، وَقد أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا وَكَذَا، لكنه قَالَ: افعلوا إِن شِئْتُم أَو إِن اسْتَطَعْتُم.
وَفِي رِوَايَة قَالَ: لَا ترتكبوا كَذَا وَكَذَا إِلَّا أَن يكون لكم بُد؛ فارتكبوا، فَهَذَا معنى قَوْله ﴿يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ أَي: فهموه (وهم يعلمُونَ) أَنه الْحق.
2:76Page 11
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦
And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا﴾ أنزل فِي قوم من الْيَهُود آمنُوا فنافقوا. ﴿وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض قَالُوا أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم﴾ وَالْفَتْح بِمَعْنى الْقَضَاء. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ أَي: قضينا لَك قَضَاء بَينا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: تعال إِلَى الفتاح. وَفِي معنى الْآيَة ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم قَالُوا لأهل الْمَدِينَة حِين شاوروهم فِي اتِّبَاع مُحَمَّد: آمنُوا بِهِ فَإِنَّهُ حق. ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض: أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم ليَكُون لَهُم الْحجَّة عَلَيْكُم عِنْد ربكُم أَي: يأخذونكم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم أخبروهم بِمَا عذبهم الله بِهِ على الْجِنَايَات؛ فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم من الْعَذَاب ﴿ليحاجوكم بِهِ عِنْد ربكُم﴾ ليروا الكرمة لأَنْفُسِهِمْ عَلَيْكُم الله.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن النَّبِي لما فتح خَيْبَر حاصر بني قُرَيْظَة قَالَ لَهُم: " يَا إخْوَة القردة والخنازير. فَقَالَ بَعضهم لبَعض: هَذِه الْكَلِمَة مَا خرجت إِلَّا مِنْكُم، يَعْنِي: أَنْتُم حدثتموه بذلك " ﴿أَفلا تعقلون﴾ .
2:77Page 12
أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧
But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لَا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ يَعْنِي: أَنه عَالم بِمَا اسروا (وأعلنوا) .
2:78Page 12
وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨
And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ﴾ الْأُمِّي: الَّذِي لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب. وَفِي اشتاقه قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه من الْأُم، فالأمي بَاقٍ على مَا انْفَصل من الْأُم.
وَالثَّانِي: من الْأمة ٠ وَهِي الخليقة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(وَإِن مُعَاوِيَة الأكرمين ... حسان الْوُجُوه طوال الْأُمَم)
يَعْنِي بني مُعَاوِيَة. وطوال الْأُمَم أَي الْخلق. فالأمي: بَاقٍ على مَا كَانَ عَلَيْهِ من أصل الْخلقَة.
﴿لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: قَالَ مُجَاهِد: الْأَمَانِي الأكاذيب.
وَمِنْه قَول عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ: مُنْذُ أسلمت مَا تمنيت وَلَا تَغَنَّيْت أَي: مَا كذبت. وَقَالَ ابْن دأب لرجل ذكر شَيْئا: هَذَا شَيْء رويته أم شَيْء تمنيته. أَي: اختلقته واخترعته من تلقائك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه التِّلَاوَة، أَي: لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا التِّلَاوَة وَمثله وَقَوله: ﴿إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته﴾ أَي: تِلَاوَته. وَقيل فِي عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ:
(تمنى كتاب الله أول ليله ... [فياليته] مَا لَاقَى حمام المقادر)
أَي: تَلا كتاب الله
وَالْقَوْل الثَّالِث: قَالَ الْفراء وَالْكسَائِيّ: هُوَ من التَّمَنِّي، وَذَلِكَ هِيَ أمانيهم الْبَاطِلَة من قَوْلهم ﴿لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ وَمن قَوْلهم: ﴿لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى) وَمن قَوْلهم: {نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ فعلى قَوْله هَذَا " إِلَّا " بِمَعْنى " لَكِن " يعْنى: لَا يعلمُونَ الْكتاب لَكِن يتمنون أَشْيَاء لَا تحصل لَهُم.
﴿وَإِن هم إِلَّا يظنون﴾ قَالَ مُجَاهِد: يكذبُون. وَلم يعرف أهل الْبَصْرَة الظَّن بِمَعْنى الْكَذِب؛ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ: إِلَّا يخرصون.
2:79Page 12
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩
So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنهم كَانُوا يَكْتُبُونَ من عِنْدهم أَشْيَاء، ثمَّ يَقُولُونَ للأعراب: هَذَا من عِنْد الله، يبتغونها مِنْهُم. وَقيل: أَرَادَ بِهِ مَا غيروا بِأَيْدِيهِم من نعت مُحَمَّد فِي التَّوْرَاة؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهَا أَنه أكحل أعين، ربعَة، سبط الشّعْر، فَكَتَبُوا فِيهَا أَنه أشقر، أَزْرَق طَوِيل الْقَامَة، جعد الشّعْر.
﴿ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مَا كتبت أَيْديهم﴾ اخْتلفُوا فِي الويل؛ قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ويروي ذَلِك مَرْفُوعا عَن النَّبِي أَيْضا " إِن الويل وَاد فِي جَهَنَّم يهوي فِيهِ الْكَافِر سبعين خَرِيفًا ".
وَقَالَ عُثْمَان: هُوَ جبل من نَار. وأصل الويل: الْهَلَاك وَدُعَاء الْعَذَاب، فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿مِمَّا كتبت أَيْديهم﴾ والكتب لَا يكون إِلَّا بِالْيَدِ؟ قيل: ذكره مُبَالغَة فِي التَّحْقِيق. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنهم كتبُوا بِأَنْفسِهِم اختراعا.
﴿وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من الْمعاصِي.
2:80Page 12
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠
And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، مِنْهُم من قَالَ: أَرَادوا بِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عدد مَا عَبدنَا الْعجل.
وَمِنْهُم من قَالَ: سَبْعَة أَيَّام. لِأَن مِقْدَار زمَان الْعَالم سَبْعَة آلَاف سنة فَقَالُوا: نعذب بِكُل ألف سنة يَوْمًا.
وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا: سمعنَا أنبياءنا أَنهم قَالُوا: مَا بَين طرفِي جَهَنَّم مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة فَنحْن نقطع فِي كل يَوْم مسيرَة سنة فَتبقى مسيرَة جَهَنَّم فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وننجو مِنْهَا.
﴿قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده﴾ مَعْنَاهُ: أَنِّي لكم بِهَذَا؛ قَول من الله؟ فَلَا يُخَالف قَوْله. قَوْله: ﴿أم تَقولُونَ على الله مَالا تعلمُونَ﴾ .
2:81Page 12
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١
Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة﴾ " بلَى " تذكر فِي جَوَاب النَّفْي. " وَنعم " تذكر فِي جَوَاب الْإِيجَاب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ .
وَقَالَ: ﴿ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى﴾ . وَقَالَ: ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ . ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة﴾ السَّيئَة: الشّرك. ﴿وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَي: مَاتَ على الشّرك.
وَقيل: أَرَادَ بِالسَّيِّئَةِ: الْكَبِيرَة. ﴿وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَي: أصر عَلَيْهَا، وَمَات غير تائب. وَقَالَ ابْن السراج النَّحْوِيّ: مَعْنَاهُ: انسدت عَلَيْهِ مسالك النجَاة. ﴿فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
2:82Page 12
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢
But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ إِلَى آخر الْآيَة، ظَاهر الْمَعْنى.
2:83Page 12
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣
And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allāh; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakāh." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود: " لَا تعبدوا إِلَّا الله " على الْأَمر، وَالْقِرَاءَة الْمَعْهُودَة " لَا تَعْبدُونَ ".
وتقرأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء وَمَعْنَاهَا وَاحِد؛ فَإِن الْعَرَب قد تذكر المخاطبة فِي (مَوضِع) المغايبة، والمغايبة فِي مَوضِع المخاطبة. وَفِي هَذَا الْمِيثَاق عهد وَقسم، وَتَقْدِيره: وَالله لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله.
﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وَالْإِحْسَان بهما الْبر والعطف والتحنن، وَالنُّزُول عِنْد أَمرهمَا فِيمَا لَا يُخَالف أَمر الله تَعَالَى. ﴿وَذي الْقُرْبَى﴾ أَي: أهل الْقرَابَات. ﴿واليتامى﴾ الْيَتِيم: اسْم لمن لَا أَب لَهُ من الْآدَمِيّين. وَلمن لَا أم لَهُ من الْبَهَائِم، وَهُوَ اسْم للْفَقِير مِنْهُم.
وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: " حفظت لكم عَن رَسُول الله سِتا: لَا طَلَاق قبل النِّكَاح، وَلَا عتاق فِي غير الْملك، وَلَا نذر فِي مَعْصِيّة الله، وَلَا يتم بعد الْحلم، وَلَا صمت يَوْم إِلَى اللَّيْل. وَلَا صَوْم وصال ". ﴿وَالْمَسَاكِين﴾ هم الْفُقَرَاء كَمَا سبق.
﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ تقْرَأ بقراءتين حسنا وحسنا.
وَتَقْدِيره: وَقُولُوا للنَّاس قولا حسنا، أَو وَقُولُوا للنَّاس قولا ذَا حسن. وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَة أَقْوَال، أَحدهَا: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: القَوْل الْحسن هُوَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه اللين فِي القَوْل، والمعاشرة بِحسن الْخلق.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه خطاب لأهل التَّوْرَاة يَعْنِي: وَقُولُوا للنَّاس صدقا فِي نعت مُحَمَّد فِي التَّوْرَاة.
﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ سبق تَفْسِيره.
﴿ثمَّ توليتم﴾ أعرضتم ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْكُم﴾ وَذَلِكَ أَن فريقا مِنْهُم قد آمنُوا ﴿وَأَنْتُم معرضون﴾ كإعراض آبائكم.
2:84Page 13
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم لَا تسفكون دماءكم﴾ أَي: لَا يسفك بَعْضكُم دِمَاء بعض.
وَقيل: لَا تسفكوا دِمَاء غَيْركُمْ فتسفك دماؤكم؛ فكأنكم سفكتم دِمَاء أَنفسكُم.
﴿وَلَا تخرجُونَ أَنفسكُم من دِيَاركُمْ﴾ أَي: لَا يخرج بَعْضكُم بَعْضًا.
وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا تسيئوا جوَار من جاوركم؛ فتلجئوهم إِلَى الْخُرُوج؛ بِسوء الْجوَار.
﴿ثمَّ أقررتم﴾ أَي: قبلتم ﴿وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ تعترفون بِالْقبُولِ.
2:85Page 13
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ ﴿تقتلون أَنفسكُم﴾ (بقتل) بَعْضكُم بَعْضًا.
﴿وتخرجون فريقا مِنْكُم من دِيَاركُمْ تظاهرون﴾ يقْرَأ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَأَصله: تتظاهرون. فأدغمت التَّاء فِي الظَّاء. فَصَارَ مشددا وَمَعْنَاهُ: تعاونون.
﴿عَلَيْهِم بالإثم والعدوان﴾ فالإثم والعدوان: الْمُبَالغَة فِي الظُّلم. وَقد روى: " أَن النواس بن سمْعَان سَأَلَ رَسُول الله مَا الْبر؟ فَقَالَ: مَا اطمأنت إِلَيْهِ نَفسك، قَالَ: مَا الْإِثْم؟ فَقَالَ: مَا حاك فِي صدرك ".
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن يأتوكم أُسَارَى﴾ يقْرَأ بقرائتين " أسرى، وأسارى " وَفرق أَبُو عَمْرو بَينهمَا فِي الْمَعْنى، فَقَالَ: الْأُسَارَى لمن كَانَ فِي الْيَد مَعَ الوثاق. والأسرى: لمن كَانَ فِي الْيَد من غير وثاق، وَلم يرْضوا مِنْهُ بِهَذَا الْفرق، وَالصَّحِيح: أَنَّهُمَا وَاحِد.
﴿تفدوهم﴾ و ﴿تفادوهم﴾ قراءتان. قيل: هما فِي الْمَعْنى وَاحِد، وَقيل: (تفادوهم) تقال فِي فدَاء الأسرى بالأسرى. وتفدوهم فِي الْفِدَاء بِالْمَالِ.
﴿وَهُوَ محرم عَلَيْكُم إخراجهم﴾ فِيهِ تَقْدِير وَتَأْخِير. وَتَقْدِيره: وتخرجون فريقا مِنْكُم من دِيَارهمْ؛ وَهُوَ محرم عَلَيْكُم إخراجهم؛ تظاهرون عَلَيْهِم بالإثم والعدوان.
﴿أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض﴾ لأَنهم خالفوا فِي الْبَعْض وامتثلوا فِي الْبَعْض.
﴿والعدوان وَإِن يأتوكم أُسَارَى تفادوهم وَهُوَ محرم عَلَيْكُم إخراجهم أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض فَمَا جَزَاء من يفعل ذَلِك مِنْكُم إِلَّا خزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم الْقِيَامَة يردون إِلَى أَشد الْعَذَاب وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
قَالَ السدى فِي كشف معنى الْآيَة: إِنَّهُم أمروا بأَرْبعَة أَشْيَاء: أَن لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا. وَأَن لَا يخرج بَعضهم بَعْضًا. وَأَن لَا يتعاونوا على الْإِثْم والعدوان. وَأَن يفادوا الْأُسَارَى. فخالفوا فِي الثَّلَاث وامتثلوا فِي المفاداة.
والقصة فِيهِ: أَن بني قُرَيْظَة كَانُوا حلفاء الْأَوْس، وَبَنُو النَّضِير كَانُوا حلفاء الْخَزْرَج وَكَانَت بَين القبيلتين مقاتلة، فَوَقَعت الْمُقَاتلَة بَين حلفاء القبيلتين، ثمَّ إِذا وَقع أَسِير من حلفاء إِحْدَى القبيلتين فِي يَد أُخْرَى القبيلتين فأداه حلفاء الْقَبِيلَة الْأُخْرَى، مَعَ كَون الْأَسير من عدوهم، فَإِذا قيل لَهُم: لم تفادون؟ قَالُوا: أمرنَا بالمفاداة. فَإِذا قيل لَهُم: لم تقاتلون؟ قَالُوا: نَحن حلفاؤهم فلابد لنا من الْقِتَال مَعَهم فَهَذَا معنى الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمَا جَزَاء من يفعل ذَلِك مِنْكُم إِلَّا خزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يُقَال: خزي يخزى خزيا، من الذل والهوان. وخزي يخزي خزاية. من الخجل والاستحياء والافتضاح. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(وَالْمَوْت خزيان ينظر خزيان ... )
أَي: مستحي.
﴿وَيَوْم الْقِيَامَة يردون إِلَى أَشد الْعَذَاب وَمَا الله بغافل عَمَّا تعلمُونَ﴾ .
2:86Page 13
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.
﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ اخْتَارُوا الدُّنْيَا على الْآخِرَة.
﴿فَلَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب ولاهم ينْصرُونَ﴾ يمْنَعُونَ الْعَذَاب.
2:87Page 13
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧
And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا﴾ أعطينا ﴿مُوسَى الْكتاب﴾ التَّوْرَاة ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ أتبعنا. أَي: يقفو رَسُول رَسُولا.
﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ فِيهِ قَولَانِ؛ أَحدهمَا: أَنَّهَا المعجزات الَّتِي أُوتى عِيسَى من إحْيَاء الْمَوْتَى، وإبراء الأكمه والأبرص، وَنَحْو ذَلِك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا الْإِنْجِيل. ﴿وأيدناه﴾ قويناه من الأيد. وَهُوَ الْقُوَّة.
﴿بِروح الْقُدس﴾ اخْتلفُوا فِي الرّوح، قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
عَن ابْن عَبَّاس أَنه أَرَادَ بِهِ جِبْرِيل. وَقيل: إِنَّه أَمر أَن يسير مَعَه حَيْثُ سَار حَتَّى صعد بِهِ إِلَى السَّمَاء. وَقيل: إِن الرّوح هُوَ الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي كَانَ يحيى بِهِ الْمَوْتَى. وَقيل هُوَ الْإِنْجِيل.
وَإِنَّمَا سمى روحا؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَببا لحياة الْقُلُوب؛ وَلذَلِك سمى الْقُرْآن روحا.
وسمى عِيسَى روحا؛ لِأَنَّهُ حصل بتكوين الله من غير توليد وَالِد.
وَأما جِبْرِيل: فَإِنَّمَا سمى روحا؛ للطافته، أَو لمكانه من الْوَحْي الَّذِي هُوَ سَبَب لحياة الْقُلُوب.
وَأما الْقُدس: قيل: إِنَّه نعت جِبْرِيل. وأصل الْقُدس: الطَّهَارَة. وَمِنْه القدوس: وَهُوَ الطَّهَارَة. وَالْأَرْض المقدسة: المطهرة؛ وَإِنَّمَا وصف جِبْرِيل بالقدس لِأَنَّهُ لم يقترف ذَنبا قطّ. وَكَانَ طَاهِرا من الذُّنُوب.
وَقيل: الْقُدس هُوَ الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفكلما جَاءَكُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أَنفسكُم﴾ لَا تُرِيدُ قُلُوبكُمْ ﴿استكبرتم﴾ أنفتم وتعظمتم ﴿ففريقا كَذبْتُمْ وفريقا تقتلون﴾ .
فالمكذبون: مثل عِيسَى وَمُحَمّد. والمقتولون: مثل زَكَرِيَّا وَيحيى صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.
2:88Page 13
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس: غلف بِضَم اللَّام، وَهُوَ قِرَاءَة الْأَعْرَج وَابْن مَحِيض؛ وَهُوَ من الشواذ.
وَالْقِرَاءَة الْمَعْهُودَة بجزم اللَّام، وهم جمع الأغلف، وَمَعْنَاهُ: قُلُوبنَا فِي أوعية مِمَّا تَقول لَا نفهم شَيْئا من ذَلِك وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة﴾ .
وَأما الغلف: بِضَم اللَّام: جمع الغلاف. وَمَعْنَاهُ: قُلُوبنَا أوعية الْعلم، وَلَيْسَ فِيهَا مِمَّا تَقول شَيْء. أَي: مَا تَقوله فَلَيْسَ بِشَيْء.
﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ طردهم الله عَن الْفَهم وَالرَّحْمَة. وأصل اللَّعْن: الطَّرْد والأبعاد وَقَالَ الشَّاعِر:
(ذغرق بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذِّئْب كَالرّجلِ اللعين)
أَي: مقَام الذِّئْب اللعين، يَعْنِي: المطرود.
(فقليلا مَا تؤمنون) قيل: أَرَادَ بِهِ الْمُشْركين وَمَعْنَاهُ: قَلِيل إِيمَانهم وَالْمرَاد [بِهِ] إِيمَانهم بِأَن الله خالقهم وخالق السَّمَاوَات وَالْأَرْض.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ أهل الْكتاب؛ لِأَن الَّذين آمنُوا مِنْهُم أقل من الَّذين آمنُوا من الْمُشْركين.
وَقيل: مَعْنَاهُ: فَلَا يُؤمنُونَ أصلا.
وَحكى الْكسَائي عَن الْعَرَب: قل مَا تنْبت هَذِه الأَرْض إِلَّا الكراث والبصل. أَي: لَا تنْبت إِلَّا الكراث والبصل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences