As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
Taha 20:44–81
20:44Page 314
فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤
And speak to him with gentle speech that perhaps he may be reminded or fear [Allāh]."
قَوْله تَعَالَى: ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا﴾ . مَعْنَاهُ: دارياه [بالرفق] ، وارفقا مَعَه، وَيُقَال مَعْنَاهُ: كنياه. وَاخْتلفُوا فِي كنيته: مِنْهُم من قَالَ: كنيته أَبُو الْوَلِيد، وَمِنْهُم من قَالَ: أَبُو مرّة وَمِنْهُم من قَالَ: أَبُو الْعَبَّاس، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ . أَي: يتعظ وَيخَاف. فَإِن قيل قَوْله ﴿لَعَلَّه﴾ تطميع، فَكيف يطمعهما فِي إِسْلَامه، وَقد قدر أَنه لَا يسلم؟ قُلْنَا مَعْنَاهُ: اذْهَبَا على رجائكما وطمعكما، وَقَضَاء الله وَرَاء أمركما، وَقَالَ بَعضهم: قد تذكر وَخَافَ، إِلَّا أَنه حِين لم تَنْفَعهُ التَّذْكِرَة وَالْخَوْف، وَقد بَينا فِي سُورَة يُونُس.
وَفِي قَوْله: ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا﴾ كَلِمَات مَعْرُوفَة؛ قَالَ بَعضهم: هَذَا رفقك بِمن يَقُول: أَنا الْإِلَه، فَكيف رفقك بِمن يَقُول: أَنْت الْإِلَه، وَهَذَا رفقك بالكفار، فَكيف رفقك بالأبرار؟ وَهَذَا رفقك بِمن جحدك، فَكيف رفقك بِمن وَحدك. وَهَذِه تحببك إِلَى من تعاديه، فَكيف إِلَى من تواليه وتناديه؟ .
20:45Page 314
قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥
They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَا رَبنَا إننا نَخَاف أَن يفرط علينا أَو أَن يطغى﴾ يَعْنِي: أَن يُبَادر ويعجل بعقوبتنا قبل أَن نريه الْآيَات. وَحكي عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: كَانَ مُوسَى يخَاف من فِرْعَوْن خوفًا شَدِيدا، وَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ، يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَره، وأدرأك فِي نَحره، فحول الله تَعَالَى ذَلِك الْخَوْف إِلَى فِرْعَوْن؛ فَكَانَ إِذا رأى مُوسَى بَال فِي ثِيَابه كَمَا يَبُول الْحمار.
وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِذا دخل أحدكُم على سُلْطَان يخَاف تغطرسه، فَلْيقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَره، وَشر أحزابه؛ أَن يفرط أحد مِنْهُم عَليّ أَو يطغى، عز جَارك، وَجل ثناؤك، وَلَا إِلَه غَيْرك ".
20:46Page 314
قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦
[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ أَي: أسمع دعاءكما فَأُجِيب، وَأرى أمركما مَعَ فِرْعَوْن فأدفعه عنكما.
20:47Page 314
فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧
So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأتيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولا رَبك فَأرْسل مَعنا بني إِسْرَائِيل﴾ أَي: خلهم، وأطلقهم من أعمالك، وَقد بَينا أَنه كَانَ يكلفهم الْأَعْمَال الشاقة، وَقد ضرب عَلَيْهِم الضرائب.
وَقَوله: ﴿وَلَا تُعَذبهُمْ﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿قد جئْنَاك بِآيَة من رَبك﴾ بِدلَالَة من رَبك.
وَقَوله: ﴿وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى﴾ . لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ تَحِيَّة فِرْعَوْن، وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ أَن من اتبع الْهدى فقد سلم من عَذَاب الله، وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ: (من) أسلم سلم.
وَفِي بعض الْآثَار عَن السّديّ: أَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لفرعون: " آمن بِاللَّه، وَلَك شباب لَا تهرم فِيهِ، وَملك لَا ينْزع مِنْك، وَلَذَّة فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح إِلَى أَن تَمُوت، ثمَّ إِذا مت دخلت الْجنَّة، فأعجبه هَذَا الْكَلَام، وَكَانَ لَا يقطع أمرا دون هامان، فَقَالَ: حَتَّى أنظر فِي ذَلِك؛ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ هامان، قَالَ لَهُ: ألم تَرَ أَن هَذَا الرجل الَّذِي أَتَانَا قَالَ كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ قبل ذَلِك يُسَمِّيه السَّاحر، فَلم يسمه السَّاحر فِي ذَلِك الْيَوْم، فَقَالَ لَهُ هامان: كنت أَظن أَن لَك رَأيا وعقلا! تُرِيدُ أَن تصير مربوبا بعد أَن كنت رَبًّا، وعبدا بعد أَن كنت معبودا، فغلبه عَن رَأْيه، فَأبى على مُوسَى مَا أَرَادَ مِنْهُ.
20:48Page 314
إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨
Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا قد أُوحِي إِلَيْنَا أَن الْعَذَاب على من كذب وَتَوَلَّى﴾ . أَي: كذب بآيَات الله، وَتَوَلَّى عَن طَاعَة الله.
20:49Page 314
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩
[Pharaoh] said, "So who is the Lord of you two, O Moses?"
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمن رَبكُمَا يَا مُوسَى﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
20:50Page 314
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠
He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى﴾ قَالَ الْحسن: أعْطى كل شَيْء مَا يصلحه، ثمَّ هداه إِلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ أعْطى كل شَيْء صُورَة، ثمَّ هداه إِلَى مَنَافِعه من الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح.
وَفِيه قَول ثَالِث: وَهُوَ أَنه أعْطى كل حَيَوَان زوجه، ثمَّ هداه إِلَى مأتاه، وكل ذكر يَهْتَدِي كَيفَ يَأْتِي الْأُنْثَى. وَرُوِيَ عَن أبس سابط أَنه قَالَ: أبهمت الْبَهَائِم إِلَّا عَن أَربع: تعرف خَالِقهَا، وتطلب رزقها، وتدفع عَن نَفسهَا، وتعرف كَيفَ يَأْتِي (أنثاه) .
20:51Page 314
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١
[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَال الْقُرُون الأولى﴾ مَعْنَاهُ: فَمَا حَال الْقُرُون الأولى، وَأَرَادَ بِهِ مَا حَالهم فِيمَا دعوتني إِلَيْهِ؟
وَقيل: لما دَعَاهُ مُوسَى إِلَى الْإِقْرَار بِالْبَعْثِ سَأَلَ وَقَالَ: مَا حَال الْقُرُون الأولى فِي الْبَعْث؟ وَيُقَال: إِنَّه انْصَرف إِلَى هَذَا الْكَلَام تعنتا، وعدولا عَن الْجَواب.
20:52Page 315
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢
[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ علمهَا عِنْد رَبِّي﴾ أَي: علم الْقُرُون الأولى عِنْد رَبِّي.
[قَوْله: ﴿فِي كتاب﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ] .
وَقَوله: ﴿لَا يضل رَبِّي﴾ أَي: لَا يخطىء رَبِّي، وَقَالَ ثَعْلَب: لَا يذهب عَلَيْهِ مَوْضِعه، وَقيل: لَا يغيب عَن رَبِّي، وَقَرَأَ الْحسن: " لَا يضل رَبِّي " بِرَفْع الْيَاء، من الإضلال، وَيُقَال: لَا يضل رَبِّي: لَا يغْفل عَنهُ رَبِّي.
وَقَوله: ﴿وَلَا ينسى﴾ أَي: لَا يتْركهُ، فينتقم من الْكَافِر، ويجازي الْمُؤمن، وَيُقَال: . هُوَ النسْيَان حَقِيقَة. وَقَرَأَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ: " وَلَا ينسى " على مَا لم يسم فَاعله.
20:53Page 315
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣
[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض مهادا﴾ وقرىء: " مهدا " إِلَى هَذَا الْموضع انْتهى كَلَام فِرْعَوْن مَعَ مُوسَى وَجَوَابه إِيَّاه. وَقَوله: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض مهدا﴾ ابْتِدَاء كَلَام من الله وَمَعْنَاهُ: مُسْتَقرًّا.
وَقَوله: ﴿وسلك لكم فِيهَا سبلا﴾ أَي: سهل ووطأ لكم فِيهَا طرقا.
وَقَوله: ﴿وَأنزل من السَّمَاء مَاء﴾ أَي: الْمَطَر.
وَقَوله: ﴿فأخرجنا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ أَي: أصنافا: الْأَحْمَر، والأصفر، والأخضر.
وَقَوله: ﴿من نَبَات شَتَّى﴾ أَي: من نَبَات مُتَفَرِّقَة.
20:54Page 315
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
وَقَوله: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ أَي: كلوا، وأسيموا أنعامكم ترعى.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لأولي النهى﴾ قَالَ ثَعْلَب: لأولي الْعُقُول، وَقيل: للَّذين يَنْتَهِي إِلَى رَأْيهمْ، وَقيل: للَّذين يتناهون عَن الْمعاصِي وينزجرون عَنْهَا بعقولهم.
20:55Page 315
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥
From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَي: من الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وفيهَا نعيدكم﴾ أَي: عِنْد الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى﴾ أَي: عِنْد الْحَشْر. فَإِن قيل: فِي الِابْتِدَاء لم نخرج عَن الأَرْض، فَكيف قَالَ: ﴿تَارَة أُخْرَى﴾ ؟ . قُلْنَا مَعْنَاهُ: وَمِنْهَا نخلقكم تَارَة أُخْرَى، فَيصح الْمَعْنى على هَذَا.
20:56Page 315
وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦
And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أريناه آيَاتنَا كلهَا﴾ هِيَ الْآيَات التسع الَّتِي أعطيها مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَوله: ﴿فكذب وأبى﴾ أَي: كذب بِالتَّوْحِيدِ، وأبى عَن الْإِيمَان.
20:57Page 315
قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧
He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أجئتنا لتخرجنا من أَرْضنَا بسحرك يَا مُوسَى﴾ مَعْنَاهُ: لتأْخذ رمنا أَرْضنَا؛ فَيكون لَك الْملك وَالسُّلْطَان، وَتخرج من تشَاء، وَتدْخل من تشَاء.
20:58Page 315
فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨
Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1
قَوْله: ﴿فلنأتينك بِسحر مثله﴾ يَعْنِي: مثل سحرك.
وَقَوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْننَا وَبَيْنك موعدا﴾ أَي: موعدا للاجتماع.
وَقَوله: ﴿لَا نخلفه نَحن وَلَا أَنْت﴾ أَي: لَا نتخلف نَحن وَلَا أَنْت.
وَقَوله: ﴿مَكَانا سوى﴾ قرىء بِالرَّفْع، وقرىء بِالْكَسْرِ. وَمَعْنَاهُ: مَكَانا عدلا، وَقيل: منصفا وَيُقَال: فِي مَكَان مستوى لَا يغيب عَن أحد فِيهَا مَا يفعل بَعْضنَا بِبَعْض.
قَالَ ابْن فَارس: وَهَذَا قَول الْحسن، وَيُقَال: مَكَانا سوى أَي: يَسْتَوِي فِي الْمسَافَة إِلَيْهِ.
20:59Page 315
قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩
[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزِّينَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَوْم الزِّينَة يَوْم عيد لَهُم؛ كَانُوا يَجْتَمعُونَ لَهُ، وَيُقَال: يَوْم الفيروز. وَعَن عَطاء: أَنه كره الزِّينَة للأعياد؛ قَالَ: هُوَ من عمل الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿وَأَن يحْشر النَّاس ضحى﴾ أَي: فِي صدر النَّهَار، وَقد جرت الْعَادة أَن الأعياد تكون فِي أول النَّهَار، وَكَذَلِكَ اجْتِمَاع النَّاس فِي الْأُمُور أَكثر مَا يكون فِي أول النَّهَار.
20:60Page 315
فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠
So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْن﴾ مَعْنَاهُ: فَأَعْرض، وَقيل: ولى الْأَمر فِرْعَوْن.
وَقَوله: ﴿فَجمع كَيده﴾ أَي: مكره وحيلته.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أَتَى﴾ أَي: ثمَّ أَتَى بالموعد.
20:61Page 315
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١
Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلكُمْ لَا تفتروا على الله كذبا﴾ قَالَ الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس: جمع فِرْعَوْن سبعين ألفا من السَّحَرَة، وَذكر مقَاتل: حمس عشرَة ألفا، وَذكر بَعضهم: نيفا وَسبعين رجلا، وَهُوَ قَول مَعْرُوف.
وَقَوله: ﴿وَيْلكُمْ لَا تفتروا عَليّ كذبا﴾ أَي: لَا تختلقوا على الله كذبا، مَعْنَاهُ: لَا تكذبوا على الله.
وَقَوله: ﴿فيسحتكم بِعَذَاب﴾ بِنصب الْيَاء، وقرىء: " فيسحتكم " بِرَفْع الْيَاء، وَمَعْنَاهُ: الاستئصال أَي: يستأصلكم بِالْعَذَابِ، قَالَ الفرزدق شعرًا:
(وعض زمَان يَا بن مَرْوَان لم يدع ... من المَال إِلَّا مسحتا أَو مجلف)
وَفرق بَعضهم بَين الرّفْع وَالْفَتْح؛ فَقَالَ: هُوَ بِالنّصب أَن لَا يبْقى شَيْء، وبالرفع أَن يبْقى بَقِيَّة، وَالأَصَح أَن لَا فرق. وَقيل: فيسحتكم، أَي: (شهد) لكم.
وَقَوله: ﴿وَقد خَابَ من افترى﴾ أَي: خسر وَهلك من افترى.
20:62Page 315
فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢
So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتنازعوا أَمرهم بَينهم وأسروا النَّجْوَى﴾ قَالَ قَتَادَة: هَذَا ينْصَرف إِلَى السَّحَرَة، وإسرارهم النَّجْوَى أَنهم قَالُوا: إِن كَانَ مَا يَأْتِي بِهِ مُوسَى سحرًا، فسنغلبه، وَإِن غلبنا فَلهُ أَمر، وَرُوِيَ أَنهم قَالُوا: إِن غلبنا اتبعناه.
20:63Page 315
قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣
They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِن هَذَانِ لساحران﴾ اعْلَم أَن هَذِه الْآيَة مشكلة فِي الْعَرَبيَّة، وفيهَا ثَلَاث قراءات:
قَرَأَ أَبُو عَمْرو: " إِن هذَيْن لساحران "، وَقَرَأَ حَفْص: " إِن هَذَانِ لساحران "، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: " إِن هَذَانِ لساحران ".
أما قِرَاءَة أبي عَمْرو: فَهِيَ المستقيمة على ظَاهر الْعَرَبيَّة، وَزعم أَبُو عَمْرو أَن " هَذَانِ " غلط من الْكَاتِب فِي الْمُصحف.
وَعَن عُثْمَان - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: أرى فِي الْمُصحف لحنا، (تستقيمه) الْعَرَب بألسنتها. وَمثله عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا -.
وَأما قِرَاءَة حَفْص: فَهِيَ مُسْتَقِيمَة أَيْضا على الْعَرَبيَّة؛ لِأَن إِن مُخَفّفَة يكون مَا بعْدهَا مَرْفُوعا، وَمَعْنَاهُ: مَا هَذَانِ إِلَّا ساحران.
وَأما قِرَاءَة الْأَكْثَرين - وَهُوَ الْأَصَح - قَالَ الزّجاج: لَا نرضى قِرَاءَة أبي عَمْرو فِي هَذِه الْآيَة؛ لِأَنَّهَا خلاف الْمُصحف، وَأما وَجه قَوْله: ﴿إِن هَذَانِ﴾ فَلهُ وُجُوه فِي الْعَرَبيَّة: أما القدماء من النَّحْوِيين فَإِنَّهُم قَالُوا: " هُوَ على تَقْدِير: إِنَّه هَذَانِ، فَحذف الْهَاء، وَمثله كثير فِي الْعَرَبيَّة، وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن هَذَا لُغَة كنَانَة وخثعم (وزبيد) ، وَقَالَ الْكسَائي: لُغَة بلحارث بن كَعْب من كنَانَة، وَأنْشد الْكسَائي شعرًا:
(تزَود مني بَين أذنَاهُ ضَرْبَة ... دَعَتْهُ إِلَى هَذِه التُّرَاب عقيم)
وَأنْشد غَيره:
(إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا قد ... بلغا فِي الْمجد غايتاها)
وأنشدوا أَيْضا:
(أَي قلُوص رَاكب ترَاهَا ... طاروا علاهن فطر علاها)
أَي: عَلَيْهِنَّ.
قَالَ الْكسَائي: على هَذِه اللُّغَة يَقُولُونَ: أَتَانِي الزيدان، وَرَأَيْت الزيدان، ومررت بالزيدان، وَلَا يتركون ألف التَّثْنِيَة فِي شَيْء مِنْهَا.
وَأما الْوَجْه الثَّالِث، هُوَ أصح الْوُجُوه، فَإِن الْقُرْآن لَا يحمل على اللُّغَة الْبَعِيدَة؛ وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿إِن هَذَانِ﴾ أَي: نعم هَذَانِ، قَالَ الشَّاعِر:
(بكر العواذل فِي الصَّباح ... يلمنني وألومهن)
(وَيَقُلْنَ شيب قد علاك ... وَقد كَبرت فَقلت إِنَّه) أَي: نعم
وَرُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا أَتَى عبد الله بن الزبير يطْمع شَيْئا، فَلم (يحصل) لَهُ طمعه، فَقَالَ الْأَعرَابِي: لعن الله نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك، فَقَالَ ابْن الزبير: إِن، وصاحبها، أَي: نعم. وَفِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " إِن ذَاك إِلَّا ساحران "، وَهِي شَاذَّة.
وَقَوله: ﴿يُريدَان أَن يخرجاكم من أَرْضكُم بسحرهما﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ أَي: بالطريقة المستقيمة الَّتِي أَنْتُم عَلَيْهَا، وَكَانُوا يظنون أَنهم على دين مُسْتَقِيم، والمثلى تَأْنِيث الأمثل. وَأما ابْن عَبَّاس قَالَ: بطريقتكم المثلى أَي: الرِّجَال الْأَشْرَاف.
وَقَالَ قَتَادَة: أَرَادَ بِهِ بني إِسْرَائِيل، وَكَانُوا أهل يسَار (وَعزة) .
فَقَالُوا: يُريدَان أَن يذهبا بهؤلاء. وَالْعرب تَقول: هَؤُلَاءِ طَريقَة الْقَوْم أَي: أَشْرَافهم.
وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ أهل طريقتكم المثلى.
20:64Page 315
فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤
So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."
وَقَوله: ﴿فَأَجْمعُوا كيدكم﴾ وقرىء بالوصل: " فاجمعوا ". أما قَوْله: ﴿فَأَجْمعُوا﴾ بِالْقطعِ فَمَعْنَاه: الْعَزِيمَة والإحكام. قَالَ الْأَزْهَرِي: تَقْدِيره: اعزموا كلكُمْ على كَيده مُجْتَمعين لَهُ، وَلَا تختلفوا فيختل أَمركُم. وَأما قَوْله: " فاجمعوا " بالوصل، مَعْنَاهُ: جيئوا بِكُل كيد لكم؛ لتعارضوا مُوسَى.
وَقَوله: ﴿ثمَّ ائْتُوا صفا﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مصطفين، وَقَالَ غَيره: الصَّفّ هُوَ [الْمصلى] ، وَمَعْنَاهُ: ثمَّ ائْتُوا الْمَكَان الْمَوْعُود.
وَقَوله: ﴿وَقد أَفْلح الْيَوْم من استعلى﴾ أَي: سعد وفاز من كَانَت لَهُ الْغَلَبَة فِي الْيَوْم.
20:65Page 316
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥
They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون أول من ألْقى﴾ مَعْنَاهُ: اختر، إِمَّا أَن تلقي أَنْت أَولا، أَو نلقي نَحن أَولا.
20:66Page 316
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦
He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل ألقوا﴾ يَعْنِي: ابتدءوا أَنْتُم بالإلقاء. فَإِن قَالَ قَائِل: إلقاؤهم كَانَ كفرا وسحرا، فَهَل يجوز أَن يَأْمُرهُم مُوسَى بالإلقاء الَّذِي هُوَ سحر وَكفر؟ الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذَا أَمر بِمَعْنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ إلقاؤكم عنْدكُمْ حجَّة فَألْقوا، وَالثَّانِي: أَنه أَمرهم بالإلقاء على قصد إبِْطَال سحرهم بِمَا يلقى من عَصَاهُ، وَهَذَا جَائِز.
وَقَوله: ﴿فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ وقرىء بِالْيَاءِ وَالتَّاء " تخيل "، فَمن قَرَأَ بِالتَّاءِ، فَهُوَ رَاجع إِلَى العصي والحبال، فأنثت لِأَنَّهَا جمع، وَأما بِالْيَاءِ فَيَنْصَرِف إِلَى الْإِلْقَاء. وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لما ألقوا الحبال والعصي رأى مُوسَى وَالْقَوْم كَأَن الأَرْض امْتَلَأت حيات، وَهِي تسْعَى أَي: تذْهب وتجيء. وَاعْلَم أَن التخايل مَا لَا أصل لَهُ. وَيُقَال: إِنَّهُم أخذُوا بأعين النَّاس، فظنوا وَحَسبُوا أَنَّهَا حيات، وَقيل: إِن حبالهم وعصيهم أخذت ميلًا من هَذَا الْجَانِب، وميلا من ذَلِك الْجَانِب.
20:67Page 316
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى﴾ أَي: وجد فِي نَفسه خيفة، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الْخَوْف على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه خوف البشرية، وَالْآخر: خَافَ على الْقَوْم أَن يلتبس عَلَيْهِم الْأَمر، فَلَا يُؤمنُوا، وَيُقَال: خَافَ على قومه أَن يشكوا، فيرجعوا عَن الْإِيمَان.
20:68Page 316
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى﴾ أَي: الْغَلَبَة وَالظفر لَك.
20:69Page 316
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وألق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا﴾ أَي: تلتقم وتبتلع.
وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا فتحت فاها، فابتلعت كل مَا كَانَ يمر من العصي والحبال، وَفرْعَوْن يضْحك ويظن أَنه سحر، ثمَّ قصدت قبَّة فِرْعَوْن، وَكَانَ طولهَا فِي الْهَوَاء [أَرْبَعِينَ] ذِرَاعا، ففتحت فاها على قدر ثَمَانِينَ ذِرَاعا، وأرادت أَن تلتقم الْقبَّة، فَنَادَى فِرْعَوْن: يَا مُوسَى، بِحَق التربية، قَالَ: فجَاء فَأَخذهَا، فَعَادَت عَصا على مَا كَانَت.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر﴾ قرىء " سَاحر "، وقرىء " سحر "، فَقَوله: ﴿كيد سَاحر﴾ أَي: حِيلَة سَاحر.
وَقَوله: ﴿كيد سحر﴾ أَي: حِيلَة من سحر.
وَقَوله: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ فِي التَّفْسِير أَن مَعْنَاهُ: أَيْن وجد قتل.
وَفِي بعض المسانيد عَن جُنْدُب بن عبد الله، أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا أَخَذْتُم السَّاحر فَاقْتُلُوهُ، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ ".
20:70Page 316
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠
So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."
قَوْله تَعَالَى: ﴿فألقي السَّحَرَة سجدا﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿قَالُوا آمنا بِرَبّ هَارُون ومُوسَى﴾ أَي: بإله هَارُون ومُوسَى، وَقدم هَارُون على مُوسَى على وفْق رُءُوس الْآي.
20:71Page 316
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ آمنتم لَهُ قبل أَن آذن لكم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر﴾ أَي: معلمكم الَّذِي علمكُم السحر. وَحكى الْكسَائي أَن الْعَرَب تَقول: رجعت من عِنْد كبيري أَي: معلمي.
وَقَوله: ﴿فلأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ مَعْنَاهُ: على جُذُوع النّخل، وَذكر كلمة فِي؛ لِأَن المصلوب يصلب مستطيلا على الْجذع؛ فالجذع يشْتَمل عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ولتعلمن أَيّنَا أَشد عذَابا وَأبقى﴾ أَي: أَنا أقوى أَو رب مُوسَى؟ وَذكر الْكَلْبِيّ: أَن فِرْعَوْن قطع أَيْديهم وأرجلهم وصلبهم، وَذكر غَيره: أَنه لم يقدر عَلَيْهِم، وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿لَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون﴾ .
20:72Page 316
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢
They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لن نؤثرك﴾ أَي: لن نختارك. ﴿على مَا جَاءَنَا من الْبَينَات﴾ أَي: الدلالات؛ وَكَانَ استدلالهم أَنهم قَالُوا: إِن كَانَ هَذَا سحر، فَأَيْنَ حبالنا وعصينا؟ وَقيل: من الْبَينَات أَي: الْيَقِين وَالْعلم.
وَقَوله: ﴿وَالَّذِي فطرنا﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: (وَقَوله) وَلنْ نؤثرك على الَّذِي فطرنا، وَالْآخر: أَنه قسم.
وَقَوله: ﴿فَاقْض مَا أَنْت قَاض﴾ أَي: فَاصْنَعْ مَا أَنْت صانع.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا تقضي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: أَمرك وسلطانك فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا، وسيزول عَن قريب.
20:73Page 316
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣
Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1
وَقَوله: ﴿إِنَّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا﴾ أَي: ذنوبنا.
وَقَوله: ﴿وَمَا أكرهتنا عَلَيْهِ من السحر﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَقد جَاءُوا مختارين، وحلفوا بعزة فِرْعَوْن أَن لَهُم الْغَلَبَة على مَا ذكر فِي مَوضِع آخر؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: كَانَ فِرْعَوْن يجْبر قوما على تعلم السحر؛ لكيلا يذهب أَصله، وَكَانَ قد أكرههم فِي الِابْتِدَاء على تعلمه، فأرادوا بذلك.
وَقَوله: ﴿وَالله خير وَأبقى﴾ قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب مَعْنَاهُ: وَالله خير ثَوابًا إِن أطيع، وَأبقى عقَابا إِن عصي. يُقَال: إِن أَمر السُّلْطَان إِكْرَاه؛ فَلهَذَا قَالُوا: وَمَا أكرهتنا عَلَيْهِ من السحر، لما سجدوا أَرَاهُم الله تَعَالَى مواضعهم فِي الْجنَّة، وَمَا أعد لَهُم من الثَّوَاب والكرامة، فَلَمَّا رفعوا رُءُوسهم وَقد [رَأَوْا] قَالُوا مَا قَالُوا.
وَعَن عِكْرِمَة: أَصْبحُوا وهم سحرة، وأمسوا وهم شُهَدَاء.
وَرُوِيَ أَن الْحسن كَانَ إِذا بلغ إِلَى هَذِه الْآيَة قَالَ: عجبا لقوم كَافِرين سحرة من أَشد النَّاس كفرا، رسخ الْإِيمَان فِي قُلُوبهم حِين قَالُوا مَا قَالُوا، وَلم يبالوا بِعَذَاب فِرْعَوْن، وَترى الرجل من هَؤُلَاءِ يصحب الْإِيمَان سِتِّينَ سنة، ثمَّ يَبِيعهُ بِثمن يسير.
وَفِي الْقِصَّة: أَن امْرَأَة فِرْعَوْن كَانَت تستخبر فِي ذَلِك الْيَوْم لمن الْغَلَبَة، فَلَمَّا أخْبرت أَن الْغَلَبَة كَانَت لمُوسَى، أظهرت الْإِيمَان لله، فَذكر ذَلِك لفرعون، فَبعث قوما، وَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى أعظم صَخْرَة، فَإِن أصرت على قَوْلهَا، فَألْقوا عَلَيْهَا الصَّخْرَة، فأراها الله تَعَالَى موضعهَا من الْجنَّة، وَقبض روحها، فَجَاءُوا وألقوا الصَّخْرَة على جَسَد ميت.
20:74Page 316
إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤
Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه من يَأْتِ ربه مجرما﴾ قَالَ بَعضهم: هَذَا من قَول السَّحَرَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ ابْتِدَاء كَلَام من الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿مجرما﴾ أَي: مُشْركًا.
وَقَوله: ﴿فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ أَي: لَا يحيا حَيَاة ينْتَفع بهَا، وَلَا يَمُوت فيستريح، وَيُقَال: إِن أَرْوَاحهم تكون معلقَة بحناجرهم، لَا تخرج فيموتون، وَلَا تَسْتَقِر فِي موضعهَا فيحيون، قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا من لنَفس تَمُوت فينقضي ... شقاها وَلَا تحيا حَيَاة لَهَا طعم)
20:75Page 316
وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥
But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات﴾ أَي: أدّى الْفَرَائِض. قَالَ الْحسن: من أدّى الفراض فقد اسْتكْمل الْإِيمَان، وَمن لم يؤد الْفَرَائِض فَلم يستكمل الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى﴾ جمع الْعليا، والعليا تَأْنِيث الْأَعْلَى.
20:76Page 316
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦
Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1
قَوْله تَعَالَى: ﴿جنَّات عدن﴾ قد بَينا هَذَا من قبل، وَفِي بعض التفاسير عَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: جنَّة عدن قصر لَهُ عشرَة آلَاف بَاب، لَا يعلم سعتها إِلَّا الله وَيُقَال: نهر فِي الْجنَّة على حافتيه قُصُور الْجنان.
وَقَوله: ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ أَي: مقيمين فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاء من تزكّى﴾ أَي: تَطْهِير من الذُّنُوب، وَقيل: جَزَاء من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله.
20:77Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَن أسر بعبادي﴾ أَي: سر بهم لَيْلًا.
وَقَوله: ﴿فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبسا﴾ أَي: ذَا يبس، وَقيل: يَابسا، أَي: لَا ندوة فِيهِ، وَلَا بَلل.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَا تخَاف دركا وَلَا تخشى﴾ رُوِيَ أَنهم لما بلغُوا الْبَحْر قَالُوا: يَا مُوسَى، هَذَا الْبَحْر أمامنا، وَفرْعَوْن وجنده وَرَاءَنَا، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تخَاف دركا وَلَا تخشى﴾ . أَي: لَا تخَاف أَن يدركك فِرْعَوْن من ورائك، وَلَا تخشى أَن يغرقك الْبَحْر أمامك، وَقَرَأَ حَمْزَة: " وَلَا تخف " على الْأَمر.
20:78Page 317
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨
So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده﴾ قرىء: " فأتبعهم "، وقرىء: " فاتبعهم " أما قَوْله: ﴿فأتبعهم﴾ أَي: بعث فِي إثرهم جُنُوده.
وَقَوله: ﴿فاتبعهم﴾ أَي: اتبعهم بجنده.
وَقَوله: ﴿فغشيهم من اليم مَا غشيهم﴾ مَعْنَاهُ: غشيهم من الْبَحْر مَا غرقهم، وَيُقَال: غشيهم من اليم مَا غشي قوم مُوسَى فنجا قوم مُوسَى، وغرقوا هم، وَيُقَال: غشيهم من اليم مَا أهلكهم.
20:79Page 317
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩
And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].
وَقَوله: ﴿وأضل فِرْعَوْن قومه وَمَا هدى﴾ أَي: وَمَا أرشد، وَهُوَ جَوَاب لقَوْل فِرْعَوْن: ﴿وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد﴾ .
20:80Page 317
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠
O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل قد أنجيناكم من عَدوكُمْ﴾ أَي: من أعدائكم، وَيُقَال: أَرَادَ بِهِ فِرْعَوْن وَحده.
وَقَوله: ﴿وواعدناكم جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى وعد مُوسَى أَن يؤتيه كتابا من عِنْده، وَهُوَ التَّوْرَاة، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وواعدناكم جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ أَي: لإعطاء الْكتاب.
وَقَوله: ﴿ونزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى﴾ قد بَيناهُ فِي سُورَة الْبَقَرَة.
20:81Page 317
كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١
[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."
وَقَوله: ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ أَي: من حَلَال مَا رزقناكم.
وَقَوله: ﴿وَلَا تطغوا فِيهِ﴾ . أَي: لَا تكفرُوا النِّعْمَة، وَيُقَال: لَا تخلطوا الْحَرَام بالحلال، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تدخروا ثمَّ لَا تدخروا فتدود، وَلَوْلَا مَا صَامُوا لم يتود طَعَام.
وَقَوله: ﴿فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي﴾ قرىء بِالْكَسْرِ وَالرَّفْع، أما بِالْكَسْرِ فَيجب، وَأما بِالرَّفْع فَينزل.
وَقَوله: ﴿وَمن يحلل عَلَيْهِ غَضَبي﴾ أَي: ينزل عَلَيْهِ، وقرىء: " وَمن يحلل " أَي: يجب.
وَقَوله: ﴿فقد هوى﴾ أَي: هلك، وَعَن شفي بن ماتع الأصبحي قَالَ: هوى وَاد فِي جَهَنَّم يهوي فِيهِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَمعنى الْآيَة أَي: وَقع فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences