As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:79–96
21:79Page 328
فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩
And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1
قَوْله تَعَالَى: ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
وَاخْتلف الْعلمَاء أَن دَاوُد حكم مَا حكم بِالِاجْتِهَادِ أَو بِالْوَحْي؟ وَكَذَلِكَ سُلَيْمَان، فَقَالَ بَعضهم: إنَّهُمَا فعلا بِالِاجْتِهَادِ، وَقَالُوا: يجوز الِاجْتِهَاد للأنبياء؛ ليدركوا ثَوَاب الْمُجْتَهدين، إِلَّا أَن دَاوُد أَخطَأ، وَسليمَان أصَاب، وَالْخَطَأ يجوز على الْأَنْبِيَاء إِلَّا أَنهم لَا يقرونَ عَلَيْهِ، وَاخْتلفُوا [فِي] أَنه هَل يجوز على نَبينَا الْخَطَأ فِي الحكم كَمَا يجوز على سَائِر الْأَنْبِيَاء؟ قَالَ أَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة: لَا يجوز؛ لِأَن شَرِيعَته ناسخة، وَلَيْسَ بعده نَبِي، وَقَالَ غَيره: يجوز كَمَا يجوز على سَائِر الْأَنْبِيَاء. وَقد رُوِيَ " أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي وَقَالَت: إِن زَوجي توفّي فَأَيْنَ أَعْتَد؟ فَقَالَ لَهَا: اعْتدي أَيْن شِئْت، فَلَمَّا ولت دَعَاهَا وَقَالَ: سُبْحَانَ الله امكثي فِي بَيْتك حَتَّى يبلغ الْكتاب " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَرُوِيَ أَن رجلا أَتَى النَّبِي وَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت إِن قتلت صَابِرًا محتسبا، هَل يحجزني من الْجنَّة شَيْء؟ قَالَ: لَا، ثمَّ دَعَاهُ وَقَالَ: " إِلَّا الدّين، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيل " وَهُوَ خبر مَعْرُوف، والخبران يدلان على أَنه يجوز أَنه يُخطئ، إِلَّا أَنه لَا يُقرر عَلَيْهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي أصل الْحُكُومَة: هُوَ أَن دَاوُد وَسليمَان - عَلَيْهِمَا السَّلَام - حكما بِالْوَحْي، إِلَّا أَن مَا حكم بِهِ دَاوُد كَانَ مَنْسُوخا، وَالَّذِي حكم بِهِ سُلَيْمَان كَانَ نَاسِخا، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم: لَا يجوز للنَّبِي أَن يجْتَهد فِي الْحَوَادِث؛ لِأَنَّهُ مستغن بِالْوَحْي عَن الِاجْتِهَاد، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ ، وَالْأول هُوَ الْأَصَح.
وَأما حكم هَذِه الْمَسْأَلَة فِي شريعتنا: فَاعْلَم أَن مَا أفسدت الْمَاشِيَة بِاللَّيْلِ عندنَا مَضْمُون على صَاحبهَا، وَمَا أفسدت بِالنَّهَارِ فَلَا ضَمَان، وَالْحجّة فِيهِ مَا روى الزُّهْرِيّ، عَن حرَام بن محيصة عَن أَبِيه: " أَن نَاقَة الْبَراء بن عَازِب دخلت حرث قوم فأفسدته، فَارْتَفعُوا إِلَى النَّبِي فَقضى بِأَن حفظ الْمَاشِيَة على أَرْبَابهَا لَيْلًا، وَأَن حفظ الْحَرْث على أَرْبَابهَا نَهَارا " وَهَذَا أحسن حكم يكون؛ لِأَن الْعَادة جرت أَن الْمَوَاشِي تحفظ ﴿سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلما وسخرنا مَعَ دَاوُد الْجبَال يسبحْنَ وَالطير وَكُنَّا فاعلين﴾ بِاللَّيْلِ، وتسيب بِالنَّهَارِ، وَأما الحروث والزروع تحفظ بِالنَّهَارِ، ويتعذر حفظهَا بِاللَّيْلِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث القَاضِي الإِمَام الْوَالِد، قَالَ: نَا أَبُو سهل عبد الصَّمد بن عبد الرَّحْمَن الْبَزَّار، قَالَ: أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا العذافري، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الدبرِي قَالَ: [حَدثنَا] عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ ... . الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ وَقد بَينا.
فَإِن قيل: قد كَانَ دَاوُد حكم بِمَا حكم بِهِ، والحادثة إِذا جرى فِيهَا حكم الْحَاكِم لَا يجوز أَن تنقض بِغَيْرِهِ، فَكيف وَجه هَذَا؟ وَالْجَوَاب: يحْتَمل أَنه كَانَ طُولِبَ بالحكم، وَلم يحكم بعد، إِلَّا أَنه ذكر وَجه الحكم، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه كَانَ حكم بِالِاجْتِهَادِ، فَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَان مَا قَالَ، نزل الْوَحْي أَن الحكم مَا قَالَ.
وَقَوله: ﴿وسخرنا مَعَ دَاوُد الْجبَال يسبحْنَ وَالطير﴾ قيل: تسبيحها صلَاتهَا، وَقيل: تسبيحها هُوَ الثَّنَاء على الله بِالطَّهَارَةِ وَالتَّقْدِيس، وَقد رُوِيَ أَن الْجبَال كَانَت تجاوب دَاوُد بالتسبيح، وَرُوِيَ أَنه كَانَ إِذا قَرَأَ سَمعه الله تَسْبِيح الْجبَال وَالطير؛ لينشط فِي التَّسْبِيح، ويشتاق إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا فاعلين﴾ . أَي: قَادِرين على مَا نُرِيد، وَقيل مَعْنَاهُ: فعلنَا مَا فعلنَا بِالتَّدْبِيرِ الصَّحِيح.
21:80Page 328
وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠
And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم﴾ اللبوس هَا هُنَا هُوَ الدرْع، وَفِي اللُّغَة: اللبوس مَا يلبس، قَالَ قَتَادَة: لم يسْرد الدرْع، وَلم يحلقه أحد قبل دَاوُد، وَكَانَ قبله يتَّخذ الدرْع من صَفَائِح، فَلَمَّا عمل هُوَ الدرْع جمع الخفة والحصانة.
وَقَوله: ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ أَي: من بَأْس عَدوكُمْ.
وَقَوله: ﴿لتحصنكم﴾ قرئَ بقراءات: بِالْيَاءِ وَالتَّاء وَالنُّون، أما الْيَاء فَمَعْنَاه: ليحصنكم اللبوس، وَقيل: ليحصنكم الله، وَأما التَّاء فَمَعْنَاه: لتحصنكم الصَّنْعَة، وَأما بالنُّون ينْصَرف إِلَى الله.
وَقَوله: ﴿فَهَل أَنْتُم شاكرون﴾ يَعْنِي: يَا دود وَأهل بَيته، هَل أَنْتُم شاكرون؟ .
21:81Page 328
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١
And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولسليمان الرّيح عَاصِفَة﴾ الرّيح الْعَاصِفَة هِيَ الَّتِي يشْتَد هبوبها، فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿رخاء حَيْثُ أصَاب﴾ والرخاء: اللين؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن تشتد اشتدت، وَإِذا أَرَادَ أَن تلين لانت.
وَقَوله: ﴿تجْرِي بأَمْره إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ يسير من الشَّام إِلَى اصطخر تحمله الرّيح غدْوَة، ويسير من اصطخر إِلَى الشَّام تحمله الرّيح عَشِيَّة.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا بِكُل شَيْء عَالمين﴾ يَعْنِي: أَنه مَا غَابَ عَنَّا شَيْء من الْأَشْيَاء.
21:82Page 329
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢
And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الشَّيَاطِين من يغوصون لَهُ﴾ الغوص هُوَ النُّزُول فِي قَعْر الْبَحْر، فَكَانَ الشَّيَاطِين يَفْعَلُونَ ذَلِك لِسُلَيْمَان؛ لاستخراج الدّرّ والجواهر.
وَقَوله: ﴿ويعملون عملا دون ذَلِك﴾ أَي: سوى الغوص، وَهُوَ معنى: ﴿يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل﴾ الْآيَة.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا لَهُم حافظين﴾ .
قَالَ الْفراء والزجاج معنى ذَلِك: أَنا حفظنا الشَّيَاطِين من أَن يفسدوا مَا عمِلُوا. وَفِي الْقِصَّة: أَن سُلَيْمَان كَانَ إِذا بعث شَيْطَانا مَعَ إِنْسَان ليعْمَل لَهُ عملا قَالَ لَهُ: إِذْ فرغ من عمله قبل اللَّيْل، أشغله بِعَمَل آخر؛ لِئَلَّا يفْسد مَا عمل، وَكَانَ من عَادَة الشَّيْطَان أَنه إِذا فرغ من الْعَمَل، وَلم يشغل بِعَمَل آخر يخرب مَا عمل، ويفسده، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا لَهُم حافظين﴾ على مَا ذكرنَا من الْفراء والزجاج، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا.
21:83Page 329
۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣
And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَيوب إِذْ نَادَى ربه﴾ أَي: دَعَا ربه.
وَقَوله: ﴿أَنِّي مسني الضّر﴾ أَي: الْبلَاء والشدة، وَقيل: الْجهد.
وَقَوله: ﴿وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ أَي: أرْحم من يرحم.
وَاعْلَم أَن قصَّة أَيُّوب طَوِيلَة، وَذكر فِي التَّفْسِير مِنْهَا، وَكَذَا نذْكر بَعْضهَا، فَروِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَن الله تَعَالَى أعْطى أَيُّوب مَالا وَولدا، ثمَّ أهلك مَاله وَولده. وَذكر وهب بن مُنَبّه وَغَيره: أَنه كَانَ ذَلِك لتسليط إِبْلِيس على مَاله وَولده، قَالَ الْحسن: فَلَمَّا بلغه هَلَاك مَاله وَولده، حمد الله حمدا كثيرا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّه كَانَ يشغلني مَالِي وَوَلَدي عَن عبادتك، والآن قد فرغ لَك سَمْعِي وبصري وقلبي وليلي ونهاري. قَالَ وهب: ثمَّ ابتلاه الله تَعَالَى فِي جِسْمه، وَكَانَ إِبْلِيس يحسده فِي كَثْرَة عِبَادَته وَكَثْرَة ثَنَاء أهل السَّمَاء عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا رب، لَو ابتليته لقصر فِي عبادتك، فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ: سلطتك على جِسْمه سوى قلبه وَلسَانه وعقله - هَذَا قَول وهب وَغَيره، وَالله أعلم - ثمَّ ظهر الْبلَاء فِي جسم أَيُّوب، وَاشْتَدَّ بِهِ الْبلَاء غَايَة الشدَّة حَتَّى قرح جَمِيع جسده وتدود، واجتنبه جَمِيع قومه، وَأُلْقِي على مزبلة من مزابل بني إِسْرَائِيل، وَلم يقربهُ أحد غير امْرَأَته كَانَت تَتَصَدَّق النَّاس وتطعمه، وَاخْتلفُوا فِي مُدَّة بلائه: فَقَالَ ابْن عَبَّاس: سبع حجج، وَقَالَ وهب: ثَلَاث أَحْوَال.
وَأما قَوْله: ﴿أَنِّي مسني الضّر﴾ فَفِي الْقِصَّة: أَنه لم يدع الله تَعَالَى بكشف الضّر فِي تِلْكَ الْمدَّة الطَّوِيلَة إِلَى أَن بلغ وَقت الْكَشْف ثمَّ دَعَا، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب دُعَائِهِ: قَالَ الْحسن: كَانَ سَبَب ذَلِك أَن جمَاعَة من أصدقائه رَأَوْا بِهِ ذَلِك الْبلَاء الشَّديد فَقَالُوا: لَو كَانَت عبادتك الَّتِي كنت تفعل لله تَعَالَى خَالِصا مَا أَصَابَك هَذَا الْبلَاء. قَالَ حبيب بن أبي ثَابت: لم يدع الله تَعَالَى بالكشف حَتَّى ظَهرت ثَلَاثَة أَشْيَاء أكره مَا يكون: أما الأول: فَقدم عَلَيْهِ صديقان لَهُ من الشَّام حِين بلغهما خَبره، فجاءا إِلَيْهِ، وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا عَيناهُ، ورأيا أمرا عَظِيما، فَقَالَا لَهُ: لَو كَانَ لَك عِنْد الله منزلَة مَا أَصَابَك هَذَا، وَالثَّانِي: أَن الْمَرْأَة طلبت طَعَاما فَلم تَجِد شَيْئا تطعمه، فباعت ذؤابتها، وحملت إِلَيْهِ طَعَاما، وَذكرت لَهُ ذَلِك، وَالثَّالِث: أَن إِبْلِيس اللعين لما رأى صبره جزع جزعا شَدِيدا، فَاتخذ تابوتا وجع فِيهِ أدوية، وَقعد على طَرِيق امْرَأَته يداوي النَّاس، فمرت عَلَيْهِ امْرَأَته، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِك قَالَت: أَيهَا الرجل، إِن عِنْدِي مَرِيضا أفتداويه؟ قَالَ: نعم، وأشفيه، قَالَت: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: لَا أُرِيد شَيْئا إِلَّا أَن يَقُول حِين أشفيه: أَنْت شفيتني، فَذَهَبت وَذكرت ذَلِك لأيوب - عَلَيْهِ السَّلَام - فَقَالَ: هُوَ إِبْلِيس قد خدعك، وَالله لَئِن شفاني الله لأضربنك مائَة جلدَة.
وَرُوِيَ أَن إِبْلِيس جَاءَ إِلَى أَيُّوب ووسوس إِلَيْهِ، أَن امْرَأَته زنت، وَأَنه قطعت ذؤابتها لذَلِك، فَحِينَئِذٍ عيل صبره لهَذِهِ الْأَشْيَاء فَدَعَا وَقَالَ: ﴿أَنِّي مسني الضّر﴾ .
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ أَن الله تَعَالَى سَمَّاهُ صَابِرًا، وَقد ترك الصَّبْر حِين دَعَا؟ قُلْنَا: لَا، لم يتْرك الصَّبْر، فَإِن ترك الصَّبْر بِإِظْهَار الشكوى إِلَى الْخلق، فَأَما بإظهارها إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يكون تركا للصبر.
وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: إِذا أظهر الشكوى إِلَى الْخلق، وَهُوَ رَاض بِقَضَاء الله، فَإِنَّهُ لَا يكون تَارِكًا للصبر أَيْضا.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي " أَن جِبْرِيل دخل عَلَيْهِ فِي مرض الْمَوْت فَقَالَ: كَيفَ تَجِد نَفسك؟ فَقَالَ: يَا جِبْرِيل، أجدني مغموما، أجدني مكروبا ".
﴿فاستجبنا لَهُ فكشفنا مَا بِهِ من ضرّ وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم﴾
وَرُوِيَ أَنه قَالَ لعَائِشَة - صلوَات الله (عَلَيْهِ) -: " بل أَنا وارأساه " الْخَبَر بِطُولِهِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الدودتين كَانَتَا [تقتتلان] على جسده، فَكَانَ يفرق بَينهمَا، وَيَقُول لَهما: كلا من رزق الله.
21:84Page 329
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤
So We responded to him and removed what afflicted him of adversity. And We gave him [back] his family and the like thereof with them as mercy from Us and a reminder for the worshippers [of Allāh].
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاستجبنا لَهُ فكشفنا مَا بِهِ من ضرّ﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى أنبع لَهُ عينا، وَأمره أَن يغْتَسل فِيهَا فاغتسل فِيهَا، وَخرج كأصح مَا يكون.
وَقَوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَالْحسن: رد إِلَيْهِ أَهله وَأَوْلَاده بأعيانهم، وَهَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف، وَظَاهر الْقُرْآن يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ أَيْضا مَرْوِيّ بِرِوَايَة جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي، وَذكر فِي هَذَا الْخَبَر: أَن الله تَعَالَى رد الْمَرْأَة شبابها، فَولدت لَهُ سِتَّة وَعشْرين ولدا بعد ذَلِك، وَفِي هَذَا الْخَبَر أَيْضا: أَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِ ملكا وَقَالَ: إِن رَبك يُقْرِئك السَّلَام بصبرك، فَاخْرُج إِلَى ضيَاع أندرك، فَخرج إِلَيْهِ، فَأرْسل الله عَلَيْهِ جَرَادًا من ذهب، قَالَ: فطارت وَاحِدَة فاتبعها وردهَا إِلَى أندره، فَقَالَ لَهُ الْملك: أما يَكْفِيك مَا فِي أندرك حَتَّى تتبع الْخَارِج؟ فَقَالَ: هَذِه بركَة من بَرَكَات رَبِّي، لَا أشْبع من بركته.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أَخْبرنِي بِهَذَا أَبُو عَليّ بن بنْدَار بِإِسْنَادِهِ عَن إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد، عَن جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس.
وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو، عَن طَاوس: أَن الله تَعَالَى أمطر على أَيُّوب جَرَادًا من ذهب، فَجعل يقبضهُ فِي ثَوْبه وَيجمع ذَلِك، فَقيل لَهُ: أَلا تشبع؟ فَقَالَ: إِنَّه من فضل رَبِّي، وَلَا أشْبع من فَضله. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أَنا بِهَذَا أَبُو عَليّ الشَّافِعِي قَالَ: أَنا ابْن فراس قَالَ: أَنا الديبلي قَالَ: أَنا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي قَالَ: أَنا سُفْيَان، عَن عَمْرو ... الْأَثر.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهله﴾ أَي: ثَوَاب أَهله ﴿وَمثلهمْ مَعَهم﴾ أَي: مثل ذَلِك كَأَنَّهُ ضوعف لَهُ الثَّوَاب، وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: " خير أَيُّوب بَين أَن يرد عَلَيْهِ أَهله بأعيانهم، وَبَين أَن يعْطى مثل أَهله وَأَوْلَاده، فَاخْتَارَ أَن يردوا بأعيانهم وَمثلهمْ مَعَهم فَأعْطِي ذَلِك.
وَقَوله: ﴿رَحْمَة من عندنَا﴾ أَي: نعْمَة من عندنَا.
وَقَوله: ﴿وذكرى للعابدين﴾ أَي: وعظا واعتبارا للعابدين.
21:85Page 329
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥
And [mention] Ishmael and Idrees and Dhul-Kifl; all were of the patient.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس وَذَا الكفل﴾ أما إِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس فقد ذَكرْنَاهُ، وَأما ذُو الكفل قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل نَبِي، وَكَانَ مَعَ ذَلِك ملكا، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة جمع بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: من يكفل لي أَن يقوم اللَّيْل لَا يفتر، وَأَن يَصُوم النَّهَار وَلَا يفْطر، وَأَن يقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يغْضب؟ فَقَامَ شَاب وَقَالَ: أَنا أكفل ذَلِك، فَجعله خَلِيفَته، وَقبض ذَلِك النَّبِي، وَقَامَ بِمَا كفل بِهِ فَسُمي ذَا الكفل. قَالَ ابْن عَبَّاس فِيمَا رُوِيَ عَنهُ فِي هَذِه الْقِصَّة: إِن إِبْلِيس اللعين لما رأى ذَلِك حسده، فجَاء فِي هَيْئَة شيخ ضَعِيف نصف النَّهَار، وَكَانَ ذُو الكفل يقيل سَاعَة فِي نَهَاره، فَدخل عَلَيْهِ وَقَالَ: إِن لي غريما، وَهُوَ يمطلني فَأحب أَن تقوم معي، وتستوفي حَقي مِنْهُ، وَذكر كلَاما كثيرا، فَقَامَ وَخرج مَعَه، فَلَمَّا خرج مَعَه سَاعَة اعتذر إِلَيْهِ وَقَالَ: إِن صَاحِبي قد هرب، فَرجع ذُو الكفل، وَقد ذهب وَقت القائلة، فَفعل هَكَذَا ثَلَاثَة أَيَّام، وَلم يره يغْضب فِي شَيْء من ذَلِك، وَقد ذهب نَومه فِي الْأَيَّام الثَّلَاث، فَقَالَ إِبْلِيس لَهُ عِنْد ذَلِك: أَنا إِبْلِيس، وَقد حسدتك وَلم أقدر عَلَيْك، وَقد وفيت بِمَا قلت. هَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن ذَا الكفل رجل كفل أَن يُصَلِّي كل لَيْلَة مائَة رَكْعَة إِلَى أَن يقبضهُ الله، فوفي بذلك فَسُمي ذَا الكفل، وَاخْتلف القَوْل أَنه كَانَ نَبيا أَو لم يكن نَبيا، قَالَ بَعضهم: كَانَ نَبيا، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ عبدا صَالحا، وَلم يكن نَبيا.
وَقَوله: ﴿كل من الصابرين﴾ أَي: على طاعتنا.
21:86Page 329
وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦
And We admitted them into Our mercy. Indeed, they were of the righteous.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا﴾ . قَالَ بعض أهل الْمعَانِي: إِن قَوْله: ﴿وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا﴾ أبلغ من قَوْله: ورحمناهم؛ لِأَن قَوْله: ﴿وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا﴾ يَقْتَضِي أَنهم غمروا بِالرَّحْمَةِ، وَقَوله: ورحمناهم يَقْتَضِي أَنه أَصَابَهُم رَحمته.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم من الصَّالِحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَالصَّلَاح اسْم يجمع جَمِيع خِصَال الْخَيْر.
21:87Page 329
وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧
And [mention] the man of the fish [i.e., Jonah], when he went off in anger1 and thought that We would not decree [anything] upon him.2 And he called out within the darknesses,3 "There is no deity except You; exalted are You. Indeed, I have been of the wrongdoers."
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّون إِذْ ذهب مغاضبا﴾ النُّون: السَّمَكَة. قَالَ الشَّاعِر:
(يَا حبذا الْقصر نعم الْقصر والوادي ... وحبذا أَهله من حَاضر بَادِي)
(ترقى قراقيره والوحش راتعة ... والضب وَالنُّون والملاح وَالْحَادِي)
وَقَوله: ﴿إِذْ ذهب مغاضبا﴾ . قَالَ الشّعبِيّ، وَعُرْوَة بن الزبير، وَسَعِيد بن جُبَير: أَي: مغاضبا لرَبه، وَأما ابْن عَبَّاس قَالَ: أَرَادَ بِهِ مغاضبا لِقَوْمِهِ، وَالْقَوْل الثَّالِث: مغاضبا للْملك الَّذِي كَانَ فِي زَمَانه.
وَأما القَوْل الأول فقد كرهه كثير من الْعلمَاء؛ لِأَن من غضب ربه فقد ارْتكب كَبِيرَة عَظِيمَة، وَذكر بَعضهم: أَن معنى غاضب ربه أَي: أَمر ربه، وَسبب ذَلِك أَنه وعد قومه أَن الْعَذَاب يأتيكم يَوْم كَذَا، وَخرج من بَينهم، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم، وَرَأى قوم يُونُس الْعَذَاب، خَرجُوا وضجوا إِلَى الله تَعَالَى على مَا ذكرنَا فِي سُورَة يُونُس، فَرد الله عَنْهُم الْعَذَاب، فَلَمَّا بلغ يُونُس أَن الْعَذَاب لم ينزل على قومه غضب، فَمَا كَانَ غَضَبه، لَا كَرَاهَة بِحكم الله، وَلَكِن كَرَاهَة أَن يُسمى كذابا، فَهَذَا معنى هَذَا القَوْل.
﴿مغاضبا فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾
وَأما قَول ابْن عَبَّاس وَهُوَ الْمُخْتَار فَإِنَّهُ خرج مغاضبا لِقَوْمِهِ حِين لم يُؤمنُوا، وَهُوَ حسن صَحِيح لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ.
وَأما قَول من قَالَ: إِنَّه غاضب الْملك، فروى عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل ملك، وَكَانَ مَعَ ذَلِك نَبيا يُوحى إِلَيْهِ، وَكَانَ قد غزا بني إِسْرَائِيل قوم، فَدَعَا الْملك يُونُس، وأرسله إِلَى أُولَئِكَ الْقَوْم، فَقَالَ يُونُس: أَمرك الله بِهَذَا أَو سماني لَك؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن أرسلك، فَغَضب وَخرج من بَينهم مُتَوَجها إِلَى الْبَحْر.
وَقَوله: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ "، وَهُوَ شَاذ، وَقَرَأَ ابْن عَامر: " فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ ". وَاعْلَم أَن فِي الْآيَة سؤالا مَعْرُوفا يعد من مشكلات الْقُرْآن، وَهُوَ أَنه قَالَ: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ فَكيف يظنّ هَذَا بِاللَّه، وَمن ظن هَذَا بِاللَّه فقد كفر؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن لِلْآيَةِ وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي: لن نقدر عَلَيْهِ بِمَعْنى الحكم وَالْقَضَاء، يُقَال: قدر وَقدر بِمَعْنى وَاحِد، إِلَّا أَنه يُقَال: قدَر يقدِر، وقدَّر يقدِّر، قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَيْسَ عشيات اللوى برواجع ... لنا أبدا مَا أبرم السّلم النَّضر)
(وَلَا عَائِدًا ذَاك الزَّمَان الَّذِي مضى ... تَبَارَكت مَا تقدر يَقع وَلَك الشُّكْر)
يَعْنِي: يقدره.
وَمن هَذَا قَوْله: " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ " أَي: قدرُوا لَهُ، وَهُوَ خبر صَحِيح.
وَالْوَجْه الثَّانِي من الْجَواب: وَهُوَ [أَن] معنى قَوْله: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي: لن نضيق عَلَيْهِ، وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه﴾ أَي: ضيق، وَاعْلَم أَن معنى التَّضْيِيق وَالتَّقْدِير عَلَيْهِ هُوَ الْحَبْس فِي بطن الْحُوت.
قَالَ أهل الْعلم: وَلم يكن يُونُس من أولي الْعَزْم من الرُّسُل، وَكَانَ ضيق الصَّدْر، فَلَمَّا وضع عَلَيْهِ أعباء النُّبُوَّة تفسخ تحتهَا كَمَا يتفسخ الرّبع، وَهَذَا القَوْل مأثور عَن السّلف.
وَقَوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَات﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه لما ذهب ركب السَّفِينَة، وَفِي السَّفِينَة قوم كثير، فجَاء حوت وَحبس السَّفِينَة، وخشي الْقَوْم على أنفسهم الْهَلَاك، وتنبه يُونُس أَنه هُوَ المُرَاد فَقَالَ: ألقوني تنجوا، فامتنعوا عَن ذَلِك، ثمَّ إِنَّهُم استهموا فَخرج السهْم عَلَيْهِ مَرَّات، فألقوه فالتقمه الْحُوت، وَمَرَّتْ السَّفِينَة، قَالَ سَالم بن أبي الْجَعْد: والتقم الْحُوت حوت آخر.
وَأما قَوْله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَات﴾ أَي: ظلمَة اللَّيْل، وظلمة الْبَحْر، وظلمة بطن الْحُوت، وَفِي الْقِصَّة: أَن الْحُوت مر بِهِ إِلَى الأَرْض السَّابِعَة، وَسمع من تَسْبِيح الْأَرْضين والأحجار ودواب الْبحار أمرا عَظِيما، فَنَادَى فِي الظُّلُمَات: ﴿أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مكث فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعَن غَيره: ثَلَاثَة أَيَّام، وَرُوِيَ أَنه لما دَعَا بِهَذِهِ الدعْوَة سَمِعت الْمَلَائِكَة صَوته، فَقَالُوا: يَا رب صَوت مَعْرُوف من مَكَان مَجْهُول، فَقَالَ الله تَعَالَى: هُوَ عَبدِي يُونُس جعلت بطن الْحُوت سجنا لَهُ فدعوا.
21:88Page 329
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
So We responded to him and saved him from the distress. And thus do We save the believers.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ يَعْنِي: أجبناه.
وَقَوله: ﴿ونجيناه من الْغم﴾ أَي: من غم الْبَحْر وضيق الْمَكَان.
وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ﴾ وقرىء: نجى الْمُؤمنِينَ "، وَالْأولَى أَن يقْرَأ بنونين، قَالَ الزّجاج: بنُون وَاحِد لحن، وَهُوَ من [الْخَطَأ] روى عَاصِم عَنهُ.
وَرُوِيَ عَن [سعد بن أبي] وَقاص - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: سَمِعت النَّبِي يَقُول: " كلمة أعرفهَا لَا يَقُولهَا أحد فِي كرب إِلَّا فرج عَنهُ، وَهِي كلمة أخي يُونُس: لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين ". وَفِي الْقِصَّة: أَن الْحُوت أَلْقَاهُ فِي سَاحل الْبَحْر: وَأنْبت الله لَهُ شَجَرَة من يَقْطِين، وقصة ذَلِك تَأتي من بعد فِي سُورَة: " وَالصَّافَّات "، فَإِن قيل: قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ﴾ هُوَ مَكْتُوب فِي الْمُصحف بنُون وَاحِدَة فَكيف جعلتم أصح الْقِرَاءَتَيْن بنونين؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه إِنَّمَا كتب بنُون وَاحِد؛ لِأَن النُّون الأولى متحركة، وَالنُّون الثَّانِيَة سَاكِنة، فخفيت الساكنة فِي جنب المتحركة، فحذفت، وَقد ذكر الْفراء وَجها لقِرَاءَة عَاصِم، وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ: نجى النَّجَاء الْمُؤمنِينَ فخفض الْمُؤمنِينَ على إِضْمَار الْمصدر.
21:89Page 329
وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩
And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وزَكَرِيا إِذْ نَادَى ربه﴾ أَي: دَعَا ربه.
وَقَوله: ﴿رب لَا تذرني فَردا﴾ أَي: وحيدا، وَمَعْنَاهُ: هُوَ مَا ذكرنَا من دُعَاء الْوَلَد.
وَقَوله: ﴿وَأَنت خير الْوَارِثين﴾ .
21:90Page 329
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠
So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أَي: فأجبناه.
وَأما قَوْله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ سمي يحيى، لِأَن رَحمهَا حَيّ بِالْوَلَدِ.
وَقَوله: ﴿وأصلحنا لَهُ زوجه﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا - وَهُوَ الْمَعْرُوف - أَنه كَانَ عقيما فَجعله ولودا، وَالْآخر: مَا رُوِيَ عَن عَطاء أَنه قَالَ: معنى الْإِصْلَاح أَنه كَانَ فِي لِسَان امْرَأَته طول، وَفِي خلقهَا سوء فأصلحها.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات﴾ ينْصَرف إِلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء الَّذين ذكرهم.
وَقَوله: ﴿يُسَارِعُونَ﴾ أَي: يبادرون.
وَقَوله: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ أَي: رغبا فِي الطَّاعَات، ورهبا من الْمعاصِي، (وَقيل: رغبا فِي الْجنَّة، ورهبا من النَّار) . وَقَالَ خصيف: رغبا ببطون الأكف، ورهبا بظهورها.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا لنا خاشعين﴾ أَي: متواضعين، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: هُوَ أَن يضع يَمِينه على شِمَاله فِي الصَّلَاة، يومىء ببصره إِلَى مَوضِع السُّجُود، وَقَالَ مُجَاهِد: الْخُشُوع هُوَ الْخَوْف اللَّازِم فِي الْقلب، وَعَن الْحسن قَالَ: ذللا لأمر الله تَعَالَى.
21:91Page 330
وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١
And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.
﴿وَالَّتِي أحصنت﴾ أَي: عفت ﴿فرجهَا﴾ ، وَقيل: منعت من الْحَرَام.
وَقَوله: ﴿فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن هَذَا جيب الدرْع على مَا بَينا، وَفِيه قَول آخر: أَنه نفخ رَحمهَا، وَخلق الله الْمَسِيح فِي بَطنهَا، وَذكر رُوحنَا تَخْصِيصًا وكرامة للمسيح عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا وَابْنهَا آيَة للْعَالمين﴾ .
أَي: دلَالَة للْعَالمين، فَإِن قيل: هما كَانَا آيَتَيْنِ، فَهَلا قَالَ آيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب: إِنَّمَا قَالَ: آيَة؛ لِأَن الْآيَة فيهمَا كَانَت وَاحِدَة، وَهِي أَنَّهَا أَتَت بِهِ من غير فَحل، قَالَ أهل الْعلم: وفيهَا آيَات: أَحدهَا: (أَنه لم (تعتن) قبلهَا أُنْثَى للتحرز) ، وَالْآخر: إتيانها بِعِيسَى من غير أَب، وَالثَّالِث: مجيىء رزقها من عِنْد الله من غير سَبَب من مَخْلُوق، وَيُقَال: إِنَّهَا لم تقبل ثدي أحد سوى أمهَا.
21:92Page 330
إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢
Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة﴾ أَي: ملتكم ودينكم مِلَّة وَاحِدَة، وَالْأمة فِي أصل اللُّغَة: اسْم للْجَمَاعَة، وسمى الدّين أمة؛ لِأَنَّهُ يبْعَث على الِاجْتِمَاع.
وَقَوله: ﴿وَأَنا ربكُم فاعبدون﴾ أَي: وحدوني، وَحَقِيقَة معنى الْآيَة: أَن الْملَّة الَّتِي دعوتكم إِلَيْهَا هِيَ مِلَّة الْأَنْبِيَاء قبلكُمْ، إِذْ دين الْكل وَاحِد، وَهَذَا فِي التَّوْحِيد، فَأَما الشَّرَائِع يجوز اختلافها، وَيُقَال: معنى الْآيَة: أَنكُمْ خلق وَاحِد وَكُونُوا على دين وَاحِد.
21:93Page 330
وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣
And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ أَي: دَعَوْت الْخلق إِلَى دين وَاحِد فَتَفَرَّقُوا، وَيُقَال: صَارُوا قطعا مُتَفَرّقين.
وَقَوله: ﴿كل إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ أَي: من تفرق، وَمن لم يتفرق.
21:94Page 330
فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤
So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا كفران لسعيه﴾ أَي: لَا جحود لسعيه، وَقيل: لَا يخيب سَعْيه بل يجازى عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كاتبون﴾ أَي: حافظون، وَيُقَال: إِن معنى الشُّكْر من الله هُوَ المجازاة.
21:95Page 330
وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥
And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحرَام على قَرْيَة﴾ وقرىء: " وَحرم " قَالَ ابْن عَبَّاس معنى قَوْله ﴿حرَام﴾ أَي: وَاجِب، قَالَ الشَّاعِر:
(وَإِن حَرَامًا لَا أرى الدَّهْر باكيا ... على (شجوة) إِلَّا بَكَيْت على (عَمْرو))
أَي: وَاجِبا، فَمَعْنَى الْآيَة على هَذَا: أَنه وَاجِب على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ إِلَى الدُّنْيَا، فَإِن قيل: كَيفَ يُوجب عَلَيْهِم أَن لَا يرجِعوا وَلَيْسوا بِمحل الْإِيجَاب وَلَا الْإِبَاحَة [وَلَا] غَيره؟ .
وَالْجَوَاب: أَن هَذَا على توسع الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: أَنا نمنعهم من الرُّجُوع، وَالتَّحْرِيم فِي اللُّغَة هُوَ الْمَنْع.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن " لَا " صلَة، قَالَه أَبُو عبيد، فَمَعْنَاه: حرَام على قَرْيَة أهلكناها أَي: يرجعُونَ، وَقَالَ الزّجاج: قَوْله: ﴿وَحرَام على قَرْيَة﴾ مَعْنَاهُ: وَحرَام على أهل قَرْيَة ﴿أهلكناها﴾ ، أَي: حكمنَا بهلاكها أَن يتَقَبَّل أَعْمَالهم؛ ل ﴿أَنهم لَا يرجعُونَ﴾ أَي: لَا يتولون، قَالَ وَالدَّلِيل على هَذَا الْمَعْنى أَنه قد قَالَ فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا: ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا كفران لسعيه﴾ أَي: يتَقَبَّل عمله، ثمَّ ذكر عقبه هَذِه الْآيَة، وَبَين أَن الْكَافِر لَا يتَقَبَّل عمله.
21:96Page 330
حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦
Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا فتحت﴾ قرىء بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، وَمعنى التَّشْدِيد على الْجمع، وَمعنى التَّخْفِيف على الوحدان.
وَقَوله: ﴿يَأْجُوج وَمَأْجُوج﴾ قد بَينا، وَالْفَتْح للسد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ، وَيُقَال: إِن الْخلق عشرَة أَجزَاء، تِسْعَة أَجزَاء كلهم يَأْجُوج وَمَأْجُوج، وجزء وَاحِد هم سَائِر الْخلق، وَيُقَال: إِن جُزْءا من ألف جُزْء سَائِر الْخلق، وَالْبَاقِي هم يَأْجُوج وَمَأْجُوج.
قَوْله: ﴿وهم من كل حدب يَنْسلونَ﴾ الحدب: الْمَكَان الْمُرْتَفع، فَمَعْنَاه: يسرعون النُّزُول من الآكام، وَهُوَ مَكَان مُرْتَفع من القلاع، ونسلان الذِّئْب: سرعَة مَشْيه، قَالَ الشَّاعِر:
(نسلان الذَّنب أَمْسَى باديا ... برد اللَّيْل عَلَيْهِ فينسل)
وَقيل: من كل حدب أَي: من كل جَانب، فَإِن قيل: مَا معنى ﴿حَتَّى﴾ فِي أول الْآيَة؟ وَأَيْنَ جَوَابه:؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا فتحت يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ اقْترب الْوَعْد الْحق، وَالْوَاو مقحمة، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: (فَلَمَّا أجزنا ساحة الْحَيّ وانتحى ... بِنَا بطن خبت ذِي حقاف عقنقل)
وَالْوَاو فِي قَوْله: وانتحى مقحمة.
وَالثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا فتحت يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ﴾ قَالُوا ﴿يَا ويلنا﴾ وَيُقَال: ظهر لَهُم صدق مَا قُلْنَاهُ، وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود: " أَن النَّبِي لَيْلَة أسرِي بِهِ اجْتمع مَعَ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى - صلوَات الله عَلَيْهِم - فَذكرُوا أَمر السَّاعَة، فبدءوا بإبراهيم وسألوه عَنْهَا، فَقَالَ: لَا علم لي بهَا، ثمَّ ذكرُوا لمُوسَى فَقَالَ: لَا علم لي بهَا، ثمَّ ذكرُوا لعيسى فَقَالَ عِيسَى: إِن الله تَعَالَى عهد إِلَيّ أَنَّهَا دون وحيها وَلَا يعلم وحيها، إِلَّا الله، ثمَّ قَالَ عِيسَى: إِن الله يهبطني إِلَى الأَرْض فأقتل الدَّجَّال ".
ورد الْخَبَر " أَن يَأْجُوج وَمَأْجُوج قد خَرجُوا فيغلبون على الأَرْض، ثمَّ إِن الْمُسلمين يجأرون إِلَى الله، فَيُرْسل الله النغف فِي رقابهم فيهلكون، وَقد تنتن الأَرْض؛ فَيُرْسل الله طيرا كأعناق البخت، فتأخذهم وتلقيهم فِي الْبَحْر ".
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: إِن النَّاس يحجون ويعتمرون بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهلاكهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences