As-Sam'aniAn‑Nur · 24:35–54

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:35–54

24:35Page 354

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هادي أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض، (وَعنهُ أَنه قَالَ: ضِيَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض) وَعَن قَتَادَة وَغَيره: منور السَّمَوَات وَالْأَرْض. فليقال: نور السَّمَوَات بِالْمَلَائِكَةِ، وَالْأَرْض بالأنبياء. وَيُقَال: نور السَّمَوَات بالنجوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر، وَنور الأَرْض بالنبات والزهر.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿مثل نوره﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب: " مثل نور الْمُؤمن "، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ: " مثل نوره فِي قلب الْمُؤمن " (وَمن الْمَعْرُوف ﴿مثل نوره﴾ وَفِيه أَقْوَال: ﴿السَّمَوَات وَالْأَرْض مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري﴾ أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ: مثل نور الله فِي قلب الْمُؤمن) وَهُوَ النُّور الَّذِي يهتدى بِهِ، وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُوَ على نور من ربه﴾ ، وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿مثل نوره﴾ أَي: نور قلب الْمُؤمن بِالْإِيمَان، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه نور مُحَمَّد، وَمِنْهُم من أول على الْقُرْآن.

وَقَوله: ﴿كمشكاة﴾ الْمشكاة هِيَ الكوة الَّتِي لَيْسَ لَهُ منفذ، وَمِنْهُم من قَالَ: الْمشكاة هِيَ الحديدة الَّتِي يعلق بهَا الْقنْدِيل، وَهِي السلسلة، وَقيل: الْموضع الَّذِي تُوضَع فِيهِ الفتيلة، وَهُوَ كالأنبوب. وَالْأول أظهر الْأَقَاوِيل وَأولى، وَمعنى الْمشكاة هَاهُنَا: الصَّدْر، قَالَه أبي بن كَعْب. وَقَوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاح﴾ أَي: شعلة نَار.

وَقَوله: ﴿الْمِصْبَاح فِي زجاجة﴾ الزجاجة شَيْء مَعْلُوم، وَهُوَ جَوْهَر لَهُ ضِيَاء، فَإِن قيل: لم خص الزجاجة بِالذكر؟ قُلْنَا: قَالَ أبي بن كَعْب: الْمشكاة الصَّدْر، والزجاجة الْقلب، والمصباح الْإِيمَان، فَإِنَّمَا ذكر الزجاجة؛ لِأَن الْمِصْبَاح فِيهَا أضواء، وَقَالَ بَعضهم: ذكر الزجاجة؛ لِأَنَّهَا إِذا انْكَسَرت لَا ينْتَفع مِنْهَا بِشَيْء، كَذَلِك الْقلب إِذا فسد لَا ينْتَفع مِنْهُ بِشَيْء.

وَقَوله: ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري﴾ شبه الزجاجة بالكوكب، قَالَ بَعضهم: هَذَا الْكَوْكَب هُوَ الزهرة فَإِنَّهَا أضوء كَوْكَب فِي السَّمَاء، وَقَالَ بَعضهم: الْكَوَاكِب الْخَمْسَة زحل ومشتري والمريخ وَعُطَارِد وزهرة، فَإِن قيل: لم لم يشبه بالشمس وَالْقَمَر؟ قُلْنَا: لِأَن الشَّمْس وَالْقَمَر يلحقهما الْكُسُوف، والنجوم لَا يلْحقهَا الْكُسُوف، وَأما قَوْله: ﴿كَوْكَب دري﴾ مَنْسُوب إِلَى الدّرّ، وَنسبه إِلَى الدّرّ لصفائه ولونه، وقرىء: " درىء " بِكَسْر الدَّال والهمز وَالْمدّ، وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه مَأْخُوذ من الدراء، ﴿يُوقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية﴾ والدراء هُوَ الدّفع، والكوكب يدْفع الشَّيَاطِين عَن السَّمَاء، فَإِن قيل: لم شبه بِهِ فِي حَالَة الدّفع؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالة يكون أصفى، وَالْقَوْل الثَّانِي: " درىء ". أَي طالع، يُقَال: دَرأ علينا فلَان أَي: طلع وَظهر، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وَهَذَا قَول حسن، وقرىء: " درىء " بِرَفْع الدَّال مهموزا، قَرَأَهُ حَمْزَة وَأَبُو بكر، وَأهل النَّحْو يخطؤنه فِي هَذِه الْقِرَاءَة، وَقَالُوا: لَا يُوجد فعيل فِي اللُّغَة، والشاذ: " دري " بِفَتْح الدَّال.

وَقَوله: ﴿يُوقد﴾ أَي: الزجاجة، وَمَعْنَاهُ: نَار الزجاجة، فَحذف النَّار، وقرىء: " يُوقد " بِالْيَاءِ أَي: الْمِصْبَاح، وقرىء: " توقد " أَي: تتوقد، وَفِي الشاذ: " يُوقد " أَي: يُوقد الله تَعَالَى.

وَقَوله: ﴿من شَجَرَة مباركة﴾ أَي: من زَيْت شَجَرَة مباركة، والشجرة الْمُبَارَكَة هَاهُنَا هِيَ الزَّيْتُون، وفيهَا من الْخَيْر مَا لَيْسَ فِي سَائِر الْأَشْجَار، فَإِنَّهُ دهن وإدام وَفَاكِهَة تُؤْكَل ويستصبح بِهِ، وبفضله يغسل بِهِ الثِّيَاب وَهِي شَجَرَة تورق من رَأسهَا إِلَى أَسْفَلهَا، واستخراج الدّهن مِنْهُ لَا يحْتَاج إِلَى عصار كَغَيْرِهِ، بل يَسْتَخْرِجهُ من شَاءَ من غير عسر، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " ائتدموا بالزيت، وادهنوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ من شَجَرَة مباركة " رَوَاهُ معمر، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه، عَن عمر الْخَبَر.

وَقَوله: ﴿لَا شرقية وَلَا غربية﴾ قَالَ الْحسن: لَيْسَ هَذَا من أَشجَار الدُّنْيَا، وَلَو كَانَت من أَشجَار الدُّنْيَا لكَانَتْ شرقية أَو عَرَبِيَّة، وَقَالَ غَيره: بل هُوَ وصف الزَّيْتُون - وَهُوَ الْأَصَح - وَفِيه أَقْوَال: أَحدهَا أَن مَعْنَاهُ: لَا شرقية أَي: لَيست مِمَّا تشرق عَلَيْهَا الشَّمْس، وَلَا تغرب عَلَيْهَا الشَّمْس، فَتكون لَا شرقية وَلَا غربية.

وَقَوله: ﴿وَلَا غربية﴾ أَي: لَيست مِمَّا تغرب عَلَيْهَا الشَّمْس وَلَا تشرق عَلَيْهَا الشَّمْس، فَتكون لَا غربية وَلَا شرقية فَمَعْنَى الْآيَة. أَنَّهَا لَيست بخالصة للشرق، وَلَا خَالِصَة للغرب، بل هِيَ شرقية غربية، يَعْنِي: بَين الشرق والغرب، لَا خَالِصا للشرق، وَلَا خَالِصا للغرب، وَالشَّمْس مشرقة عَلَيْهَا فِي جَمِيع أَوْقَاتهَا، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيكون زيتها أَضْوَأ قَالُوا: وَهَذَا كَمَا يُقَال: فلَان لَيْسَ بأسود وَلَا أَبيض أَي لَيْسَ بأسود خَالص وَلَا أَبيض خَالص أَي: قد اجْتمع فِيهِ الْبيَاض والسواد، وَيُقَال: هَذَا الرُّمَّان لَيْسَ بحلو وَلَا حامض أَي: اجْتمع فِيهِ الْحَلَاوَة والحموضة وَلم يخلص لوَاحِد مِنْهُمَا، وَهَذَا قَول الْفراء والزجاج وَأكْثر أهل الْمعَانِي، وَزعم ابْن قُتَيْبَة أَن معنى قَوْله: ﴿لَا شرقية وَلَا غربية﴾ أَي: لَيست فِي مضحاة، وَلَا فِي مقتاة، وَمَعْنَاهُ: لَيست فِي مضحاة فَتكون الشَّمْس عَلَيْهَا أبدا، وَلَا فِي الظل فَتكون فِي الظل أبدا، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا شَجَرَة بَين الْأَشْجَار لَا هِيَ بارزة للشمس عِنْد شروقها، وَلَا هِيَ بارزة عِنْد غُرُوبهَا.

وَقَوله: ﴿يكَاد زيتها يضيء﴾ أَي: من صفائه ولونه.

وَقَوله: ﴿وَلَو لم تمسسه نَار﴾ أَي: وَإِن لم تمسسه نَار.

وَقَوله: ﴿نور على نور﴾ أَي: نور الْمِصْبَاح على نور الزجاجة.

وَقَوله: ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ أَي: نور البصيرة والعقيدة.

وَقَوله: ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس﴾ أَي: يبين الله الْأَمْثَال للنَّاس.

وَقَوله: ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ مَعْلُوم.

وَاعْلَم أَنه اخْتلف القَوْل فِي معنى التَّمْثِيل: مِنْهُم من قَالَ: التَّمْثِيل وَقع للنور الَّذِي فِي قلب الْمُؤمن، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّمْثِيل وَقع لنُور مُحَمَّد، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّمْثِيل وَقع لنُور الْقُرْآن، وَأما إِذا قُلْنَا: إِن التَّمْثِيل وَقع للنور الَّذِي فِي قلب الْمُؤمن فَهُوَ ظَاهر الْمَعْنى كَمَا بَينا.

وَقَوله: ﴿يكَاد زيتها يضيء﴾ أَي: يكَاد قلب الْمُؤمن يعرف الْحق قبل أَن يبين لَهُ لموافقته إِيَّاه.

وَقَوله: ﴿نور على نور﴾ أَي: نور الْعَمَل على نور الِاعْتِقَاد، وَعَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ: الْمُؤمن بَين خَمْسَة أنوار، وَقَوله نور، وَعَمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إِلَى النُّور. وَعَن غَيره أَنه قَالَ: الْمُؤمن بَين أَرْبَعَة أَحْوَال: إِن أعطي شكر، وَإِن ابْتُلِيَ صَبر، وَإِن قَالَ صدق، وَإِن حكم عدل. وَإِذا قُلْنَا: التَّمْثِيل وَقع لنُور مُحَمَّد، فالمشكاة صَدره، والزجاجة قلبه، والمصباح هُوَ نورة النُّبُوَّة.

وَقَوله: ﴿توقد من شَجَرَة مباركة﴾ الشَّجَرَة الْمُبَارَكَة هُوَ إِبْرَاهِيم - صلوَات الله عَلَيْهِ - وَذكر زيتونة، لِأَنَّهَا أبرك الْأَشْجَار على مَا بَينا؛ وَلِأَن إِبْرَاهِيم نزل الشَّام، وَفِي زيتون الشَّام من الْبركَة مَا لَيْسَ لغيره من الْبِلَاد.

وَقَوله: ﴿لَا شرقية وَلَا غربية﴾ مَعْنَاهُ: أَن إِبْرَاهِيم لم يكن يُصَلِّي إِلَى الْمشرق وَلَا إِلَى الْمغرب، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا﴾ وَالْيَهُود يصلونَ إِلَى الْمغرب، وَالنَّصَارَى إِلَى الْمشرق. وَقَوله: ﴿يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار﴾ مَعْنَاهُ: لَو لم يكن إِبْرَاهِيم نَبيا لألحقه الله بِالْعَمَلِ الصَّالح بالأنبياء فِي درجاتهم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أَن مُحَمَّدًا لَو لم تأته معْجزَة لدلت أَحْوَاله على صدقه وعَلى نبوته. وَقَوله: ﴿نور على نور﴾ أَي: نور مُحَمَّد على نور إِبْرَاهِيم، وَقَوله: {يهدي الله لنوره من يَشَاء) يَعْنِي: يهدي الله للْإيمَان بِمُحَمد من يَشَاء، وَهَذَا كُله معنى مَا رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي الْآيَة كَلَام كثير ذكره أَصْحَاب الخواطر لَا يشْتَغل بِهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ هما المعروفان.

24:36Page 354

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1

قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع﴾ مَعْنَاهُ: توقد فِي بيُوت، وَيُقَال: المصابيح فِي بيُوت، والبيوت هَاهُنَا هِيَ الْمَسَاجِد. وَقَوله: ﴿أذن الله أَن ترفع﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ مُجَاهِد: تبنى، وَقَالَ الْحسن: تعظم. يَعْنِي: أَنه لَا يذكر فِيهَا الْخَنَا من القَوْل، وَعَن بَعضهم: تطهر.

وَقَوله: ﴿وَيذكر فِيهَا اسْمه﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله: ﴿يسبح﴾ وقرىء: " يسبح " بِكَسْر الْبَاء، فَقَوله بِكَسْر الْبَاء أَي: يسبح رجال، وَقَوله: " يسبح " على مَال لم يسم فَاعله، وَمعنى يسبح: يُصَلِّي.

وَقَوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ أَي: بالبكر والعشايا. قَالَ الشَّاعِر:

(وقفت فِيهَا أصيلا لَا أسائلها ... أعيت جَوَابا وَمَا بِالربعِ من أحد)

وَإِنَّمَا خص البكرة وَالْعصر؛ لِأَن صَلَاة الْغَدَاة وَصَلَاة الْعَصْر أول مَا فرض على الْمُسلمين، وَعَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه قَالَ: صَلَاة الضُّحَى فِي الْقُرْآن وَلَا يغوص عَلَيْهَا الأغواص، ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ( ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ وَزعم أَن المُرَاد بالتسبيح بِالْغُدُوِّ وَهُوَ صَلَاة الضُّحَى، وَالْمَعْرُوف مَا بَينا، وَهُوَ أَن المُرَاد مِنْهُ صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر) .

24:37Page 355

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧

[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -

قَوْله تَعَالَى: ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ وَعَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ: يضع الله يَوْم الْقِيَامَة مَنَابِر من نور، وَيَقُول: أَيْن الَّذين لم تلههم تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله؟ فَيقومُونَ فيجلسهم عَلَيْهَا.

وَقَالَ الْفراء: التِّجَارَة مَا بيع من الجلب، وَالْبيع مَا بِعْت على يدك.

وَقَوله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ فَإِن قيل: إِذا حملتم ذكر الله على الصَّلَوَات الْخمس فَمَا معنى قَوْله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ حفظ الْمَوَاقِيت، وَمن لم يحفظ الْمَوَاقِيت فَلم يقم الصَّلَاة. وَقَوله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ أَي: وَإِقَامَة الصَّلَاة، فحذفت الْهَاء بِحكم الْإِضَافَة. قَالَ الشَّاعِر:

(إِن الخليط أجدوا الْبَين فانجردوا ... وأخلفوك عدي الْأَمر الَّذِي وعدوا)

أَي: عدَّة الْأُمُور.

وَقَوله: ﴿وإيتاء الزَّكَاة﴾ مِنْهُم من قَالَ: هِيَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَمِنْهُم من قَالَ: الْأَعْمَال الصَّالِحَة.

وَقَوله: ﴿يخَافُونَ يَوْمًا تتقلب فِيهِ الْقُلُوب والأبصار﴾ أَي: تتقلب الْقُلُوب عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا من الشَّك وَالْكفْر، وتنفتح فِيهِ الْأَبْصَار من الأغطية، وَيُقَال: يتقلب الْقلب [بَين الْخَوْف] والرجاء، فَإِنَّهُ يخَاف الْهَلَاك، ويطمع النجَاة، وَأما تقلب الْبَصَر حَتَّى من أَيْن يُؤْتى كِتَابه؛ من شِمَاله أَو من يَمِينه، وَقَالَ: تتقلب الْقُلُوب فِي الْجوف، وترتفع إِلَى الحنجرة فَلَا تَزُول وَلَا تخرج، وَأما تقلب الْبَصَر شخوصه من هول الْأَمر وشدته.

24:38Page 355

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨

That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].

وَقَوله: ﴿لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا عمِلُوا﴾ يَعْنِي: لِيَجْزِيَهُم بِمَا عمِلُوا من الْأَعْمَال الْحَسَنَة.

وَقَوله: ﴿ويزيدهم من فَضله﴾ أَي: زِيَادَة على مَا يسْتَحقُّونَ.

وَقَوله: ﴿وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ قد بَينا.

24:39Page 355

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩

But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم﴾ اعْلَم أَن الله تَعَالَى لما ذكر الْمثل فِي حق الْمُؤمنِينَ أعقبه بِالْمثلِ فِي حق الْكفَّار.

وَقَوله: ﴿كسراب﴾ السراب: مَا يرى نصف النَّهَار شبه المَاء الْجَارِي على الأَرْض، وَأكْثر مَا يرَاهُ العطشان. قَالَ الْفراء: السراب مَا لزم الأَرْض، والآل مَا ارْتَفع من الأَرْض، وَهُوَ شُعَاع بَين السَّمَاء وَالْأَرْض شبه الملاة، يرى فِيهِ الصَّغِير كَبِيرا، والقصير طَويلا.

وَقَالَ غَيره: السراب نصف النَّهَار، والآل بالغدوات، والرقراق بالعشايا، قَالَ الشَّاعِر:

(فَلَمَّا كففنا الْحَرْب كَانَت عهودهم ... كَلمعِ سراب بالفلا متألق)

وَقَوله: ﴿بقيعة﴾ القاع: هُوَ الأَرْض المنبسطة.

وَقَوله: ﴿إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا﴾ أَي: لم يجده شَيْئا مِمَّا أمل وَحسب.

وَقَوله: ﴿وَوجد الله عِنْده﴾ أَي: عِنْد علمه، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَقِي الله فِي الْآخِرَة.

﴿فوفاه حسابه﴾ أَي: جَزَاء عمله، قَالَ الشَّاعِر:

(فولى مُدبرا هوى حثيثا ... وأيقن أَنه لَاقَى الحسابا)

وَقَوله: ﴿وَالله سريع الْحساب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَاعْلَم أَن فِي نزُول الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا نزلت فِي شيبَة بن ربيعَة - وَكَانَ يطْلب الدّين قبل أَن يبْعَث النَّبِي - فَكَانَ يلبس الصُّوف، وَيَأْكُل الشّعير، ثمَّ لما بعث النَّبِي كفر بِهِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْآيَة نزلت فِي جَمِيع الْكفَّار، وَالْمرَاد من الْآيَة: تَشْبِيه أَعْمَالهم بِالسَّرَابِ، وأعمالهم هِيَ مَا اعتقدوها خيرا، من الْحَج وصلَة الْأَرْحَام، وَحسن الْجوَار، وقرى الضَّيْف، وَالْوَفَاء بالعهد، وَمَا أشبه ذَلِك، فَذكر الله تَعَالَى أَن هَذِه الْأَعْمَال كسراب حِين لم يصدر عَن مُؤمن، فَهُوَ يَرْجُو مِنْهَا الْخَيْر وَالثَّوَاب، وَإِذا وصل إِلَيْهَا أخلفه ظَنّه، وَلم يحصل على شَيْء.

24:40Page 355

أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كظلمات فِي بَحر لجي﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: المُرَاد من الْآيَة أَنَّك إِن شبهت أَعْمَالهم لما يُوجد، فَهُوَ كَمَا بَينا من السراب بالقيعة، وَإِن شبهت أَعْمَالهم لما يرى، فَهُوَ كالظلمات فِي الْبَحْر اللجي، وَالْبَحْر اللجي هُوَ العميق الَّذِي بعد عمقه، وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " من ركب الْبَحْر حِين يلج، فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة ".

مَعْنَاهُ: حِين يتوسط الْبَحْر فَيصير إِلَى أعمق مَوضِع، وَأما الظُّلُمَات: فَهِيَ ظلمَة الْبَحْر، وظلمة اللَّيْل، وظلمة السَّحَاب، وظلمة الموج أَيْضا.

وَقَوله: ﴿يَغْشَاهُ موج من فَوْقه موج من فَوْقه سَحَاب﴾ هَذَا هُوَ الظُّلُمَات الَّتِي ذَكرنَاهَا.

وَقَوله: ﴿ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض﴾ مَعْنَاهُ: ظلمَة الموج على ظلمَة الْبَحْر، وظلمة السَّحَاب على ظلمَة الموج.

وَقَوله: ﴿إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا﴾ أَي: لم يرهَا، وَقيل: لم يُقَارب رؤيتها، وَيُقَال: يكد هَاهُنَا صلَة. قَالَ الشَّاعِر:

(وَمَا كَادَت إِذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إِلَّا الْبَصِير)

وَقَوله: ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ . قَالَ ابْن عَبَّاس مَعْنَاهُ: من لم يَجْعَل الله لَهُ دينا فَمَا لَهُ من دين " وَيُقَال مَعْنَاهُ: من لم يهده الله فَلَا يهده أحد.

24:41–42Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١

Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.

وَقَوله: ﴿ألم تَرَ أَن الله يسبح لَهُ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ قد بَينا.

وَقَوله: ﴿وَالطير صافات﴾ أَي: صِفَات أجنحتهن.

وَقَوله: ﴿كل قد علم صلَاته وتسبيحه﴾ قَالَ مُجَاهِد: الصَّلَاة للآدميين، وَالتَّسْبِيح لسَائِر الْخلق، وَيُقَال: إِن ضرب الأجنحة صَلَاة الطير، وصوته تسبيحه.

وَقَوله: ﴿وَالله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِلَى الله الْمصير﴾ .

24:43Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣

Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله يزجي سحابا﴾ أَي: يَسُوق سحابا. قَالَ الشَّاعِر:

(إِنِّي أَتَيْتُك من أرضي وَمن وطني ... أزجي حشاشة نفس مَا بهَا رَمق)

وَقَوله: ﴿ثمَّ يؤلف بَينه﴾ أَي: يجمع بَينه.

وَقَوله: ﴿ثمَّ يَجعله ركاما﴾ أَي: متراكما بعضه على بعض.

وَقَوله: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ أَي: الْمَطَر يخرج من خلاله، والخلال جمع الْخلَل كالجبال جمع الْجَبَل، قَالَ الشَّاعِر فِي الودق:

(فَلَا مزنة ودقت ودقها ... وَلَا أَرض أبقل إبقالها)

وَقَوله: ﴿وَينزل من السَّمَاء من جبال فِيهَا من برد﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: فِي السَّمَاء جبال من برد فَينزل مِنْهَا الْبرد.

قَالَ ابْن عَبَّاس: وَإِنَّمَا خَاطب الْقَوْم بِمَا يعْرفُونَ، وَإِلَّا مَا الثَّلج أَكثر من الْبرد، وَالْعرب مَا رَأَوْا الثَّلج قطّ. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الثَّلج شَيْء أَبيض ينزل من السَّمَاء مَا رَأَيْته قطّ. وَقَالَ غَيره: قَوْله: ﴿وَينزل من السَّمَاء من جبال﴾ أَي: مِقْدَار الْجبَال فِي الْكَثْرَة، وَيُقَال: فلَان لَهُ جبال مَال، شبه بالجبال للكثرة.

وَقَوله: ﴿من﴾ صلَة مَعْنَاهُ: ينزل من السَّمَاء جبالا ﴿من برد﴾ .

وَقَوله: ﴿فَيُصِيب بِهِ من يَشَاء﴾ يَعْنِي: بالبرد من يَشَاء. ﴿ويصرفه عَن من يَشَاء﴾ .

وَقَوله: ﴿يكَاد سنا برقه﴾ أَي: ضوء برقه، وَقد ذكرنَا شعرًا فِي هَذَا.

وَقَوله: ﴿يذهب بالأبصار﴾ يَعْنِي: من شدَّة الضَّوْء.

24:44Page 356

يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤

Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.

وَقَوله: ﴿يقلب الله اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ أَي: يصرف اللَّيْل وَالنَّهَار، وتقليب اللَّيْل وَالنَّهَار اخْتِلَافهمَا، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿يكور اللَّيْل على النَّهَار ويكور النَّهَار على اللَّيْل﴾ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْن آدم يسب الدَّهْر، وَإِنَّمَا أَنا الدَّهْر، بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار (و) أقلبهما ".

قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا جدي أَبُو الْهَيْثَم الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ، أخبرنَا الْحميدِي، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب الْخَبَر.

وَيُقَال: يقلب الله اللَّيْل وَالنَّهَار أَي: يدبر أَمر اللَّيْل وَالنَّهَار.

وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار﴾ أَي: آيَة وعظة لأولي الْأَبْصَار فِي الْقُلُوب، وَزعم أهل النَّحْو أَن الله تَعَالَى ذكر " من " ثَلَاث مَرَّات فِي الْآيَة الأولى، وَلكُل وَاحِد مِنْهَا معنى، فَقَوله: ﴿من السَّمَاء﴾ لابتداء الْغَايَة، وَقَوله: ﴿من جبال﴾ للتَّبْعِيض، وَقَوله: ﴿من برد﴾ للتجنيس، وَقد قَالَ بَعضهم فِي الْآيَة الثَّانِيَة: إِن معنى التقليب هُوَ أَنه يذهب بِاللَّيْلِ وَيَأْتِي بِالنَّهَارِ، وَيذْهب بِالنَّهَارِ وَيَأْتِي بِاللَّيْلِ.

24:45Page 356

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥

Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿خلق كل دَابَّة من مَاء﴾ وَقد خلق كثيرا من الْحَيَوَانَات من غير المَاء كالجن وَالْمَلَائِكَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الله تَعَالَى خلق جَمِيع الْحَيَوَانَات من المَاء، وَزعم أهل التَّفْسِير أَن الله تَعَالَى خلق مَاء ثمَّ جعله نَارا، فخلق مِنْهَا الْجِنّ، ثمَّ جعله ريحًا، فخلق مِنْهَا الْمَلَائِكَة، ثمَّ جعله طينا، فخلق مِنْهُ بني آدم.

وَقَوله: ﴿فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه﴾ يَعْنِي: مثل الْحَيَّات وَالْحِيتَان وَمَا أشبههما، فَإِن قيل: كَيفَ يتَصَوَّر المشيء على الْبَطن؟ وَالْجَوَاب: أَن المُرَاد مِنْهُ السّير، وَالسير عَام فِي القوائم وعَلى الْبَطن، وَقَالَ بَعضهم: الْمَشْي صَحِيح فِي الْمَشْي على الْبَطن، يُقَال: مَشى أَمر كَذَا.

وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ﴾ يَعْنِي: مثل بني آدم وَالطير، فَإِن قيل: أيسمى الطير دَابَّة؟ قُلْنَا: بلَى؛ لِأَن كل مَا يدب على الأَرْض فَهُوَ دَابَّة.

وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾ يَعْنِي: الْبَهَائِم، فَإِن قيل: قد نرى مَا يمشي على أَكثر من الْأَرْبَع، قُلْنَا: قد ذكر السّديّ أَن فِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " وَمِنْهُم من يمشي على أَكثر من الْأَرْبَع " فَيكون تَفْسِير للْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، وَيصير كَأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾ وعَلى أَكثر من الْأَرْبَع، وَأما على الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة فَإِنَّمَا لم يزدْ على الْأَرْبَع؛ لِأَن القوائم وَإِن زَادَت فاعتماد الْحَيَوَان على جهاته الْأَرْبَعَة، فَكَأَنَّهَا تمشي على أَرْبَعَة، وَيُقَال: إِنَّهَا وَإِن مشيت على أَكثر من الْأَرْبَع فَهِيَ فِي الصُّورَة كَأَنَّهَا تمشي على أَربع، فَإِن قيل: قَالَ: ﴿وَمِنْهُم من يمشي﴾ وَكلمَة " من " لمن يعقل لَيْسَ لما لَا يعقل، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه إِنَّمَا ذكر بِكَلِمَة " من " لِأَن الْكَلَام إِذا جمع من يعقل، وَمن لَا يعقل غلب من يعقل على مَا لَا يعقل.

وَقَوله: ﴿يخلق الله مَا يَشَاء﴾ يَعْنِي: يخلق الله مَا يَشَاء سوى مَا ذكر.

وَقَوله: ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

24:46Page 356

لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦

We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد أنزلنَا آيَات مبينات﴾ قد بَينا.

وَقَوله: ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: دين الْحق، وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم.

24:47Page 356

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ آمنا بِاللَّه وبالرسول وأطعنا﴾ ذكر النقاش أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي رجل من الْمُنَافِقين يُسمى بشرا وَرجل من الْيَهُود، كَانَت بَينهمَا خصوصة، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: نَتَحَاكَم إِلَى مُحَمَّد، وَقَالَ الْمُنَافِق: نَتَحَاكَم إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف، فَأنْزل الله تَعَالَى فِي هَذَا الْمُنَافِق وأشباهه هَذِه الْآيَة، وَأورد أَبُو بكر الْفَارِسِي فِي " أَحْكَام الْقُرْآن " أَن النَّبِي لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، ترك الْأَنْصَار لَهُ وللمهاجرين كل أَرض لَا يصل إِلَيْهَا المَاء، فَأعْطى رَسُول الله عُثْمَان وعليا من ذَلِك، فَبَاعَ عَليّ نصِيبه من عُثْمَان، فَوجدَ عُثْمَان الأَرْض كلهَا أَحْجَار لَا يُمكن أَن تزرع، فَطلب من عَليّ الثّمن الَّذِي أعطَاهُ، فَقَالَ عَليّ: وَمَا علمي بالأحجار، وَلَو وجدت كنزا هَل كَانَ لي مِنْهُ شَيْء؟ فَأَرَادَ أَن يتحاكما إِلَى النَّبِي، فَقَالَ الحكم بن أبي الْعَاصِ لعُثْمَان: لَا تحاكمه إِلَى مُحَمَّد، فَإِنَّهُ يقْضِي لِابْنِ عَمه، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة فِي الحكم بن أبي الْعَاصِ.

وَقَوله: ﴿ثمَّ يتَوَلَّى فريق مِنْهُم من بعد ذَلِك﴾ أَي: من بعد مَا قَالُوا آمنا بِاللَّه وبالرسول.

وَقَوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: بالمصدقين.

24:48Page 356

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم﴾ الحكم فصل الْخُصُومَة بِمَا توجبه الشَّرِيعَة.

قَوْله: ﴿إِذا فريق مِنْهُم معرضون﴾ أَي: عَن الْحق، وَقيل: عَن الْإِجَابَة، وَالْآيَة تدل على أَن القَاضِي إِذا دَعَا إِنْسَان ليحكم بَينه وَبَين خَصمه، وَجَبت عَلَيْهِ الْإِجَابَة.

24:49Page 356

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يكن لَهُم الْحق يَأْتُوا إِلَيْهِ مذعنين﴾ أَي: مسارعين منقادين خاضعين.

24:50Page 356

أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

وَقَوله: ﴿أَفِي قُلُوبهم مرض﴾ اسْتِفْهَام بِمَعْنى التوبيخ والذم، وَمَعْنَاهُ: عِلّة تمنع من قبُول الْحق.

وَقَوله: ﴿أم ارْتَابُوا﴾ أَي: شكوا.

وَقَوله: ﴿أم يخَافُونَ أَن يَحِيف الله عَلَيْهِم وَرَسُوله﴾ الحيف هُوَ الْميل بِغَيْر حق، وَيجوز أَن يعبر بِهِ عَن الظُّلم.

وَقَوله: ﴿بل أُولَئِكَ هم الظَّالِمُونَ﴾ قد بَينا.

24:51Page 356

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١

The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم﴾ .

هَذَا لَيْسَ على طَرِيق الْخَبَر، وَلكنه تَعْلِيم أدب من الشَّرْع، على معنى أَن الْمُؤمنِينَ كَذَا يَنْبَغِي أَن يَكُونُوا.

وَقَوله: ﴿أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا﴾ أَي: سمعنَا الدُّعَاء، وأطعنا بالإجابة.

وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي: الفائزون.

24:52Page 356

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢

And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله﴾ أَي: من يطع الله فِيمَا أَمر، ويطع رَسُوله فِيمَا سنّ.

وَقَوله: ﴿ويخش الله﴾ أَي: فِيمَا مضى.

وَقَوله: ﴿ويتقه﴾ أَي: يحذرهُ فِيمَا يسْتَقْبل.

وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ أَي: الناجون.

24:53Page 356

۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣

And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ جهد الْيَمين هُوَ أَن يحلف بِاللَّه، قَالَ أهل الْعلم: وَلَا حلف فَوق الْحلف بِاللَّه.

وَقَوله: ﴿لَئِن أَمرتهم ليخرجن﴾ أَي: لَئِن أَمرتهم بِالْخرُوجِ إِلَى الْجِهَاد ليخرجن.

وَقَوله: ﴿قل لَا تقسموا﴾ أَي: لَا تحلفُوا.

وَقَوله: ﴿طَاعَة مَعْرُوفَة﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: ليكن مِنْكُم طَاعَة مَعْرُوفَة، وَالْآخر: طَاعَة مَعْرُوفَة أمثل من يَمِين بالْقَوْل لَا يُوَافِقهَا الِاعْتِقَاد، وَالثَّالِث: هَذِه طَاعَة مَعْرُوفَة مِنْكُم أَن تحلفُوا كاذبين، وَأَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، وَمَعْنَاهُ: هَذَا أَمر مَعْرُوف مِنْكُم.

وَقَوله: ﴿إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

24:54Page 357

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤

Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توَلّوا﴾ أَي: فَإِن تَتَوَلَّوْا، وَقيل: فَإِن يتولوا، بِصَرْف خطابه المواجهة إِلَى المغايبة.

وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل﴾ أَي: على الرَّسُول مَا حمل من التَّبْلِيغ.

﴿وَعَلَيْكُم مَا حملتم﴾ من الْإِجَابَة أَي: إِن أجبتم فلكم الثَّوَاب، وَإِن أَبَيْتُم فَعَلَيْكُم الْعقَاب.

وَقَوله: ﴿وَإِن تطيعوه﴾ يَعْنِي الرَّسُول ﴿تهتدوا﴾ .

وَقَوله: ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ أَي: التَّبْلِيغ الْبَين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском