As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:38–69
29:38Page 400
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعادا وَثَمُود﴾ أَي: وأهلكنا عادا وَثَمُود.
وَقَوله: ﴿وَقد تبين لكم من مساكنهم﴾ أَي: الْمنَازل الَّتِي سكنوها.
وَقَوله: ﴿وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل﴾ أَي: صدهم عَن سَبِيل الْحق.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا مستبصرين﴾ أَي: ارتكبوا مَا ارتكبوا وَقد علمُوا أَن عَاقِبَة أَمرهم بوار.
29:39Page 401
وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩
And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَارُون وَفرْعَوْن وهامان﴾ أَي: وأهلكنا قَارون وَفرْعَوْن وهامان. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن فِرْعَوْن كَانَ يَبِيع الْبِطِّيخ فِي ابْتِدَاء أمره، وهامان كَانَ طيانا.
وَقَوله: ﴿وَلَقَد جَاءَهُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات.
قَوْله: ﴿فاستكبروا فِي الأَرْض وَمَا كَانُوا سابقين﴾ أَي: فائتين عَن عذابنا، كالسابق على الشَّيْء فَيكون قد فَاتَهُ.
29:40Page 401
فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠
So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ أَي: أَخذنَا كل هَؤُلَاءِ بذنبهم.
وَقَوله: ﴿فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا﴾ الحاصب هِيَ الرّيح الَّتِي تحمل الْحَصْبَاء، والحصباء: الْحَصَى (الصغار) ، وَالَّذين أهلكوا بالحصباء قوم لوط.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة﴾ يَعْنِي: قوم صَالح، وهم ثَمُود.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض﴾ أَي: قَارون.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من أغرقنا﴾ أَي: قوم نوح وَقوم فِرْعَوْن.
وَقَوله: ﴿ [وَمَا] كَانَ الله ليظلمهم﴾ أَي: مَا ظلمهم الله ﴿وَلَكِن هم اللَّذين ظلمُوا أنفسهم﴾ .
29:41Page 401
مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله﴾ الْمثل: كَلَام سَائِر يتَضَمَّن تَشْبِيه حَال الآخر بِالْأولِ.
وَقَوله: ﴿أَوْلِيَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿كَمثل العنكبوت﴾ العنكبوت: دَابَّة [أَعْطَاهَا] الله تَعَالَى آلَة تنسج بهَا بَيْتا تأوي إِلَيْهِ، (وبيته) فِي غَايَة الضعْف والوهاء، وَإِنَّمَا مثل عبَادَة الْأَصْنَام بِبَيْت العنكبوت؛ لِأَن بَيت العنكبوت لَا يقي حرا وَلَا بردا، وَكَذَلِكَ عبَادَة الْأَصْنَام لَا تجلب نفعا، وَلَا تدفع ضرا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي أَنه قَالَ: " العنكبوت شَيْطَان مسخ فَاقْتُلُوهُ " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه أَمر أَلا يتْرك نَسِيج العنكبوت فِي الْبَيْت، وَقَالَ: تَركه يُورث الْفقر. وَقد بَينا أَن الله تَعَالَى جعل العنكبوت جند النَّبِي فِي الْغَار.
وَقَوله: ﴿وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ أَي: لَو كَانُوا يعلمُونَ أَن عبَادَة الْأَصْنَام لَا تغني شَيْئا، كَمَا علمُوا أَن بَيت العنكبوت لَا يدْفع شَيْئا.
29:42Page 401
إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢
Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يعلم مَا يدعونَ من دونه من شَيْء﴾ أَي: يعلم مَا يدعونَ من دونه من الْأَصْنَام وَغَيرهَا.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز بالانتقام من أعدائه، الْحَكِيم فِي تَدْبِير خلقه.
29:43Page 401
وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣
And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس﴾ أَي: الْأَشْبَاه الَّتِي يَقع بهَا التَّمْثِيل.
وَقَوله: ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ (أَي: الْعَالمُونَ بمعاني كَلَامي، وَعَن بعض السّلف قَالَ: يسْتَحبّ أَن يقف عِنْد كل مثل فِي الْقُرْآن، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ .
29:44Page 401
خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤
Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ أَي: بالحكمة.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك (لآيَة﴾ للْمُؤْمِنين) أَي: لعبرة للْمُؤْمِنين.
29:45Page 401
ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥
Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.
قَوْله تَعَالَى: ﴿اتل مَا أوحى إِلَيْك من الْكتاب﴾ أَي: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ الْفَحْشَاء كل قَبِيح من الْأَفْعَال، وَالْمُنكر كل مَا يُنكره الشَّرْع، (فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ وَقد رَأينَا من يُصَلِّي وَلَا يَنْتَهِي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر؟ قُلْنَا: رُوِيَ عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ: تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر مَا دَامَ فِي الصَّلَاة، وَعَن غَيره: تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر) فِيهَا وَبعدهَا. وَمعنى النَّهْي على هَذَا القَوْل أَنه يقْرَأ الْقُرْآن وَالْقِرَاءَة، تنهاه عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر.
وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: لَا صَلَاة لمن لم يطع الصَّلَاة. وَفِي هَذَا اللَّفْظ إِشَارَة إِلَى مَا بَينا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من لم تَنْهَهُ صلَاته عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر لم يَزْدَدْ من الله إِلَّا بعدا ".
( ﴿٤٥) وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمنا﴾
وَعَن الْحسن وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: من صلى وَلم ينْتَه عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، فَصلَاته وبال عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلذكر الله أفضل من كل الطَّاعَات، وَرُوِيَ عَن ثَابت الْبنانِيّ أَن رجلا أعتق أَربع رِقَاب، وَجعل آخر يذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، ثمَّ سُئِلَ عَن ذَلِك جمَاعَة من أهل الْعلم، فَقَالُوا: ذكر الله تَعَالَى أفضل؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ .
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: وَلذكر الله إيَّاكُمْ أكبر من ذكركُمْ إِيَّاه، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ إِن رجلا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: إِن فلَانا (يَقُول) فِي قَوْله: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ : إِن مَعْنَاهُ: إِذا ذكره وانْتهى عَن مَعَاصيه، فَقَالَ: هَذَا كَلَام حسن. وَلَيْسَ بِمَعْنى الْآيَة؛ وَإِنَّمَا معنى الْآيَة مَا ذكرنَا عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: وَلذكر الله إيَّاكُمْ أكبر من ذكركُمْ إِيَّاه. وَمِنْهُم من قَالَ: وَلذكر الله فِي الثَّوَاب أكبر من ذكركُمْ فِي الطَّاعَة.
وَقَوله: ﴿وَالله يعلم مَا تَصْنَعُونَ﴾ أَي: تَفْعَلُونَ.
29:46Page 402
۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦
And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب الَّذين قبلوا الْجِزْيَة إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن، وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم﴾ المُرَاد بهم على هَذَا القَوْل أهل الْحَرْب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ مِنْهُم، وَمعنى النَّهْي عَن المجادلة مَعَهم بعد إِيمَانهم، هُوَ أَنهم كَانُوا يخبرون عَن أَشْيَاء فِي كتبهمْ لم يعلمهَا الْمُؤْمِنُونَ، [فَنهى] عَن مجادلتهم فِيهَا، فلعلها صَحِيحَة.
وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم﴾ هم الَّذين لم يُؤمنُوا. وَعَن قَتَادَة قَالَ: الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف.
وَقَوله: ﴿وَقُولُوا آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم﴾ (رُوِيَ عَن النَّبِي هم أَنه قَالَ: " إِذا أخْبركُم أهل الْكتاب بِشَيْء لم تعرفوه فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم، وَلَكِن قُولُوا: ﴿آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم﴾ وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ ") ".
29:47Page 402
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧
And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب﴾ أَي: كَمَا بعثناك بِالْحَقِّ أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب.
وَقَوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُم الْكتاب يُؤمنُونَ بِهِ﴾ أَي: يصدقون بِهِ، وَقَوله: ﴿وَمن هَؤُلَاءِ من يُؤمن بِهِ﴾ أَي: وَمن الْمُشْركين من يصدق بِهِ، فَقَوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إِشَارَة إِلَى الْمُشْركين الَّذين كَانُوا بِمَكَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
29:48Page 402
وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨
And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب﴾ أَي: من قبل بعثنَا إياك، وإنزال الْقُرْآن عَلَيْك.
وَقَوله: ﴿وَلَا تخطه بيمينك﴾ أَي: لم تكن تقْرَأ وَلَا تكْتب.
وَقَوله: ﴿إِذا لارتاب المبطلون﴾ أَي: إِذا لشك الْكَافِرُونَ لَو قَرَأت وكتبت، أما أهل الشّرك وَكَانُوا يَزْعمُونَ أَنه قَرَأَ من كتب الْأَوَّلين وانتسخ مِنْهَا، وَأما أهل الْكتاب فقد كَانَ من نَعته فِي كتبهمْ أَنه أُمِّي لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب، فَلَو قَرَأَ وَكتب وَقع لَهُم الشَّك.
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: لم يخرج النَّبِي من الدُّنْيَا حَتَّى كتب وَقَرَأَ. وَهُوَ قَول ضَعِيف لَا يعْتَمد عَلَيْهِ، [وأظن] أَنه لَا يَصح عَن الشّعبِيّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَالما كَبِيرا.
29:49Page 402
بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩
Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ أَي: الْقُرْآن آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أَن مُحَمَّدًا ذُو آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " (إِن الله تَعَالَى) قَالَ لي: بَعَثْتُك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عَلَيْك كتابا لَا يغسلهُ المَاء، تَقْرَأهُ نَائِما ويقظانا " وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا بَينا أَن الْقُرْآن فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ لَا ينسخه وَلَا يغسلهُ شَيْء.
وَقَوله: ﴿وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أَي: الْكَافِرُونَ.
29:50Page 402
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠
But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."
قَوْله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ يَعْنِي: مثل مَا أنزل على عِيسَى من الْمَائِدَة، وَأعْطِي صَالح من النَّاقة، ومُوسَى من الْيَد والعصا ﴿قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله﴾ يَعْنِي: إِن الْآيَات عِنْد الله يُعْطِيهَا بمشيئته وإرادته.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنا نَذِير مُبين﴾ قد بَينا. وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى قد أعْطى رَسُوله مُحَمَّدًا المعجزات الْكَثِيرَة، وَلكنه لم يُعْطه على مَا اقترحوا، وَقد كَانُوا يطْلبُونَ أَن تكون الْآيَات على وفْق إقتراحاتهم.
29:51Page 402
أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١
And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يَكفهمْ﴾ الْكِفَايَة: بُلُوغ (غَايَة) تنَافِي الْحَاجة.
وَقَوله: ﴿إِنَّا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب﴾ أَي: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ أَي: يقْرَأ عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لرحمة﴾ أَي: لنعمة لمن آمن بِهِ.
وَقَوله: ﴿وذكرى﴾ أَي: موعظة وتذكيرا، وَقد بَينا وَجه الإعجاز فِي الْقُرْآن من حَيْثُ النّظم وَالْمعْنَى والإخبار عَن الغيوب وَغَيره.
29:52Page 402
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢
Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل كفى بِاللَّه بيني وَبَيْنكُم شَهِيدا﴾ الشَّهَادَة: خبر عَن مُشَاهدَة يَبْنِي عَلَيْهِ حكم شَرْعِي، وَالله تَعَالَى شَهِيد على أَفعَال الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار جَمِيعًا.
وَقَوله: ﴿يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين آمنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ أَي: بِغَيْر الله. وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " أصدق كلمة قَالَت الْعَرَب قَول لبيد:
(أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل)
ثمَّ قَالَ: إِلَّا نعيم الْجنَّة ".
وَاعْلَم أَن الْإِيمَان إِذا أطلق يُرَاد بِهِ الْإِيمَان بِاللَّه، وَإِذا قيد يجوز أَن يُقَال: آمن بإبليس، وآمن بالطاغوت، وَمَا أشبه ذَلِك، وَهَذَا كَمَا إِذا قيل: فلَان قَائِم، وَأطلق يُرَاد بِهِ المتصف، فَإِذا قيل: يجوز أَن يُقَال: قَائِم بِالتَّدْبِيرِ قَائِم بِالْملكِ. وَقَالَ يحيى بن سَلام: الْبَاطِل هَاهُنَا: إِبْلِيس.
وَقَوله: ﴿وَكَفرُوا بِاللَّه﴾ أَي: جَحَدُوا بِاللَّه.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ الخاسرون: من خسر رَأس المَال، فالكفار لما فعلوا فعلا عرضوا أنفسهم للهلاك سماهم الله خاسرين.
29:53Page 403
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستعجلونك بِالْعَذَابِ﴾ قد بَينا أَن النَّضر بن الْحَارِث قَالَ: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء﴾ الْآيَة فَهَذَا هُوَ الاستعجال بِالْعَذَابِ.
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا أجل مُسَمّى﴾ أَي: وعد الْقِيَامَة، وَقيل: النفخة فِي الصُّور وَيُقَال: الْوَقْت الَّذِي عين لعذابهم.
وَقَوله: ﴿لجاءهم الْعَذَاب وليأتينهم بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ بمجيئها. وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الرجل ليرْفَع لقمته فَلَا يَضَعهَا فِي فِيهِ حَتَّى تقوم السَّاعَة ".
29:54Page 403
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يستعجلونك بِالْعَذَابِ﴾ يُقَال: المُرَاد بِهِ هُوَ المُرَاد بِالْآيَةِ الأولى، أَعَادَهُ للتَّأْكِيد، وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت على قوم من جهال هَذِه الْأمة، وَالْقَوْل الأول أولى.
وَقَوله: ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ أَي: جَامِعَة لعذابهم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: لَا بُد أَن يدخلوها.
29:55Page 403
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يَغْشَاهُم الْعَذَاب من فَوْقهم﴾ يَعْنِي: يصيبهم الْعَذَاب من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى: ﴿لَهُم من فَوْقهم ظلل من النَّار وَمن تَحْتهم ظلل﴾
وَقَوله: ﴿وَيَقُول ذوقوا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قد بَينا معنى الذَّوْق من قبل.
وَقَوله: ﴿مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: جَزَاء بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ.
29:56Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا عبَادي الَّذين آمنُوا إِن أرضي وَاسِعَة﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي هَذِه الْآيَة: كَانُوا إِذا ظَهرت الْمعْصِيَة بِأَرْض خَرجُوا مِنْهَا. وَعَن سعيد بن جُبَير وَعَطَاء أَنَّهُمَا قَالَا: إِذا أمرت بالمعصية فِي (بَلْدَة) فَأخْرج مِنْهَا (وَفِي رِوَايَة: " إِذا ظَهرت الْمعْصِيَة فِي بَلْدَة فَأخْرج مِنْهَا) .
وَذكر أهل الْعلم أَنه إِذا لم يُمكنهُ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر خرج أَيْضا، وَالْآيَة نزلت فِي قوم تخلفوا عَن الْهِجْرَة بِمَكَّة، وَقَالُوا: نخشى إِن هاجرنا من الْجُوع وضيق الْمَعيشَة؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَلم يعذرهم فِي ترك الْخُرُوج، وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿إِن أرضي وَاسِعَة﴾ أَي: رِزْقِي وَاسع، ذكره مطرف ابْن عبد الله ابْن الشخير.
وَقَوله: ﴿فإياي فاعبدون﴾ أَي: وحدوني وأطيعوني.
29:57Page 403
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
قَوْله: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ مَعْنَاهُ: أَن تخلفهم (عَن) الْهِجْرَة لَا ينجيهم من الْمَوْت، وَقد روى جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ " أَن النَّبِي لما توفى سمعُوا حس شخص وَلم يروه، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم أهل الْبَيْت وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ الْآيَة، إِن فِي الله عزاء من كل مُصِيبَة، وخلفا من كل هَالك، ودرجا من كل فَائت، أَلا بِاللَّه فثقوا، وإياه فارجوا، والمصاب من حرم الثَّوَاب ".
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِلَيْنَا ترجعون﴾ أَي: تردون.
29:58Page 403
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنبوئنهم من الْجنَّة غرفا﴾ أَي: لنسكننهم من الْجنَّة غرفا، أَي: علالي، وروى أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ: " إِن لله غرفا فِي الْجنَّة، يرى ظُهُورهَا من بطونها، وبطونها من ظُهُورهَا، قيل: لمن هِيَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لما أطاب الْكَلَام، وَأطْعم الطَّعَام، وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام ".
وَقُرِئَ: " لنثوينهم " والثوى هُوَ الْإِقَامَة، والتبوؤ هُوَ النُّزُول فِي الْموضع الَّذِي يسكن فِيهِ، وَفِي أَخْبَار الْجَاهِلِيَّة: أَن المهلهل لما قتل ابْن الْحَارِث بن عباد فِي حَرْب بكر وتغلب قَالَ: تبوء بشسع نعل كُلَيْب.
وَمن الْمَعْرُوف عَن الْحُسَيْن أَنه قَالَ لِلْحسنِ فِي قتل أبي ملجم: لَا تَجْعَلهُ ثوى بأبينا أَي: لَا ننزله منزلَة أَبينَا.
وَقَوله: ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نعم أجر العاملين﴾ أَي: العاملين بِالطَّاعَةِ.
29:59Page 403
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ [الَّذين] صَبَرُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَي: صَبَرُوا على ( ﴿٥٩) وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها الله يرزقها وَإِيَّاكُم وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ الشدائد، وَقَوله: ﴿وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَي: يعتمدون.
29:60Page 403
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأين من دَابَّة﴾ أَي: وَكم من حَيَوَان يدب على الأَرْض.
وَقَوله: ﴿لَا تحمل رزقها﴾ أَي: لَا تحمل رزقها مَعهَا، وَقيل: لَا تدخر رزقها للغد.
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَالْمَعْرُوف أَنه عَن سُفْيَان الثَّوْريّ: " لَيْسَ من الْحَيَوَان مَا يدّخر شَيْئا للغد سوى ابْن آدم والفأرة والنملة والعقعق. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن المُرَاد من قَوْله: ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها﴾ أَي: مُحَمَّد: وَكَانَ لَا يدّخر شَيْئا للغد، وَقد ثَبت بِرِوَايَة أنس: " أَن النَّبِي كَانَ لَا يدّخر شَيْئا لغد ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو مَنْصُور بكر بن مُحَمَّد بن حميد النَّيْسَابُورِي بِبَغْدَاد من لَفظه، أخبرنَا أَبُو الْحسن الْخفاف، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس السراج، عَن قُتَيْبَة، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعِي، عَن ثَابت، عَن أنس ... الْخَبَر.
وَفِي بعض الْأَخْبَار بِرِوَايَة ابْن عمر أَنه قَالَ: " دخلت مَعَ رَسُول الله يلتقط التَّمْر ويأكله، فكدت لَا آكله، فَقَالَ لي: أَلا تَأْكُله يَا ابْن عمر؟ فَقلت: لَا أشتهيه. فَقَالَ: لكني أشتهيه، وَهَذَا صبح رَابِع أربعو أَيَّام وَلم أذق طَعَاما، وَلَو طلبت من الله لأعطاني مثل ملك كسْرَى وَقَيْصَر، ثمَّ قَالَ: كَيفَ بك يَا ابْن عمر إِذا بقيت فِي قوم يدخرون الرزق لسنتهم، ويضعف الْيَقِين؟ ! قَالَ: فَلم نَبْرَح من ذَلِك الْموضع حَتَّى أنزل الله تَعَالَى: ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها﴾ . " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿الله يرزقها وَإِيَّاكُم﴾ يَعْنِي: يرْزق تِلْكَ الدَّابَّة وَإِيَّاكُم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَمن الْمَشْهُور عَن النَّبِي قَالَ: " لَو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كَمَا ترزق الطير، تَغْدُو خماصا، وَتَروح بطانا ".
وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي، أَن لن تَمُوت نفس حَتَّى تستكمل رزقها، فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب ".
29:61Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ أَي: وذلل الشَّمْس وَالْقَمَر.
وَقَوله: ﴿ليَقُولن الله فَأنى يؤفكون﴾ أَي: يصرفون عَن الْحق.
29:62Page 403
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يبسط الرزق لمن يَشَاء من عباده وَيقدر لَهُ﴾ أَي: يُوسع على من يَشَاء، ويضيق على من يَشَاء.
وَقَوله: ﴿إِن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
29:63Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من نزل من السَّمَاء مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض من بعد مَوتهَا ليَقُولن الله قل الْحَمد لله﴾ يَعْنِي: على أَن الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء هُوَ الله.
وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَن الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء هُوَ الله تَعَالَى.
29:64Page 404
وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤
And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا لَهو وَلعب﴾ اللَّهْو هُوَ الِاسْتِمْتَاع بلذات الدُّنْيَا، وَسمي لهوا؛ لِأَنَّهَا فانية بِخِلَاف لذات الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿وَلعب﴾ أَي: وعبث، وَيُقَال: إِنَّمَا سمي ذَلِك لهوا وَلَعِبًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَعْمل بهَا من لَا يتفكر فِي العواقب.
وَقَوله: ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان﴾ أَي: لهي الْحَيَاة الدائمة. وَقَالَ أهل اللُّغَة: الْحَيَوَان والحياة بِمَعْنى وَاحِد، يحْكى هَذَا عَن أبي عُبَيْدَة وَأبي. وَمعنى الْآيَة: أَن فِي الْآخِرَة الْحَيَاة الدائمة.
وَقَوله: ﴿لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ أَي: لَو كَانُوا يعلمُونَ أَن الدُّنْيَا تفنى، وَالْآخِرَة تبقى.
29:65Page 404
فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥
And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا ركبُوا فِي الْفلك دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ أَي: دعوا الله وَتركُوا دُعَاء الْأَصْنَام، وَحكي عَن عِكْرِمَة قَالَ: لَو كَانُوا يركبون الْبَحْر ويحملون أصنامهم مَعَهم، فَإِذا هَاجَتْ الْبَحْر وخافوا الْغَرق، طرحوا أصنامهم فِي الْبَحْر، وقواول: يَا رب، يَا رب.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر إِذا هم يشركُونَ﴾ أَي: عَادوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
29:66Page 404
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦
So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1
وَقَوله: ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم وليتمتعوا فَسَوف يعلمُونَ﴾ على طَرِيق التهديد.
29:67Page 404
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧
Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?
وَقَوله: ﴿أَو لم يرَوا أَنا جعلنَا حرما آمنا﴾ أَي: ذَا أَمن، وَقَوله: ﴿وَيُتَخَطَّف النَّاس من حَولهمْ﴾ الاختطاف هُوَ الاستلاب بِسُرْعَة، وَقد بَينا هَذَا الْمَعْنى من قبل.
وَقَوله: ﴿أفبالباطل يُؤمنُونَ﴾ يَعْنِي: أفغير الله يُؤمنُونَ؟ وَهُوَ لفظ اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِنْكَار.
وَقَوله: ﴿وبنعمة الله يكفرون﴾ أَي: يجحدون.
29:68Page 404
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا﴾ أَي: كذب على الله، وَادّعى أَنه أنزل مَا لم ينزله.
وَقَوله: ﴿أَو كذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن، وَقيل: مُحَمَّدًا.
وَقَوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للْكَافِرِينَ﴾ أَي: مقَام ومستقر للْكَافِرِينَ.
29:69Page 404
وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩
And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا﴾ رُوِيَ عَن الْحسن أَنه قَالَ: أفضل الْجِهَاد مُخَالفَة الْهوى. وَيُقَال: الْجِهَاد هَاهُنَا هُوَ الْعَمَل بِمَا علمه، وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ لإِبْرَاهِيم بن أدهم: أَلا تَأْتِينَا فَتَتَعَلَّمُ منا؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت حديثين فَإِذا فرغت مِنْهُمَا تعلمت الثَّالِث، ثمَّ رُوِيَ بِإِسْنَاد أَن النَّبِي قَالَ: " من زهد فِي الدُّنْيَا نور الله قلبه ".
وَيُقَال: المجاهدة: هُوَ الصَّبْر على الطَّاعَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي، وَيُقَال: قتال الْكفَّار، وَيُقَال: تَحْقِيق الْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال، وَهُوَ حَقِيقَة قَوْله تَعَالَى: ﴿فِينَا﴾ .
وَقَوله: ﴿لنهدينهم سبلنا﴾ لنزيدنهم هدى، وَيُقَال: لنرشدهم إِلَى (الطّرق) المستقيمة، والطرق المستقيمة هِيَ الَّتِي توصل إِلَى رضى الله تَعَالَى. وَعَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ: قَالَ لي سُفْيَان بن عُيَيْنَة: إِذا اخْتلف النَّاس فَعَلَيْك بِمَا قَالَه لأهل الْجِهَاد والثغور، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ .
وَقَوله: ﴿وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي: بالنصرة والمعونة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences