As-Sam'aniAli 'Imran · 3:49–78

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:49–78

3:49Page 56

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

﴿ورسولا إِلَى بني إِسْرَائِيل﴾ . مِنْهُم من قَالَ: كَانَ رَسُولا فِي حَالَة الصِّبَا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولا بعد الْبلُوغ.

﴿أَنِّي قد جِئتُكُمْ بِآيَة من ربكُم﴾ مَعْنَاهُ: بآيَات من ربكُم، وَإِنَّمَا اكْتفى بِذكر الْآيَة؛ لِأَن الْكل دَال على شَيْء وَاحِد.

﴿أَنِّي أخلق لكم من الطين﴾ أَي: أقدر وأصور ﴿كَهَيئَةِ الطير فأنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله﴾ قيل: إِن عِيسَى قَالَ لَهُم: أَي شَيْء أَشد خلقا؟ قَالُوا: الخفاش، فَقدر من الطين خفاشا وصوره، وَنفخ فِيهِ؛ فَقَامَ يطير بِإِذن الله.

( ﴿من ربكُم أَنِّي أخلق لكم من الطين كَهَيئَةِ الطير فأنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ﴾ وأبرىء الأكمه) قَالَ أَبُو عبيد: الأكمه الَّذِي ولد أعمى، وَقيل: هُوَ الْأَعْمَش الَّذِي يبصر بِالنَّهَارِ وَلَا يبصر بِاللَّيْلِ ﴿والأبرص﴾ : الَّذِي بِهِ وضح ﴿وأحيى الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: قد أَحْيَا أَرْبَعَة: عازر وَابْن الْعَجُوز وَبنت الْعَاشِر وسام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام.

فَأَما عازر: فَكَانَ صديقا لعيسى، فَأخْبر بِمَوْتِهِ، فَدَعَا الله تَعَالَى فأحياه [الله] ، وَأما ابْن الْعَجُوز: كَانَ على السرير يحمل إِلَى الْمقْبرَة، فَرَآهُ عِيسَى، فَأمر بِوَضْع السرير، ودعا فأحياه، فَأخذ كفانه، ولبسها وَرجع إِلَى الْبَيْت، وَأما بنت الْعَاشِر: فقد كَانَ رجل يَأْخُذ العشور، مَاتَت لَهُ ابْنة فَدَعَا الله فأحياها، وَأما سَام بن نوح فَإِن عِيسَى جَاءَ إِلَى قَبره ودعا (الله فأحياه) ، فَقَامَ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَقَامَت الْقِيَامَة؟ ! وَقد شَاب نصف رَأسه خوفًا من قيام السَّاعَة.

فَقَالَ: لَا، أَنا عِيسَى بن مَرْيَم؛ فَكَلمهُ؛ وَمَات من سَاعَته، وَأما الثَّلَاثَة الَّذين أحياهم عاشوا، وَولد لَهُم.

﴿وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ﴾ كَانَ عِيسَى يخبر الرجل بِمَا أكل فِي بَيته البارحة، وَمَا يَأْكُل الْيَوْم، وَمَا أدخره للعشاء، وَقيل أَنه كَانَ فِي الْمكتب يخبر الصَّبِي بِمَا أكل، وَمَا خبأت لَهُ أمه من الطَّعَام، حَتَّى كَانَ الصَّبِي يَأْتِي إِلَى أمه، فيبكي حَتَّى تعطيه الطَّعَام، فيحمله إِلَى عِيسَى، فحبسوا الصّبيان عَن الْمكتب، فجَاء عِيسَى فِي طَلَبهمْ، وَكَانُوا فِي دَار، فَقَالَ: من هَؤُلَاءِ الَّذين فِي الدَّار؟ فَقيل: خنازير، فَقَالَ عِيسَى: يكونُونَ كَذَلِك؛ فصاروا خنازير بِأَمْر الله - تَعَالَى - {إِن فِي ذَلِك لآيَة لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين) .

3:50Page 56

وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ومصدقا لما بَين يَدي من التَّوْرَاة﴾ يَعْنِي: وأكون مُصدقا، ﴿ولأحل لكم بعض الَّذِي حرم عَلَيْكُم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ بِالْبَعْضِ: الْكل، يَعْنِي: كل الَّذِي حرم عَلَيْكُم، وَمثله قَول الشَّاعِر:

(أَو يرتبط بعض النُّفُوس حمامها ... )

أَي: كل النُّفُوس، وَقيل: هُوَ على حَقِيقَته، وَقد كَانَ أحل لَهُم بعض مَا حرم عَلَيْهِم فِي التَّوْرَاة من لُحُوم الْإِبِل وثروبها.

﴿وجئتكم بِآيَة من ربكُم﴾ يَعْنِي: بآيَات كَمَا بَينا، {فَاتَّقُوا الله وأطيعون

3:51Page 56

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"

إِن الله رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم) أَي: طَرِيق وَاضح.

3:52Page 56

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢

But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allāh?" The disciples said, "We are supporters for Allāh. We have believed in Allāh and testify that we are Muslims [submitting to Him].

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أحس عِيسَى مِنْهُم الْكفْر﴾ أَي: أبْصر وَوجد مِنْهُم الْكفْر؛ قَالَ: ﴿قَالَ من أنصارى إِلَى الله﴾ قيل مَعْنَاهُ: من أنصارى مَعَ الله، وَقَالَ النحويون: " إِلَى " فِي موضعهَا، وَلَيْسَت بِمَعْنى " مَعَ "، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: من يضم نصرته إِلَى نصْرَة الله لي ﴿قَالَ الحواريون نَحن أنصار الله﴾ قَالَ ابْن أبي نجيح: الحواريون: كَانُوا قوما قصارين، سموا بذلك لأَنهم كَانُوا يقصرون الثِّيَاب.

وَقيل: كَانُوا صيادين يصطادون السّمك. وَالصَّحِيح أَن الحوارى: صفوة كل شَيْء وخالصته وَمِنْه قَوْله فِي الزبير: " هُوَ ابْن عَمَّتي وَحَوَارِيي من أمتِي "، أَي: صفوتي وخالصتي.

وأصل الحوارى: النَّقَاء والنظافة؛ فسموا حواريين؛ لنقاء قُلُوبهم، وَمِنْه يُقَال لِنسَاء الْأَمْصَار: حواريات. قَالَ الشَّاعِر:

(فَقل للحواريات يبْكين غَيرنَا ... وَلَا تبكينا إِلَّا الْكلاب النوابح)

وَمِنْه الْخبز الحوارى؛ لنقاوته وبياضه.

وَأما قَوْله: ﴿نَحن أنصار الله﴾ لأَنهم إِذا نصروا عِيسَى، فكأنهم نصروا الله ﴿آمنا بِاللَّه واشهد بِأَنا مُسلمُونَ﴾ .

3:53Page 57

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣

Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ قيل: مَعَ الشَّاهِدين من أمة مُحَمَّد؛ لأَنهم يشْهدُونَ للرسل بالبلاغ، وَقيل: من الشَّاهِدين على نبوة عِيسَى.

3:54Page 57

وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤

And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ الْمَكْر من العَبْد: الْخبث وَالْخداع، وَمن الله تَعَالَى: أَن يَأْخُذ العَبْد بَغْتَة من حَيْثُ لَا يعلم، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مكرا - على الْمُقَابلَة - لِأَنَّهُ جَزَاء مَكْرهمْ: كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَالْمرَاد بمكرهم هَا هُنَا: أَنهم احْتَالُوا لقتل عِيسَى، فَقَالَ رجل: أَلا أدلكم على الْبَيْت الَّذِي فِيهِ عِيسَى، فَجَاءُوا مَعَه الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ عِيسَى، فرفعه الله إِلَى السَّمَاء، وَألقى شبه عِيسَى على من دلهم عَلَيْهِ، فَأَخَذُوهُ، وَهُوَ يَصِيح: لست بِعِيسَى، فَقَتَلُوهُ، وَقيل: إِن الدَّال كَانَ وَاحِد من الحواريين؛ فَذَلِك مكر الله ﴿وَالله خير الماكرين﴾ .

3:55Page 57

إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥

[Mention] when Allāh said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify [i.e., free] you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allāh alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك﴾ أَي: وَاذْكُر قَول الله لعيسى: إِنِّي متوفيك ﴿ورافعك إِلَيّ﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى التوفي، وَعِيسَى فِي الْأَحْيَاء ﴿كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ إِلَيّ مرجعكم فأحكم﴾

على زعمكم؟ قُلْنَا: فِيهِ أَقْوَال، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَعْنَاهُ: إِنِّي قابضك من الأَرْض، وَهُوَ صَحِيح عِنْد أهل اللُّغَة، فَيُقَال: توفيت حَقي من فلَان. أَي: قبضت.

قَالَ الازهري: كَأَنَّهُ يَقُول: إِنِّي متوفى عدد آبَائِك فِي الأَرْض، وكل شَيْء تمّ فَهُوَ متوفى، ومستوفى، وَقَالَ الْفراء: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: إِنِّي رافعك إِلَى ومتوفيك " أَي: بعد النُّزُول من السَّمَاء.

وَقد ثَبت عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " ليهبطن عِيسَى بن مَرْيَم حكما مقسطا يكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير "، وَفِي رِوَايَة: " أَنه يقتل الدَّجَّال بِبَاب لد " من دمشق، وَفِي الْأَخْبَار: أَنه يعِيش بعد ذَلِك فِي الأَرْض سبع سِنِين، ويتزوج، ويولد لَهُ. ثمَّ يَمُوت، ويصلوا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ من هَذِه الْأمة.

وَهَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير الَّذِي ذكرنَا فِي الْآيَة محكى عَن ابْن عَبَّاس وَله قَول آخر: أَن الْآيَة على حَقِيقَة الْمَوْت، وَأَن عِيسَى قد مَاتَ، ثمَّ أَحْيَاهُ الله تَعَالَى وَرَفعه إِلَى السَّمَاء.

قَالَ وهب بن مُنَبّه: أَمَاتَهُ الله ثَلَاث سَاعَات من النَّهَار، ثمَّ أَحْيَاهُ الله، وَرَفعه إِلَيْهِ، وَقَالَ الرّبيع ابْن أنس: التوفي: هُوَ النّوم، وَكَانَ عِيسَى قد نَام، فرفعه الله نَائِما إِلَى السَّمَاء، وَالْمَعْرُوف: الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ.

وَقد روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " رَأَيْت ابْني الْخَالَة: عِيسَى، وَيحيى فِي السَّمَاء الثَّانِيَة لَيْلَة الْمِعْرَاج "، وروى أَيْضا: " أَنه رآهما فِي السَّمَاء الدُّنْيَا " وَالْأول أصح، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " رَأَيْت الْمَسِيح بن مَرْيَم يطوف بِالْبَيْتِ " فَدلَّ على أَن الصَّحِيح أَنه فِي الْأَحْيَاء، وَفِي أَخْبَار الْمِعْرَاج: " أَن النَّبِي لقى آدم فِي السَّمَاء الأولى وَعِيسَى فِي السَّمَاء الثَّانِيَة ويوسف فِي السَّمَاء الثَّالِثَة، وَإِدْرِيس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَهَارُون فِي السَّمَاء الْخَامِسَة ومُوسَى فِي السَّمَاء السَّادِسَة، - وَفِي رِوَايَة السَّمَاء السَّابِعَة - وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّابِعَة ".

قَوْله: ﴿ومطهرك من الَّذين كفرُوا﴾ أَي: مخرجك من أرجاسهم وأنجاسهم، ﴿وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ .

وَقيل: أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى، وهم فَوق الْيَهُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَالْيَهُود أذلّ الْفَرِيقَيْنِ؛ قد ذهب ملكهم، فَلَا يعود أبدا، وَملك النَّصَارَى دَائِم إِلَى قريب من قيام السَّاعَة، وَقيل: أَرَادَ بالذين اتَّبعُوهُ: أمة مُحَمَّد؛ حَيْثُ صدقوه ووافقوه على دين التَّوْحِيد، فهم فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم فَوْقهم بِالْحجَّةِ.

وَالثَّانِي: بالعز وَالْغَلَبَة، وَقد قَالَ: " أَنا أولى بِعِيسَى بن مَرْيَم، لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي ".

﴿ثمَّ إِلَى مرجعكم فأحكم بَيْنكُم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون﴾ .

3:56Page 57

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين كفرُوا فأعذبهم عذَابا شَدِيدا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَالْعَذَاب فِي الدُّنْيَا: الْقَتْل والأسر والجزية، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة: عَذَاب النَّار.

قَوْله تَعَالَى: {وَمَا لَهُم من ناصرين

3:57Page 57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.

وَأما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم) أَي: جَزَاء أَعْمَالهم ﴿وَالله لَا يحب الظَّالِمين﴾ أَي: لَا يرحم الْكَافرين، وَلَا يثني عَلَيْهِم بالجميل.

3:58Page 57

ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨

This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك نتلوه عَلَيْك من الْآيَات﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَالذكر الْحَكِيم﴾ أَي: الذّكر ذِي الْحِكْمَة، وَقيل: الذّكر الْمُحكم الَّذِي لَا يتخلله الْفساد.

3:59Page 57

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩

Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم﴾ ؛ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن وَفد نَجْرَان لما قدمُوا على النَّبِي قَالَ لَهُم: " أَسْلمُوا، فَقَالُوا: نَحن مُسلمُونَ، قَالَ: كَذبْتُمْ؛ يمنعكم من ذَلِك ثَلَاث: قَوْلكُم إِن الله اتخذ ولدا، وسجودكم للصليب، وأكلكم الْخِنْزِير، فَقَالُوا: من أَبُو عِيسَى؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة "، وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَيْهِم، ورد لقَولهم، فَقَوله: ﴿إِن مثل عِيسَى﴾ أَي: صفة عِيسَى ﴿عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ ، يَعْنِي: إِن خلق عِيسَى بِلَا أَب مثل خلق آدم بِلَا أَب، وَلَا أم، وَخلق عِيسَى بِلَا أَب لَيْسَ بأبدع من خلق آدم بِلَا أَب وَلَا أم.

فَأَما قَوْله: ﴿ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ رَاجع إِلَى آدم، فَإِن قَالَ قَائِل: لما ذكر أَنه خلقه من تُرَاب، فَمَا معنى قَوْله بعده ﴿ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾ بعد الْخلق؟ قيل: مَعْنَاهُ: خلقه من تُرَاب، ثمَّ أخْبركُم أَنِّي قلت لَهُ: كن، فَكَانَ من غير تَرْتِيب فِي الْخلق: كَمَا يكون فِي أَوْلَاده، وَهُوَ مثل قَول الرجل: أَعطيتك الْيَوْم درهما، ثمَّ أَعطيتك أمس درهما، أَي: ثمَّ أخْبرك أَنِّي أَعطيتك أمس درهما.

3:60Page 57

ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحق من رَبك فَلَا تكن من الممترين﴾ ، فَإِن قيل: أَكَانَ شاكا فِي الْحق حَتَّى نَهَاهُ عَن الشَّك؟ قيل: الْخطاب مَعَ النَّبِي، وَالْمرَاد بِهِ: الْأمة، وَقيل مَعْنَاهُ: قل للشاك فِيهِ: الْحق من رَبك فَلَا تكن من الشاكين.

وَاعْلَم أَن فِيمَا سبق من التَّمْثِيل على جَوَاز الْقيَاس دَلِيل، على أَن الْقيَاس هُوَ رد فرع إِلَى أصل بِنَوْع شبه، وَقد رد الله تَعَالَى عِيسَى إِلَى آدم بِنَوْع؛ فَدلَّ على جَوَاز الْقيَاس. والمثل: هُوَ ذكر سَائِر يسْتَدلّ بِهِ على غَيره فِي مَعْنَاهُ.

3:61Page 57

فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن حاجك فِيهِ﴾ أَي: جادلك فِي الْحق ﴿من بعد مَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَافرين﴾ .

هَذَا فِي دُعَاء النَّبِي بني نَجْرَان إِلَى المباهلة، روى سعد بن أبي وَقاص: " أَن النَّبِي أَخذ بيد الْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة وعَلى، ثمَّ دعاهم إِلَى المباهلة ".

فَقَوله: ﴿نَدع أبناءنا﴾ أَرَادَ بِهِ: الْحسن وَالْحُسَيْن، وَقَوله: ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ يَعْنِي: فَاطِمَة، وأنفسنا يَعْنِي: نَفسه وعَلى، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿وأنفسنا﴾ وَعلي - رَضِي الله عَنهُ - غَيره؟ قيل: الْعَرَب تسمى ابْن عَم الرجل نَفسه، وَعلي كَانَ ابْن عَمه، وَقيل: ذكره على الْعُمُوم لجَماعَة أهل الدّين. والإبتهال: الإلتعان، وَمِنْه البهلة: وَهِي اللَّعْنَة، يُقَال:

عَلَيْك بهلة الله، أَي: لعنة الله، والابتهال: الِاجْتِهَاد فِي دُعَاء اللَّعْنَة.

واللعنة: الإبعاد والطرد عَن الرَّحْمَة بطرِيق الْعقُوبَة، قَالَ لبيد:

(وكهول سادة من عَامر ... نظر الدَّهْر إِلَيْهِم فابتهل)

أَي: نظر الدَّهْر إِلَيْهِم بِالْهَلَاكِ فأفناهم بِاجْتِهَاد فِيهِ.

وَفِي الْقِصَّة وكهول " أَن النَّبِي لما دعاهم إِلَى الإبتهال، وَجعل اللَّعْنَة على الْكَاذِب من الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ الأسقف لَهُم: لَا تباهلوا؛ فَإِنَّكُم لَو ابتهلتهم؛ لاضطرم عَلَيْكُم الْوَادي نَارا، فَقَالُوا للنَّبِي: وَهل غير المباهلة؟ قَالَ الْإِسْلَام أَو الْحَرْب أَو الْجِزْيَة، فقبلوا الْجِزْيَة، وَانْصَرفُوا "، وَقَالَ النَّبِي: " لَو تلاعنوا لصاروا قردة وَخَنَازِير " وَفِي رِوَايَة " لَو تلاعنوا لم يبْق فِي الدُّنْيَا نَصْرَانِيّ وَلَا نَصْرَانِيَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".

3:62Page 58

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا لَهو الْقَصَص الْحق﴾ أَي: النبأ الْحق ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ " من " صلَة، وَتَقْدِيره: وَمَا إِلَه إِلَّا الله ﴿وَإِن الله لَهو الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ .

3:63Page 58

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣

But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.

﴿فَإِن توَلّوا﴾ أَي: أَعرضُوا ﴿فَإِن الله عليم بالمفسدين﴾ أَي: بِمن يفْسد مِنْهُم.

3:64Page 58

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أهل الْكتاب﴾ الْخطاب مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿تَعَالَوْا إِلَى كلمة﴾ الْعَرَب تسمى كل قصَّة لَهَا شرح: كلمة، وَمِنْه سميت القصيد: كلمة.

﴿سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ أَي: عدل، وَمِنْه قَول زُهَيْر بن أبي سلمى: (أروني خطة لَا ضيم فِيهَا ... يسوى بَيْننَا فِيهَا السوَاء)

(فَإِن ترك السوَاء فَلَيْسَ بيني ... وَبَيْنكُم بني عَمْرو لِقَاء)

وَأَرَادَ بالسواء: الْعدْل.

﴿أَلا نعْبد إِلَّا الله﴾ سَبَب هَذَا: أَن الْيَهُود قَالُوا: لَا يُرِيد مُحَمَّد منا إِلَّا أَن نعبده، وَكَذَلِكَ قَالَت النَّصَارَى؛ فَنزلت الْآيَة ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ ، مَعْنَاهُ: تَعَالَوْا إِلَى أَمر نستوي فِيهِ: وَهُوَ أَن لَا نعْبد إِلَّا الله، ولنتفق جَمِيعًا على عِبَادَته ﴿وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا﴾ .

﴿وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله﴾ قَالَ عِكْرِمَة: أَي: لَا يسْجد بَعْضنَا لبَعض؛ فَإِن من سجد لغيره فقد اتَّخذهُ رَبًّا.

وَقيل: هُوَ طَاعَة الْخلق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق ﴿فَإِن توَلّوا﴾ أَي: فَإِن أَعرضُوا ﴿فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ أَي: بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَهَذَا الْأَمر.

3:65Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أهل الْكتاب لم تحاجون فِي إِبْرَاهِيم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى اخْتَصَمُوا [إِلَى] النَّبِي فِي إِبْرَاهِيم، فَقَالَت الْيَهُود: هُوَ منا، وَقَالَت النَّصَارَى: لَا، بل منا؛ فَنزل قَوْله: ﴿لم تحاجون﴾ لم تجادلون ﴿فِي إِبْرَاهِيم وَمَا أنزلت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا من بعده أَفلا تعقلون﴾ ، مَعْنَاهُ أَن الْيَهُودِيَّة محرفة من التَّوْرَاة، والنصرانية محرفة من الْإِنْجِيل، والتوراة وَالْإِنْجِيل أَنْزَلَتَا بعد إِبْرَاهِيم.

فَكيف تدعون أَنه على الْيَهُودِيَّة أَو على النَّصْرَانِيَّة؟ وَأما التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فقد ذكرنَا اشتقاقها، وَقيل لَيْسَ لَهما اشتقاق، وهما اسمان بالسُّرْيَانيَّة.

3:66Page 58

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ " هَا " للتّنْبِيه، وَمَعْنَاهُ: يَا هَؤُلَاءِ، أَنْتُم ﴿حاججتم﴾ جادلتم ﴿فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم﴾ أَي: جادلتم فِي أَمر مُوسَى وَعِيسَى، وادعيتم أَنا على دين مُوسَى وَعِيسَى، وَقد أنزلت أمره عَلَيْكُم، فَلم تجادلون فِي أَمر إِبْرَاهِيم، وَلم أنزلهُ عَلَيْكُم، وَلَا علم لكم بِهِ؟ ! ﴿وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ .

3:67Page 58

مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا﴾ أخبر الله تَعَالَى أَنه لَيْسَ على مَا ادعوا من الْيَهُودِيَّة و [لَا] النَّصْرَانِيَّة، ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما﴾ .

والحنيف: هُوَ المائل إِلَى الدّين، والمستقيم عَلَيْهِ، وَمِنْه: الْأَحْنَف: وَهُوَ المائل الْقدَم، وَقَالَ مُجَاهِد: الحنيف: المتبع، وَقَالَ الضَّحَّاك: الحنيف: الْحَاج. فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ ﴿حَنِيفا مُسلما﴾ وَالْمُسلم: هُوَ الَّذِي يكون على جَمِيع مَا أَتَى بِهِ مُحَمَّد رَسُول الله، وَإِبْرَاهِيم لم يكن على جملَة شَرِيعَته؟

قيل: قد كَانَ على بعض شَرِيعَته؛ فَيكون بذلك مُسلما؛ كمن مَاتَ من هَذِه الْأمة فِي بَدْء الْأَمر، كَانَ مُسلما بِبَعْض شَرِيعَته؛ فَإِنَّهَا إِنَّمَا تمت، واستقرت فِي آخر الْأَمر، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: ﴿مُسلما﴾ بِمَعْنى: الانقياد من قَوْله: ﴿أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين﴾ ؛ فَلذَلِك قَالَ: ﴿حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ .

3:68Page 58

إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ﴾ : من اتبعهُ فِي زَمَانه. ﴿وَهَذَا النَّبِي﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا (وَالَّذين آمنُوا) يَعْنِي: من هَذِه الْأمة ﴿وَالله ولي الْمُؤمنِينَ﴾ .

3:69Page 58

وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩

A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ودت طَائِفَة من أهل الْكتاب﴾ أَي: تمنت طَائِفَة من أهل الْكتاب. ﴿لَو يضلونكم﴾ لَو يردونكم إِلَى الضَّلَالَة، وَمَا هم عَلَيْهِ من الْيَهُودِيَّة والنصرانية ﴿وَمَا يضلون إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .

3:70Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أهل الْكتاب لم تكفرون بآيَات الله وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ: لم تكفرون بنعت مُحَمَّد وَصفته، وَأَنْتُم تشاهدونه فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل؟ {.

وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: لم تكفرون بِمَا ياتي [بِهِ] مُحَمَّد من الدلالات والمعجزات، وَأَنْتُم تقرون بِمِثْلِهَا مِمَّا اتى بِهِ مُوسَى وَعِيسَى؟}

3:71Page 59

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١

O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أهل الْكتاب لم تلبسُونَ الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتمون الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ مَعْنَاهُ: لم تخلطون الْإِيمَان بِعِيسَى - وَهُوَ الْحق - بالْكفْر بِمُحَمد - وَهُوَ الْبَاطِل -؟ وَقيل مَعْنَاهُ: لم تغطون " الْحق " من نعت مُحَمَّد بالتغيير " الْبَاطِل "؟ ! .

3:72Page 59

وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت طَائِفَة من أهل الْكتاب آمنُوا بِالَّذِي أنزل على الَّذين آمنُوا وَجه النَّهَار، واكفروا آخِره لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أما وَجه النَّهَار: أَوله، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

(من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مَالك ... فليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار)

أَي: أول النَّهَار، وَهَذَا فِي الْيَهُود، قَالُوا: نؤمن بِمُحَمد فِي أول النَّهَار، ثمَّ نكفر بِهِ آخر النَّهَار؛ حَتَّى (يتهمه) النَّاس (ويقولوا) : قد ظهر مِنْهُ شَيْء؛ حَتَّى كفرُوا بِهِ، وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا: نصدقه فِي الْبَعْض، ونكذبه فِي الْبَعْض؛ حَتَّى يَقُول النَّاس: صدقوه فِيمَا كَانَ صَادِقا، وكذبوه فِيمَا كَانَ كَاذِبًا (فيستريبون) بِحَالهِ.

﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: من تبعه فِي دينه، وَيكون وَجه النَّهَار وَآخره بِمَعْنى: الْبَعْض على القَوْل الثَّانِي.

3:73Page 59

وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تؤمنوا إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ أَي: لَا تصدقوا إِلَّا من تبع دينكُمْ، " وَاللَّام " فِيهِ زَائِدَة كَمَا قَالَ: ﴿قَالَ عَسى أَن يكون ردف لكم﴾ أَي: ردفكم. وَهَذَا فِي الْيَهُود أَيْضا، قَالُوا: لَا تصدقوا إِلَّا من وافقكم فِي ملتكم.

ثمَّ ابْتَدَأَ الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿قل إِن الْهدى هدى الله﴾ أَي: إِن الْبَيَان بَيَان الله.

﴿أَن يُؤْتى أحد مثل مَا أُوتِيتُمْ﴾ أَي: وَلَا يحاجونكم عِنْد ربكُم؛ فَإِن الْحجَّة لكم عَلَيْهِم، وَلَيْسَت لَهُم عَلَيْكُم عِنْد الله.

وقتا مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير: قَوْله: ﴿وَلَا تؤمنوا﴾ أَي: لَا تصدقوا ﴿أَن يُؤْتى أحد مثل مل أُوتِيتُمْ﴾ من الدلالات والآيات من الْمَنّ والسلوى وَنَحْوه.

﴿إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ إِلَّا لمن وافقكم فِي الْيَهُودِيَّة ﴿أَو يحاجوكم عِنْد ربكُم﴾ أَي إِن صدقتموهم، يحاجونكم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم، فَيَقُولُونَ: نَحن مثلكُمْ، أَو خير مِنْكُم، فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ حَتَّى لَا يحاجوكم عِنْد ربكُم. إِلَى هَا هُنَا كَلَام الْيَهُود ثمَّ ابْتَدَأَ الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿قل: أَن الْهدى هدى الله﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ ﴿وَلَا تؤمنوا إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ أَي: وَلَا تصدقوا أَن النُّبُوَّة فِي غير بني إِسْحَاق، وَأَنَّهَا فِي بني إِسْمَاعِيل.

[قَوْله تَعَالَى] {قل إِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم

3:74Page 59

يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

يخْتَص برحمته من يَشَاء) قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الدّين. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ النُّبُوَّة. وَقَالَ ابْن جريج: هُوَ الْقُرْآن وَالْإِسْلَام (وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم) .

3:75Page 59

۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أهل الْكتاب من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك﴾ قد ذكرنَا الْأَقْوَال فِي القنطار، وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: هُوَ سِتّ آلَاف دِينَار.

وَهَذَا فِي عبد الله بن سَلام؛ أودعهُ رجل أَلفَيْنِ ومأتي أُوقِيَّة من الذَّهَب فَأدى الْأَمَانَة فِيهِ.

﴿وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار لَا يؤده إِلَيْك﴾ هَذَا فِي فنحَاص بن عازوراء الْيَهُودِيّ؛ أودعهُ رجل دِينَارا فخان فِيهِ.

﴿إِلَّا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ أَي: لَا يؤده إِلَيْك إِلَّا مَا دمت على رَأسه قَائِما تطالبه. وَقيل: أَرَادَ بِالْقيامِ: الإلحاح والمطالبة.

﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا لَيْسَ علينا فِي الْأُمِّيين سَبِيل﴾ قَالَت الْيَهُود: لَيْسَ علينا فِي أَخذ أَمْوَال الْعَرَب حرج، كَأَنَّهُمْ استحلوا أَمْوَال الْأُمِّيين: وهم الْعَرَب، مُحَمَّد وَأَصْحَابه.

﴿وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ﴾

3:76Page 59

بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.

﴿بلَى﴾ عَلَيْهِم سَبِيل؛ ذكره جَوَابا لقَولهم.

قَالَت النُّحَاة: وَهُوَ وقف تَامّ، ثمَّ ابْتَدَأَ، فَقَالَ: ﴿من أوفى بعهده وَاتَّقَى﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَاتَّقَى الشّرك ﴿فَإِن الله يحب الْمُتَّقِينَ﴾ الْمُوَحِّدين.

3:77Page 59

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧

Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَإِيمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ روى أَبُو وأئل - وَهُوَ شَقِيق بن سَلمَة - عَن ابْن مَسْعُود، عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " من حلف على يَمِين كَاذِبَة؛ ليقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم، لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، وتلا هَذِه الْآيَة قَالَ: وَكَانَ الْأَشْعَث بن قيس حَاضرا، فَقَالَ: فِي نزلت الْآيَة، وَذكر قصَّة " وَهَذَا حَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِرِوَايَة أُخْرَى، وَزَاد فِيهِ أَنه: " قيل: يَا رَسُول الله، وَإِن كَانَ فِي شَيْء يسير؟ قَالَ: وَإِن كَانَ فِي قضيب من أَرَاك ".

وروى مُسلم أَيْضا فِي كِتَابه بِرِوَايَة ثَالِثَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة، وَلَا يزكيهم [وَلَهُم عَذَاب أَلِيم] : المنان بِمَا أعْطى والمسبل إزَاره، والمنفق سلْعَته بِالْيمن الكاذبة ".

فَقَوله: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ أَي: شَيْء قَلِيل من حطام الدُّنْيَا ﴿أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة﴾ أَي: لَا حَظّ لَهُم فِيهَا.

﴿وَلَا يكلمهم الله﴾ أَي: وَلَا يكلمهم كَمَا يكلم الْمُؤمنِينَ؛ وَقد صَحَّ أَنه جلّ جَلَاله - يكلم الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة من غير ترجمان، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى: الْغَضَب، كَمَا يُقَال: أَنا لَا أكلم فلَانا، إِذا كَانَ غضبانا عَلَيْهِ ﴿وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة﴾ يَعْنِي: لَا ينظر إِلَيْهِم بِالرَّحْمَةِ.

﴿وَلَا يزكيهم﴾ لَا يثني عَلَيْهِم بالجميل، وَلَا يطهرهم من الذُّنُوب ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .

3:78Page 60

وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْهُم لفريقا يلوون ألسنتهم بِالْكتاب﴾ أَي: يغيرون، ويحرفون الْكتاب بألسنتهم. وَقيل: يعدلُونَ بألسنتهم عَن الْكتاب ﴿لتحسبوه﴾ لتظنوه ﴿من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى اجْتَمعُوا عِنْد النَّبِي واختصموا فِي إِبْرَاهِيم، فَقَالَت كل فرقة: هُوَ منا، فَقَالَ: كَذبْتُمْ؛ فغضبوا، وَقَالُوا: يَا مُحَمَّد، لَا تُرِيدُ منا إِلَّا أَن نتخذك رَبًّا؛ فَنزلت الْآيَة ".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском