As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
الروم
Ar-Rum
The Romans · Meccan · 60 ayahs
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تَفْسِير سُورَة الرّوم
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿الم﴾ قد بَينا، ولأصح أَن مَعْنَاهُ هَاهُنَا هُوَ الْقسم.
وَقَوله: ﴿غلبت الرّوم﴾ أَي: قد غلبت الرّوم، فَوَقع الْقسم على هَذَا، وَقد تحذف قد عِنْد أهل اللُّغَة فِي الْكَلَام، قَالَ الشَّاعِر:
(أكلفتني ذَنْب امْرِئ وَتركته ... كذى العر [يكوي] غَيره وَهُوَ راتع)
أَي: لقد كلفتني.
30:3Page 404
فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣
In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome
وَقَوله: ﴿فِي أدنى الأَرْض﴾ الْأَدْنَى بِمَعْنى الْأَقْرَب، وَمَعْنَاهُ: الْأَدْنَى إِلَى أَرض فَارس من أَرض الرّوم، قَالَ مُجَاهِد. هِيَ لجزيرة، وَهِي بِلَاد بَين دجلة والفرات تسمى الجزيرة مِنْهَا حران، ورحبة مَالك بن طوق، والرقة، والرهى، وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ مَعْنَاهُ: أَن الرّوم من بعد غَلَبَة فَارس عَلَيْهِم سيغلبون. فَإِن قيل: قَالَ: ﴿من بعد غلبهم﴾ وهم غلبوا وَلم يغلبوا؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر غلبتهم، وَالْمرَاد مِنْهُ غَلَبَة غَيرهم عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا أضَاف الْغَلَبَة إِلَيْهِم لاتصال تِلْكَ الْغَلَبَة بهم، واتصال الْغَلَبَة بهم وُقُوع الْغَلَبَة عَلَيْهِم، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ويطعمون الطَّعَام على حبه﴾ وَالطَّعَام لَا يكون صَاحب الْحبّ، وَإِنَّمَا الْإِنْسَان هُوَ صَاحب الْحبّ، وَلَكِن إِضَافَة إِلَى الطَّعَام لاتصال الْحبّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾ وَالْمقَام للْعَبد إِلَّا أَنه [أَضَافَهُ] إِلَى الله؛ لِأَنَّهُ يقوم بَين يَدي الله، فيتصل بِاللَّه من هَذَا الْوَجْه.
30:4Page 404
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤
Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice
وَقَوله: ﴿فِي بضع سِنِين﴾ فِي الْبضْع قَولَانِ: أَحدهمَا: من الْوَاحِد إِلَى الْعشْر، وَالْقَوْل الثَّانِي: من الثَّلَاث إِلَى السَّبع.
وَكَذَلِكَ اخْتلف القَوْل فِي النيف، فَمنهمْ من قَالَ: من الْوَاحِد إِلَى الثَّلَاث، وَمِنْهُم من قَالَ: من الْوَاحِد إِلَى الْعَاشِر.
وَأما سَبَب نزُول الْآيَة فروى سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: " أَنه كَانَ بَين فَارس وَالروم قتال قَائِم، فَكَانَ الْمُشْركُونَ يُؤْذونَ أَن تغلب فَارس الرّوم، والمسلمون يودون أَن تغلب الرّوم فَارس، لأَنهم كَانُوا أهل الْكتاب، قَالَ: فغلب فَارس الرّوم مرّة، فشمت الْمُشْركُونَ بِالْمُسْلِمين، وَقَالُوا: إِنَّا سنغلبكم كَمَا غلبت فَارس الرّوم، فجَاء الْمُسلمُونَ إِلَى النَّبِي وَذكروا لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أما إِن الرّوم سيغلبون فَارس. فَقَالَ أَصْحَاب النَّبِي: مَتى ذَلِك؟ فَقَالَ: إِلَى بضع سِنِين، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَالَ: فجَاء أَبُو بكر إِلَى أبي بن خلف، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا تغلب الرّوم فَارس أبدا، ثمَّ قَالَ لأبي بكر: أخاطرك؟ قَالَ: نعم فخاطره على قَلَائِص من الْإِبِل. وَاخْتلفُوا فِي عدد القلائص مِنْهُم من قَالَ: كَانَ سِتا، وَقيل: كَانَ سبعا. وَقيل: غير ذَلِك، ووضعا الْمدَّة إِلَى خمس سِنِين.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ ذَلِك فِي وَقت لم يكن حوم الْقمَار بعد.
فجَاء أَبُو بكر إِلَى النَّبِي، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: يَا أَبَا بكر، زد فِي الْخطر، وَأبْعد فِي الْأَجَل " فَزَاد فِي عدد القلائص، وَجعل الْمدَّة إِلَى سبع سِنِين ". ثمَّ إِن الرّوم ظَهرت على فَارس، واسترجعوا ديار الجزيرة وَالشَّام وَغير ذَلِك من فَارس، وَكَانَ فَارس قد استولوا على الْكل، وَأخذُوا صليبهم الْأَعْظَم، فاستردوا هَذِه الديار، واستردوا صليبهم، وهزموا فَارس.
وَاخْتلفُوا فِي وَقت ذَلِك، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ يَوْم بدر، وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ عَام الْحُدَيْبِيَة.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أَبَا بكر لما قصد الْهِجْرَة جَاءَ إِلَى أبي بن خلف، وَطلب مِنْهُ كَفِيلا بالقلائص، فكفل بهَا ابْنه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، ثمَّ لما خرج أبي بن خلف إِلَى أحد طلب عبد الرَّحْمَن مِنْهُ كَفِيلا، فكفل بالقلائص ابْنه، ثمَّ انه لما ظَهرت الرّوم على فَارس أَخذ أَبُو بكر القلائص.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن الْمدَّة كَانَت إِلَى خمس سِنِين لَا زِيَادَة، وَمَضَت الْخمس وَلم تغلب الرّوم على فَارس، واخذ أبي بن خلف القلائص، ثمَّ بعد ذَلِك ظَهرت الرّوم على فَارس.
وَهَذِه الْآيَة من معجزات النَّبِي؛ لِأَنَّهُ أخبر عَن غيب لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، وَكَانَ الْأَمر على مَا أخبر.
وَقَوله: ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ أَي: من قبل غلبهم، وَمن بعد غلبهم.
وَقَوله: ﴿ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾ أَي: ينصر الله أهل الْكتاب على غير أهل الْكتاب، وَإِنَّمَا فرحوا بذلك لصدق وعد الله تَعَالَى؛ وَلِأَنَّهُم قَالُوا: كَمَا نصر الله أهل الْكتاب على غير أهل الْكتاب، وَكَذَلِكَ ينصرنا عَلَيْكُم.
30:5Page 404
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥
In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.
وَقَوله: ﴿ينصر من يَشَاء﴾ أَي: من يَشَاء من عباده.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب على أمره، الْمُنعم على عباده.
30:6Page 405
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعد الله لَا يخلف الله وعده﴾ أَي: هَذِه النُّصْرَة من وعد الله، وَلَا يخلف الله وعده ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ أَن وعد الله حق.
30:7Page 405
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَمر مَعَايشهمْ ومعالجهم فِي الدُّنْيَا يَعْنِي: مَتى يزرعون وَمَتى يحصدون، وَمَتى يغرسون، وَمَتى يبنون. وَقَالَ الضَّحَّاك: بُنيان الدّور، وغرس الْأَشْجَار، وتشقيق الْأَنْهَار، وَعمل التِّجَارَات. وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِن أحدهم لينقد الدَّرَاهِم بِطرف ظفره، وَيذكر وَزنه فَلَا يُخطئ، وَهُوَ لَا يحسن أَن يُصَلِّي.
وَقَوله: ﴿وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون﴾ فهم الأول ابْتِدَاء، وهم الثَّانِي ابْتِدَاء آخر، وَمَعْنَاهُ: أَنهم غافلون ساهون عَن الْآخِرَة.
30:8Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي: للعدل، وَيُقَال: لإِقَامَة الْحق، وَقيل: للحق. وَقد رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي مر على قوم وهم يتفكرون، فَقَالَ: تَفَكَّرُوا فِي خلق الله، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الله ". وَهَذَا خبر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿وَأجل مُسَمّى﴾ أَي: وَمُدَّة مُسَمَّاهُ، وَاخْتلفُوا فِي الْمدَّة المسماه، فَقَالَ بَعضهم: هِيَ السَّاعَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْوَقْت الَّذِي قدر هلاكهم فِيهِ.
وَقَوله: ﴿وَإِن كثيرا من النَّاس بلقاء رَبهم لكافرون﴾ أَي: جاحدون، ولقاء رَبهم هُوَ الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة.
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم﴾ يَعْنِي: الْأُمَم الَّذين مضوا.
وَقَوله: ﴿كَانُوا أَشد مِنْهُم قُوَّة﴾ أَي: أَكثر مِنْهُم قُوَّة.
وَقَوله: ﴿وأثاروا الأَرْض﴾ أَي: حرثوا الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها﴾ أَي: عمروا الأَرْض أَكثر مِمَّا عمرها أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ لم يكن لأهل مَكَّة حرث.
وَقَوله: ﴿وجاءتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات.
وَقَوله: ﴿فَمَا كَانَ الله ليظلمهم﴾ أَي: لينقص حُقُوقهم، وَلَكنهُمْ نَقَصُوا وبخسوا حُقُوقهم.
[وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ ] .
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا﴾ أَي: كفرُوا، وَقَوله: ﴿السوأى﴾ هِيَ جَهَنَّم، ونعوذ بِاللَّه، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا السوء ". وَقيل: السوأى: قبح الْعَاقِبَة.
وَمِنْه قَوْله: " سَوَاء ولود خير من حسناء عقيم ". يَعْنِي: قبيحة ولود خير من حسناء عقيم.
وَقَوله: ﴿أَن كذبُوا بآيَات الله﴾ أَي: لِأَن كذبُوا بآيَات الله.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا بهَا يستهزئون﴾ أَي: بآيَات الله يستهزئون.
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا.
30:12Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يبلس المجرمون﴾ أَي: ييأس المجرمون، وَيُقَال: (يسكتون) وتنقطع حجتهم، قَالَ الشَّاعِر:
(يَا صَاح هَل تعرف رسما مكرسا ... قَالَ نعم أعرفهُ وأبلسا)
وَقَالَ مُجَاهِد: يبلس المجرمون: يفتضحون. وَقيل: يتحيرون.
30:13Page 405
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
وَقَوله: ﴿وَلم يكن لَهُم من شركائهم شُفَعَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام الَّتِي اتَّخَذُوهَا شُرَكَاء لله.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا بشركائهم كَافِرين﴾ أَي: كفرُوا بالأصنام، وتبرءوا مِنْهَا يَوْم الْقِيَامَة، وَمعنى كَانُوا: صَارُوا.
30:14Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
قَوْله: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يَوْمئِذٍ يتفرقون﴾ يَعْنِي: يتَمَيَّز أهل الْجنَّة من أهل النَّار، وَقيل مَعْنَاهُ: أَنه يفرق بَين أهل الْمعْصِيَة و [أهل] الطَّاعَة؛ فيعاقب أهل الْمعاصِي، وينعم على المطيعين، وَعَن قَتَادَة قَالَ: هُوَ افْتِرَاق لَا اجْتِمَاع بعده.
30:15Page 405
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فهم فِي رَوْضَة يحبرون﴾ الرَّوْضَة: هِيَ لبستان الَّذِي هُوَ فِي غَايَة النضارة وَالْحسن.
قَالَ الطَّائِي: ((إِنَّمَا الْبشر رَوْضَة فَإِذا ... كَانَ [ربوة] فروضة وغدير))
قَوْله: ﴿يحبرون﴾ أَي: يكرمون وينعمون، وَمِنْه ثوب الْخِبْرَة لحسنة، وَعَن يحيى ابْن كثير قَالَ: يحبرون: هُوَ السماع فِي الْجنَّة. وَذكر ابْن قُتَيْبَة معنى قَوْله: ﴿يحبرون﴾ أَي: يسرون.
30:16Page 406
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما الَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا ولقاء لآخرة﴾ أَي: الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك فِي الْعَذَاب محضرون﴾ أَي: معذبون.
30:17Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
قَوْله: ﴿فسبحان الله﴾ بَينا أَن سُبْحَانَ الله: تَنْزِيه الله، وتبرئته عَن كل سوء.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: هُوَ اسْم مُمْتَنع لَا يَنْتَحِلهُ مَخْلُوق.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله﴾ أَي: سبحوا الله، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كل سبْحَة فِي الْقُرْآن فَهِيَ فِي معنى الصَّلَاة.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن لنَبِيّ سُئِلَ عَن أفضل الْكَلَام فَقَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ".
وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " كلمتان خفيفتان على اللِّسَان، ثقيلتان فِي الْمِيزَان، حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيم ". وَهَذَا آخر خبر ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح. قَالَ رَضِي الله عَنهُ: حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث من لَفظهَا كَرِيمَة بنت أَحْمد بِمَكَّة، قَالَت: أخبرنَا أَبُو الْهَيْثَم، أخبرنَا الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة. . الْخَبَر.
وَفِي بعض الْآثَار: " أَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ صَلَاة أهل السَّمَوَات وَصَلَاة الْخلق كلهم ".
وَقَوله: ﴿حِين تمسون﴾ أَي: تدخلون فِي الْمسَاء.
وَقَوله: ﴿وَحين تُصبحُونَ﴾ أَي: تدخلون فِي الصَّباح.
30:18Page 406
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
وَقَوله: ﴿وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ الضَّحَّاك: الْحَمد لله رِدَاء الرَّحْمَن.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي لما رفع رَأسه من الرُّكُوع قَالَ: " سمع الله لمن حَمده، رَبنَا لَك الْحَمد، ملْء السَّمَوَات وملء الأَرْض، وملء مَا بَينهمَا، وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد، أهل الثَّنَاء وَالْمجد، أَحَق مَا قَالَ العَبْد، وكلنَا لَك عبد، لَا مَانع لما أَعْطَيْت، وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد ".
وَقَوله: ﴿وعشيا﴾ أَي: صلوا لله عشيا.
وَقَوله: ﴿وَحين تظْهرُونَ﴾ أَي: تدخلون فِي الظّهْر، وَفِي الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَوْقَات الصَّلَاة الْخمس، فَقَوله: ﴿حِين تمسون﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَوله: ﴿حِين تُصبحُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الصُّبْح، وَقَوله: ﴿وعشيا﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر.
وَقَوله: ﴿وَحين تظْهرُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الظّهْر.
30:19Page 406
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
قَوْله تَعَالَى: ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ من قبل؛ وَهُوَ إِخْرَاج الْبَيْضَة من الدَّجَاجَة، وَإِخْرَاج الدَّجَاجَة من الْبيض، وَإِخْرَاج الْكَافِر من الْمُؤمن، وَالْمُؤمن من الْكَافِر، وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿ويحيي الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ أَي: كَمَا أَحْيَا الأَرْض بعد مَوتهَا كَذَلِك يُحْيِيكُمْ بعد موتكم، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ تخرجُونَ﴾ .
وَقَالَ بَعضهم: يخرج البليد من الفطن، والفطن من البليد.
وروى الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار: " أَن النَّبِي دخل على بعض نِسَائِهِ وَعِنْدهَا خالدة بنت الْأسود بن عبد يَغُوث: فَقَالَ: من هَذِه؟ قَالُوا: هِيَ خالدة بنت الْأسود بن يَغُوث. فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت، وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ "، وَكَانَت الْمَرْأَة صَالِحَة، وأبوها كَانَ كَافِرًا.
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خَلقكُم من تُرَاب﴾ أَي: خلق أصلكم من تُرَاب؛ وَهُوَ آدم صلوَات الله عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ أَي: تجيئون وَتَذْهَبُونَ، وَيُقَال: (تنتشطون) .
30:21Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: خلق حَوَّاء من ضلع آدم، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: خلق من أمثالكم أَزْوَاجًا لكم، وَالنِّسَاء من جنس الرِّجَال؛ لأَنهم جَمِيعًا من بني آدم.
وَقَوله: ﴿لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخلق مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا﴾ أَي: ليأنس بهَا.
وَقَوله: ﴿وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾ الْمَوَدَّة: الْحبّ والعطف، وَقد يتَّفق بَين الزَّوْجَيْنِ من الْعَطف والمودة مَا لَا يتَّفق بَين الْأَقَارِب. وَعَن مُجَاهِد وَالْحسن وَعِكْرِمَة أَنهم قَالُوا: الْمَوَدَّة: الوطئ، وَالرَّحْمَة: الْوَلَد.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ التفكر: هُوَ طلب الْمَعْنى من الْأَشْيَاء فِيمَا يتَعَلَّق بِالْقَلْبِ.
30:22Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢
And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة هُوَ اخْتِلَاف اللُّغَات؛ فللفرس لُغَة، وللروم لُغَة، وللترك لُغَة، وللعرب لُغَة، وَمَا أشبه هَذَا. وَذكر كَعْب الْأَحْبَار أَن الله تَعَالَى قسم اثْنَتَيْنِ وَسبعين لُغَة بَين النَّاس، فلولد سَام [تسع عشرَة] لُغَة ولولد حام [سبع عشرَة] لُغَة، وَالْبَاقِي لولد يافث. وَأما اخْتِلَاف الألوان فَهُوَ أَن هَذَا أَحْمَر، وَهَذَا أسود، وَهَذَا أَبيض، مَا أشبه هَذَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة هُوَ اخْتِلَاف النغمات، فَلَا يتَّفق لاثْنَيْنِ نَغمَة وَاحِدَة، وَاخْتِلَاف الألوان مَعْلُوم بَين النَّاس، وَإِن كَانَ كلهم بيضًا أَو سُودًا، فَلَا يتَّفق لونان من جَمِيع الْوُجُوه. وَفِيه حِكْمَة عَظِيمَة، وَهُوَ أَنه لَو اتّفقت الألوان والأسنة [لبطل] التَّمْيِيز، فَلم يعرف الْأَب ابْنه، وَالِابْن أَبَاهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْأُخوة والأزواج وَجَمِيع النَّاس.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾ قَرَأَ حَفْص بن عَاصِم: " للْعَالمين " هُوَ جمع عَالم، وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: " للْعَالمين " يَعْنِي: الْجِنّ وَالْإِنْس وَجَمِيع الْخلق.
30:23Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣
And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته منامكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وابتغاؤكم من فَضله﴾ أَي: منامكم بِاللَّيْلِ، وابتغاؤكم من فَضله بِالنَّهَارِ. وَيُقَال مَعْنَاهُ: وَمن آيَاته منامكم [واشتغالكم] من فضل الله بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يسمعُونَ﴾ أَي: يسمعُونَ مَا يذكر لَهُم من هَذِه الْآيَات.
30:24Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤
And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق﴾ مَعْنَاهُ: من آيَاته أَنه يريكم الْبَرْق، وَقد بَينا وَجه القَوْل فِي الْبَرْق. وَعَن بَعضهم قَالَ: إِذا أبرقت السَّمَاء أَرْبَعِينَ برقة فَلَا يخلفه أَي: لَا يتَأَخَّر الْمَطَر، قَالَ الشَّاعِر:
(لَا يكن (برقا كبرق) خلبا ... إِن خير الْبَرْق [مَا] الْغَيْث مَعَه) وَقَوله: ﴿خوفًا وَطَمَعًا﴾ أَي: خوفًا للْمُسَافِر، وَطَمَعًا للحاضر، وَيُقَال: خوفًا من الصَّوَاعِق، وَطَمَعًا فِي الْغَيْث.
وَقَوله: ﴿وَينزل من السَّمَاء مَاء فيحيي بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
30:25Page 407
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥
And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: تَكُونَا بأَمْره، وَالْقَوْل الثَّانِي: يَدُوم قيامهما بأَمْره) . وَقد أَقَامَ السَّمَاء بِغَيْر عمد ودام ذَلِك إِلَى وقته الْمُسَمّى، وَهُوَ بأَمْره.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض﴾ قيل: إِن الدعْوَة من صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، وَيُقَال: هِيَ من السَّمَاء. والدعوة: هِيَ دَعْوَة إسْرَافيل.
وَقَوله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: يدعوكم أَن تخْرجُوا من الأَرْض، وَهَذَا على القَوْل الَّذِي يَقُول إِن الدعْوَة من السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿إِذا أَنْتُم تخرجُونَ﴾ قد ذكرنَا.
30:26Page 407
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦
And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون﴾ أَي: مطيعون، وَيُقَال: مقربون بالعبودية.
وَقَوله: ﴿وَله﴾ أَي: وَله ملكا وخلقا. فَإِن قيل: إِذا حملنَا الْقُنُوت على الطَّاعَة فَلَيْسَ كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يطيعونه! وَالْجَوَاب: أَنه لَيست الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى طَاعَة الْعِبَادَة، إِنَّمَا الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى الانقياد بذل كل شَيْء لما خلق لَهُ.
30:27Page 407
وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق﴾ أَي: ينشئ الْخلق ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَي: يُحْيِيكُمْ بعد مَا يميتهم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ وَالله لَا يشْتَد عَلَيْهِ شَيْء؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ أَي: هُوَ هَين عَلَيْهِ. وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَهُوَ عَلَيْهِ هَين ". قَالَ الفرزدق شعرًا:
(إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول)
((بَيت) زُرَارَة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشل)
وَقَوله: أعز وأطول أَي عزيزة طَوِيلَة، وَقَالَ آخر:
(لعمرك لَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول)
أَي: (لوجل) . وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن مَعْنَاهُ: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ على مَا يَقع فِي عُقُولهمْ؛ فَإِن الَّذِي يَقع فِي عقول الْخلق أَن الْإِعَادَة أَهْون من الْإِنْشَاء، وَيُقَال مَعْنَاهُ: هُوَ أَهْون على الْخلق؛ لِأَن من ابْتَدَأَ شَيْئا مِمَّا يشق عَلَيْهِ، فَإِذا (أعَاد) ثَانِيًا يكون أسهل وأهون.
وَقَوله: ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى﴾ أَي: الصّفة الْأَعْلَى، وَالصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا شريك لَهُ وَلَيْسَ كمثله شَيْء، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ قَتَادَة: الصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: هَذِه صفة لَهُ عِنْد أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز من حَيْثُ الانتقام، الْحَكِيم من حَيْثُ التَّدْبِير.
30:28Page 407
ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨
He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم﴾ أَي: شبها من مثالكم، ثمَّ ذكر الشّبَه فَقَالَ: ﴿هَل لكم من مَا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم﴾ وَمَعْنَاهُ: هَل لكم فِي أَمْوَالكُم شُرَكَاء من عبيدكم يساونكم فِيهَا؟ فَإِذا لم ترضوا بِهَذَا لأنفسكم فَكيف ترضونه لي وتصفونني بِهِ؟ .
وَقَوله: ﴿فِيمَا رزقناكم﴾ أَي: فِيمَا أعطيناكم من الرزق وَالْمَال.
وَقَوله: ﴿فَأنْتم فِيهِ سَوَاء﴾ إِشَارَة إِلَى مَا قُلْنَا.
وَقَوله: ﴿تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم﴾ أَي: تخافون من مشاركتهم لكم فِي أَمْوَالكُم كَمَا تخافون من أمثالكم، وَهُوَ الشَّرِيك الْحر من الشَّرِيك الْحر، وَأَنْفُسكُمْ هُنَا بِمَعْنى أمثالكم، وَفِيه قَول آخر قَالَه سعيد بن جُبَير، وَهُوَ أَن الْآيَة نزلت فِي تَلْبِيَة الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك، لَا شريك لَك إِلَّا شَرِيكا هُوَ لَك، تملكه وَمَا ملك.
وَقَوله: ﴿تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم﴾ أَي: تخافونهم فِي اللائمة كَمَا تخافون لائمة أمثالكم.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ أَي: ينظرُونَ إِلَى هَذِه الدَّلَائِل بعقولهم.
30:29Page 407
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩
But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم﴾ الْأَهْوَاء جمع الْهوى، والهوى مَا يهواه الْإِنْسَان، وَعَن بَعضهم: الْهوى أعظم معبود.
وَقَوله: ﴿بِغَيْر علم﴾ أَي: اتبعُوا أهواءهم جهلا بِمَا لَا [يجب] عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿فَمن يهدي من أضلّ الله﴾ أَي: أضلّهُ الله.
﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطرت الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل﴾
وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ أَي: يمنعهُم من عذابنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences