As-Sam'aniSaba · 34:21–54

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Saba 34:21–54

34:21Page 430

وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١

And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم من سُلْطَان﴾ أَي: من سُلْطَان على الْمُؤمنِينَ.

وَقَوله: ﴿إِلَّا لنعلم﴾ مَعْنَاهُ: لكَي نعلم ﴿من يُؤمن بِالآخِرَة مِمَّن هُوَ مِنْهَا فِي شكّ﴾ أَي: لنعلم الْمُؤمن من الْكَافِر علم وُقُوع، وَقد علم علم الْغَيْب، وَقد بَينا هَذَا من قبل. قَالَ ابْن فَارس: هَذَا على عَادَة كَلَام الْعَرَب مَعَ الجهلة، فَإنَّك لَو قلت: السكين تقطع اللَّحْم، أَو اللَّحْم يقطع السكين، وَقد علم قطعا أَن السكين هُوَ الَّذِي يقطع اللَّحْم، وَلَكِن يخرج الْكَلَام على خطاب الْجَاهِل، وَتَقْرِير الْأَمر لَهُ.

وَقَوله: ﴿وَرَبك على كل شَيْء حفيظ﴾ أَي: رَقِيب.

34:22Page 430

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢

Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله﴾ أَي: الَّذين زعمتم [أَنهم] آلِهَة من دون الله. وَفِي الْآيَة حذف، والمحذوف ادعوهُمْ ليكشفوا عَنْكُم الضّر الَّذِي نزل بكم، وَذَلِكَ فِي سني الْجُوع، وَكَانَ الله تَعَالَى ضَربهمْ بِالْجُوعِ حَتَّى أكلُوا الميتات يَعْنِي قُرَيْش ثمَّ قَالَ: ﴿لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة﴾ أَي: الْأَصْنَام لَا تملك مِثْقَال ذرة أَي: وزن ذرة من النَّفْع والضر، والذرة هِيَ النملة الْحَمْرَاء.

وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض﴾ ظَاهر.

وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم فيهمَا من شرك﴾ أَي: مَا للآلهة الَّتِي تدعون من دون الله شركَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض.

وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير﴾ أَي: معِين.

34:23Page 431

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣

And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ﴾ أَي: أذن الله لَهُ، وَقُرِئَ: " إِلَّا لمن أذن لَهُ " أَي: إِلَّا لمن أذن لَهُ فِي شَفَاعَته.

وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم﴾ لَا بُد أَن يكون هَا هُنَا مَحْذُوف؛ لِأَن حَتَّى من ضَرُورَته أَن يتَّصل بِمَا تقدم، وَلم يُوجد شَيْء يتَّصل بِهِ، فَيجوز أَن يكون الْمَحْذُوف إِثْبَات فزع وَالْمَلَائِكَة وخوفهم إِذا قضى الله تَعَالَى بِأَمْر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض.

وَقَوله: ﴿فزع عَن قُلُوبهم﴾ أَي: كشف الْفَزع عَن قُلُوبهم.

وَقُرِئَ فِي الشاذ: " فزع عَن قُلُوبهم " أَي: فرغت قُلُوبهم عَن الْخَوْف.

وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة: " أَن الْمَلَائِكَة تسمع صَوت الْوَحْي شبه السلسلة على الصفوان فيصعقون، ويضربون بأجنحتهم خضعانا لله تَعَالَى ".

وَفِي رِوَايَة: " يخرون على جباههم، فَإِذا كشف الْفَزع عَنْهُم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم﴾ " أَي: قَالَ بَعضهم لبَعض: مَاذَا قَالَ ربكُم؟

وَقَوله: ﴿قَالُوا الْحق﴾ أَي: قَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى الْحق أَي: الْوَحْي وَذكر السّديّ وَغَيره: أَنه لما كَانَ زمَان الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَت بِمِقْدَار سِتّمائَة سنة، فَلم تسمع الْمَلَائِكَة وَحيا فِي هَذِه الْمدَّة، فَلَمَّا بعث مُحَمَّد ﴿من يرزقكم من السَّمَوَات وَالْأَرْض قل الله وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي، ففزعوا لذَلِك خوفًا من قيام السَّاعَة، فَلَمَّا كشف الْفَزع عَن قُلُوبهم سَأَلُوا عَمَّا قَضَاهُ الله من أمره، فَذكر لَهُم أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى مُحَمَّد.

وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعلي الْكَبِير﴾ أَي: المتعالي الْعَظِيم فِي صِفَاته.

34:24Page 431

۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤

Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من يرزقكم من السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فالرزق من السَّمَوَات هُوَ الْمَطَر، وَمن الأَرْض هُوَ النَّبَات.

وَقَوله: ﴿قل الله﴾ يَعْنِي: إِن لم يَقُولُوا: إِن رازقنا هُوَ الله تَعَالَى، فَقل أَنْت إِن رازقكم هُوَ الله تَعَالَى.

وَقَوله: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ فَإِن قيل: " أَو " فِي كَلَام الْعَرَب للشَّكّ، فَكيف تستقيم كلمة أَو فِي هَذَا الْموضع؟ وَلَا يجوز لأحد أَن يشك أَنه على الْهدى أَو على الضلال، وَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: مَا ذكره الْفراء وَهُوَ: أَو هَا هُنَا بِمَعْنى الْوَاو، وَالْألف صلَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " وَإِنَّا وَإِيَّاكُم لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين " يَعْنِي: نَحن على الْهدى وَأَنْتُم فِي الضلال. قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي شعرًا:

(يَقُول الأرذلون بَنو قُشَيْر ... طوال الدَّهْر لَا تنسى عليا؟)

(أحب مُحَمَّدًا حبا شَدِيدا ... وعباسا وَحَمْزَة والوصيا)

(فَإِن يَك حبهم رشدا أصبه ... وَفِيهِمْ أُسْوَة إِن كَانَ غيا)

فَقيل: مَا شَككت، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هذى أَو فِي ضلال مُبين﴾ . وروى معنى هَذَا القَوْل عَن عِكْرِمَة.

وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ﴾ خرج على شدَّة الاستبصار، وعَلى طَرِيق المناصفة فِي الْكَلَام، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: أَحَدنَا كَاذِب، فَهَل من سامع؟ وَهُوَ مُتَيَقن أَن الصَّادِق هُوَ، والكاذب صَاحبه. وَكَذَلِكَ يَقُول الْمولى لعَبْدِهِ عِنْد شدَّة الْغَضَب: تعال نَنْظُر أَيّنَا يضْرب صَاحبه، وَهُوَ يعلم أَنه هُوَ الَّذِي يضْرب غُلَامه.

وَالثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه فال معنى الْآيَة: مَا نَحن وَأَنْتُم على طَريقَة وَاحِدَة، بل أَحَدنَا على الْهدى، وَالْآخر على الضَّلَالَة، ثمَّ المهتدى من الْفَرِيقَيْنِ مَعْلُوم، والضال من الْفَرِيقَيْنِ مَعْلُوم، وَهَذَا القَوْل قريب من الأول، وَهُوَ حسن.

34:25Page 431

قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا تسْأَلُون عَمَّا أجرمنا﴾ أَي: عَن جرمنا.

وَقَوله: ﴿وَلَا نسْأَل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: عَن عَمَلكُمْ من الْكفْر والمعاصي.

34:26Page 431

قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦

Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يجمع بَيْننَا رَبنَا﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.

وَقَوله: ﴿ثمَّ يفتح بَيْننَا﴾ أَي: يحكم بَيْننَا، وَالْعرب تسمي الْحَاكِم فتاحا، وَقد ذكرنَا.

وَقَوله: ﴿وَهُوَ الفتاح الْعَلِيم﴾ ظَاهر. وَيُقَال: هُوَ الْحَاكِم الْعَالم بِوُجُوه الْمصلحَة.

34:27Page 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أروني الَّذين ألحقتهم بِهِ شُرَكَاء﴾ أَي: ألحقتموهم بِاللَّه شُرَكَاء.

وَقَوله: ﴿أروني﴾ أَي: أعلموني مَاذَا خلقُوا؟ وماذا صَنَعُوا؟

وَقَوله: ﴿كلا﴾ يَعْنِي: فَإِن لم تجيبوا بِالْحَقِّ، فَقل: كلا أَي: لَيْسَ الْأَمر على مَا زعمتم.

وَقَوله: ﴿بل هُوَ الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب على أمره، الْحَكِيم فِي تَدْبيره.

34:28Page 431

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ أَي: جَامعا بالإنذار والإبلاغ. وَقيل: وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا للنَّاس كَافَّة، على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود ".

وَعَن ابْن زيد: كَافَّة للنَّاس أَي: كافا للنَّاس عَن الْكفْر، وَالْهَاء للْمُبَالَغَة.

وَقَوله: ﴿بشيرا وَنَذِيرا﴾ أى: مبشرا ومنذرا.

وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَنَّك نَبِي. وَفِي بعض التفاسير: أَن أجل فَائِدَة للعباد من الله هُوَ الْعلم وَالْقُدْرَة؛ لِأَن بهما يكْتَسب الْإِنْسَان مَا يوصله إِلَى رضَا الله تَعَالَى، قَالَ: وَالْعلم أَكثر فَائِدَة من الْقُدْرَة؛ لِأَن الْعلم يتمخض نفعا، وَالْقُدْرَة قد يكْتَسب بهَا الْمعْصِيَة.

34:29Page 431

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ يَعْنِي: الْقِيَامَة.

34:30Page 431

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠

Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."

وَقَوله: ﴿قل لكم ميعاد يَوْم لَا تستأخرون عَنهُ سَاعَة وَلَا تستقدمون﴾ قد فسر هَذَا بِيَوْم الْبَعْث، وَقد فسر بِيَوْم الْمَوْت، وَكِلَاهُمَا صَحِيح.

34:31Page 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لن نؤمن بِهَذَا الْقُرْآن﴾ إِي: أشركوا.

وَقَوله: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.

وَقَوله: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ موقوفون عِنْد رَبهم﴾ أَي: محبوسون عِنْد رَبهم.

وَقَوله: ﴿يرجع بَعضهم إِلَى بعض القَوْل﴾ أَي: يُجَادِل بَعضهم بَعْضًا.

وَقَوله: ﴿يَقُول الَّذين استضعفوا﴾ أَي: استحقروا، وهم الأتباع.

وَقَوله: ﴿للَّذين استكبروا﴾ أَي: تجبروا، وهم القادة والأشراف.

وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَنْتُم لَكنا مُؤمنين﴾ أَي: لَوْلَا أَنكُمْ كُنْتُم قادتنا ورؤساءنا لآمَنَّا بِاللَّه وبرسوله.

34:32Page 432

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذين استكبروا﴾ أَي: تكبروا.

وَقَوله: ﴿للَّذين استضعفوا﴾ أَي: الأتباع.

وَقَوله: ﴿أَنَحْنُ صددناكم عَن الْهدى بعد إِذْ جَاءَكُم﴾ أَي: منعناكم.

وَقَوله: ﴿بل كُنْتُم مجرمين﴾ أَي: الجرم كَانَ لكم فِي اتباعكم أهواءكم.

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين استضعفوا للَّذين استكبروا بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ أَي: مكركم بِنَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار. وَالْعرب قد تضيف الْفِعْل إِلَى اللَّيْل وَالنَّهَار على توسع الْكَلَام، قَالَ الشَّاعِر:

(لقد لمتنا يَا أم غيلَان فِي السرى ... ونمت وَمَا ليل الْمطِي بنائم)

وَقيل: بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار مَعْنَاهُ: طول الأمل، وَطول الأمل هُوَ مكر اللَّيْل وَالنَّهَار على طَرِيق الْمجَاز، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار " أَي: كرور اللَّيْل وَالنَّهَار.

وَقَوله: ﴿إِذْ تأمروننا أَن نكفر بِاللَّه ونجعل لَهُ أندادا﴾ أَي: أشباها.

وَقَوله: ﴿وأسروا الندامة﴾ قد بَينا أَن قَوْله: ﴿وأسروا﴾ قد يكون بِمَعْنى أخفوا، وَقد يكون بِمَعْنى أظهرُوا.

قَوْله: ﴿لما رَأَوْا العاب﴾ أَي: عاينوه.

وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا الأغلال فِي أَعْنَاق الَّذين كفرُوا﴾ هُوَ فرع من عَذَاب أهل النَّار.

وَقَوله: ﴿هَل يجزون إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: يعْملُونَ من الْكفْر والمعاصي.

34:34Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها﴾ أَي: منعموها وأغنياؤها، والترفة: النِّعْمَة.

وَقَوله: ﴿إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون﴾ أَي: جاحدون.

34:35Page 432

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا نَحن أَكثر أَمْوَالًا وأولادا﴾ يَعْنِي: قَالَ المترفون للْفُقَرَاء الَّذين آمنُوا نَحن أَكثر أَمْوَالًا وأولادا.

وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بمعذبين﴾ الْعَذَاب الَّذِي يُعَذبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْفقر. وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ أظهر الْقَوْلَيْنِ أَن الَّذِي خولنا وأعطانا الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد فِي الدُّنْيَا لَا يعذبنا فِي الْآخِرَة.

34:36Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن رَبِّي يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ الْآيَة. وَردت لرد قَوْلهم، وَمَعْنَاهُ: يبسط الرزق امتحانا وابتلاء، ويضيق الرزق (نظرا) .

وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر.

34:37Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ بِالَّتِي تقربكم عندنَا زلفى﴾ أَي: قربى. وروى عَن طَاوس الْيَمَانِيّ أَنه كَانَ يَدْعُو، وَيَقُول: اللَّهُمَّ جنبني المَال وَالْولد، وارزقني الْإِيمَان وَالْعَمَل.

وَفِي الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " اللَّهُمَّ من أَحبَّنِي فارزقه العفاف والكفاف، وَمن أبغضني فَأكْثر مَاله وَولده ".

وَقَوله: ﴿إِلَّا من آمن وَعمل صَالحا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن [من] آمن وَعمل صَالحا.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى الْآيَة ﴿إِلَّا من آمن وَعمل صَالحا﴾ فَأُولَئِك تقربهم أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ إِلَى طَاعَة الله، وَهَذَا أظهر الْقَوْلَيْنِ.

وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك لَهُم جَزَاء الضعْف﴾ أَي: التَّضْعِيف، وَيُقَال: جَزَاء المضاعفة. والمضاعفة هُوَ أَنه يَجْزِي بِالْوَاحِدِ عشرا إِلَى سَبْعمِائة.

وَقَوله: ﴿وهم فِي الغرفات آمنون﴾ أَي: (فِي) غرفات الْجنَّة آمنون من الْعَذَاب، وَقيل: من الْمَوْت، وَقيل: من الأحزان.

34:38Page 432

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يسعون فِي آيَاتنَا معاجزين﴾ قد بَينا معنى قَوْله: ﴿معاجزين﴾ و ﴿معجزين﴾ .

وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَاب محضرون﴾ أَي: مدخلون.

34:39Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن رَبِّي يبسط الرزق لمن يَشَاء من عباده وَيقدر لَهُ﴾ فَإِن قيل: هَذَا تكْرَار لِلْآيَةِ الأولى فَلَا يكون فِيهِ فَائِدَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن فِيهِ فَائِدَة، وَهُوَ أَن الْآيَة الأولى فِيمَن لَا يعلم؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ وَالْآيَة الثَّانِيَة فِيمَن يعلم حِكْمَة الله تَعَالَى (فِي) الْبسط وَالتَّقْدِير.

وَقَوله: ﴿وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه﴾ أَي: يُعْطي خَلفه. وَاخْتلف القَوْل فِي مَوضِع إِعْطَاء الْخلف فالأكثرون أَن (ذَلِك) فِي الْآخِرَة أَو الدُّنْيَا.

روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا من صباح إِلَّا وينادي ملكان، يَقُول أَحدهمَا: اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا، وَيَقُول الآخر: اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفا ".

وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: هُوَ فِي الدُّنْيَا خَاصَّة، وَلَو لم يكن يخلف فِي الدُّنْيَا لبقي العَبْد بِلَا رزق. وَالْقَوْل الأول أحسن.

وَقَوله: ﴿وَهُوَ خير الرازقين﴾ أَي: خير من يرْزق وَيُعْطِي.

34:40Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يحشرهم جَمِيعًا ثمَّ يَقُول للْمَلَائكَة أَهَؤُلَاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يعْبدُونَ﴾ يَقُول الله تَعَالَى ذَلِك للْمَلَائكَة توبيخا لمن عبدهم، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ وَالْمعْنَى على مَا بَينا.

34:41Page 433

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تَسْبِيح الله: تَعْظِيم لَهُ على وَجه يَنْفِي عَنهُ كل سوء.

وَقَوله: ﴿أَنْت ولينا من دونهم﴾ أَي: نَحن نتولاك وَلَا نتولاهم.

وَقَوله: ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ (فَإِن قيل: كَيفَ يَصح قَوْله: ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ ) وهم عبدُوا الْمَلَائِكَة؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قَالَ: ﴿بل كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ﴾ لِأَن الْجِنّ هم الَّذين زَينُوا لَهُم عبَادَة الْمَلَائِكَة، (وَالْمرَاد من الْجِنّ الشَّيَاطِين، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم صوروا صور الْجِنّ، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة) فاعبدوهم.

وَقَوله: ﴿أَكْثَرهم بهم مُؤمنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

34:42Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

قَوْله تَعَالَى: ﴿فاليوم لَا يملك بَعْضكُم لبَعض نفعا وَلَا ضرا﴾ أَي: جلب نفع وَدفع ضرّ.

وَقَوله: ﴿ونقول للَّذين ظلمُوا ذوقوا عَذَاب النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون﴾ أَي: تجحدون.

34:43Page 433

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات﴾ أَي: واضحات.

وَقَوله: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رجل يُرِيد أَن يصدكم﴾ أَي: يمنعكم ﴿غما كَانَ يعبد آباؤكم﴾ أَي: من الْأَصْنَام.

وَقَوله: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إفْك مفترى﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن كذب مختلق.

وَقَوله: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للحق لما جَاءَهُم إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ أَي: بَين.

34:44Page 433

وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤

And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم من كتب يدرسونها﴾ أَي: يقرءونها.

وَقَوله: ﴿وَمَا أرسلنَا إِلَيْهِم قبلك من نَذِير﴾ أَي: لم يَأْتِ الْعَرَب قبلك نَبِي، وَلَا ينزل عَلَيْهِم كتاب، وَالْمرَاد مِنْهُ قُرَيْش.

34:45Page 433

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥

And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكذب الَّذين من قبلهم﴾ مَعْنَاهُ: الَّذين مضوا من قبلهم، وهم عَاد وَثَمُود وَقوم مُوسَى وَقوم إِبْرَاهِيم وَقوم لوط وَغَيرهم.

وَقَوله: ﴿وَمَا بلغُوا معشار مَا آتَيْنَاهُم﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير أَن المُرَاد من الْآيَة هُوَ أَن هَؤُلَاءِ الْكفَّار وهم قُرَيْش مَا بلغُوا معشار مَا آتَيْنَا الَّذين من قبلهم فِي الْقُوَّة وَالْمَال والآلة. وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: وَمَا بلغ الَّذين من قبلهم معشار مَا آتَيْنَا هَؤُلَاءِ يَعْنِي: أَن كتاب هَؤُلَاءِ أبين كتاب، ورسولهم أفضل رَسُول، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمَعْرُوف. وَأما المعشار فَهُوَ الْعشْر، وَقيل: عشر الْعشْر، وَذَلِكَ جُزْء من مائَة (جُزْء) ، وَقيل: هُوَ عشر عشر الْعشْر، وَهُوَ جُزْء من ألف جُزْء.

وَقَوله: ﴿فكذبوا رُسُلِي فَكيف كَانَ نَكِير﴾ أَي: إنكاري وتغييري.

34:46Page 433

۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا أعظكم بِوَاحِدَة﴾ وَقَالَ مُجَاهِد: بِطَاعَة الله. وَقيل: بتوحيد الله، وَهُوَ قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله. وَذكر أهل الْمعَانِي مثل الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا أَن معنى قَوْله: ﴿أعظكم بِوَاحِدَة﴾ أَي: آمركُم بخصلة وَاحِدَة، ثمَّ بَين الْخصْلَة (فَقَالَ) : ﴿أَن تقوموا لله مثنى وفرادى﴾ أَي: تجتمعون فتنظرون وتحاورون وتنفردون، وتخلون فتتفكرون وَالْمعْنَى: انْظُرُوا فِي حَال مُحَمَّد عِنْد الِاجْتِمَاع وَعند الْخلْوَة فتعرفوا أَنه لَيْسَ بساحر، وَلَا بكاهن، وَلَا بِهِ جُنُون، وَلَا الَّذِي أَتَى بِهِ شعرًا.

وَقَوله: ﴿تقوموا لله﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْقيام الَّذِي هُوَ ضد الْجُلُوس، وَإِنَّمَا هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن تقوموا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ .

وَقَوله: ﴿ثمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بصاحبكم من جنَّة﴾ أَي: جُنُون.

وَقَوله: ﴿إِن هُوَ إِلَّا نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد﴾ أَي: عَظِيم.

34:47Page 433

قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا سألتكم من أجر﴾ أَي: من جعل فَهُوَ لكم أَي: تركته لكم. وَالْمعْنَى: أَنِّي مَا سألتكم من جعل، لَا أَنه سَأَلَ وَترك.

وَقَوله: ﴿إِن أجري إِلَّا على الله﴾ أَي: مَا ثوابي إِلَّا على الله.

وَقَوله: ﴿وَهُوَ على كل شَيْء شَهِيد﴾ أَي: شَاهد.

34:48Page 433

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨

Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن رَبِّي يقذف بِالْحَقِّ﴾ أَي: يَأْتِي بِالْحَقِّ.

وَقَوله: ﴿علام الغيوب﴾ مَنْصُوب بِأَن، وَقُرِئَ: " علام الغيوب " بِالرَّفْع أَي: هُوَ علام الغيوب.

34:49Page 434

قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل جَاءَ الْحق﴾ أَي: الْقُرْآن، وَقيل: الرَّسُول.

وَقَوله: ﴿وَمَا يبدئ الْبَاطِل﴾ قَالَ قَتَادَة: الْبَاطِل هُوَ الشَّيْطَان هَا هُنَا أَي: مَا يبدئ الشَّيْطَان شَيْئا [ ﴿وَمَا يُعِيد﴾ ] . وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن الله تَعَالَى يقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل، فَيذْهب الْبَاطِل وَلَا يبْقى مِنْهُ بَقِيَّة تبدئ شَيْئا أَو تعيده. وَقيل: الْبَاطِل هُوَ الْأَصْنَام.

34:50Page 434

قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠

Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن ضللت فَإِنَّمَا أضلّ على نَفسِي﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما بعث رَسُول الله وَجعل يعيب الْأَصْنَام، قَالَ لَهُ الْمُشْركُونَ: إِنَّك قد ضللت بتركك دين آبَائِك؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.

وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا أضلّ على نَفسِي﴾ أَي: إِثْم ضلالتي عَليّ.

وَقَوله: ﴿وَإِن اهتديت فبمَا يوحي إِلَيّ رَبِّي﴾ أَي: من الْقُرْآن والحجج.

وَقَوله: ﴿إِنَّه سميع قريب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

34:51Page 434

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١

And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ فزعوا﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو ترى إِذْ فزعوا حِين يبعثون، وَفِي الْآيَة جَوَاب مَحْذُوف، والمحذوف: وَلَو ترى إِذا فزعوا حِين يبعثون لرأيت عِبْرَة يعتير بهَا، وَيُقَال: وَلَو ترى إِذْ فزعوا أَرَادَ بِهِ وَقت الْمَوْت.

وَقَوله: ﴿فَلَا فَوت﴾ أى: لَا يفوتون من الله، كَمَا قَالَ الله فِي مَوضِع آخر: ﴿ولات حِين مناص﴾ .

وَقَوله: ﴿وَأخذُوا من مَكَان قريب﴾ فِي التَّفْسِير: أخذُوا من تَحت أَقْدَامهم. وَيُقَال: أخذُوا من بطن الأَرْض (إِلَى ظهرهَا) .

34:52Page 434

وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢

And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2

قَوْله: ﴿وَقَالُوا آمنا بِهِ﴾ يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة، وَقيل: عِنْد الْمَوْت، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده﴾ .

وَقَوله: ﴿وأنى لَهُم التناوش﴾ قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَكثير من الْمُفَسّرين: التناوش هُوَ التَّنَاوُل قَالَ الشَّاعِر:

(وَهِي تنوش الْحَوْض نوشا من علا

(نوشا بِهِ تقطع) أجواز الفلا)

وَمعنى الْآيَة على هَذَا أَنهم يُرِيدُونَ أَن يتناولوا الْإِيمَان، وَقد بعد عَنْهُم ذَلِك وفاتهم، فَأنى لَهُم ذَلِك. وَقُرِئَ " وأنى لَهُم التناوش " بِالْهَمْز، وَذكر أهل اللُّغَة أَن النئيش هُوَ الْحَرَكَة فِي إبطاء، فَالْمَعْنى على هَذَا أَنه من أَنى لَهُم حركتهم فِيمَا لَا حِيلَة لَهُم فِيهِ. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: معنى قَوْله: ﴿وأنى لَهُم التناوش﴾ أَنهم يسْأَلُون الرَّد إِلَى الدُّنْيَا، وأنى لَهُم الرَّد.

وَقَوله: ﴿من مَكَان بعيد﴾ أى: من الْآخِرَة إِلَى الدُّنْيَا.

34:53Page 434

وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣

And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقد كفرُوا بِهِ من قبل﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ، وَقيل: بِمُحَمد.

وَقَوله: ﴿من قبل﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا.

وَقَوله: ﴿ويقذفون بِالْغَيْبِ﴾ أَي: يظنون ظن الْغَيْب، وَمعنى ظن الْغَيْب: أَنهم يَقُولُونَ مَا لَا يعلمُونَ؛ وَقَوْلهمْ فِيمَا لَا يعلمُونَ هُوَ أَنهم قَالُوا: مُحَمَّد سَاحر، وكاذب، وكاهن، وشاعر، وَيُقَال: قَوْلهم فِيمَا لَا يعلمُونَ أَنهم يَقُولُونَ: (لَا بعث وَلَا جنَّة) وَلَا نَار.

.

وَقَوله: ﴿من مَكَان بعيد﴾ أَنهم يَقُولُونَ: مَا أبعد هَذَا، (وَيُقَال) : من مَكَان بعيد أَي: بعيد من (علمهمْ) . وَالْقَذْف هُوَ الرَّجْم وَالرَّمْي، وَجُمْلَة الْمَعْنى أَنهم يَخُوضُونَ فِيمَا لَا علم لَهُم بِهِ.

34:54Page 434

وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤

And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وحيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ الْإِيمَان وَقبُول التَّوْبَة. وَيُقَال: المَال وَالْولد. (وَقيل) : نعْمَة الدُّنْيَا وزهوتها. وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: مَا تَلَوت هَذِه الْآيَة إِلَّا وَذكرت المَاء الْبَارِد.

وَقَوله: ﴿كَمَا فعل بأشياعهم من قبل﴾ أَي: الْأُمَم الْمَاضِيَة. وَقيل: بأصحاب الْفِيل. والأشياع: جمع شيعَة، وهم الْفرق.

وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا فِي شكّ مريب﴾ أَي: فِي شكّ مرتابين، وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن الشاك كَافِر بِخِلَاف مَا قَالَه بعض النَّاس، وَهُوَ غلط عَظِيم فِي الدّين، وَقد دلّت هَذِه الْآيَة على أَن الشاك كَافِر وَهُوَ فِي النَّار، وَكَذَلِكَ دلّ على هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا فويل للَّذين كفرُوا من النَّار﴾ فقد أوجب لَهُم الْكفْر وَالنَّار بِالظَّنِّ. وَقد رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا آمنا بِهِ وأنى لَهُم التناوش﴾ قَالَ: هَذِه الْآيَة نزلت فِي جَيش السفياني، وَهُوَ رجل [يخرج] فِي أَخْوَاله من كلب، فَخسفَ الله بهم بِالْبَيْدَاءِ إِلَّا رجلا وَاحِدًا يخبر النَّاس مَا صنع الله بهم، وَفِيه قصَّة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском