As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
الصافات
As-Saffat
Those who set the Ranks · Meccan · 182 ayahs
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تَفْسِير سُورَة الصافات
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصَّافَّات صفا﴾ روى مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود، وَعِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَنهم الْمَلَائِكَة، وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَنهم عباد السَّمَاء.
وَعَن بَعضهم: أَن المُرَاد مِنْهُ صُفُوف الْمُسلمين فِي الْجَمَاعَات، وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا) .
وَأشهر الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول، وَالْمَلَائِكَة صُفُوف فِي السَّمَاء يذكرُونَ الله تَعَالَى وَيذكرهُمْ، وَيُقَال: إِن معنى الْآيَة أَن الْمَلَائِكَة تصف أَجْنِحَتهَا إِذا نزلت إِلَى الأَرْض.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فالزاجرات زجرا﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين أَن المُرَاد بهم الْمَلَائِكَة تزجر السَّحَاب لتسوقه إِلَى الْموضع الَّذِي يُريدهُ الله تَعَالَى.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا زواجر الْقُرْآن.
فَأَما قَوْله: ﴿فالتاليات ذكرا﴾ ذهب أَكْثَرهم أَن المُرَاد بهَا الْمَلَائِكَة وَهِي تتلوا ذكر الله.
وَالْقَوْل الثَّانِي: انهم الْأَنْبِيَاء يَتلون مَا أنزل الله تَعَالَى وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا آيَات الْقُرْآن تتلى لذكر الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿إِن إِلَهكُم لوَاحِد﴾ هَذَا هُوَ مَوضِع الْقسم، فأقسم الله تَعَالَى بِمَا قدم ذكره، وَقَوله: ﴿وَالصَّافَّات﴾ أَي: وَرب الصافات صفا، وَهَكَذَا فِيمَا بعده.
37:5Page 446
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Lord of the heavens and the earth and that between them and Lord of the sunrises.1
وَقَوله: ﴿رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ وَمعنى الْآيَة أَن إِلَهكُم لوَاحِد، وَهُوَ رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا ﴿وَرب الْمَشَارِق﴾ أَي: وَرب المسارق والمغارب.
فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ وَقَالَ هَا هُنَا: ﴿رب الْمَشَارِق﴾ فَكيف وَجهه التَّوْفِيق بَين هَذِه الْآيَة وَأَخَوَاتهَا؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أما قَوْله: ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب﴾ فَالْمُرَاد مِنْهُ الْجِهَة، وللمشرق جِهَة وَاحِدَة، وللمغرب جِهَة وَاحِدَة.
وَأما قَوْله: ﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ فَالْمُرَاد من المشرقين: مشرق الشتَاء، ومشرق الصَّيف، فَأَما قَوْله: ﴿وَرب الْمَشَارِق﴾ فللشمس مَشَارِق تطلع كل يَوْم من مشرق غير الْمشرق الَّذِي طلعت فِيهِ أمس، وَكَذَلِكَ المغارب، فاستقام على هَذَا وُجُوه الْآيَات.
37:6Page 446
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Indeed, We have adorned the nearest heaven with an adornment of stars
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بزينة الْكَوَاكِب﴾ أَي: بِحسن الْكَوَاكِب وضيائها، وَقَرَأَ عَاصِم: " بزينة الْكَوَاكِب " أَي: بتزيينا الْكَوَاكِب، وَقَرَأَ حَمْزَة: " بزينة الْكَوَاكِب " بخفض الْبَاء وتنوين الزِّينَة، وَالْكَوَاكِب على هَذِه الرِّوَايَة تدل على الزِّينَة، وَالْمعْنَى: إِنَّا زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بالكواكب.
37:7Page 446
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
And as protection against every rebellious devil
وَقَوله: ﴿وحفظا﴾ أَي: وحفظناها حفظا، وَقَوله: ﴿من كل شَيْطَان مارد﴾ أَي: متمرد، والشيطان: كل متمرد عَاتٍ من إنس أَو جن أَو جنَّة، قَالَ الشَّاعِر:
(مَا لَيْلَة القفير إِلَّا شَيْطَان ... )
والقفير: الْبِئْر الْبَعِيدَة القعر،
37:8Page 446
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,1
قَوْله ﴿لَا يسمعُونَ﴾ وَقُرِئَ: " لَا يسمعُونَ " بِنصب السِّين، وَقَوله: ﴿لَا يسمعُونَ﴾ أَي: لَا يَسْتَمِعُون، وَقَوله: ﴿لَا يسمعُونَ﴾ أَي: لَا يَسْتَمِعُون.
وَقَوله: ﴿إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى﴾ أَي: الْمَلَائِكَة، وَمعنى الْآيَة: أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ الِاسْتِمَاع إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى.
وَقَوله: ﴿ويقذفون﴾ أَي: يرجمون، وَقَوله: ﴿من كل جَانب﴾ من جَوَانِب السَّمَاء،
وَقَوله: ﴿دحورا﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَي: مطرودين، وَقَالَ قَتَادَة: يرْمونَ رميا، والدحر هُوَ الإبعاد، وَيُقَال: دحره الله أَي: أبعده الله.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَذَاب واصب﴾ أَي: دَائِم،
37:10Page 446
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Except one who snatches [some words] by theft, but they are pursued by a burning flame, piercing [in brightness].
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من خطف الْخَطفَة﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن من خطف الْخَطفَة، والخطف هُوَ الاستلاب بِسُرْعَة، واختطافهم واستلابهم كَلَام الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿فَأتبعهُ شهَاب ثاقب﴾ أَي: شهَاب مضيء، وَقيل: محرق، وَعَن يزِيد الرقاشِي قَالَ: ثاقب أَي: يثقبهم فَينفذ من جَانب آخر، والشهاب: هُوَ النَّجْم هَا هُنَا.
37:11Page 446
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاستفتهم﴾ أَي: فاسألهم ﴿أهم أَشد خلقا أم من خلقنَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: المُرَاد مِنْهُ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال، وَزعم أهل الْمعَانِي: أَنه لَا بُد أَن تكون الْمَلَائِكَة وَمَا خلقه الله من الْجِنّ وَالَّذين يعْقلُونَ مرَادا بِالْآيَةِ؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿أم من خلقنَا﴾ وَمن لَا تذكر إِلَّا فِيمَا يعقل.
وَقَوله: ﴿إِنَّا خلقناهم من طين لازب﴾ أَي: لاصق، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ لَازم؛ قَالَ الشَّاعِر: ﴿وَلَا تحسبون الْخَيْر لَا شَرّ بعده ... وَلَا تحسبون الشَّرّ ضَرْبَة لازب﴾
أَي: لَازم.
وَقَوله: ﴿بل عجبت﴾ وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: " بل عجبت " على إِضَافَة التَّعَجُّب إِلَى الله، وَهِي قِرَاءَة عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس.
وَفِي بعض الْآثَار المسندة عَن شَقِيق بن سَلمَة أَنه قَالَ: كنت عِنْد شُرَيْح؛ فَقَرَأت " بل عجبت ويسخرون " فَقَالَ شُرَيْح: بئس الْقِرَاءَة هَكَذَا، وَالله تَعَالَى لَا يتعجب من شَيْء، وَهُوَ عَالم بالأشياء كلهَا؛ فَقَالَ شَقِيق: قد ذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِن شريحا رجل معجب بِعِلْمِهِ، وَعبد الله بن مَسْعُود أعلم مِنْهُ.
فَأَما الْقِرَاءَة بِالنّصب، فَهُوَ خطاب للنَّبِي وَمَعْنَاهُ: بل عجبت من وحينا إِلَيْك، وَقيل: من تكذيبهم إياك مَعَ وضوح الدَّلَائِل.
وَقَوله: ﴿ويسخرون﴾ أَي: يسخرون ويستهزءون بك، وَأما الْقِرَاءَة بِضَم التَّاء فالتعجب من الله لَيْسَ هُوَ مثل التَّعَجُّب من الْآدَمِيّين، وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿فيسخرون مِنْهُم سخر الله مِنْهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ فَمَعْنَى قَوْله: ﴿عجبت﴾ أَي: عظم حلمي عَن ذنوبهم، والمتعجب هُوَ الَّذِي يرى مَا يعظم عِنْده، وَقيل: ﴿بل عجبت﴾ أَي: حل فعلهم مَحل مَا يتعجب مِنْهُم.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عجب ربكُم من شَاب لَيْسَ لَهُ صبوة))
وروى عَن النَّبِي - أَنه قَالَ: ((عجب ربكُم من إِلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ وَسُرْعَة إجَابَته [إيَّاكُمْ] ".
وَقَوله: ﴿وَإِذا ذكرُوا لَا يذكرُونَ﴾ وَإِذا وعظوا لَا يتعظون.
وَقَوله: ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَة يستسخرون﴾ أَي: يسخرون، وَيُقَال: يستدعى بَعضهم من بعض سخريا،
37:15Page 446
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥
And say, "This is not but obvious magic.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ أَي: سحر بَين.
37:16Page 446
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦
When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
وَقَوله: ﴿أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا وعظاما ائنا لمبعوثون﴾ قَالُوا ذَلِك على طَرِيق الْإِنْكَار،
وَقَوله: ﴿أَو آبَاؤُنَا الْأَولونَ﴾ أَي: نبعث وَيبْعَث آبَاؤُنَا الْأَولونَ.
37:18Page 446
قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨
Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل نعم﴾ أَي: نعم لتبعثون، وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم داخرون﴾ أَي: صاغرون ذليلون، قَالَ الشَّاعِر:
((وَلم يبْق إِلَّا داخر فِي مخيس ... ومنجحر فِي غير أَرْضك فِي جحري))
37:19Page 446
فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩
It will be only one shout, and at once they will be observing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة﴾ أَي: صَيْحَة وَاحِدَة.
قَوْله: ﴿فَإِذا هم ينظرُونَ﴾ أَي: ينتظرون، وَقيل: ينظر بَعضهم إِلَى بعض.
37:20Page 446
وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠
They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا يَا ويلنا هَذَا يَوْم الدّين﴾ أَي: يَوْم الْحساب وَيَوْم الْجَزَاء،
37:21Page 446
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١
[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْم الْفَصْل﴾ أَي: يَوْم الْقَضَاء، وَقيل: يَوْم الْفَصْل بَين المحسن والمسيء، وَقَوله: ﴿الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ أَي: تجحدون.
37:22–23Page 446
۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢
[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣
Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire
قَوْله تَعَالَى: ﴿احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم﴾ الَّذين ظلمُوا هم الْمُشْركُونَ.
وَقَوله: ﴿وأزواجهم﴾ أَي: وأشباههم، وَقيل: وقرناءهم، وَيُقَال: وأتباعهم.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا يعْبدُونَ من دون الله﴾ من الْأَصْنَام، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ أَي: ارشدوهم إِلَى طَرِيق النَّار.
37:24Page 446
وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤
And stop them; indeed, they are to be questioned."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وقفوهم﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: (فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم) ثمَّ قَالَ: ﴿وقفوهم﴾ قُلْنَا: لأَنهم يوقفون على الصِّرَاط للمساءلة، وَيُقَال: إِن هَذَا أَشد فِي التعذيب والتوبيخ. وَفِي الْخَيْر عَن النَّبِي قَالَ: " لَا تَزُول قدما بني آدم يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع: عَن شبابه فِيمَا أبلاه، وَعَن عمره فِيمَا أفناه، وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وَأَيْنَ وَضعه، وَعَن علمه مَاذَا فعل بِهِ؟ ".
37:25Page 447
مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥
[They will be asked], "What is [wrong] with you? Why do you not help each other?"
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لكم لَا تناصرون﴾ أَي: لَا تتناصرون؛ فينصر بَعْضكُم بَعْضًا. وَفِي التَّفْسِير: أَن أَبَا جهل هُوَ الْقَائِل: نَحن جَمِيع منتصر، على مَا حكى الله تَعَالَى فَقَالَ الله تَعَالَى ردا لقَوْله: ﴿مَا لكم لَا تناصرون﴾ أَي: لينصر بَعْضكُم الْبَعْض الْيَوْم إِن كُنْتُم صَادِقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل هم الْيَوْم مستسلمون﴾ يَعْنِي: استسلموا وعضوا بِأَيْدِيهِم، وَعرفُوا أَنه لَا خلاص لَهُم من الْهَلَاك وَالْعَذَاب.
37:27Page 447
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧
And they will approach one another asking [i.e., blaming] each other.
وَقَوله: ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ مَعْنَاهُ أَي: ويتلاومون، قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّكُم كُنْتُم تأتوننا عَن الْيَمين﴾ قَالَ الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا من أهل الْمعَانِي: أَي من قبل الَّذين تلبسونه علينا، وَقيل: من قبل الْجنَّة تثبطوننا عَنْهَا، وَذكر بَعضهم: أَن رُؤَسَاء الْكفَّار كَانَ يحلفُونَ [للأتباع] أَنهم على الْحق.
37:28Page 447
قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨
They will say, "Indeed, you used to come at us from the right."1
فَقَوله: ﴿إِنَّكُم كُنْتُم تأتوننا عَن الْيَمين﴾ أَي: عَن الْأَيْمَان الَّتِي حلفوا بهَا أَنهم صَادِقُونَ، وَالْيَمِين يذكر وَيُرَاد بِهِ الْقُوَّة، قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا مَا راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ)
أَي: بِالْقُوَّةِ.
37:29Page 447
قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩
They [i.e., the oppressors] will say, "Rather, you [yourselves] were not believers,
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا بل لم تَكُونُوا مُؤمنين﴾ أَي: رُؤَسَاء يَقُولُونَ ذَلِك للأتباع،
37:30Page 447
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠
And we had over you no authority, but you were a transgressing people.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لنا عَلَيْكُم من سُلْطَان بل كُنْتُم قوما طاغين﴾ يَعْنِي: إِنَّكُم فَعلْتُمْ مَا فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، وَلم نَفْعل بكم شَيْئا.
37:31Page 447
فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١
So the word [i.e., decree] of our Lord has come into effect upon us; indeed, we will taste [punishment].
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَحق علينا قَول رَبنَا﴾ أَي: وَجب علينا عَذَاب رَبنَا، قَالَ الْحسن: الضال والمضل جَمِيعًا فِي النَّار؛ فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لذائقون﴾ أَي: ذائقون الْعَذَاب.
37:32Page 447
فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢
And we led you to deviation; indeed, we were deviators."
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأغويناكم إِنَّا كُنَّا غاوين﴾ أَي: أضللناكم إِنَّا كُنَّا ضَالِّينَ.
37:33Page 447
فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣
So indeed they, that Day, will be sharing in the punishment.
قَوْله: ﴿فَإِنَّهُم يَوْمئِذٍ فِي الْعَذَاب مشتركون﴾ يَعْنِي: أَنهم جَمِيعًا فِي الْعَذَاب.
37:34Page 447
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤
Indeed, that is how We deal with the criminals.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَذَلِك نَفْعل بالمجرمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، والجرم هَا هُنَا هُوَ الشّرك.
37:35Page 447
إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥
Indeed they, when it was said to them, "There is no deity but Allāh," were arrogant
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَن كلمة التَّوْحِيد، ويمتنعون مِنْهَا.
37:36Page 447
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦
And were saying, "Are we to leave our gods for a mad poet?"
قَوْله تَعَالَى: ﴿أئنا لتاركوا آلِهَتنَا لشاعر مَجْنُون﴾ قَالُوا ذَلِك للنَّبِي، فَقَالَ الله تَعَالَى ردا عَلَيْهِم:
37:37Page 447
بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧
Rather, he [i.e., the Prophet (ﷺ)] has come with the truth and confirmed the [previous] messengers.
﴿بل جَاءَ بِالْحَقِّ وَصدق الْمُرْسلين﴾ أَي: الْمُرْسلين الَّذين سبقوا فِي الرسَالَة.
37:38–39Page 447
إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨
Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,
وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩
And you will not be recompensed except for what you used to do -
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم لذائقوا الْعَذَاب الْأَلِيم وَمَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى،
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عباد الله المخلصين﴾ أَي: الَّذين أَخْلصُوا فِي التَّوْحِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُم رزق مَعْلُوم﴾ أَي: مُقَدّر، ورزقهم الْمُقدر هُوَ رزقهم بكرَة وعشيا،
وَقَوله: ﴿فواكه وهم مكرمون﴾ الْفَوَاكِه جمع الْفَاكِهَة.
وَقَوله: ﴿وهم مكرمون﴾ أَي: بإدخالهم الْجنَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي جنَّات النَّعيم﴾ يَعْنِي: إِنَّهُم فِي جنَّات النَّعيم.
وَقَوله: ﴿على سرر مُتَقَابلين﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لَا ينظر بَعضهم فِي قفا الْبَعْض.
37:45Page 447
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُطَاف عَلَيْهِم بكأس من معِين﴾ أَي: الْخمر الْجَارِي.
وَقَوله: ﴿بَيْضَاء لَذَّة للشاربين﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: خمر الْجنَّة أَبيض من اللَّبن، قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " صفراء لَذَّة للشاربين ".
37:47Page 447
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا فِيهَا غول﴾ أَي: لَا تغتال عُقُولهمْ، قَالَ الشَّاعِر:
(فَمَا زَالَت الكأس تغتالنا ... وتصرع بِالْأولِ الأول)
وَيُقَال: الْخمر غول الْعقل، وَالْحَرب غول النَّفس، وَيُقَال: الغول هُوَ الغائلة، وَمن الغائلة ذهَاب عقلهم، وَسَائِر الْمَفَاسِد الَّتِي فِي الْخمر، وَيُقَال فِي الْخمر أَرْبَعَة أَشْيَاء: السكر، والصداع، والقيء، و (الْبَوْل) ، وَلَا يُوجد من هَذِه الْأَرْبَع فِي خمر الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ يُقَال: أنزف الرجل إِذا سكر، قَالَ الشَّاعِر:
(لعمري لَئِن أنزفتم أَو صحوتم ... لبئس الندامى كُنْتُم آل أبجرا)
37:48Page 447
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدهم قاصرات الطّرف﴾ أَي: اللَّاتِي قصرن أطرافهن على أَزوَاجهنَّ أَي: عينهن أَي: حبسن فَلَا ينظرن إِلَى غير أَزوَاجهنَّ.
وَقَوله: ﴿عين﴾ أَي: حسان الْأَعْين، وَفِي التَّفْسِير: الْبيَاض شَدِيد الْبيَاض، والسواد شَدِيد السوَاد، يَعْنِي فِي الْعين.
وَقَوله: ﴿كأنهن بيض مَكْنُون﴾ الْعَرَب تشبه وَجه الْمَرْأَة فِي الْبيَاض بَيْضَة النعامة، وَيَقُولُونَ: أحسن اللَّوْن بَيَاض اللَّوْن مشوب بالصفرة، قَالَ ذُو الرمة:
(كحلاء فِي بزخ صفراء فِي دعجٌ ... كَأَنَّهَا فضَّة قد مَسهَا ذهب)
وَقَوله: ﴿مَكْنُون﴾ أَي: مَسْتُور مصون من الريش (والخمار) .
وَقَالَ بَعضهم: فِي قَوْله ﴿بيض مَكْنُون﴾ شبههن ببياض الْبَيْضَة عِنْد خُرُوجهَا من قشرتها، وَقيل: شبه بالسحاء الَّذِي بَين القشر الْأَعْلَى وَبَين الْبيَاض.
37:50Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأقبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ أَي: يسْأَل بَعضهم بَعْضًا عَن حَاله فِي الدُّنْيَا.
37:51Page 447
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِل مِنْهُم إِنِّي كَانَ لي قرين﴾ قَالَ مُجَاهِد: القرين هَا هُنَا: هُوَ الشَّيْطَان (يغويه) ، وَيُقَال: القرين هَا هُنَا: قرينه الَّذِي كَانَ يَدعُوهُ إِلَى الْكفْر.
قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: نزلت الْآيَة فِي رجلَيْنِ كَانَا فِي بني إِسْرَائِيل اكتسبا مَالا عَظِيما، وَيُقَال: ورثا مَالا عَظِيما واقتسماه، فأنفق أَحدهمَا نصِيبه على الْفُقَرَاء، وَأما الآخر فَاشْترى بِهِ عقارا ودورا وأثرى، وهما اللَّذَان ذكرهمَا الله تَعَالَى فِي سُورَة الْكَهْف، وَقَالَ بَعضهم: هما أَخَوان سواهُمَا.
37:52Page 448
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
وَقَوله: ﴿يَقُول أئنك لمن المصدقين﴾ أَي: المصدقين بِالْبَعْثِ.
37:53Page 448
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
وَقَوله: ﴿أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا وعظاما أئنا لمدينون﴾ هَذَا قَول قرينه، وَقَوله: ﴿لمدينون﴾ أَي: محاسبون، وَقيل: مجزيون، يُقَال: كَمَا تدين تدان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَل أَنْتُم مطلعون﴾ اخْتلف القَوْل فِي هَذَا، فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَن الله تَعَالَى يَقُول لَهُم: ﴿هَل أَنْتُم مطلعون﴾ .
وَالْآخر: أَن هَذَا الْمُؤمن يَقُول لإخوانه من أهل الْجنَّة هَل أَنْتُم مطلعون؟
37:55Page 448
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاطلع فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم﴾ أَي: فِي وسط الْجَحِيم، وَإِنَّمَا سمي وسط الشَّيْء سَوَاء لِاسْتِوَاء الجوانب مِنْهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ تالله إِن كدت لتردين﴾ أَي: لتهلكني، يُقَال: كَاد يفعل كَذَا أَي: قَارب، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " إِن كدت لتغويني " من الإغواء.
37:57Page 448
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا نعْمَة رَبِّي لَكُنْت من المحضرين﴾ أَي: وَلَوْلَا رَحْمَة رَبِّي لَكُنْت من المحضرين النَّار أَي: الَّذين دخلُوا النَّار.
37:58–60Page 448
أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨
Then, are we not to die
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠
Indeed, this is the great attainment.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفما نَحن بميتين إِلَّا موتتنا الأولى وَمَا نَحن بمعذبين﴾ فَيُقَال: أجيبونا فَلَا يجيبون لاستغراقهم فِي الْعَذَاب، يَقُولُونَ: ﴿إِن هَذَا لَهو الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَعَن بَعضهم: " أَنه يجاء بِالْمَوْتِ على صُورَة كَبْش فَيذْبَح على مَا ورد بِهِ الْخَبَر "، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: أفما نَحن بميتين إِلَّا موتتنا الأولى على طَرِيق الْإِقْرَار والتعجب وَالسُّرُور بذلك.
37:61Page 448
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
﴿لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ﴾ أَي: لمثل هَذَا الْمنزل، ولمثل هَذَا النَّعيم، فليعمل الْعَامِلُونَ.
37:62–64Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
قَوْله تَعَالَى: ﴿أذلك خير نزلا﴾ النزل: هُوَ الْعَطاء الدَّار، وَيُقَال: النزل هُوَ إصْلَاح مَا ينزل عَلَيْهِم.
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿أذلك خير نزلا أم شَجَرَة الزقوم﴾ وَلَا خير فِي شَجَرَة الزقوم أصلا؟
الْجَواب عَنهُ قد سبق وَعَن مثل هَذَا، وَالْعرب تَقول: تعال نَنْظُر الصُّلْح خير أم الْحَرْب، والفقر خير أم الْغنى، وَالصِّحَّة خير أم السقم، وَإِنَّمَا يُرِيد تَقْرِير الْأَمر للمخاطب أَنه لَا خير إِلَّا فِي أَحدهمَا.
وَقَوله: ﴿أم شَجَرَة الزقوم﴾ اخْتلفُوا فِي هَذِه الشَّجَرَة، فالأكثرون أَنَّهَا شَجَرَة لَا يعرف لَهَا مثل فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ قطرب: هِيَ شَجَرَة مرّة خبيثة تكون بتهامة، وَقَالَ بَعضهم: نبت قَاتل.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة؛ قَالَ أَبُو جهل: هَل تعرفُون الزقوم؟ فَقَالَ عبد الله بن الزبعري: نعم نعرفه؛ هُوَ بِلِسَان البربر الزبدة وَالتَّمْر وَأورد بَعضهم: أَنه بلغَة الْيمن فَقَالَ أَبُو جهل لجاريته: ابغي لنا زبدا وَتَمْرًا، فَجَاءَت بذلك، فَقَالَ: هُوَ الزقوم الَّذِي خوفكم بِهِ مُحَمَّد، فتزقموا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِنَّهَا شَجَرَة تخرج فِي أصل الْجَحِيم﴾ أَي: فِي قَعْر الْجَحِيم.
37:65Page 448
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
وَقَوله: ﴿طلعها كَأَنَّهُ رُءُوس الشَّيَاطِين﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿طلعها كَأَنَّهُ رُءُوس الشَّيَاطِين﴾ ورءوس الشَّيَاطِين لم يرهَا أحد، وَلَا يجوز التَّعْرِيف إِلَّا بِمَا يعرف؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه كَانَ مُسْتَقرًّا فِي النُّفُوس قبح رُءُوس الشَّيَاطِين، وَأَن جَمِيعهم على أقبح صُورَة؛ فَشبه بهَا على مَا اسْتَقر فِي النُّفُوس، قَالَ الشَّاعِر:
(يقاتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال) فَشبه بأنياب الأغوال، وَلم ير الأغوال، وَلَكِن صَحَّ التَّشْبِيه لما تقرر فِي النُّفُوس قبحها، وَقَالَ بَعضهم: الشَّيْطَان هَا هُنَا حَيَّة قبيحة المنظر، فَمَعْنَاه: كَأَنَّهَا رُءُوس الْحَيَّات، وَالْعرب تسمي كل قَبِيح مَكْرُوه شَيْطَانا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ اسْم لنبت من الثَّمر خشن اللَّمْس منتن الرّيح.
وَقَوله: ﴿إِنَّا جعلناهم فتْنَة للظالمين﴾ فتنتهم بهَا هُوَ مَا قَالَ أَبُو جهل، وَزعم أَنه الزّبد وَالتَّمْر، وَمن فتنتهم أَيْضا بهَا أَنهم قَالُوا كَيفَ تنْبت شَجَرَة فِي النَّار، وَالنَّار تحرق الشّجر؟
37:66Page 448
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُم لآكلون مِنْهَا فمالئون مِنْهَا الْبُطُون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences