As-Sam'aniSad · 38:26–58

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

Sad 38:26–58

38:26Page 454

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦

[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض﴾ أَي: خَليفَة عَمَّن سبق، وَيُقَال: خليفتي؛ وَمن هَذَا يجوز أَن يُسمى الْخُلَفَاء خلفاء الله.

وَقَوله: ﴿فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ، وَقَوله: ﴿وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ أَي: يصدك ويردك عَن سَبِيل الله.

وَقَوله: ﴿إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: لَهُم عَذَاب شَدِيد يَوْم الْحساب بِمَا نسوا أَي: تركُوا أَمر الله وغفلوا عَن الْقِيَامَة.

وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى كَانَ قد بعث سلسلة من السَّمَاء، وَكَانَ يخْتَصم إِلَى دَاوُد، والخصمان والسلسلة قُدَّام مَجْلِسه، فَكَانَ يَأْمر كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يَأْخُذ السلسلة، وَكَانَ ينالها المحق وَلَا ينالها الْمُبْطل، فاشتدت هيبته فِي بني إِسْرَائِيل لذَلِك، فاختصم رجلَانِ فِي عقد لُؤْلُؤ أودعهُ أَحدهمَا من صَاحبه وجحده الْمُودع، فَعمد الْمُودع إِلَى عَصا وقورها، وَجعل العقد فِيهَا، فَلَمَّا اخْتَصمَا إِلَى دَاوُد أَمرهمَا بالتحاكم إِلَى السلسلة، فَذهب الْمُدَّعِي إِلَى السلسلة، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي أودعت هَذَا الرجل عقد لُؤْلُؤ، وَلم يردهُ إِلَى، فأنلني السلسلة، ثمَّ رفع يَده ونالها، وَجَاء صَاحبه إِلَى السلسلة، والعصا فِي يَده، فَقَالَ للْمُدَّعِي: أمسك هَذِه الْعَصَا حَتَّى آخذ السلسلة، فَأَخذهَا مِنْهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي قد رَددتهَا إِلَيْهِ فأنلني السلسلة، ثمَّ إِنَّه رفع يَده، ونال السلسلة؛ فتحير دَاوُد وَبَنُو إِسْرَائِيل فِي ذَلِك.

وَرفع الله السلسلة، وَأمر دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام بِأَن يقْضِي بَين النَّاس بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِين؛ فجرت السّنة على ذَلِك إِلَى قيام السَّاعَة.

38:27Page 455

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧

And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا﴾ أَي: لعبا، وَقيل: لغير حِكْمَة، وَقَوله: ﴿ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الله تَعَالَى يعذب الْكفَّار بِالظَّنِّ الْبَاطِل، وَقَوله: ﴿فويل للَّذين كفرُوا من النَّار﴾ أَي: من نَار جَهَنَّم.

38:28Page 455

أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨

Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا﴾ مَعْنَاهُ: أنجعل الَّذين آمنُوا (وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض) أَي: لَا نجْعَل.

وَقَوله: ﴿أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ أَي: الْمُؤمنِينَ كالكفار، وَيُقَال: المُرَاد بالمتقين هَا هُنَا أَصْحَاب رَسُول الله، وَقيل: بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب، والفجار هم وُجُوه الْمُشْركين وسادتهم.

38:29Page 455

كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩

[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك﴾ أَي: هَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك.

وَقَوله: ﴿ليدبروا آيَاته﴾ أَي: ليتدبروا ويتفكروا فِي آيَاته، وَقَوله: ﴿وليتذكروا أولو الْأَلْبَاب﴾ أَي: يتَذَكَّر أولو الْعُقُول، قَالَ الْحسن فِي قَوْله: ﴿أولو الْأَلْبَاب﴾ عَاتَبَهُمْ لِأَنَّهُ أحبهم.

38:30Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ قد بَينا.

38:31Page 455

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

قَوْله: ﴿إِذْ عرض عَلَيْهِ بالْعَشي الصافنات الْجِيَاد﴾ أَي: الْخَيل الْجِيَاد، والصافنات: هِيَ الْخَيل الَّتِي قَامَت على ثَلَاث قَوَائِم، وثنى إِحْدَى قوائمه، وَقَامَ على السنبك.

وَقيل: والصافن فِي اللُّغَة: هُوَ الْقَائِم، وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من سره أَن يكون النَّاس لَهُ صُفُونا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " أَي: قيَاما. قَالَ الشَّاعِر:

(ألف الصفون فَمَا يزَال كَأَنَّهُ ... مِمَّا يقوم على الثَّلَاث كسيرا)

وَقَوله: ﴿الْجِيَاد﴾ أَي: السراع، قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: كَانَت [عشْرين] فرسا لَهَا أَجْنِحَة، وَقَالَ عِكْرِمَة: عشرُون ألف فرس لَهَا أَجْنِحَة، وَقَالَ بَعضهم: كَانَت ألفا من الْخَيل الْعتاق أَي: الْكِرَام، وَيُقَال أَيْضا: إِن الله تَعَالَى كَانَ أخرجهَا لَهُ من الْبَحْر.

38:32Page 455

فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢

And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر﴾ أَي: آثرت حب الْخَيْر، وَأما الْخَيْر؛ فَأكْثر الْمُفَسّرين على أَنَّهَا الْخَيل فِي هَذِه الْآيَة، وَكَذَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود بِاللَّامِ.

وروى أَن زيد الْخَيل الطَّائِي وَفد إِلَى النَّبِي فَقَالَ لَهُ النَّبِي: " من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا زيد الْخَيل. فَقَالَ: أَنْت زيد الْخَيْر ".

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْخَيْر هَا هُنَا هُوَ الدُّنْيَا أَي: آثرت الدُّنْيَا على ذكر رَبِّي أَي: صَلَاة الْعَصْر.

قَوْله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ أَي: تَوَارَتْ الشَّمْس بالحجاب، فكنى عَن الشَّمْس وَإِن لم يجر لَهَا ذكر، وَقد بَينا مِثَال هَذَا، وَيُقَال: قد سبق مَا يدل على ذكر الشَّمْس، فاستقامت الْكِنَايَة عَنْهَا، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ عرض عَلَيْهِ بالْعَشي﴾ والعشي لَا يعرف إِلَّا بالشمس.

وَأما الْحجاب، فَيُقَال: إِنَّه جبل قَاف، وَالشَّمْس تغرب من وَرَائه، وَيُقَال: إِنَّه جبل من ياقوت أَخْضَر، وخضرة السَّمَاء مِنْهُ.

38:33Page 455

رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣

[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ردوهَا عَليّ﴾ أَي: ردوا الْخَيل عَليّ، وَقَوله: ﴿فَطَفِقَ مسحا بِالسوقِ والأعناق﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين إِلَى أَن المُرَاد مِنْهُ أَنه قطع عراقيبها وأعناقها، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة، وَأوردهُ الْفراء والزجاج.

قَالَ الْحسن: كسف عراقيبها وَضرب أعناقها، قَالَ الزّجاج: وَيجوز أَن يكون الله تَعَالَى أَبَاحَ لَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَحرم فِي هَذَا الْوَقْت علينا وَلم يكن ليقدم نَبِي الله تَعَالَى على ذَلِك، وَهُوَ محرم عَلَيْهِ، وَكَيف يسْتَغْفر من ذَنْب بذنب؟ ! .

وَعَن ابْن عَبَّاس فِي بعض الرِّوَايَات: أَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام جعل يمسح عراقيبها وأعناقها بِيَدِهِ وثوبه؛ شَفَقَة عَلَيْهَا، وَهَذَا قَول ضَعِيف، وَلَا يَلِيق هَذَا الْفِعْل بِمَا سبق، وَالْمَشْهُور هُوَ القَوْل الأول.

وَذكر الْكَلْبِيّ: أَن الْخَيل كَانَت ألفا، فَقتل مِنْهَا تِسْعمائَة وَبقيت مائَة، فَهِيَ أصل الْخَيل الْعتاق الَّتِي بقيت فِي أَيدي النَّاس.

وَيُقَال: إِنَّهَا كَانَت خيلا أَخذهَا من العمالقة، وَكَانَت تعرض عَلَيْهِ؛ فَغَفَلَ عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس، فَأمر بردهَا عَلَيْهِ، وَقطع عراقيبها، وَضرب أعناقها؛ لِأَنَّهَا ألهته عَن ذكر الله، وَيُقَال: ذَبحهَا ذبحا وَتصدق بِلُحُومِهَا، وَكَانَ الذّبْح حَلَالا فِي شَرِيعَته على ذَلِك الْوَجْه.

38:34Page 455

وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤

And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد فتنا سُلَيْمَان﴾ أَي: اختبرنا سُلَيْمَان فابتليناه، وَيُقَال: فتنا سُلَيْمَان أَي: ألقيناه فِي الْفِتْنَة.

وَقَوله: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثمَّ أناب﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين إِلَى أَن الْجَسَد الَّذِي ألقِي على كرْسِي سُلَيْمَان هُوَ صَخْر الجني.

قَالَ السّديّ: كَانَ اسْمه حبقيق، وَعَن بَعضهم: ان اسْمه كَانَ آصف، وَالْمَعْرُوف هُوَ الأول، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا.

وَأما قصَّته: فزعموا أَن صخرا كَانَ شَيْطَانا ماردا لَا يقوى عَلَيْهِ أحد، فَابْتلى الله تَعَالَى سُلَيْمَان بِهِ، وسلبه ملكه، وَقعد هَذَا الشَّيْطَان على كرسيه يقْضِي بَين النَّاس، وَكَانَ سَبَب ذَلِك فِيمَا زَعَمُوا أَن ملك سُلَيْمَان كَانَ فِي خَاتمه، قَالَ وهب: وَكَانَ ذَلِك الْخَاتم فَمَا ألبسهُ الله تَعَالَى آدم عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْجنَّة، وَكَانَ يضيء كضوء الشَّمْس، فَلَمَّا أكل آدم من الشَّجَرَة، وَعصى الله تَعَالَى سلب الْخَاتم.

ثمَّ إِن الله تَعَالَى أنزلهُ على سُلَيْمَان، وَعقد بِهِ ملكه، قَالُوا: وَكَانَ الْخَاتم مربعًا لَهُ أَرْبَعَة أَرْكَان، فِي ركن مِنْهُ مَكْتُوب: أَنا الله لم أزل، وَفِي الرُّكْن الثَّانِي مَكْتُوب: أَنا الله الْحَيّ القيوم، وَفِي الرُّكْن الثَّالِث مَكْتُوب: أَنا الْعَزِيز لَا عَزِيز غَيْرِي، وَفِي الرُّكْن الرَّابِع مَكْتُوب: مُحَمَّد رَسُول الله.

وَيُقَال: كَانَ الْمَكْتُوب عَلَيْهِ آيَة الْكُرْسِيّ، قَالُوا: وَكَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام إِذا دخل مغتسله سلم الْخَاتم إِلَى جَارِيَة لَهُ، فَدخل مرّة وَسلم الْخَاتم إِلَى الْجَارِيَة، فجَاء صَخْر فِي صُورَة سُلَيْمَان فَأخذ الْخَاتم من الْجَارِيَة، وَخرج سُلَيْمَان يطْلب الْخَاتم، فَقَالَت: قد أخذت مني الْخَاتم مرّة، فَعلم [سُلَيْمَان] أَن الله تَعَالَى سلبه ملكه.

وَذهب سُلَيْمَان يسيح فِي الأَرْض، وَلم يعرفهُ أحد بصورته، وَكَانَ يستطعم النَّاس وَيَقُول: أَنا سُلَيْمَان بن دَاوُد، فيكذبونه ويؤذونه ويزعمون أَنه مَجْنُون. حَتَّى روى أَنه استطعم مرّة من قوم وَزعم أَنه سُلَيْمَان بن دَاوُد، فَقَامَ رجل وشج رَأسه بعصا فِي يَده، ثمَّ إِنَّهُم أَعْطوهُ كسرة يابسة، فَحمل الكسرة إِلَى شط نهر ليبليها بِالْمَاءِ، وَكَانَ جائعا لم يصب طَعَاما مُنْذُ أَيَّام، فَذهب المَاء بالكسرة.

وَيُقَال: إِنَّه كَانَ على شط الْبَحْر، فَجَاءَت موجة وحملت الكسرة، فَدخل هُوَ الْبَحْر فِي إثْرهَا حَتَّى خَافَ الْغَرق فَرجع وَرجعت الكسرة ثمَّ إِنَّه طمع فِيهَا وَذهب ليأخذها، فَذَهَبت الكسرة، هَكَذَا مَرَّات؛ فَبكى سُلَيْمَان وتضرع إِلَى الله تَعَالَى فرحمه الله تَعَالَى ورد إِلَيْهِ ملكه.

وَكَانَ سَبَب رد ملكه إِلَيْهِ أَنه مر على قوم صيادين؛ فَسَأَلَهُمْ شَيْئا ليأكله فَأَعْطوهُ سَمَكَة ميتَة، فشق جوفها، فَوجدَ خَاتِمَة فِيهَا، فَجعله فِي إصبعه، وَعَاد إِلَيْهِ ملكه، وعكفت الطير فِي الْوَقْت على رَأسه، وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْإِنْس وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين.

وَأما مُدَّة ذهَاب ملكه كَانَ [أَرْبَعِينَ] يَوْمًا، وَأما حَدِيث صَخْر الجني فَإِنَّهُ لما أَخذ الْخَاتم، وَقد تحول فِي صُورَة سُلَيْمَان، ذهب وَقعد على كرسيه، وَجعل ينفذ مَا كَانَ ينفذهُ سُلَيْمَان إِلَّا أَن الله تَعَالَى مَنعه نسَاء سُلَيْمَان، هَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن.

وَقد ذكر غَيره أَنه كَانَ يُصِيب من نسَاء سُلَيْمَان فِي الْحيض، وَذكر أَنه يُصِيب فِي الْحيض وَغير الْحيض، وَالله أعلم.

وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه هَل بَقِي مَعَه الْخَاتم أَولا؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه ذهب وَطرح الْخَاتم فِي الْبَحْر.

وَالْقَوْل الآخر: أَنه كَانَ مَعَه، وَالْقَوْل الْأَشْهر أولى وَأعرف.

وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن بني إِسْرَائِيل أَنْكَرُوا أَمر صَخْر الجني؛ لِأَنَّهُ كَانَ يقْضِي بِغَيْر الْحق؛ فَذَهَبُوا إِلَى نسَاء سُلَيْمَان، وَقَالُوا لَهُنَّ: تنكرون من أَمر سُلَيْمَان شَيْئا، فَقُلْنَ: نعم؛ فَحِينَئِذٍ وَقع فِي قلبهم أَن سُلَيْمَان قد ابْتُلِيَ، وَأَن الله تَعَالَى سلبه ملكه، وَأَن الشَّخْص الَّذِي على الْكُرْسِيّ شَيْطَان.

فَأخذُوا التَّوْرَاة وَجَاءُوا إِلَى حول الْكُرْسِيّ وَجعل يقرءونها؛ فطار صَخْر إِلَى أشرف الْقصر، ثمَّ طَار من شرف الْقصر وَمر فَوَقع فِي الْبَحْر.

وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى لما رد على سُلَيْمَان ملكه، أَمر الشَّيَاطِين يطْلب صَخْر، فوجدوه وَحَمَلُوهُ إِلَى سُلَيْمَان؛ فصفده بالحديد، وَجعله فِي صندوق، وألقاه فِي الْبَحْر، فَهُوَ فِي الْبَحْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

وَأما السَّبَب [الَّذِي] ابْتُلِيَ الله لأَجله سُلَيْمَان، فَفِيهِ أَقْوَال كَثِيرَة:

أَحدهَا: أَن الله تَعَالَى كَانَ أمره أَلا يتَزَوَّج امْرَأَة من غير بني إِسْرَائِيل، فَخَالف وَتزَوج امْرَأَة من غَيرهم، فابتلاه الله تَعَالَى بِمَا ذكرنَا.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه تزوج بِامْرَأَة؛ فعبدت الْمَرْأَة صنما فِي دَاره من غير أَن يشْعر سُلَيْمَان بذلك، فابتلاه الله تَعَالَى لِغَفْلَتِه، وَهَذَا قَول مَشْهُور.

وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه كَانَت عِنْده امْرَأَة، وَكَانَ يُحِبهَا حبا شَدِيدا، فخاصم أَخُوهَا إِلَى سُلَيْمَان فِي شَيْء مَعَ إِنْسَان، فطلبت الْمَرْأَة من سُلَيْمَان أَن يقْضِي لأَخِيهَا؛ فَقَالَ لَهَا: نعم، وَلم يفعل ذَلِك، فابتلاه الله تَعَالَى.

وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنه احتجب من النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام، وَلم ياذن لأحد، ذكره شهر بن حَوْشَب، وابتلاه الله تَعَالَى بِمَا ذكرنَا، وَأوحى الله تَعَالَى يَا سُلَيْمَان، إِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُك وأعطيتك هَذَا الْملك؛ لتنصف المظلومين، وَتَكون عونا للضعفاء على الأقوياء، وَلم أعطك لتحتجب عَن النَّاس.

وَالْقَوْل الْخَامِس: أَنه قَالَ مرّة: وَالله لأطوفن اللَّيْلَة على نسَائِي، وَكَانَ لَهُ ثلثمِائة امْرَأَة، وَسَبْعمائة سَرِيَّة، ولتحملن كل امْرَأَة مِنْهُنَّ، وتلد غُلَاما يُقَاتل فِي سَبِيل الله، فَقَالَ لَهُ الْملك: قل إِن شَاءَ الله، فَلم يقل، فَلم تحمل امْرَأَة مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَة وَاحِدَة حملت، فَولدت نصف إِنْسَان، وابتلاه الله تَعَالَى.

وَهَذَا خبر مَرْفُوع إِلَى النَّبِي وعَلى هَذَا القَوْل كَانَ الْجَسَد الَّذِي ألقِي على كرسيه هُوَ وَلَده، وَذكر بَعضهم: أَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام ولدله ابْن، فخاف عَلَيْهِ من الشَّيَاطِين، فأودعه السَّحَاب لتربيه؛ فَسقط على كرسيه مَيتا، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا﴾ وَالله أعلم.

وَالْقَوْل السَّادِس: مَا رُوِيَ عَن الْحسن قَالَ: إِنَّه كَانَ أصَاب من بعض نِسَائِهِ فِي حَالَة الْحيض، فابتلاه الله تَعَالَى بِمَا ذكرنَا، وَالله أعلم بِمَا كَانَ، وَلَا شكّ أَن الْآيَة تدل على أَن الله تَعَالَى قد أقعد على كرسيه غَيره، وسلبه شَيْئا كَانَ لَهُ.

وَقَوله: ﴿ثمَّ أناب﴾ أَي: رَجَعَ إِلَى ملكه.

38:35Page 455

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥

He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ وَهل كَانَ هَذَا حسدا مِنْهُ لغيره، حَتَّى لَا ينَال غَيره مَا نَالَ هُوَ؟

وَالْجَوَاب: أَن معنى قَوْله: ﴿لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ أَي: لَا يكون لأحد من بعدِي على معنى انك تسلبه وتعطيه غَيره، كَمَا سلبت من قبل ملكي وَأعْطيت صخرا. . الْخَبَر.

وَيُقَال: إِنَّمَا طلب ذَلِك لتظهر كرامته وخصوصيته عِنْد الله تَعَالَى وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عرض لي اللَّيْلَة شَيْطَان، وَأَرَادَ أَن يفْسد عَليّ صَلَاتي؛ فأمكنني الله تَعَالَى مِنْهُ، فَأَخَذته وَأَرَدْت أَن أربطه حَتَّى تصبحوا فتنظروا إِلَيْهِ، ثمَّ ذكرت قَول أخي سُلَيْمَان ﴿رب هَب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ فتركته، ورده الله خائبا خاسئا ".

وَقَوله: ﴿إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ أَي: الْمُعْطِي.

38:36Page 455

فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦

So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,

قَوْله تَعَالَى: ﴿فسخرنا لَهُ الرّيح تجْرِي بأَمْره رخاء﴾ أَي: لينَة، وَقيل: رخاء مطيعة لَيست بعاصية.

وَقَوله: ﴿حَيْثُ أصَاب﴾ مَعْنَاهُ: حَيْثُ أَرَادَ، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ يَغْدُو بإيلياء، ويقيل بقزوين، ويبيت بِبَابِل، وَالْعرب تَقول: أصَاب الصَّوَاب فاخطأ الْجَواب أَي: أَرَادَ الصَّوَاب فَأَخْطَأَ الْجَواب وَقَالَ الشَّاعِر:

(وَغَيرهَا مَا غير النَّاس قبلهَا ... فناءت وحاجات الْفُؤَاد تصيبها)

أَي: تريدها،

38:37Page 455

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧

And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver

وَقَوله: ﴿وَالشَّيَاطِين كل بِنَاء وغواص﴾ أَي: وسخرنا الشَّيَاطِين لَهُ كل بِنَاء وغواص مِنْهُم، وتسخير الرّيح وَالشَّيَاطِين لَهُ بعد ابتلائه بِمَا ذكرنَا.

38:38Page 455

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨

And others bound together in irons.

وَقَوله: ﴿وَآخَرين مُقرنين فِي الأصفاد﴾ أَي: مغلولين فِي السلَاسِل، وَكَانَ يَأْخُذ [الشَّيْطَان] فيقربه بالشيطان ويصفدها فِي الْحَدِيد ويوبقهما فِي السلَاسِل ثمَّ يجعلهما فِي صندوق من حَدِيد، ويلقي الصندوق فِي قَعْر الْبَحْر.

38:39Page 455

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩

[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا عطاؤنا﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا وَهُوَ الأولى أَن الْملك عطاؤنا لَك ﴿فَامْنُنْ﴾ أَي: أعْط من شِئْت.

وَقَوله: ﴿أَو امسك﴾ أَي: امْنَعْ من شِئْت ﴿بِغَيْر حِسَاب﴾ أَي: بِغَيْر حرج.

وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿هَذَا عطاؤنا﴾ أَي: تسخير الشَّيَاطِين.

وَقَوله: ﴿فَامْنُنْ أَو أمسك﴾ أَي: أرسل من شِئْت، واحبس من شِئْت.

وَالْقَوْل الثَّالِث: ﴿هَذَا عطاؤنا﴾ أَي: النسْوَة عطاؤنا. وَقَوله: ﴿فَامْنُنْ أَو أمسك﴾ أَي: طلق من شِئْت، واحبس من شِئْت ﴿بِغَيْر حِسَاب﴾ أَي: بِغَيْر حرج،

38:40Page 455

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ أَي: حسن مرجع.

38:41Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر عَبدنَا أَيُّوب إِذْ نَادَى ربه أَنى مسنى الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب﴾ وَقُرِئَ: " بِنصب وَعَذَاب " بِفَتْح النُّون وَالصَّاد، وَالنّصب والنصيب بِمَعْنى وَاحِد كالحزنن والحزن، وَيُقَال: بِنصب فِي الْجَسَد، وَعَذَاب فِي المَال.

وَقد بَينا قصَّة أَيُّوب من قبل وَمَا أَصَابَهُ من الْبلَاء، وَذكرنَا مُدَّة بلائه، وَيُقَال: إِنَّه مكث فِي الْبلَاء سبع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام، وَكَانَت الدَّوَابّ تجْرِي فِي جسده، وَقد ألْقى على مزبلة، وتأذى مِنْهُ قومه غَايَة الْأَذَى.

38:42Page 455

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

قَوْله تَعَالَى: ﴿اركض﴾ أَي: اركض الأَرْض برجلك، فَيُقَال: إِنَّه داس الأَرْض دوسة، فنبعت عين [مَاء] ؛ فَأمره الله تَعَالَى أَن يغْتَسل مِنْهَا، فاغتسل فَذهب كل دَاء كَانَ فِي جسده، وَمَشى أَرْبَعِينَ خطْوَة، فَأمره الله تَعَالَى أَن يدوس الأَرْض بِرجلِهِ دوسة أُخْرَى؛ فَفعل؛ فنبعت عين أعذب مَا تكون وأبرده؛ فَأمره الله تَعَالَى أَن يشرب مِنْهَا؛ فَذهب كل دَاء كَانَ فِي بَاطِنه، وَصَارَ كأصح مَا يكون من الرِّجَال وأكملهم؛ فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا مغتسل بَارِد وشراب﴾ .

38:43Page 456

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهله﴾ قد بَينا أَن الله تَعَالَى رد عَلَيْهِ أَهله وَأَوْلَاده الَّذين أهلكهم بأعيانهم، وَقد قُلْنَا غير هَذَا، وَالْقَوْل الأول أشبه بِظَاهِر الْقُرْآن، وَيُقَال: إِن الأَرْض انشقت؛ فَرَأى إبِله وبقره وغنمه على هيئتها وَخرجت إِلَيْهِ، وَرَأى أَيْضا أَهله وَأَوْلَاده كَهَيْئَتِهِمْ وَخَرجُوا إِلَيْهِ.

وَقَوله: ﴿وَمثلهمْ مَعَهم﴾ يُقَال: [إِنَّهُم كَانُوا سَبْعَة] بَنِينَ، وَثَلَاث بَنَات فَأعْطَاهُ الله تَعَالَى مثل عَددهمْ، وردهم الله بأعيانهم.

وَقَوله: ﴿رَحْمَة منا وذكرى لأولي الْأَلْبَاب﴾ أَي: لأولي الْعُقُول.

38:44Page 456

وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤

[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا﴾ أَي: فَقُلْنَا لَهُ: وَخذ بِيَدِك ضغثا، والضغث: كل مَا يمْلَأ الْكَفّ من خشب أَو حشيش أَو غَيره.

قَوْله: ﴿فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ يَعْنِي: فَاضْرب بِهِ امْرَأَتك، وَلَا تَحنث فِي يَمِينك، وَكَانَ سَبَب يَمِينه أَن الْمَرْأَة أَتَتْهُ بِطَعَام يَوْمًا أَكثر مِمَّا كَانَت تَأتيه كل يَوْم؛ فاتهمها بخيانة فِي نَفسهَا، وَكَانَت بريئة، فَحلف ليضربنها [مائَة] سَوط إِذا برأَ من مَرضه.

وَيُقَال: إِن إِبْلِيس قعد على طَرِيق الْمَرْأَة طَبِيبا يداوي النَّاس، فمرت بِهِ الْمَرْأَة، وَقَالَت: إِن لي مَرِيضا وَأحب أَن تداويه، فَقَالَ لَهَا: أَنا أداويه، فَلَا أُرِيد شَيْئا سوى أَن يَقُول إِذا شفيته: أَنْت شفيتني، فَجَاءَت إِلَى أَيُّوب وَذكرت لَهُ ذَلِك، فَعرف أَنه كَانَ إِبْلِيس اللعين، فَغَضب وَحلف على مَا ذكرنَا.

وَيُقَال: إِنَّهَا باعت ذؤابتيها بِرَغِيفَيْنِ لطعامه، فَلَمَّا رأى ذَلِك أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام غضب وَحلف، وَهَذَا قَول غَرِيب.

وَقَوله: ﴿فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ يَعْنِي: فَاضْرب بالضغث الَّذِي يشْتَمل على مائَة عود صغَار ﴿وَلَا تَحنث﴾ أَي: وَلَا تدع الضَّرْب فتحنث، قَالَ مُجَاهِد: هَذَا لأيوب خَاصَّة، وَقَالَ عَطاء: لَهُ وَلِلنَّاسِ عَامَّة.

وَقَوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ أَي: رجاع إِلَى طَاعَة الله. وَفِي الْقِصَّة: أَن أَيُّوب قيل لَهُ: مَا أَشد مَا مر عَلَيْك فِي بلائك؟ فَقَالَ: شماتة الْأَعْدَاء.

38:45Page 456

وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥

And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق وَيَعْقُوب أولي الْأَيْدِي والأبصار﴾ إِنَّمَا خص هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة؛ لِأَن الله تَعَالَى ابْتَلَاهُم فصبروا، أما ابتلاء إِبْرَاهِيم فَكَانَ بالنَّار، وابتلاء إِسْحَق كَانَ بِالذبْحِ، وَأما ابتلاء يَعْقُوب بفقد الْوَلَد.

وَقَوله: ﴿أولي الْأَيْدِي والأبصار﴾ مَعْنَاهُ: أولي الْقُوَّة فِي الطَّاعَة، وأولي الْأَبْصَار فِي الْمعرفَة، وَقيل: أولي الْقُوَّة ظَاهرا، وأولي الْأَبْصَار بَاطِنا، فالقوة قُوَّة الْجَوَارِح، والأبصار أبصار الْقُلُوب، قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ .

38:46Page 456

إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦

Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أخلصناكم بخالصة ذكرى الدَّار﴾ وَقُرِئَ: " بخالصة " من غير تَنْوِين، فَأَما بِالتَّنْوِينِ: فَمَعْنَاه: بخلة خَالِصَة، وَهِي ذكرى الدَّار.

وَقيل: إِن ذكرى الدَّار بدل عَن قَوْله: ﴿خَالِصَة﴾ على هَذِه الْقِرَاءَة، وَأما الْقِرَاءَة بِالْإِضَافَة، [فمعناها] : أخلصناهم بِأَفْضَل مَا فِي الْآخِرَة، حكى هَذَا عَن أبي زيد، وَقَالَ مُجَاهِد: أخلصناهم مَا ذكرنَا بِالْجنَّةِ لَهُم.

وَعَن مَالك بن دِينَار قَالَ ابْن عَبَّاس: أزلنا عَن قُلُوبهم حب الدُّنْيَا وَذكرهَا وأخلصناهم بحب الْآخِرَة وَذكرهَا، وَعَن بَعضهم: وأخلصناهم عَن الْآفَات والعاهات، وجعلناهم يذكرُونَ الدَّار الْآخِرَة، وَالْأولَى فِي قَوْله: ﴿أخلصناهم﴾ أَي: جعلناهم مُخلصين بِمَا أخبرنَا عَنْهُم،

38:47Page 456

وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧

And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.

وَقَوله: ﴿وَإِنَّهُم عندنَا لمن المصطفين الأخيار﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

38:48Page 456

وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨

And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر إِسْمَاعِيل وَالْيَسع﴾ إِسْمَاعِيل: هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَقَوله: ﴿وَالْيَسع﴾ اليسع: هُوَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء، وَيُقَال: اليسع هُوَ تلميذ إلْيَاس النَّبِي _ عَلَيْهِ السَّلَام _ وَلما رفع الله إلْيَاس _ عَلَيْهِ السَّلَام _ خلف اليسع فِي قومه، وَقَوله: ﴿وَذَا الكفل﴾ قد بَينا، وَيُقَال: إِنَّه رجل كفل لملك بِالْجنَّةِ إِن آمن وأطاع الله تَعَالَى وَقَوله: ﴿وكل من الأخيار﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

38:49Page 456

هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩

This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -

[قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا ذكر وَإِن لِلْمُتقين لحسن مآب﴾ ] .

38:50Page 456

جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠

Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.

قَوْله تَعَالَى: ﴿جنَّات عدن مفتحة لَهُم الْأَبْوَاب﴾ أَي: أَبْوَابهَا.

38:51Page 456

مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١

Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.

قَوْله تَعَالَى: ﴿متكئين فِيهَا يدعونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَة وشراب﴾ أَي: بفاكهة الْجنَّة وشرابها، وَذكر كَثِيرَة؛ لِأَن مَا فِي الْجنَّة كثير لعدم انْقِطَاعه، واتساع وجوده.

38:52Page 456

۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢

And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدهم قاصرات الطّرف﴾ أَي: قصرن أطرافهن على أَزوَاجهنَّ، وَقَوله: ﴿أتراب﴾ أَي: أَمْثَال، وَيُقَال: لدات مستويات الْأَسْنَان، وَعَن مُجَاهِد: أتراب متواخيات لَا تتعادين وَلَا تتباغضن، وَقيل: لَا تتغايرن، قَالَ يحيى بن سَلام: بَنَات ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة، وَعَن بَعضهم: أتراب أَي: خُلِقْنَ على مقادير أَزوَاجهنَّ، وَأنْشد الشَّاعِر فِي القاصرات:

(من القاصرات الطّرف لَو دق محول ... من الذَّر فَوق الإتب مِنْهَا لأثرا)

38:53Page 456

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣

This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا توعدون ليَوْم الْحساب﴾ أَي: هَذَا الَّذِي أخبرنَا عَنهُ هُوَ مَا توعدون ليَوْم الْحساب.

38:54Page 456

إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤

Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا لرزقنا مَا لَهُ من نَفاذ﴾ أَي: انْقِطَاع، وَمعنى قَوْله: ﴿لرزقنا﴾ أَي: إعطاؤنا.

38:55Page 456

هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥

This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا وَإِن للطاغين لشر مآب﴾ أَي: مرجع: وَالْمرَاد من الطاغين هم الْكفَّار.

38:56Page 456

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦

Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿جَهَنَّم يصلونها﴾ أَي: يدْخلُونَهَا، وَقيل: يقاسون حرهَا، وَقَوله: ﴿فبئس المهاد﴾ أَي: فبئس مَا مهدوا لأَنْفُسِهِمْ، وَيُقَال: بئس الْفراش.

38:57Page 456

هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧

This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا فليذوقوه حميم وغساق﴾ يُقَال: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ: هَذَا حميم وغساق فليذوقوه، وَأما معنى الْحَمِيم فقد بَينا، وَهُوَ المَاء الْحَار الَّذِي انْتهى فِي الْحَرَارَة، وَأما الغساق فَهُوَ الْقَيْح الَّذِي يسيل من جُلُودهمْ، وَعَن السّديّ قَالَ: الدُّمُوع الَّتِي تسيل من أَعينهم، وَحكى بَعضهم عَن ابْن عَبَّاس: أَنه الزَّمْهَرِير يحرقهم بِبرْدِهِ، وَحكى النقاش: أَن الغساق هُوَ المنتن بالتركية، فعرب، وَقد قرئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، فبعضهم قَالَ: لَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى، وَبَعْضهمْ فرق بَينهمَا بِبَعْض الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا.

38:58Page 456

وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨

And other [punishments] of its type [in various] kinds.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأخر من شكله أَزوَاج﴾ وَقُرِئَ: " وَآخر من شكله "، فَقَوله: ﴿وَأخر﴾ يتَنَاوَل الْعدَد وَقَوله: ﴿وَأخر﴾ بِالْمدِّ يتَنَاوَل الْوَاحِد.

وَقَوله: ﴿من شكله﴾ أَي: مثله، وَقَوله: ﴿أَزوَاج﴾ أَي: أَصْنَاف، وَقيل: أَنْوَاع. قَالَ الشَّاعِر:

(لما اكتست من ضرب كل شكل ... حمرا وخضرا كاخضرار البقل)

وَمعنى الْآيَة: أَن لأهل النَّار أنواعا أخر من الْعَذَاب على شكل مَا سبق ذكره يَعْنِي: فِي الشدَّة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском