As-Sam'aniAn‑Nisa · 4:150–176

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:150–176

4:150Page 102

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠

Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله﴾ أَرَادَ بِهِ الْيَهُود لما كفرُوا بِمُحَمد فكأنهم كفرُوا بِاللَّه ﴿ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله﴾ يُرِيدُونَ أَن يُؤمنُوا بِاللَّه، ويكفروا بالرسول ﴿وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض﴾ يُؤمنُونَ بمُوسَى، ويكفرون بِعِيسَى، وَمُحَمّد ﴿ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا﴾ أَي: مذهبا يذهبون إِلَيْهِ.

4:151Page 102

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ إِنَّمَا حقق كفرهم، ليعلم أَنهم كفار مُطلقًا لِئَلَّا يظنّ ظان أَنهم لما آمنُوا بِاللَّه وَبَعض الرُّسُل لَا يكون كفرهم مُطلقًا ﴿اعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ .

4:152Page 102

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢

But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم﴾ إِنَّمَا سَمَّاهُ أجرا مجَازًا؛ لِأَنَّهُ ذكره بِإِزَاءِ الْعَمَل، لِأَن الْعَمَل يُوجِبهُ، وَهَذَا نَحْو قَوْله - تَعَالَى - فِي قصَّة مُوسَى: ﴿إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ سَمَّاهُ أجرا على مُقَابلَة الْعَمَل؛ لِأَن مُوسَى عمل؛ ليؤجر عَلَيْهِ ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .

4:153Page 102

يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء﴾ هم الْيَهُود، قَالُوا للنَّبِي لن نؤمن لَك حَتَّى تنزل علينا كتابا من السَّمَاء جملَة، كَمَا أنزلت التَّوْرَاة على مُوسَى جملَة.

قَالَ الْحسن: وَلم يكن ذَلِك سُؤال انقياد، وَإِنَّمَا ذَلِك سُؤال تحكم، واقتراح؛ فَإِنَّهُم لَو أنزل عَلَيْهِم الْكتاب جملَة، كَمَا سَأَلُوا؛ لم يُؤمنُوا، وَالله - تَعَالَى - لَا ينزل الْآيَات على اقتراح الْعباد، وَإِنَّمَا ينزلها على مَشِيئَته ﴿فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك﴾ أَي: أعظم من ذَلِك ﴿فَقَالُوا أرنا الله جهرة﴾ أَي: عيَانًا، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب كَانَت تعد الْعلم بِالْقَلْبِ رُؤْيَة؛ فَقَالَ: ﴿جهرة﴾ ليعلم أَنه أَرَادَ العيان، وَقَالَ أَبُو عبيده: مَعْنَاهُ: فَقَالُوا جهرة: أرنا الله ﴿فَأَخَذتهم الصاعقة بظلمهم﴾ ، ﴿ثمَّ اتَّخذُوا الْعجل﴾ يعْنى: إِلَهًا ﴿من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات فعفونا عَن ذَلِك﴾ فِيهِ استدعاء للتَّوْبَة، وَمَعْنَاهُ: أَن أُولَئِكَ الَّذين اجترموا ذَلِك الإجرام، عَفَوْنَا عَنْهُم؛ فتوبوا أَنْتُم، حَتَّى نعفو عَنْكُم ﴿وآتينا مُوسَى سُلْطَانا مُبينًا﴾ حجَّة بَيِّنَة من المعجزات.

4:154Page 102

وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ورفعنا فَوْقهم الطّور بميثاقهم﴾ الطّور: جبل الطّور، وَقيل: كل جبل ينْبت شَيْئا، فَهُوَ طور، فَإِن لم ينْبت، لَا يُسمى طورا، والميثاق: الْعَهْد الْمُؤَكّد بِالْيَمِينِ.

﴿وَقُلْنَا لَهُم ادخُلُوا الْبَاب سجدا﴾ قيل: إِنَّهُم سجدوا على أَنْصَاف وُجُوههم، حَتَّى دخلُوا الْبَاب، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم قَالُوا: بِهَذَا السُّجُود رفع الْعَذَاب عَنَّا، فَلَا نَتْرُك هَذَا السُّجُود، وَكَانُوا يَسْجُدُونَ بعد ذَلِك على أَنْصَاف وُجُوههم.

﴿وَقُلْنَا لَهُم لَا تعدوا فِي السبت﴾ وَقَرَأَ نَافِع - بِرِوَايَة قَالُوا -: ﴿لَا تعدوا﴾ - بجزم الْعين، مُشَدّدَة الدَّال وَفِي رِوَايَة ورش عَنهُ ﴿لَا تعدوا﴾ - بِفَتْح الْعين مُشَدّدَة الدَّال وَمعنى الْكل: لَا يتعدوا فِي السبت ﴿وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ .

4:155Page 103

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥

And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ وَمَا للصلة، وَإِنَّمَا تدخل فِي الْكَلَام؛ لتفخيمه، وتجزيله ﴿وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف﴾ قد ذكرنَا كل هَذَا ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ الطَّبْع: الْخَتْم، وَقَالَ لزجاج: جعل قُلُوبهم، كالمطبوع لَا يفلح، وَلَا يصلح أبدا، وَلَا يدخلهَا خير؛ فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا

4:156Page 103

وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1

﴿وبكفرهم وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما﴾ أَرَادَ بِهِ: نسبتهم مَرْيَم إِلَى الزِّنَا.

4:157–158Page 103

وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨

Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَوْلهمْ إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ .

قيل: إِن الله - تَعَالَى - ألْقى شبه عِيسَى على الَّذِي دلهم عَلَيْهِ؛ فَقَتَلُوهُ وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا حبسوا عِيسَى فِي بَيت، وَجعلُوا عَلَيْهِ رقيبا، فَألْقى الله تَعَالَى شبه عِيسَى على الرَّقِيب؛ فَقَتَلُوهُ، وَقيل: إِنَّهُم مَا كَانُوا يعْرفُونَ عِيسَى بِعَيْنِه، وَكَانُوا يعرفونه باسمه، وَكَانُوا يطلبونه؛ فَقَالَ لَهُم يهوذا - وَهُوَ وَاحِد من أَصْحَاب عِيسَى -: أعطوني شَيْئا، أدلكم على عِيسَى؛ فَأَعْطوهُ ثَلَاثِينَ درهما؛ فدلهم على غَيره، فَقتلُوا ذَلِك الْغَيْر؛ فَهَذَا قَوْله: ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ ، ﴿وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ﴾ وَذَلِكَ أَن الرجل الَّذِي قَتَلُوهُ على ظن أَنه عِيسَى، كَانَ يُشبههُ بِوَجْهِهِ، وَلَا يُشبههُ بجسده، فَوَقع فيهم الِاخْتِلَاف، فَقَالَ بَعضهم: الَّذِي قَتَلْنَاهُ كَانَ عِيسَى، وَقَالَ بَعضهم: لم يكن عِيسَى. وَقيل: هُوَ الِاخْتِلَاف بَين عُلَمَائهمْ، وأغتامهم؛ فَإِن علماءهم كَانُوا يعلمُونَ أَنهم لم يصلبوا عِيسَى وَكَانَ عِنْد جهالهم وأغتامهم أَنهم قتلوا عِيسَى، ﴿وَمَا لَهُم بِهِ من علم﴾ يعْنى: من حَقِيقَة علم ﴿إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَوْله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ كَلَام تَامّ، وَقَوله: ﴿يَقِينا﴾ رَاجع إِلَى مَا بعد، وَتَقْدِيره: " بل رَفعه الله إِلَيْهِ يَقِينا، قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: وَمَا قتلوا الَّذِي ظنُّوا أَنه عِيسَى يَقِينا أَنه عِيسَى، وَقيل: الْهَاء كِنَايَة عَن عِيسَى، أَي: وَمَا قتلوا عِيسَى يَقِينا ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ .

4:159Page 103

وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ مَعْنَاهُ: وَأَن من أهل الْكتاب أحدا إِلَّا ليؤمن بِهِ، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ أَي: وَأَن مِنْكُم أحد.

وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: ﴿قبل مَوته﴾ قَالَ الْحسن - وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس -: إِنَّه كِنَايَة عَن الْكِتَابِيّ، وَقَالَ: مَا من كتابي من الْيَهُود، إِلَّا وَهُوَ يُؤمن بِعِيسَى قبل مَوته فِي وَقت الْيَأْس، حِين لَا يَنْفَعهُ، حَتَّى قيل لِابْنِ عَبَّاس: وَإِن مَاتَ حرقا أَو غرقا أَو هدما؟ قَالَ: نعم.

وَقَالَ قَتَادَة - وَهُوَ رِوَايَة أُخْرَى عَن ابْن عَبَّاس -: إِن " الْهَاء " كِنَايَة عَن عِيسَى، يعْنى: مَا من كتابي إِلَّا يُؤمن بِعِيسَى قبل موت عِيسَى، وَذَلِكَ حِين ينزل من السَّمَاء، وَقَالَ عِكْرِمَة: هَذَا فِي مُحَمَّد مَا من كتابي إِلَّا ويؤمن بِهِ قبل الْمَوْت، وَهَذَا قَول ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لم يجر ذكر مُحَمَّد فِي الْآيَة ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة يكون عَلَيْهِم شَهِيدا﴾ يعْنى: عِيسَى.

4:160Page 103

فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فبظلم من الَّذين هادوا﴾ يعْنى: مَا ذكر من إجرامهم ﴿حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لَهُم﴾ هُوَ مَا ذكرنَا فِي سُورَة الْأَنْعَام {وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر) الْآيَة على مَا سَيَأْتِي {وبصدهم عَن سَبِيل الله كثيرا

4:161Page 103

وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

وَأَخذهم الرِّبَا وَقد نهوا عَنهُ وأكلهم أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ) يعْنى: الرشا ﴿اعتدنا للْكَافِرِينَ مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ .

4:162Page 103

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَكِن الراسخون فِي الْعلم مِنْهُم﴾ لَكِن للإضراب عَن كَلَام، وَالدُّخُول فِي كَلَام آخر، ﴿والراسخون﴾ : المبالغون فِي الْعلم أولُوا البصائر فِيهِ، وَأَرَادَ بِهِ: الَّذين أَسْلمُوا من عُلَمَاء الْيَهُود: مثل عبد الله بن سَلام، وَيَمِين بن يَمِين، وَأسد وَأسيد ابْني كَعْب، وَجَمَاعَة ﴿والمؤمنون﴾ أَرَادَ بِهِ: الْمُهَاجِرين، وَالْأَنْصَار ﴿يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ يعْنى: الْقُرْآن ﴿وَمَا أنزل من قبلك﴾ يعْنى: سَائِر الْكتب الْمنزلَة ﴿والمقيمين الصَّلَاة﴾ فِي هَذَا إِشْكَال من حَيْثُ النَّحْو، قيل: إِن هَذَا ذكر لعَائِشَة، وَأَبَان بن عُثْمَان، فادعيا الْغَلَط على الْكَاتِب، وَقَالا: يَنْبَغِي أَن يكْتب: " والمقيمون الصَّلَاة " وَلَيْسَ هَكَذَا؛ بل هُوَ صَحِيح فِي النَّحْو، وَهُوَ نصب على الْمَدْح، وَتَقْدِيره: واذْكُرُوا المقيمين الصَّلَاة، أَو أعنى: المقيمين الصَّلَاة، وهم المؤتون الزَّكَاة، وَمثله قَول الشَّاعِر:

(النازلين بِكُل معترك ... والطيبون [معاقد] الأزر)

أَي: أعنى النازلين بِكُل معترك، وهم الطيبون معاقد الأزر؛ فَيكون نصبا على الْمَدْح، وَقيل تَقْدِيره: وَمَا أنزل على المقيمين الصَّلَاة، قَوْله: ﴿والمؤتون الزَّكَاة﴾ رُجُوع إِلَى نسق الأول ﴿والمؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أُولَئِكَ سنؤتيهم أجرا عَظِيما﴾ .

4:163Page 104

۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده﴾ هَذَا بِنَاء على مَا [سبق] من قَوْله ﴿يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء﴾ يَقُول الله - تَعَالَى -: قد جعلناك رَسُولا بِالطَّرِيقِ الَّذِي [قد] جعلنَا سَائِر الْأَنْبِيَاء رسلًا، وَهُوَ الْوَحْي، ﴿وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان﴾ ذكر عدَّة من الرُّسُل الَّذين أوحى إِلَيْهِم.

فَإِن قَالَ قَائِل: لم قدم ذكر عِيسَى، وَهُوَ مُتَأَخّر؟ قيل: " الْوَاو " لَا توجب التَّرْتِيب، وَإِنَّمَا هِيَ للْجمع، وَقيل: ذكره اهتماما بأَمْره، وَكَانَ أَمر عِيسَى أهم ﴿وآتينا دَاوُد زبورا﴾ قَرَأَ حَمْزَة: " زبورا " - بِضَم الزَّاي - فالزبور: فعول بِمَعْنى الْمَفْعُول، وَهُوَ الْكتاب الَّذِي أنزل الله - تَعَالَى - على دَاوُد، فِيهِ التَّحْمِيد، والتمجيد، وثناء الله - تَعَالَى -، وَالزَّبُور: الْكِتَابَة، والزبرة قِطْعَة الْحَدِيد، وَيُقَال: مَا لَهُ زبر أَي: مَا لَهُ عقل، وَأما الزبُور: جمع الزبر.

4:164Page 104

وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل﴾ وَأَرْسَلْنَا رسلًا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ﴿ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ إِنَّمَا كَلمه بِنَفسِهِ من غير وَاسِطَة، وَلَا وَحي، وَفِيه دَلِيل على من قَالَ: إِن الله خلق كلَاما فِي الشَّجَرَة؛ فَسَمعهُ مُوسَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ قَالَ الْفراء، وثعلب: إِن الْعَرَب تسمى مَا توصل إِلَى الْإِنْسَان: كلَاما، بِأَيّ طَرِيق وصل إِلَيْهِ، وَلَكِن لَا تحَققه بِالْمَصْدَرِ، فَإِذا حقق الْكَلَام بِالْمَصْدَرِ، لم تكن إِلَّا حَقِيقَة الْكَلَام، وَهَذَا كالإرادة، يُقَال: أَرَادَ فلَان إِرَادَة، فَيكون حَقِيقَة الْإِرَادَة، وَلَا يُقَال: أَرَادَ الْجِدَار أَن يسْقط إِرَادَة، وَإِنَّمَا يُقَال: أَرَادَ الْجِدَار، من غير ذكر الْمصدر؛ لِأَنَّهُ مجَاز، فَلَمَّا حقق الله كَلَامه مُوسَى بالتكليم، عرف أَنه حَقِيقَة الْكَلَام من غير وَاسِطَة، قَالَ ثَعْلَب: وَهَذَا دَلِيل من قَول الْفراء أَنه مَا كَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن.

فَإِن قَالَ قَائِل: بِأَيّ شئ عرف مُوسَى أَنه كَلَام الله؟ قيل: بتعريف الله - تَعَالَى - إِيَّاه، وإنزال آيَة عرف مُوسَى بِتِلْكَ الْآيَة أَنه كَلَام الله - تَعَالَى -، وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة أَنه سمع كَلَام الله حَقِيقَة، بِلَا كَيفَ، وَقَالَ وَائِل بن دَاوُد: معنى قَوْله: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ أَي: مرَارًا، كلَاما بعد كَلَام.

4:165Page 104

رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين﴾ أَي: أرسلنَا رسلًا ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الله - تَعَالَى - لَا يعذب الْخلق قبل بَعثه الرُّسُل، وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ .

﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا﴾ أَي: مقتدرا على معاونة الْخلق (حكيما) ببعث الرُّسُل. وَفِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ: " سَأَلت رَسُول الله عَن عدد الْأَنْبِيَاء فَقَالَ: مائَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا، فَقلت: كم الرُّسُل مِنْهُم؟ قَالَ: ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر [جما غفيرا] ".

4:166Page 104

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.

قَوْله - تَعَالَى - ﴿لَكِن الله يشْهد بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن قوما من عُلَمَاء الْيَهُود حَضَرُوا عِنْد النَّبِي، فَقَالَ لَهُم: " أَنْتُم تعلمُونَ أَنى رَسُول الله؟ فَقَالُوا: لَا نعلم ذَلِك؛ فَنزل قَوْله: ﴿لَكِن الله يشْهد بِمَا أنزل إِلَيْك أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ " أَي: مَعَ علمه، كَمَا يُقَال: جَاءَنِي فلَان بِسَيْفِهِ، أَي: مَعَ سَيْفه، وَفِيه دَلِيل على أَن لله علما، هُوَ صفته، خلاف قَول الْمُعْتَزلَة خذلهم الله.

﴿وَالْمَلَائِكَة يشْهدُونَ وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ فَإِن قيل: إِذا شهد الله لَهُ بالرسالة، فَأَي حَاجَة إِلَى شَهَادَة الْمَلَائِكَة؟ قيل: لِأَن الَّذين حَضَرُوا عِنْد النَّبِي، كَانَ عِنْدهم أَنهم عُلَمَاء الأَرْض؛ فَقَالُوا: نَحن عُلَمَاء الأَرْض، وَنحن ننكر رِسَالَتك، فَقَالَ الله تَعَالَى: إِن أنكرهُ عُلَمَاء الأَرْض، يشْهد بِهِ عُلَمَاء السَّمَاء، وهم الْمَلَائِكَة، على مُقَابلَة زعمهم وظنهم؛ لَا للْحَاجة إِلَى شَهَادَتهم؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ .

4:167Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله﴾ صدهم عَن سَبِيل الله كَانَ بكتمان نعت مُحَمَّد ﴿قد ضلوا ضلالا بَعيدا﴾ أَي: هَلَكُوا، والضلال: الْهَلَاك.

4:168Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وظلموا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَي معنى لقَوْله: ﴿وظلموا﴾ وَقد قَالَ: ﴿كفرُوا﴾ وظلمهم كفرهم؟ قيل: مَعْنَاهُ: كفرُوا بِاللَّه، وظلموا مُحَمَّدًا بكتمان نَعته.

وَقيل: ذكره تَأْكِيدًا ﴿لم يكن الله ليغفر لَهُم﴾ فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الله - تَعَالَى - لَو غفر للْكَافِرِينَ أجمع، كَانَ يسع ذَلِك رَحمته، لكنه قطع القَوْل بِأَن لَا يغْفر لَهُم، ﴿وَلَا ليهديهم طَرِيقا﴾ يعْنى: الْإِسْلَام

4:169Page 104

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.

﴿إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم﴾ يعْنى: الْيَهُودِيَّة ﴿خَالِدين فِيهَا أبدا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ .

4:170Page 104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠

O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم الرَّسُول بِالْحَقِّ من ربكُم فآمنوا خيرا لكم﴾ تَقْدِيره: يكن الْإِيمَان خيرا لكم ﴿وَإِن تكفرُوا فَإِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ .

4:171Page 105

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ﴾ الغلو: مُجَاوزَة الْحَد، وَالْآيَة فِي النَّصَارَى، قَالَ الْحسن: يجوز أَن تكون فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّهُم غلوا فِي أَمر عِيسَى، أما الْيَهُود بالتقصير فِي حَقه، وَأما النَّصَارَى بمجاوزة الْحَد فِيهِ.

الغلو غير مَحْمُود فِي الدّين، روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إيَّاكُمْ والغلو فِي الدّين؛ فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بالغلو ".

﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته﴾ وَقد بَينا أَقْوَال الْعلمَاء فِي كَونه " كلمة " وَجُمْلَته ثَلَاثَة أقاويل: أَحدهَا: أَنه بكلمته، وَهِي قَوْله: كن، فَكَانَ، وَالثَّانِي: أَنه يَهْتَدِي بِهِ، كَمَا يَهْتَدِي بِكَلِمَة الله، الثَّالِث: كَلمته: بشارته الَّتِي بشر بهَا فِي الْكتب " يكون عِيسَى " فَهَذَا معنى قَوْله: ( ﴿وكلمته﴾ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ) وَفِي تَسْمِيَته " روحا " ثَلَاثَة أقاويل: أَحدهَا: أَنه كَانَ لَهُ روح كَسَائِر الْأَرْوَاح، إِلَّا أَن الله - تَعَالَى - أَضَافَهُ إِلَى نَفسه تَشْرِيفًا.

وَالثَّانِي: أَنه تحيا بِهِ الْقُلُوب، كَمَا تحيا الْأَبدَان بِالروحِ.

الثَّالِث: أَن الرّوح: هُوَ النفخ الَّذِي نفخ فِي مَرْيَم جِبْرِيل بِإِذن الله؛ فَسمى ذَلِك النفخ روحا.

(فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة) وَكَانَت النَّصَارَى يَقُولُونَ بِالثَّلَاثَةِ، كَانُوا يَقُولُونَ: ابْن، وآب، وروح الْقُدس، وَهَذَا معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَقَوله: ﴿انْتَهوا خيرا لكم﴾ تَقْدِيره: يكن الِانْتِهَاء خيرا لكم.

﴿إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد﴾ وَاعْلَم أَن الله - تَعَالَى - كَمَا لَا يجوز لَهُ أَن يتَّخذ ولدا، لَا يجوز عَلَيْهِ التبني؛ فَإِن التبني إِنَّمَا يكون حَيْثُ يكون بِهِ الْوَلَد، فَإِذا لم يتَصَوَّر لله ولد وَلم يجز عَلَيْهِ التبني ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا﴾ .

4:172Page 105

لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله﴾ الاستنكاف: التكبر مَعَ الأنفة، وَمَعْنَاهُ: لن يأنف الْمَسِيح أَن يكون عبدا ﴿وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون﴾ وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة من ذهب إِلَى تَفْضِيل الْمَلَائِكَة على الْبشر؛ لِأَن الله تَعَالَى ارْتقى من عِيسَى إِلَى الْمَلَائِكَة، وَلَيْسَ فِي الْآيَة مستدل، وَإِنَّمَا قَالَ: (وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون) [لَا] لِامْتِنَاع مكانهم ومقامهم على مقَام الْبشر، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك على مَا عِنْد النَّصَارَى، وَلَعَلَّه كَانَ عِنْدهم أَن الْمَلَائِكَة أفضل من الْبشر، فَقَالَ ذَلِك على مَا فِي زعمهم.

وَقَوله: ﴿وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ الْفرق بَين الاستنكاف والاستكبار: أَن الاستنكاف هُوَ التكبر مَعَ الأنفة، والاستكبار: هُوَ الغلو، والتكبر من غير أَنَفَة.

4:173Page 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allāh any protector or helper.

﴿فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله﴾ قيل: زِيَادَة فَضله: مَا لَا عين رَأَتْ، وَلَا أذن سَمِعت، وَلَا خطر على قلب بشر.

وَقيل: هُوَ الشَّفَاعَة، وَفِي الحَدِيث: " يشفع الصالحون يَوْم الْقِيَامَة لمن يعْرفُونَ ".

﴿وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ .

4:174Page 105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم﴾ قيل: هُوَ مُحَمَّد، على هَذَا أَكثر الْمُفَسّرين. وَقيل: هُوَ الْقُرْآن.

والبرهان فِي اللُّغَة: هُوَ الْحجَّة ﴿وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا﴾ هُوَ الْقُرْآن.

4:175Page 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥

So those who believe in Allāh and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل﴾ يعْنى الْجنَّة ﴿ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ .

4:176Page 106

يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ١٧٦

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allāh gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females.1 Allāh makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allāh is Knowing of all things.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ روى عَن الْبَراء بن عَازِب أَنه قَالَ: آخر سُورَة أنزلت كَامِلَة: سُورَة بَرَاءَة، وَآخر آيَة أنزلت هَذِه الْآيَة.

﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك وَأَن كَانُوا اخوة رجَالًا وَنسَاء فللذكر مثل حَظّ﴾

وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَن النَّبِي دخل على جَابر وَهُوَ مَرِيض، وَكَانَ قد أغمى عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاء وَتَوَضَّأ، ثمَّ رشه عَلَيْهِ، فأفاق، فَقَالَ جَابر: يَا رَسُول الله، مَاذَا أصنع فِي مَالِي، وَإِنَّمَا ترثني كَلَالَة؟ فَنزلت الْآيَة "، وَقد سبق الْكَلَام فِي الْكَلَالَة.

وَتلك الْآيَة فِي تَوْرِيث الاخوة وَالْأَخَوَات من الْأُم، وَهَذِه الْآيَة فِي تَوْرِيث الاخوة وَالْأَخَوَات من الْأَب وَالأُم، وَمن الْأَب ﴿إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد﴾ تَقْدِيره: لَيْسَ لَهُ ولد، وَلَا وَالِد، وعَلى هَذَا أَكثر الْعلمَاء، أَن الْكَلَالَة: هَذَا، وَأَن الْأُخوة وَالْأَخَوَات لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَب، إِلَّا مَا يحْكى عَن عمر - رضى الله عَنهُ -: أَنه ورثهم مَعَ الْأَب، وَقد سبق.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ لَهُ ولد﴾ أَرَادَ بِهِ: الذّكر، وعَلى هَذَا أَكثر الْعلمَاء: أَن الاخوة وَالْأَخَوَات إِنَّمَا لَا يَرِثُونَ مَعَ الابْن، ويرثون مَعَ الْبِنْت، وَحكى عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ دَاوُد وَأهل الظَّاهِر -: أَن الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات لَا يَرِثُونَ مَعَ الْبِنْت، تمسكا بِظَاهِر الْآيَة، وَقد بَينا أَن المُرَاد بِهِ: الابْن، وَالْآيَة فِي نفي الْفَرْض مَعَ الْوَلَد وَعِنْدنَا: إِنَّمَا يَرِثُونَ بِالتَّعْصِيبِ، فَإِن الْأَخَوَات مَعَ الْبَنَات عصبَة.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَله أُخْت فلهَا نصف مَا ترك وَهُوَ يَرِثهَا إِن لم يكن لَهَا ولد فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك وَإِن كَانُوا اخوة رجَالًا وَنسَاء فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ .

قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: يبين الله لكم أَن لَا تضلوا، وَهُوَ قَول أبي عبيده، قَالَ أَبُو عبيده: وَذكر الْكسَائي حَدِيثا فِي مَعْنَاهُ؛ فأعجبه ذَلِك، وَذَلِكَ مَا روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يدعونَ أحدكُم على ابْنه أَن يُوَافق قدرا " أَي: أَن لَا يُوَافق قدرا.

وَقَالَ البصريون: مَعْنَاهُ: يبين الله لكم كَرَاهِيَة أَن تضلوا ﴿وَالله بِكُل شئ عليم﴾ .

وَالله أعلم، صدق الله وَصدق رَسُول الله وعَلى آله أَجْمَعِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском