As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
الأحقاف
Al-Ahqaf
The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تَفْسِير سُورَة الْأَحْقَاف
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿حم﴾ أَي: حم الْأَمر وَقضى، وَقَالَ قَتَادَة: أسم من أَسمَاء الْقُرْآن. وَقَالَ غَيره: قسم، وَجَوَاب الْقسم قَوْله: ﴿مَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ .
46:2Page 502
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
وَقَوله: ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ قد بَينا.
46:3Page 502
مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣
We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: إِلَّا للثَّواب وَالْعِقَاب، وَيُقَال: إِلَّا لإِقَامَة الْحق.
وَقَوله: ﴿وَأجل مُسَمّى﴾ أَي: أمد يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى فنَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض لمُدَّة مَعْلُومَة.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا عَمَّا أنذروا معرضون﴾ أَي: معرضون إِعْرَاض المكذبين الجاحدين.
46:4Page 502
قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤
Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."
قَوْله: ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا تدعون من دون الله﴾ أَي: الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿أروني مَاذَا خلقُوا من الأَرْض أم لَهُم شرك فِي السَّمَوَات﴾ أَي: فِي خلق السَّمَوَات فتعبدونها لذَلِك، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ لَهُم شرك، لَا فِي خلق الأَرْض، وَلَا فِي خلق السَّمَاء أَي: نصيب، فَكيف تعبد مَعَ الله؟ !
وَقَوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَاب من قبل هَذَا﴾ أى: بِكِتَاب من قبل الْقُرْآن يدل على مَا زعمتموه.
وَقَوله: ﴿أَو أثارة من علم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: بَقِيَّة من علم. يُقَال: نَاقَة ذَات أثارة أَي: بَقِيَّة من سمن، وَيُقَال: أَو أثارة من علم مأثور، وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ [عنْدكُمْ] كتاب من كتب الْأَوَّلين، أَو علم مأثور [عَنْهُم] تَرَوْنَهُ يدل على صدق مَا قُلْتُمْ فَأتوا بذلك، وأرونيه إِن كُنْتُم صَادِقين. وَيُقَال: " أَو أثارة من علم " هُوَ الْخط، وَهَذَا حُكيَ عَن ابْن عَبَّاس، وروى مَنْصُور عَن (ابْن إِبْرَاهِيم) أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء كَانَ يخط لَهُ، وَكَانَ ذَلِك هُوَ الْوَحْي إِلَيْهِ، وَقد رُوِيَ هَذَا فِي خبر مَرْفُوع.
وَفِي بعض التفاسير: أَن من خطّ خطه علم علمه، وَعَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: أول من خطّ بالقلم إِدْرِيس النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام.
وَعَن (مطرف بن الْوراق) قَالَ: قَوْله: ﴿أَو أثارة من علم﴾ هُوَ الْإِسْنَاد.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: صَادِقين فِيمَا تقولونه.
46:5Page 502
وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥
And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أضلّ مِمَّن يَدْعُو من دون الله من لَا يستجيب لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: لَا يستجيب أبدا.
وَقَوله: ﴿وهم عَن دُعَائِهِمْ غافلون﴾ أَي: لَا يسمعُونَ دعاءهم وَإِن دعوا، وَالْمرَاد من الْآيَة هُوَ الْأَصْنَام، يَعْنِي: كَيفَ يعْبدُونَ الْأَصْنَام؟ وَلَو دعوهم لم يَسْتَجِيبُوا لَهُم وَلم يسمعوا كَلَامهم.
46:6Page 503
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦
And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حشر النَّاس كَانُوا لَهُم أَعدَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام كَانُوا لَهُم أَعدَاء، ﴿وَكَانُوا بعبادتهم كَافِرين﴾ يَعْنِي: أَنهم يَقُولُونَ: مَا دعوناكم إِلَى عبادتنا.
46:7Page 503
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين كفرُوا للحق لما جَاءَهُم هَذَا سحر مُبين﴾ .
46:8Page 503
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨
Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ افتراه قل إِن افتريته فَلَا تَمْلِكُونَ لي من الله شَيْئا﴾ فِي التَّفْسِير: أَن أَبَا جهل قَالَ للنَّبِي: يامحمد، إِنَّك تفتري على الله حَيْثُ تزْعم أَن هَذَا الْقُرْآن من وحيه وَكَلَامه، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام تَقوله من تِلْقَاء نَفسك.
وَقَوله: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لي من الله شَيْئا﴾ أَي: إِن افتريت على الله وعاقبني لَا تملك دفع عُقُوبَته عني.
وَقَوله: ﴿هُوَ أعلم بِمَا تفيضون فِيهِ﴾ .
وَقَوله: ﴿كفى بِهِ شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم﴾ أَي: كفى بِاللَّه شَهِيدا بيني وَبَيْنكُم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
46:9Page 503
قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩
Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل، وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ مَعْنَاهُ: مَا كنت أول رَسُول أرسل إِلَى بني آدم، وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هَذَا فِي الدُّنْيَا، فَأَما فِي الْآخِرَة فَلَا، وَمَعْنَاهُ: فِي الدُّنْيَا وَلَا أَدْرِي أترك بَيْنكُم أَو أقتل؟ وَيُقَال: لَا أَدْرِي أخرج كَمَا أخرجت الْأَنْبِيَاء من قبل أَو أقتل كَمَا قتلت الْأَنْبِيَاء من قبل.
وَقَوله: ﴿وَلَا بكم﴾ هَذَا خطاب مَعَ الْكفَّار، وَمَعْنَاهُ: لَا أَدْرِي أتؤخرون فِي الْعَذَاب أَو يعجل لكم الْعَذَاب، وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة وجد النَّبِي والمؤمنون وجدا شَدِيدا أَي: اغتموا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فَقيل لَهُ: يارسول الله، هَذَا لَك خَاصَّة أولنا وَلَك؟ فَقَالَ: هِيَ لي وَلكم إِلَّا مَا فضلت بِهِ من النُّبُوَّة " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ وَمَا أَنا إِلَّا نَذِير مُبين﴾ أَي: نَذِير بَين النذارة.
46:10Page 503
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله﴾ قَالَ ابْن سِيرِين وَجَمَاعَة: هُوَ عبد الله بن سَلام، وَقد رُوِيَ هَذَا أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَغَيرهم، وعَلى هَذَا القَوْل هَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة من جملَة السُّورَة؛ لِأَن عبد الله بن سَلام أسلم بِالْمَدِينَةِ بالِاتِّفَاقِ. وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن جمَاعَة من الْيَهُود أَتَوا النَّبِي وَقد جعل رَسُول الله عبد الله بن سَلام وَرَاء ستر، فَقَالَ لَهُم: كَيفَ ابْن سَلام فِيكُم؟ فَقَالُوا: أعلمنَا وَابْن أعلمنَا، وخيرنا وَابْن خيرنا.
فَقَالَ النَّبِي: أَرَأَيْتُم لَو أسلم هَل تسلمون أَنْتُم؟ فَقَالُوا: معَاذ الله أَن يسلم، فَخرج عبد الله بن سَلام وَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَقَالُوا: هُوَ شَرنَا وَابْن شَرنَا، وأجهلنا وَابْن أجهلنا، وَجعلُوا يشتمونه، فَهُوَ قَوْله تَعَالَى " ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله﴾ ".
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد بِهِ رجل من بني إِسْرَائِيل على الْجُمْلَة، وعَلى هَذَا فِي الْكتاب الْآيَة مَكِّيَّة مثل سَائِر آيَات السُّورَة. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن الشَّاهِد من بني إِسْرَائِيل هُوَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام شهد بِمثل مَا شهد بِهِ الرَّسُول من وحدانية الله تَعَالَى، وَأَن عبَادَة الْأَصْنَام بَاطِلَة، وَهَذَا قَول مَسْرُوق وَغَيره، وَفِي بعض التفاسير: أَن
قَوْله: ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل﴾ هُوَ يَامِين بن يَامِين، وَكَانَ من عُلَمَاء الْيَهُود أسلم على يَد النَّبِي، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمَشْهُور.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أَي: آمن بِمَا جَاءَ بِهِ من مُحَمَّد، وتعظمتم أَنْتُم عَن الْإِيمَان بِهِ بعد ظُهُور الْحق.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَفِي التَّفْسِير: أَن فِي الْآيَة حذفا، وَتَقْدِيره: " قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ ألستم قد ظلمتم وأتيتم بالقبيح الَّذِي لَا يجوز " ثمَّ قَالَ: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ابْتِدَاء، يَعْنِي: الْكَافرين.
46:11Page 503
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١
And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة. روى أَن أمة يُقَال لَهَا: (زنيرة) أسلمت فَقَالَ مشركو قُرَيْش: لَو كَانَ فِي هَذَا الدّين خير مَا سبقتنا إِلَيْهِ هَذِه الْأمة، وَيُقَال: كَانَت آمة لعمر بن الْخطاب. وَفِي بعض التفاسير: أَن هَذِه الْأمة عميت بَعْدَمَا أسلمت، فَقَالَ الْكفَّار: إِنَّمَا أَصَابَهَا مَا أَصَابَهَا بإسلامها، فَرد الله عَلَيْهَا بصرها.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن مزينة وجهينة وغفار وَأسلم آمنُوا بِالنَّبِيِّ، وَهِي قبائل حول الْمَدِينَة، فَقَالَ بَنو عَامر وغَطَفَان وَأسد وَأَشْجَع، وَهَؤُلَاء رُءُوس قبائل الْعَرَب: لَو كَانَ فِي الدّين خير مَا سبقتنا إِلَيْهِ مزينة وجهينة وَأسلم وغفار رُعَاة البهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ردا عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿وَإِذا لم يهتدوا بِهِ﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿فسيقولون هَذَا إفْك قديم﴾ أَي: حَدِيث مثل حَدِيث الْمُتَقَدِّمين، وَهِي كذب وزور.
46:12Page 503
وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢
And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قبله كتاب مُوسَى﴾ أَي: كتاب من قبل الْقُرْآن كتاب مُوسَى.
وَقَوله: ﴿إِمَامًا﴾ نصب على الْحَال.
وَقَوله: ﴿وَرَحْمَة﴾ مَعْطُوف عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَهَذَا كتاب مُصدق﴾ أَي: مُصدق للتوراة.
وَقَوله: ﴿لِسَانا عَرَبيا﴾ نصب على الْحَال أَيْضا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: بِلِسَان عَرَبِيّ.
وَقَوله: ﴿لينذر الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: الْقُرْآن ينذر الَّذين ظلمُوا، وَأما من قَرَأَ بِالتَّاءِ أَي: تنذر يَا مُحَمَّد الَّذين ظلمُوا.
وَقَوله: ﴿وبشرى للمحسنين﴾ بإيمَانهمْ وأعمالهم الصَّالِحَة.
46:13Page 503
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣
Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾
وَقَوله: ﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ قد ذكرنَا أَيْضا.
46:14Page 503
أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤
Those are the companions of Paradise, abiding eternally therein as reward for what they used to do.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة ... .﴾ الْآيَة ظَاهر الْمَعْنى.
46:15Page 504
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها﴾ الكره: هُوَ الْإِكْرَاه، والكره هُوَ الْمَشَقَّة فِي الْحمل حِين يثقل الْحمل، وَالْمَشَقَّة فِي الْوَضع عِنْد الطلق، وَمعنى الكره قريب من هَذَا أَي: على كَرَاهَة مِنْهَا، وَفِي تَفْسِير النقاش: حَملته سُرُورًا، وَوَضَعته سُرُورًا، حكى عَن الْفراء: أَن الكره بِالضَّمِّ هُوَ السرُور، والكره بِالْفَتْح هُوَ الْكَرَاهَة، حَكَاهُ النقاش.
وَقَوله: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ مَعْنَاهُ: أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر، وَمُدَّة الفصال سنتَانِ، فَذَلِك ثَلَاثُونَ شهرا، وروى أَن امْرَأَة أَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من وَقت النِّكَاح فِي زمَان عمر رَضِي الله عَنهُ فهم عمر برجمها، فَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ فَقَالَ عمر: لَوْلَا عَليّ لهلك عمر.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الْمَرْأَة وضعت لسِتَّة أشهر فمدة الفصال أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ شهرا، وَإِن وضعت لتسعة أشهر فمدة الفصال [أحد] وَعِشْرُونَ شهرا، وَهَذَا خلاف قَول الْفُقَهَاء؛ فَإِن عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء مُدَّة الفصال حولان بِكُل حَال.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا بلغ أشده﴾ قد بَينا معنى الأشد.
وَقَوله: ﴿وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة﴾ قد بَينا أَيْضا، وَهُوَ مُنْتَهى مُدَّة كَمَال الْعقل.
وَقَوله: ﴿قَالَ رب أوزعني﴾ أَي: ألهمني.
﴿أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وَأصْلح لي فِي ذريتي إِنِّي تبت إِلَيْك وَإِنِّي من الْمُسلمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة؟ فَقَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وَالضَّحَّاك: إِنَّهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع الْمُؤمنِينَ. وَمعنى الْآيَة: هُوَ الْإِرْشَاد إِلَى شكر الله وَدُعَاء الْوَالِدين.
46:16Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦
Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا﴾ أَي: الْأَحْسَن من أَعْمَالهم، وَالْأَحْسَن من الْأَعْمَال كل مَا يرضاه الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة﴾ أَي: مَعَ أَصْحَاب الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ أَي: يوعدون من الثَّوَاب على الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَيُقَال: إِن الْآيَة الأولى نزلت فِي سعد بن أبي وَقاص، وَكَانَ قد أسلم وَمنعه أَبَوَاهُ من الْإِسْلَام وشددا عَلَيْهِ الْأَمر ليرْجع عَن دينه، وَقد بَينا هَذَا من قبل. وَيُقَال: نزلت فِي أَخِيه عُمَيْر بن أبي وَقاص، وَمعنى الْآيَة على هَذَا: هُوَ الْوَصِيَّة بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا دون الْمُوَافقَة فِي الشّرك.
46:17Page 504
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧
But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُفٍّ لَكمَا﴾ زعم جمَاعَة من أهل التَّفْسِير أَن الْآيَة نزلت فِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر رَضِي الله عَنْهُمَا [ووالديه] أَبُو بكر وَأمه [أم] رُومَان.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أُفٍّ لَكمَا﴾ تبرم واستقذار، وَكَانَا يَقُولَانِ: اللَّهُمَّ اهده، اللَّهُمَّ أقبل بِقَلْبِه، وَكَانَ يَقُول: أتعدانني أَن (أبْعث) أَي: أتوعداني بِالْبَعْثِ، وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله: ﴿أتعدانني أَن أخرج﴾ .
وَقَوله: ﴿وَقد خلت الْقُرُون من قبلي﴾ أَي: مَضَت الْقُرُون: من قبل، أَيْن عبد الله بن جدعَان؟ وَفُلَان وَفُلَان؟ .
وَقَوله: ﴿وهما يستغيثان الله﴾ أَي: يستغيثان بِاللَّه.
وَقَوله: ﴿وَيلك آمن﴾ أَي: وَيحك، آمن ﴿إِن وعد الله حق﴾ .
وَقَوله: ﴿فَيَقُول مَا هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾ أَي: أقاصيص الْأَوَّلين، وَأنكر كثير من أهل التَّفْسِير هَذَا القَوْل، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تنكر أَن المُرَاد بِالْآيَةِ أَخُوهَا، وَكَذَلِكَ ذكر الزّجاج فِي كتاب الْمعَانِي وَغَيره، وَاسْتَدَلُّوا على ضعف هَذَا القَوْل وفساده بِأَن الله تَعَالَى قَالَ عقيب هَذِه الْآيَة
46:18Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨
Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.
: ﴿أُولَئِكَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ أَي: وَجب عَلَيْهِم القَوْل بالتعذيب فِي النَّار.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا يُبدل القَوْل لَدَى﴾ وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أسلم وَحسن إِسْلَامه، وَهُوَ من أفاضل الْمُسلمين، فَالصَّحِيح أَن الْآيَة فِي غَيره، وَهُوَ الْكَافِر الْعَاق (بِوَالِديهِ) الَّذِي مَاتَ على الْكفْر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فِي أُمَم﴾ أَي: مَعَ أُمَم.
وَقَوله: ﴿قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين﴾ أَي: هالكين.
46:19Page 504
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩
And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.
قَوْله: ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ أَي: لكل الْمُؤمنِينَ دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الدَّرَجَات من الذَّهَب وَالْفِضَّة والياقوت والزبرجد والزمرد واللؤلؤ وَغَيره من الْجَوَاهِر، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى يدْخل الْمُؤمنِينَ الْجنَّة وَيَأْمُرهُمْ أَن يقسموها بأعمالهم.
وَقَوله: ( ﴿ولنوفينهم﴾ أَعْمَالهم وهم لَا يظْلمُونَ) أَي: لَا يُزَاد فِي إساءة الْمُسِيء، وَلَا ينقص من إِحْسَان المحسن.
46:20Page 504
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠
And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ أَي: أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي الْآخِرَة من معاصيكم فِي الدُّنْيَا، وَيُقَال: شغلتكم ﴿الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا فاليوم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر﴾ الشَّهَوَات عَن الطَّاعَات. وَقيل: أَخَذْتُم نصيبكم فِي الدُّنْيَا فَلَا نصيب لكم فِي الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا﴾ أَي: تلذذتم وانتفعتم بهَا، وَفِي الْمَشْهُور من الْخَبَر " أَن عمر رَضِي الله عَنهُ دخل على النَّبِي فِي خزانته وَهُوَ مُضْطَجع على [خصفة] وَبَعضه على الأَرْض، وَتَحْت رَأسه وسَادَة حشوها لِيف، وَفِي الْبَيْت أهب وَقَلِيل من الْقرظ، فَبكى عمر، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله: مَاذَا (يبكيك) ؟ فَقَالَ: ذكرت كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا هما فِيهِ من النعم وحالك على مَا أرى، وَأَنت نَبِي الله وصفوته وَخيرته، فَقعدَ رَسُول الله وَقَالَ: أَفِي شكّ أَنْت يَا ابْن الْخطاب! أُولَئِكَ قوم عجلت لَهُم طَيِّبَاتهمْ فِي حياتهم الدُّنْيَا، وأخرت لنا إِلَى الْآخِرَة ".
وَرُوِيَ أَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: مَا أجمل لذيذ الْعَيْش لَو شِئْت أمرت بصغار المعزى فيمسط لنا، وَأمرت بلباب الْبر فيخبز لنا، وَأمرت بالزبيب فينبذ لنا حَتَّى يصير كعين اليعقوب، فَآكل من هَذَا مرّة، وأشرب من هَذَا مرّة، وَلَكِن سَمِعت الله يَقُول لقوم: ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ ، فَأَنا أَخَاف أَن أكون مِنْهُم.
وَرُوِيَ أَنه رأى جَابر بن عبد الله وَبِيَدِهِ لحم قد اشْتَرَاهُ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: اشْتَرَيْته بدرهم. فَقَالَ: أَو كلما قَامَ أحدكُم اشْترى بدرهم لَحْمًا. وَفِي رِوَايَة: كلما اشْتهيت اشْتريت، أما سَمِعت الله يَقُول: ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ أم تخافون أَن تَكُونُوا مِنْهُم؟
وَقَوله: ﴿الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون﴾ أَي: الهوان، وَهُوَ كَذَلِك فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود.
وَقَوله: ﴿بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ أَي: تطلبون الْعُلُوّ والرفعة الْحق وَبِمَا كُنْتُم تفسقون وَاذْكُر أَخا عَاد إِذْ انذر قومه بالأحقاف وَقد خلت النّذر من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم قَالُوا أجئتنا لتأفكنا عَن آلِهَتنَا فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين قَالَ
وَالْغَلَبَة بِغَيْر حق
وَقَوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُم تفسقون﴾ أَي: تخرجُونَ عَن طَاعَة الله.
46:21Page 505
۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١
And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر أَخا عَاد﴾ وَهُوَ هود عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَ أَخَاهُم فِي النّسَب لَا فِي الدّين.
وَقَوله: ﴿إِذا أنذر قومه بالأحقاف﴾ أى: قومه عاداً، والأحقاف: جمع حقف، وَهُوَ الرمل المعوج وَفِي الْخَبَر: (مر رَسُول الله بِظَبْيٍ حَاقِف) أَي قد انثنى عُنُقه وَيُقَال الْأَحْقَاف رمال مستطيلة شبه الدكاكين. وَقيل: رمال مشرفة على الْبَحْر بالشحر من الْيمن وَعَن ابْن عَبَّاس أَرض بَين عمان ومهرة وَعَن ابْن إِسْحَاق أَرض بَين عمان وحضرموت كَانَت منَازِل عَاد بهَا وروى أَبُو الطُّفَيْل عَن على رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ شَرّ بِئْر فِي الأَرْض بِئْر وَادي حَضرمَوْت يُقَال لَهُ: برهوت يَجْعَل فِيهَا أَرْوَاح الْكفَّار وَخير بِئْر فِي الأَرْض بِئْر زَمْزَم. وَيُقَال: جبال بِالشَّام وَالأَصَح أَنهم كَانُوا بِالْيمن وَأما منَازِل ثَمُود وَقوم لوط بَين الْمَدِينَة وَالشَّام.
وَقَوله ﴿وَقد خلت النّذر من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه﴾ أى خلت النّذر قبل هود وَبعده.
وَقَوله: ﴿أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنِّي اخاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ أَي: كَبِير
46:22Page 505
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢
They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أجئتنا لتأفكنا عَن آلِهَتنَا﴾ أى: تصرفنا.
وَقَوله: (فأتنا بِمَا تعدنا) أَي: من الْعَذَاب. وَقَوله: ﴿إِن كنت من الصَّادِقين﴾ يَعْنِي: إِن كنت نَبيا من قبل الله تَعَالَى.
46:23Page 505
قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣
He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله﴾ أَي: وَقت عذابكم يُعلمهُ الله، وَلَا أعلمهُ أَنا.
وَقَوله: ﴿وأبلغكم مَا أرْسلت بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُم قوما تجهلون﴾ وَمَعْنَاهُ: أَن إِلَيّ تَبْلِيغ الرسَالَة، وَلَيْسَ إِلَيّ إِنْزَال الْعَذَاب، وَإِنَّمَا هُوَ إِلَى الله تَعَالَى.
46:24Page 505
فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤
And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عارضا مُسْتَقْبل أَوْدِيَتهمْ﴾ الْعَارِض: هُوَ السَّحَاب هَاهُنَا قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا نظرت إِلَى أسرة وَجهه ... برقتْ كبرق الْعَارِض المتهلل)
وَقَالَ آخر:
(يَا من يرى عارضا قد [بت] أرمقه ... كَأَنَّمَا الْبَرْق فِي حَافَّاته الشعل)
وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى حبس عَنْهُم الْقطر ثَلَاث سِنِين، فَجعلُوا يدعونَ ويسألون الله الْمَطَر، وَرُوِيَ أَنهم وفدوا وَفْدًا إِلَى الْحرم يسْأَلُون الْغَيْث، وَكَانَ لَهُم وَاد يُقَال لَهُ: المغيث، وَكَانَ غيثهم يَأْتِي من قبل ذَلِك الْوَادي، فَرَأَوْا سَحَابَة جَاءَت من جَانب ذَلِك الْوَادي، وَكَانَت سَوْدَاء فاستبشروا و ﴿قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ أَي: سَحَاب يُرْسل علينا الْمَطَر؛ فَقَالَ هود عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَ جَالِسا مَعَهم: ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم﴾ .
وَقَوله: ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ أَنهم كَانُوا قد قَالُوا: " فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين ". وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن أول من رأى الْعَذَاب فِي السَّمَاء امْرَأَة مِنْهُم فَقَالَت: أرى نيرانا أمامها رجال يَقُودُونَهَا.
وَفِي الْقِصَّة: أَن قوم هود قَالُوا لهود: أتوعدنا بِالرِّيحِ، وَأي الرّيح تصرعنا وتهلكنا، فروى أَن الله تَعَالَى أَمر الْملك الَّذِي هُوَ على خزانَة الرّيح أَن يُرْسل الرّيح من الخزانة فَقَالَ: وَكم أرْسلهُ؟ فَقيل لَهُ: على مِقْدَار منخر الثور، فَقَالَ: إِذا تقلب الأَرْض بِمن فِيهَا. فَقيل لَهُ: على قدر حَلقَة الْخَاتم فَأرْسلت على هَذَا الْقدر فَجعلت تطير بالظعن بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَتحمل الرَّاعِي مَعَ غنمه وَإِبِله وتروحها إِلَى الْهَوَاء، ثمَّ تطرحها على الْجبَال وتشدخها، وَكَذَلِكَ فعلت بِجَمِيعِ عَاد حَتَّى أهلكتهم، وَفِي التَّفْسِير: أَنَّهَا كَانَت تحمل الرِّجَال بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يرى كالجراد، وَكَانَ هَذَا الْعَذَاب مسخرا عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما على مَا ذكر الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر.
وَفِي الْقِصَّة: أَن هود عَلَيْهِ السَّلَام اعتزل بقَوْمه الَّذين آمنُوا بِهِ وَخط لَهُم خطا، وَكَانَت الرّيح فِي ذَلِك الْخط أَلين ريح وأطيبها، وَهِي تعْمل بقَوْمه الْعَجَائِب. وَرُوِيَ أَنهم لما رَأَوْا الْعَذَاب وَأرْسلت الرّيح عَلَيْهِم دخلُوا بُيُوتهم، وَهِي من صَخْر، وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب، ففتحت الرّيح أَبْوَابهم ونزعتهم من بُيُوتهم، وأهالت الرمال عَلَيْهِم حَتَّى أهلكتهم تَحت الرمال، وَإِن أَنِين بَعضهم يسمع تحتهَا.
46:25Page 505
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥
Destroying everything by command of its Lord. And they became so that nothing was seen [of them] except their dwellings. Thus do We recompense the criminal people.
وَقَوله: ﴿تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا﴾ أَي: بِإِذن رَبهَا.
وَقَوله: ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما أهلكهم بعث بطير كثير حَتَّى التقطتهم وألقتهم فِي الْبَحْر، فَأَصْبَحت مساكنهم خَالِيَة عَن جَمِيعهم، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ .
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ أَي: ذُو الإجرام.
46:26Page 505
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦
And We had certainly established them in such as We have not established you, and We made for them hearing and vision and hearts [i.e., intellect]. But their hearing and vision and hearts availed them not from anything [of the punishment] when they were [continually] rejecting the signs of Allāh; and they were enveloped by what they used to ridicule.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: فِيمَا لم نمكنكم فِيهِ أَي: جعلنَا تمكينهم ونعمهم فِي الأَرْض أَكثر وأوسع.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مكناهم فِيمَا مكناكم فِيهِ، " وَإِن " صلَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: إِن فِي الْآيَة حذفا، وتقديرها: وَلَقَد مكناكم فِيمَا إِن مكناهم فِيهِ كَانَ عنادكم وعتوكم أَكثر، وَهَذَا هُوَ الْمَحْذُوف.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا لَهُم سمعا﴾ أَي: أسماعا.
وَقَوله: ﴿وأبصارا وأفئدة﴾ أَي: (أعينا) يبصرون بهَا، وَقُلُوبًا يعلمُونَ بهَا.
وَقَوله: ﴿فَمَا أغْنى عَنْهُم﴾ أَي: مَا دفعت عَنْهُم وسمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم حَتَّى نزل بهم الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿من شَيْء إِذا كَانُوا يجحدون بآيَات الله﴾ أَي: يُنكرُونَ آيَات الله.
وَقَوله: ﴿وحاق بهم﴾ أَي: نزل بهم.
وَقَوله: ﴿مَا كَانُوا يستهزئون﴾ أَي: جَزَاؤُهُ.
46:27Page 505
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧
And We have already destroyed what surrounds you of [those] cities, and We have diversified the signs [or verses] that perhaps they might return [from disbelief].
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أهلكنا مَا حَوْلكُمْ من الْقرى وصرفنا الْآيَات لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: منَازِل عَاد بِالْيمن، ومنازل ثَمُود، و [مَدَائِن] قوم لوط فِيمَا بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، وَقَوله: ﴿وصرفنا الْآيَات﴾ أَي: مرّة عاقبناهم، وَمرَّة أنعمنا عَلَيْهِم، وَيُقَال: خوفناهم مرّة، وأطعمناهم مرّة.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: عَن الْكفْر الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
46:28Page 505
فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨
Then why did those they took besides Allāh as deities by which to approach [Him]1 not aid them? But they had strayed [i.e., departed] from them. And that was their falsehood and what they were inventing.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا نَصرهم الَّذين اتَّخذُوا﴾ مَعْنَاهُ: فَهَلا نَصرهم ﴿الَّذين اتَّخذُوا من دون الله قربانا آلِهَة﴾ أَي: منع الْأَصْنَام مِنْهُم عذابنا. وَقَوله: ﴿قربانا﴾ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ إِن عبادتنا لَهَا تقربنا إِلَى الله.
وَقَوله: ﴿بل ضلوا عَنْهُم﴾ أَي: ضلوا عَن عبَادَة الْأَصْنَام وَلم تنفعهم أبدا.
وَقَوله: ﴿وَذَلِكَ إفكهم وَمَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: ذَلِك كذبهمْ وفريتهم.
46:29Page 506
وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩
And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ﴾ الْآيَة مَعْنَاهُ: وجهنا وُجُوههم إِلَيْك، وَأما سَبَب نزُول الْآيَة: وَهُوَ أَن النَّبِي لما دَعَا كفار مَكَّة إِلَى الْإِسْلَام وأبوا أَن يسلمُوا خرج إِلَى الطَّائِف لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَان، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَّة وَكَانَ بِبَطن نَخْلَة، مر عَلَيْهِ أَشْرَاف من جن نَصِيبين وَهُوَ يُصَلِّي صَلَاة الصُّبْح، وَيُقَال: إِنَّهُم رَأَوْهُ بِبَطن نَخْلَة وَهُوَ عَامِد إِلَى عكاظ. وأختلفوا فِي عَددهمْ، فَقَالَ بَعضهم: كَانُوا سَبْعَة نفر. وَقَالَ بَعضهم: كَانُوا تِسْعَة نفر. وَيُقَال: كَانَ فيهم زَوْبَعَة. وَقد ذكر فِي أسمائهم حسى ومسى ويسى وشاصر وناصر، وَالله أعلم. فَلَمَّا سمعُوا قِرَاءَة النَّبِي اجْتَمعُوا لسماعه. وَفِي التَّفْسِير أَيْضا: أَن الْجِنّ كَانُوا يَسْتَمِعُون إِلَى السَّمَاء قبل زمَان النَّبِي؛ فَلَمَّا كَانَ زمَان النَّبِي رموا بِالشُّهُبِ، فَاجْتمعُوا وَقَالُوا: مَا هَذَا إِلَّا لأمر حدث فِي الأَرْض، فَضربُوا فِي الأَرْض يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى وجدوا النَّبِي بِبَطن نَخْلَة يُصَلِّي وَيقْرَأ الْقُرْآن وَحَوله الْمَلَائِكَة يحرسونه؛ فعرفوا أَن مَا حدث من الْأَمر كَانَ لأَجله ".
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصتُوا﴾ أَي: أسكت بَعضهم بَعْضًا، وَرُوِيَ أَنه قَالَ بَعضهم لبَعض: صه أَي: اسْكُتُوا.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا قضى﴾ مَعْنَاهُ: فَلَمَّا فرغ من الْقِرَاءَة.
وَقَوله: ﴿ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين﴾ أَي: محذرين، وَيُقَال: ولوا دعاة إِلَى التَّوْحِيد. وَقد قيل: إِن الْجِنّ كَانُوا من جن الْموصل، وَهِي نِينَوَى بَلْدَة يُونُس بن مَتى، وَيُقَال: من حران، وَقيل: غير ذَلِك.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences