As-Sam'aniAl‑Jumu'ah · 62:1–11

As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic

الجمعة

Al-Jumu'ah

The Congregation, Friday · Medinan · 11 ayahs

62:1Page 553

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh,1 the Sovereign, the Pure, the Exalted in Might, the Wise.2

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

تَفْسِير سُورَة الْجُمُعَة

مَدَنِيَّة فِي قَول الْجَمِيع، وَذكر بَعضهم: أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَلَيْسَ بِصَحِيح.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يسبح لله﴾ قد بَينا معنى التَّسْبِيح، وَهُوَ تَنْزِيه الرب عَن كل مَا لَا يَلِيق بِهِ. وَيُقَال: التَّسْبِيح لله هُوَ ذكر الله. وَذكر الْقفال الشَّاشِي: أَن معنى تَسْبِيح الجمادات هُوَ مَا جعل فِيهَا من دَلَائِل حدثها، وَأَن لَهَا صانعا وخالقا. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، وَقد ذكرنَا من قبل مَا قَالَه أهل السّنة فِيهَا.

وَقَوله: ﴿مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض الْملك القدوس﴾ أَي: الطَّاهِر من كل عيب وَآفَة.

وَقَوله: ﴿الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب فِي أمره، الْعدْل فِي فعله.

62:2Page 553

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢

It is He who has sent among the unlettered [Arabs] a Messenger from themselves reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the sunnah] - although they were before in clear error -

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا﴾ روى مَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم: أَن الْأُمِّي هُوَ الَّذِي لَا يكْتب وَلَا يقْرَأ. وروى ابْن عمر أَن النَّبِي قَالَ: " نَحن أمة أُميَّة لَا نكتب وَلَا نحسب الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ". وَأَشَارَ بأصابعه الْعشْر، وَحبس إبهامه فِي الْمرة الثَّالِثَة.

وَيُقَال: سمي الْأُمِّي أُمِّيا نِسْبَة إِلَى مَا وَلدته عَلَيْهِ أمه. وَيُقَال: سمي أُمِّيا لِأَنَّهُ الأَصْل فِي جبلة الْأمة، وَالْكِتَابَة لَا تكون إِلَّا بتَعَلُّم. وَعَن بَعضهم: سميت قُرَيْش أُمِّيين نِسْبَة إِلَى أم الْقرى وَهِي [مَكَّة] فَإِن قَالَ قَائِل: لم يكن كل قُرَيْش أُمِّيا، وَقد قَالَ: ﴿فِي الْأُمِّيين﴾ وَالْجَوَاب: أَن الله تَعَالَى سماهم أُمِّيين بِاعْتِبَار غَالب أَمرهم، وَقد كَانَت الْكِتَابَة نادرة فيهم، وَقد كَانَت الْعَرَب تسمي من علم الْكِتَابَة والسباحة وَالرَّمْي شَاعِرًا الْكَامِل. قَالَ ابْن عَبَّاس: تعلمت قُرَيْش الْكِتَابَة من أهل لحيرة، وتعلمها أهل الْحيرَة من أهل الأنبار.

وَالْحكمَة فِي كَون الرَّسُول أُمِّيا انْتِفَاء التُّهْمَة عَنهُ فِي تعلم أَخْبَار الْأَوَّلين ودراستها من كتبهمْ. وَيُقَال: ليَكُون مُوَافقا لصفته فِي كتب الْأَوَّلين.

وَقَوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته﴾ أَي: الْقُرْآن.

وَقَوله: ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ أَي: كتاب الله. وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ الْخط بالقلم، فَإِن الْكِتَابَة كثرت فِي قُرَيْش وَسَائِر الْعَرَب بعد رَسُول الله، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله تَعَالَى: ﴿علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ .

وَقَوله: ﴿وَالْحكمَة﴾ أَي: السّنة. وَيُقَال: الْفِقْه فِي الدّين.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ أَي: فِي ضلال من الْحق بَين.

62:3Page 553

وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

And [to] others of them who have not yet joined them. And He is the Exalted in Might, the Wise.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرين مِنْهُم﴾ قَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ فِي مَوضِع الْخَفْض يَعْنِي: بعث فِي الْأُمِّيين وَفِي آخَرين.

وَقَوله: ﴿لما يلْحقُوا بهم﴾ أَي: لم يلْحقُوا بهم وسيلحقون. وَيُقَال فِي قَوْله: ﴿وَآخَرين﴾ أَي: يعلمهُمْ الْكتاب وَالْحكمَة، وَيعلم آخَرين، أوردهُ النقاش.

وَاخْتلفت الْأَقْوَال فِي المُرَاد بالآخرين من هم؟ قَالَ عِكْرِمَة: هم التابعون. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هم الْعَجم. (وَقَائِل) هَذَا القَوْل مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة وَأَشَارَ إِلَى سلمَان، وَقَالَ: لَو كَانَ الدّين مُعَلّقا بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رجال من قوم هَذَا " أَي: الْعَجم. وَقَالَ الضَّحَّاك: هُوَ كل من آمن وَعمل صَالحا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ قد بَينا.

62:4Page 553

ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤

That is the bounty of Allāh, which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ أَي: النُّبُوَّة. وَيُقَال: مَا سبق ذكره من تَعْلِيم الْكتاب وَالْحكمَة.

وَقَوله: ﴿وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ ظَاهر. وَقد ورد فِي الْخَبَر " أَن الْفُقَرَاء شكوا إِلَى النَّبِي وَقَالُوا: ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ، فَأَرْشَدَهُمْ الرَّسُول إِلَى التَّسْبِيح والتهليل وأنواع من الذّكر؛ فَسمع الْأَغْنِيَاء بذلك فَجعلُوا يَقُولُونَ مثل مَا يَقُول الْفُقَرَاء؛ فجَاء الْفُقَرَاء إِلَى رَسُول الله وَذكروا لَهُ ذَلِك؛ فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة، وَهُوَ وَقَوله: ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ وَهُوَ خبر مَشْهُور.

62:5Page 553

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥

The example of those who were entrusted with the Torah and then did not take it on1 is like that of a donkey who carries volumes [of books].2 Wretched is the example of the people who deny the signs of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين حملُوا التَّوْرَاة﴾ أَي: حملُوا الْقيام بهَا (واستعمالها) ، وَهُوَ من الْحمالَة وَلَيْسَ من الْحمل أَي: ضمنُوا الْقيام بهَا وَالْعَمَل بِمَا فِيهَا.

وَقَوله: ﴿ثمَّ لم يحملوها﴾ أَي: ضيعوها وَلم يعملوا بِمَا فِيهَا ﴿كَمثل الْحمار يحمل أسفارا﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " كَمثل حمَار يحمل أسفارا " والأسفار جمع سفر، وَالسّفر هُوَ الْكتاب، فَجعل الْكفَّار لما ضيعوا كتاب الله وَلم يعملوا بِمَا فِيهِ مثل الْحمر تحمل الْكتب وَلَا تَدْرِي مَا فِيهَا.

وَقَوله: ﴿بئس مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بآيَات الله﴾ أَي: بئس الْمثل مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بآيَات الله وَقَوله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: الْكَافرين.

62:6Page 553

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦

Say, "O you who are Jews, if you claim that you are allies of Allāh, excluding the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أَيهَا الَّذين هادوا﴾ وَفِي بعض التفاسير: أَن يهود الْمَدِينَة بعثوا إِلَى يهود خَيْبَر يَسْأَلُونَهُمْ عَن النَّبِي، فَكتب يهود خَيْبَر إِلَى يهود الْمَدِينَة، وَقَالُوا: إِنَّا لَا نَعْرِف نَبيا يخرج من الْعَرَب، وَإِن هَذَا الرجل يُرِيد أَن يضعكم ويصغر شَأْنكُمْ، وَأَنْتُم أَوْلِيَاء الله وأحباؤه فَلَا تَتبعُوهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.

وَقَوله: ﴿إِن زعمتم أَنكُمْ أَوْلِيَاء لله من دون النَّاس﴾ هُوَ مَا قُلْنَا.

وَقَوله: ﴿فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: صَادِقين أَنكُمْ أَوْلِيَاء الله، فَإِنَّكُم إِذا متم وصلتم إِلَى كَرَامَة الله وجنته على زعمكم، فتمنوا لتصلوا. وَفِي أَكثر التفاسير: أَن الْآيَة معْجزَة للرسول، فَإِن الله كَانَ قد قضى أَنهم لَو تمنوا مَاتُوا فِي وقتهم ذَلِك، فَلم يتمن أحد مِنْهُم، فَفِي صرفهم عَن التَّمَنِّي مَعَ حرصهم على إِظْهَار كذب الرَّسُول، وَفِي علمهمْ أَنهم لَو تمنوا مَاتُوا، دَلِيل على صدق الرَّسُول.

62:7Page 553

وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧

But they will not wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يتمنونه أبدا بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ أخبر أَنهم لَا يتمنون، وَلم يتمن أحد مِنْهُم.

وَقَوله: ﴿وَالله عليم بالظالمين﴾ أَي: بظلمهم على أنفسهم بكتمانهم وصف الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي كتبهمْ.

62:8Page 553

قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

Say, "Indeed, the death from which you flee - indeed, it will meet you. Then you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you about what you used to do."

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن الْمَوْت الَّذِي تفرون مِنْهُ فَإِنَّهُ ملاقيكم﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَنهم لَو تمنوا مَاتُوا، وَإِنَّهُم لم يتمنوا فِرَارًا من الْمَوْت.

وَقَوله: ﴿فَإِنَّهُ ملاقيكم﴾ أَي: الْمَوْت ملاقيكم.

وَقَوله: ﴿ثمَّ تردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ أَي: عَالم بِمَا ظهر وخفي.

وَقَوله: ﴿فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: بِمَا عملتم.

62:9Page 554

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩

O you who have believed, when [the adhān] is called for the prayer on the day of Jumuʿah [Friday], then proceed to the remembrance of Allāh and leave trade. That is better for you, if you only knew.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ أَي: لصَلَاة الْجُمُعَة من يَوْم الْجُمُعَة، وَسمي الْيَوْم جُمُعَة؛ لِأَنَّهُ جمع فِي هَذَا الْيَوْم خلق آدم. وَقد روى بَعضهم هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ قَرَأَ عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن الزبير: " فامضوا إِلَى ذكر الله ". قَالَ ابْن مَسْعُود: لَو قَرَأت: " فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله " لسعيت حَتَّى يسْقط رِدَائي. وَالْمَعْرُوف: " فَاسْعَوْا " وَقد رُوِيَ عَن بعض التَّابِعين أَنهم كَانُوا يعدون. قَالَ ثَابت الْبنانِيّ: كنت عِنْد أنس بن مَالك: فَنُوديَ لصَلَاة الْجُمُعَة فَقَالَ: قُم نسع. وَالصَّحِيح أَن السَّعْي هَاهُنَا بِمَعْنى الْعَمَل وَالْفِعْل، قَالَه مُجَاهِد وَغَيره، وَحكي ذَلِك عَن الشَّافِعِي، وَاسْتشْهدَ بقوله تَعَالَى: ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ أَي: إِلَّا مَا عمل، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن سعيكم لشتى﴾ وأمثال هَذَا. وَقد قَالَ الشَّاعِر:

(أسعى على جلّ بني مَالك ... كل امْرِئ فِي شَأْنه ساعي)

فالسعي هَاهُنَا بِمَعْنى الْعَمَل وَالتَّصَرُّف. وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: أَن المُرَاد من قَوْله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ هُوَ النِّيَّة بِالْقَلْبِ والإرادة لَهَا. وَقَالَ عبد الله بن الصَّامِت: كنت أَمْشِي مَعَ أبي ذَر إِلَى الْجُمُعَة فسمعنا النداء للصَّلَاة، فَرفعت فِي مشي، فجذبني جذبة، وَقَالَ: أَلسنا نسعى. وَقَوله: ﴿إِلَى ذكر الله﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْخطْبَة، وَالْآخر: أَنه الصَّلَاة. وَهُوَ الْأَصَح.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وذروا البيع﴾ أَي: واتركوا البيع. وَيُقَال المُرَاد مِنْهُ: إِذا دخل وَقت الصَّلَاة وَإِن لم يُؤذن لَهَا بعد، وَيُقَال: إِنَّه بعد سَماع النداء. وَالْأول أحسن. وَمن قَالَ بِالثَّانِي، قَالَ: النداء هُوَ الآذان إِذا جلس الإِمَام على الْمِنْبَر وَهُوَ الَّذِي كَانَ فِي زمَان رَسُول الله وَأما الْآذِن الأول أحدثه عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ حِين كثر النَّاس. وَالْمرَاد من قَوْله: ﴿وذروا البيع﴾ أَي: البيع وَالشِّرَاء وكل مَا يشغل عَن الْجُمُعَة. وَاخْتلف الْعلمَاء أَنه لَو بَاعَ هَل يجوز ذَلِك البيع؟ فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَن البيع جَائِز، وَالنَّهْي عَنهُ كَرَاهَة. وَذهب مَالك وَأحمد إِلَى أَن البيع لَا يجوز أصلا. وَحكى بَعضهم عَن مَالك أَنه رَجَعَ من التَّحْرِيم إِلَى الْكَرَاهَة، وَالْقَوْل الأول أولى؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ جعل ترك البيع خيرا، وَهَذَا يُشِير إِلَى الْكَرَاهَة فِي الْفِعْل دون التَّحْرِيم، وَلِأَن النَّهْي عَن العقد للاشتغال عَن الْجُمُعَة لَا لعين العقد.

62:10Page 554

فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠

And when the prayer has been concluded, disperse within the land and seek from the bounty of Allāh, and remember Allāh often that you may succeed.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة﴾ أَي: فرغ مِنْهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله﴾ هُوَ أَمر ندب لَا أَمر حتم وَإِيجَاب، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ وَعَن ابْن محيريز قَالَ: يُعجبنِي أَن يكون لي حَاجَة بعد الْجُمُعَة فأنصرف إِلَيْهَا، وابتغى من فضل الله مِنْهَا. وَعَن عبد الله [بن] بسر: أَنه كَانَ يخرج من الْمَسْجِد إِذا صلى الْجُمُعَة، ثمَّ يعود وَيجْلس إِلَى أَن يُصَلِّي الْعَصْر. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله﴾ قَالَ: " لَيْسَ هُوَ طلب دنيا، وَإِنَّمَا هُوَ عِيَادَة مَرِيض، أَو شُهُود جَنَازَة، أَو زياح أَخ فِي الله ". وَالْخَبَر غَرِيب.

وَقَوله: ﴿واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

62:11Page 554

وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١

But [on one occasion] when they saw a transaction or a diversion, [O Muḥammad], they rushed to it and left you standing. Say, "What is with Allāh is better than diversion and than a transaction, and Allāh is the best of providers."

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أَن رَسُول الله كَانَ على الْمِنْبَر يخْطب، وَقد كَانَ أصَاب أهل الْمَدِينَة غلاء ومجاعة، فَقدمت عير تحمل الطَّعَام وَيُقَال: كَانَت لدحية بن خَليفَة الْكَلْبِيّ فنزلوا عِنْد أَحْجَار الزَّيْت، وضربوا بالطبل ليعلم النَّاس، فَسمع الْمُسلمُونَ ذَلِك فِي الْمَسْجِد فَذَهَبُوا إِلَيْهَا، وَبَقِي النَّبِي مَعَ اثْنَي عشر نَفرا فيهم أَبُو بكر وَعمر. وَأورد البُخَارِيّ خَبرا فِي هَذَا، وَأورد هَذَا الْعدَد. وَقيل: فِي [ثَمَانِيَة] رجال، وَالْأول أصح، فَانْزِل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.

وَالتِّجَارَة مَعْلُومَة، وَهِي التِّجَارَة فِي الطَّعَام وتحصيلها، وَاللَّهْو هُوَ الطبل، قَالَه مُجَاهِد. وَيُقَال: هُوَ المزامير، وَكَانَ الْأَنْصَار يستعملون ذَلِك إِذا زفوا امْرَأَة إِلَى زَوجهَا، وَذَلِكَ مثل الدُّف والطبل وَمَا يُشبههُ، فعلى هَذَا القَوْل سمع الْمُسلمُونَ صَوتهَا فِي السُّوق وَكَانُوا يزفون امْرَأَة فَذَهَبُوا إِلَيْهَا، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور، وَهُوَ الثَّابِت.

وَقَوله: ﴿وَتَرَكُوك قَائِما﴾ لِأَنَّهُ كَانَ يخْطب، وَفِيه دَلِيل على أَن السّنة أَن يخْطب قَائِما، وَأول من خطب قَاعِدا مُعَاوِيَة وَتَبعهُ على ذَلِك مَرْوَان. وَالسّنة مَا بَينا. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ وَقد تقدم سببان؛ التِّجَارَة وَاللَّهْو، وَلم يقل: " انْفَضُّوا إِلَيْهِمَا "؟ وَالْجَوَاب أَن مَعْنَاهُ: وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا، وَإِذا رَأَوْا لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهِ، فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر. وَقد ذكرنَا من قبل أَن الْعَرَب قد تذكر شَيْئَيْنِ وَترد الْكِنَايَة إِلَى أَحدهمَا، وَالْمرَاد كِلَاهُمَا، قَالَ الشَّاعِر: نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك رَاض والرأي مُخْتَلف)

وَيُقَال: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ: وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا أَو لهوا والانفضاض هُوَ الذّهاب بِسُرْعَة.

وَقَوله: ﴿قل مَا عِنْد الله خير من اللَّهْو وَمن التِّجَارَة﴾ أَي: ذكر الله تَعَالَى والاشتغال فِي الصَّلَاة خير من اللَّهْو وَالتِّجَارَة، وَقَوله: ﴿وَالله خير الرازقين﴾ قَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ: أَنه يرزقكم وَلَا يمسِكهُ عَنْكُم فَلَا تشتغلوا بِطَلَبِهِ عَن الصَّلَاة وَعَن ذكر الله. وَيُقَال: الرزق مسجلة للبر والفاجر. وروى الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ أَن النَّبِي قَالَ حِين نفر النَّاس إِلَى العير وَبَقِي فِي اثْنَي عشر رجلا: " لَو لحق آخِرهم أَوَّلهمْ لاضطرم الْوَادي عَلَيْهِم نَارا ".

وَقد وَردت أَخْبَار كَثِيرَة فِي فضل الْجُمُعَة وثوابها مِنْهَا: مَا روى سعيد بن الْمسيب، عَن جَابر، عَن عبد الله أَن النَّبِي قَالَ: " يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى ربكُم من قبل أَن تَمُوتُوا، وَبَادرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قبل أَن تشْغَلُوا، وصلوا الَّذِي بَيْنكُم وَبَين ربكُم بِكَثْرَة ذكركُمْ لَهُ وَالصَّدَََقَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة تنصرُوا وَتجبرُوا وترزقوا، وَاعْلَمُوا أَن الله تَعَالَى قد فرض عَلَيْكُم الْجُمُعَة فِي مقَامي هَذَا فِي يومي هَذَا فِي شَهْري هَذَا فِي عَامي هَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَمن تَركهَا فِي حَياتِي أَو بعد موتِي وَله إِمَام عَادل أَو جَائِر اسْتِخْفَافًا بهَا وجحودا لَهَا، أَلا فَلَا جمع الله شَمله، وَلَا بَارك لَهُ فِي أمره أَلا لَا ... ".

وروى مَالك، عَن سمي، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، أَن النَّبِي قَالَ: " من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قرب بقرة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأَنَّمَا قرب كَبْشًا أقرن، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأَنَّمَا قرب بَيْضَة، فَإِذا [شرع] الإِمَام طويت الصُّحُف، وَحَضَرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر ". قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو الْحُسَيْن بن النقور، أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص أخبرنَا يحيى بن مُحَمَّد بن صاعد، أخبرنَا أَبُو مُصعب عَن مَالك الْخَبَر.

وَورد أَيْضا بِرِوَايَة عمرَان بن الْحصين، عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ: " من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسلت ذنُوبه وخطاياه، فَإِذا رَاح كتب الله بِكُل قدم عمل عشْرين سنة، فَإِذا قضيت الصَّلَاة أُجِيز بِعَمَل مِائَتي سنة " وَالْخَبَر غَرِيب جدا.

وَالْخَبَر الثَّالِث أَن النَّبِي قَالَ: " من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة من الْجَنَابَة، وَلبس من صَالح ثِيَابه، وَمَسّ من طيب بَيته، وَلم يفرق بَين اثْنَيْنِ غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام ". ذكره البُخَارِيّ فِي كِتَابه.

وَورد أَيْضا فِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " من ترك الْجُمُعَة ثَلَاث مَرَّات من غير عذر طبع الله على قلبه ". وَالله أعلم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском