As-Sam'ani · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:28–49
9:28Page 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ معنى قَوْله ﴿نجس﴾ قذر، فَإِذا ضم إِلَى غَيره قيل: رِجْس نجس، وَإِذا أفرد قيل: نجس.
رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: نجاستهم كنجاسة الْكَلْب وَالْخِنْزِير.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: إِذا صَافح مُسلم كَافِرًا يجب عَلَيْهِ غسل يَده.
وَالصَّحِيح أَن المُرَاد من الْآيَة: أَنه يجب الاجتناب مِنْهُم كَمَا يجب الاجتناب من النَّجَاسَات. وَقيل إِن معنى قَوْله ﴿نجس﴾ : أَنهم يجنبون فَلَا يغتسلون، ويحدثون فَلَا يَتَوَضَّئُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى أَمر، وَمَعْنَاهُ: لَا تخلوهم أَن يدخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا.
وَمذهب الْمَدَنِيين: أَن الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ جَمِيع الْحرم، وَلَا يتْرك كَافِر يدْخلهُ، وَإِن كَانَ معاهدا أَو عبدا، وَهَذَا قَول عمر بن عبد الْعَزِيز وَجَمَاعَة.
وَمذهب الْكُوفِيّين: أَنه يجوز أَن يدْخلهُ الْمعَاهد وَالْعَبْد، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن جَابر.
وَقَوله: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة﴾ يَعْنِي: فقرا. وَفِي مصحف عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ -: " وَإِن خِفْتُمْ عائلة " يَعْنِي: أمرا شاقا، يُقَال: عالني الْأَمر، أَي: شقّ عَليّ.
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن أهل مَكَّة إِنَّمَا كَانَت مَعَايشهمْ من التِّجَارَات والأرباح، فَلَمَّا أَمر الله تَعَالَى الْمُسلمين أَن لَا يخلوا الْكفَّار أَن يدخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام، قَالُوا: فَكيف أَمر مَعَايِشنَا؟ وخافوا الْفقر وضيق الْعَيْش، فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُم: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ﴾ فَروِيَ أَنه أسلم أهل جرش - بِالْجِيم مُعْجمَة - وَصَنْعَاء، وَسَائِر نواحي الْيمن، وجلبوا الْميرَة الْكَثِيرَة إِلَى أهل مَكَّة، ووسع الله عَلَيْهِم ﴿إِن الله عليم حَكِيم﴾ وَمَعْنَاهُ ظَاهر.
9:29Page 191
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: إِن أهل الْكِتَابَيْنِ يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، فَكيف معنى الْآيَة؟
الْجَواب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَنهم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر كَإِيمَانِ الْمُؤمنِينَ؛ فَإِنَّهُم قَالُوا: عُزَيْر ابْن الله، وَقَالُوا: الْمَسِيح ابْن الله، وَقَالَت الْيَهُود: لَا أكل وَلَا شرب فِي الْجنَّة.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن كفرهم ككفر من لَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فِي عظم الجرم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يدينون دين الْحق﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَلَا يطيعون الله كطاعة أهل الْحق.
قَوْله: ﴿من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يطعوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ قَالَ قَتَادَة: " عَن يَد ": عَن قهر وذل. وَقَالَ غَيره: " عي يَد " أَي يُعْطي بِيَدِهِ. وَفِيه قَول ثَالِث: " عَن يَد " أَي: عَن إِقْرَار بإنعام أهل الْإِسْلَام عَلَيْهِم ﴿وهم صاغرون﴾ رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: مَعْنَاهُ: وهم مذمومون. وَعَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه قَالَ: يُؤْخَذ ويوجأ فِي عُنُقه، فَهَذَا معنى الصغار. وَقَالَ غَيره: يُؤْخَذ مِنْهُ وَهُوَ قَائِم، والآخذ جَالس. وَقيل: إِنَّه يلبب ويجر إِلَى مَوضِع الْإِعْطَاء بعنف. وَعند الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ - معنى الصغار: هُوَ جَرَيَان أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِم. وَهَذَا معنى حسن.
9:30Page 191
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠
The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ هَذَا فِي قوم بأعيانهم كَانُوا بِالْمَدِينَةِ أفناهم السَّيْف، مِنْهُم: سَلام بن مشْكم، وَمَالك بن " الضَّيْف "، وفنحاص الْيَهُودِيّ، وَأما الْآن فَلَا يَقُول مِنْهُم أحد هَذَا. وَيُقَال: إِن الْقَائِلين لهَذِهِ الْمقَالة قوم من سلفهم ومتقدميهم.
وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْيَهُود لما بدلُوا وخالفوا شَرِيعَة التَّوْرَاة نسخ الله تَعَالَى التَّوْرَاة من صُدُورهمْ، فَخرج عُزَيْر يسيح فِي الأَرْض يطْلب الْعلم، فَلَقِيَهُ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - فَعلمه التَّوْرَاة. وَرُوِيَ أَنه نزل نور فَدخل جَوْفه فَقَرَأَ التَّوْرَاة عَن ظهر قلبه، فَرجع وأملى التَّوْرَاة على الْيَهُود، فَقَالَ جمَاعَة مِنْهُم هَذِه الْمقَالة يَعْنِي: عُزَيْر ابْن الله.
﴿وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ هم على ذَلِك الْآن.
قَوْله: ﴿ذَلِك قَوْلهم بأفواههم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْإِنْسَان لَا يَقُول قولا إِلَّا بفمه، فَكيف يكون معنى هَذَا الْكَلَام؟
الْجَواب: أَن مَعْنَاهُ: أَنهم قَالُوا هَذَا القَوْل بِلَا حجَّة وَلَا بَيَان وَلَا برهَان، وَإِنَّمَا كَانَ مُجَرّد قَول بِلَا أصل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يضاهئون﴾ قرئَ بقراءتين، و ﴿يضاهئون﴾ يَعْنِي: يشابهون، والمضاهاة: المشابهة والمماثلة، تَقول الْعَرَب: امْرَأَة ضهياء إِذا كَانَت لَا تحيض، فَهِيَ تشبه الرِّجَال.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَول الَّذين كفرُوا من قبل﴾ فِيهِ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: قَول الَّذين أشركوا من قبل؛ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ: مَنَاة وَاللات والعزى بَنَات الله.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن النَّصَارَى قَالُوا فِي الْمَسِيح مَا قَالَت الْيَهُود فِي عُزَيْر، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل﴾ .
﴿قَاتلهم الله﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لعنهم الله، وَقيل: قَتلهمْ الله، كَمَا تَقول الْعَرَب: عافاه الله، أَي: أَعْفَاهُ الله.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَن هَذِه كلمة تعجب، قَالَ الشَّاعِر:
(فيا قَاتل الله ليلى كَيفَ تعجبنى ... وَأخْبر النَّاس أَنى لَا أباليها)
وَلَيْسَ الْمَعْنى تَحْقِيق الْمُقَاتلَة؛ وَلكنه كلمة تعجب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنى يؤفكون﴾ مَعْنَاهُ: أَنى يصرفون، يُقَال: أَرض مأفوكة إِذا صرف عَنْهَا الْمَطَر، وَقَول مأفوك إِذا كَانَ مصروفا عَن الْحق.
9:31Page 191
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١
They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.
قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ يُقَال: الْأَحْبَار من الْيَهُود، والرهبان من النَّصَارَى، وَقد بَينا فِيهَا أقوالا من قبل. فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّهُم لم يعبدوا الْأَحْبَار والرهبان، فأيش معنى قَوْله ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ ؟
قُلْنَا: مَعْنَاهُ: أَنهم استحلوا مَا أحلُّوا، وحرموا مَا حرمُوا؛ فَهَذَا معنى عباداتهم لَهُم. وَقد صَحَّ هَذَا الْمَعْنى بِرِوَايَة عدي بن حَاتِم، عَن النَّبِي.
قَوْله: ﴿والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
9:32Page 192
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾ مَعْنَاهُ: يُرِيدُونَ أَن يخمدوا نور الله، وَالْمرَاد من النُّور: الْقُرْآن، وَقيل: هُوَ مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿بأفواههم﴾ مَعْنَاهُ: بتكذيبهم.
قَوْله: ﴿ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
9:33Page 192
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣
It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا عِنْد نزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم - عَلَيْهِ السَّلَام لَا يبْقى فِي الأَرْض أحد إِلَّا أسلم.
وَفِي قَوْله: ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾ قَول آخر: وَهُوَ أَنه الْإِظْهَار بِالْحجَّةِ؛ فدين الْإِسْلَام ظَاهر على كل الْأَدْيَان بِالدَّلِيلِ وَالْحجّة.
9:34Page 192
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤
O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ الْآيَة، وَقد بَينا معنى الْأَحْبَار والرهبان من قبل وَقَوله: ﴿ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِن المُرَاد مِنْهُ أَخذ الرشاء فِي الْأَحْكَام والمآكل الَّتِي كَانَت لعلمائهم على سفلتهم ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم يمْنَعُونَ النَّاس عَن الْإِسْلَام، وَقَوله: ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ الْكَنْز هُوَ المَال الْمَجْمُوع، قَالَ الشَّاعِر: (لَا در درى إِن أطعمت نازلهم ... قرف الحتى وَعِنْدِي الْبر مكنوز}
والحتى قَالُوا: هُوَ الْمقل.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي من نزلت هَذِه الْآيَة، قَالَ بَعضهم: نزلت فِي أهل الْكتاب، وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا نزلت فِي الْكل.
وَاخْتلفُوا فِي الْكَنْز، رُوِيَ عَن ابْن عمر، وَجَمَاعَة: أَن الْكَنْز كل مَال لم تُؤَد زَكَاته، وَأما الَّذِي أدّيت زَكَاته فَلَيْسَ بكنز، وَإِن كَانَ مَدْفُونا. وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم نَفَقَة وَمَا فَوْقهَا كنز. وَقَالَ بَعضهم: مَا فضل عَن الْحَاجة فَهُوَ كنز.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ فَإِن سَأَلَ سَائل وَقَالَ: إِنَّه تقدم ذكر الذَّهَب وَالْفِضَّة جَمِيعًا، فَكيف قَالَ: وَلَا يُنْفِقُونَهَا، وَلم يقل: وَلَا ينفقونهما؟
الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى: وَلَا يُنْفقُونَ الْكُنُوز فِي سَبِيل الله.
وَالثَّانِي: أَن معنى الْآيَة: يكنزون الذَّهَب وَلَا ينفقونه، ويكنزون الْفضة وَلَا يُنْفِقُونَهَا، فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، قَالَ الشَّاعِر:
(نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك رَاض والرأي مُخْتَلف)
مَعْنَاهُ: نَحن بِمَا عندنَا راضون، وَأَنت بِمَا عنْدك رَاض. وَفِي مثل هَذَا قَول الشَّاعِر:
(إِن شرخ الشَّبَاب وَالشعر الْأسود ... مَا لم يعاض كَانَ جنونا)
يَعْنِي: مَا لم يعاضيا.
قَوْله: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ مَعْنَاهُ: ضع هَذَا الْوَعيد مَوضِع الْبشَارَة، وَإِلَّا فالوعيد لَا يكون بِشَارَة حَقِيقَة.
9:35Page 192
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥
The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم﴾ أَي: يُوقد عَلَيْهَا حَتَّى تصير نَارا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لَا يوضع دِرْهَم مَكَان دِرْهَم، وَلَا دِينَار مَكَان دِينَار؛ وَلَكِن يُوسع جلده حَتَّى يوضع كل دِينَار وَدِرْهَم فِي مَوْضِعه. وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ (رَضِي عَنهُ) : " أَن رجلا من أهل الصّفة مَاتَ وَترك دِينَارا، فَقَالَ النَّبِي: كيه. وَمَات آخر وَترك دينارين فَقَالَ: كَيَّتَانِ ".
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَجْعَل الذَّهَب وَالْفِضَّة صَفَائِح، فيكوى بهَا فِي كل يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة، ثمَّ يرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار ".
وروى ثَوْبَان: " أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة شقّ على الْمُسلمين مشقة شَدِيدَة فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، أَي المَال نتَّخذ، وَقد أنزل فِي المَال مَا أنزل؟ فَقَالَ: ليتَّخذ أحدكُم قلبا شاكرا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَة تعينه على دينه ".
﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة﴾
وَفِي الْأَخْبَار - أَيْضا - عَن النَّبِي: " أَن الْكَنْز يتبعهُ حَتَّى يلقمه يَده فيقضمها، ثمَّ يتبع سَائِر جسده ".
وَقد رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز - رَحمَه الله - أَنه قَالَ: الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة الزَّكَاة. وَقَالَ سَائِر الْعلمَاء: لَيست بمنسوخة. وَعَن أبي بكر الْوراق - رَحمَه الله - أَنه قَالَ: إِنَّمَا ذكر الْجَبْهَة وَالْجنب وَالظّهْر؛ لِأَن الْغَنِيّ إِذا رأى الْفَقِير قبض جَبهته، وزوى مَا بَين عَيْنَيْهِ، وولاه ظَهره، وَأعْرض عَنهُ كشحه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾ وَعِيد وتهديد.
9:36Page 192
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦
Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: معنى الْآيَة: هُوَ أَن الشُّهُور الَّتِي تعبد بهَا الْمُسلمُونَ فِي صِيَامهمْ وحجهم وأعيادهم وَسَائِر أُمُورهم، هِيَ الشُّهُور بِالْأَهِلَّةِ، وَقد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يحسبون السّنة بالشهور الشمسية، ويجعلون السّنة ثلثمِائة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَربع يَوْم. وَأما فِي الشَّرِيعَة فَالسنة مَا بَينا، وَلِهَذَا يكون الصَّوْم تَارَة فِي الشتَاء وَتارَة فِي الصَّيف.
قَوْله: ﴿فِي كتاب الله﴾ أَي: فِي حكم الله، وَقيل: فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. ﴿يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَة حرم﴾ هِيَ: ذُو الْقعدَة، وَذُو الْحجَّة، وَالْمحرم، وَرَجَب. وَاحِد فَرد وَثَلَاثَة سرد.
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي بكرَة أَنه قَالَ: " أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، السّنة اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ٠٠٠ " الْخَبَر.
قَوْله: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ أَي: ذَلِك الْحساب الصَّحِيح.
قَوْله: ﴿فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم﴾ اخْتلفُوا فِي هَذَا على قَوْلَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن قَوْله: ﴿فَلَا تظلموا فِيهِنَّ﴾ ينْصَرف إِلَى الْأَشْهر الْأَرْبَعَة.
وَالثَّانِي أَنه منصرف إِلَى جَمِيع أشهر السّنة، وَهَذَا محكي عَن ابْن عَبَّاس.
وَأما الظُّلم فِي هَذَا الْموضع: فَهُوَ ترك الطَّاعَة وَفعل الْمعْصِيَة.
وَقَوله: ﴿وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة كَمَا يُقَاتِلُوكُمْ كَافَّة﴾ أَي: قَاتلُوا جَمِيع الْمُشْركين كَافَّة كَمَا قَاتلُوا جميعكم.
قَوْله: ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ من الظُّلم بالنصرة وَالظفر.
9:37Page 193
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ قرىء بِغَيْر الْهَمْز، وَالْمَشْهُور بِالْهَمْزَةِ. قَالَ أهل الْعَرَبيَّة: وَهُوَ الْأَصَح، والنسيء: هُوَ التَّأْخِير، يُقَال نسأ الله فِي أَجلك أَي: أخر.
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يجْعَلُونَ الْمحرم مرّة حَلَالا وَمرَّة حَرَامًا، فَإِذا أحلُّوا الْمحرم أبدلوا الصفر بِالتَّحْرِيمِ، وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن عَامَّة مَعَايشهمْ كَانَت بالغارات والقتال وَالسُّيُوف، فَكَانَ يشق عَلَيْهِم أَن يكفوا عَن الْقِتَال ثَلَاثَة أشهر مُتَوَالِيَة، وَكَانَ الَّذِي يتَوَلَّى التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم رجل من بني كنَانَة يُقَال لَهُ: أَبُو ثُمَامَة، وَرثهُ عَن آبَائِهِ، وَكَانَ يقوم على نَاقَة وَيَقُول: أَيهَا النَّاس، أَنا لَا أعاب وَلَا أحاب وَلَا يرد قَضَاء قَضيته، أما إِنِّي قد أحللت الْمحرم وَحرمت الصفر الْعَام، قَالَ رجل مِنْهُم: أَلسنا الناسئين على معد شهور الْحل يَجْعَلهَا حَرَامًا. فَهَذَا هُوَ معنى النسىء الْمَذْكُور فِي الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ مَعْنَاهُ: زِيَادَة كفر على كفرهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يضل بِهِ الَّذين كفرُوا﴾ أَي: يضل الله بِهِ الَّذين كفرُوا، وقرىء " يضل بِهِ الَّذين كفرُوا " على مَا لم يسم فَاعله، وقرىء " يضل بِهِ الَّذين كفرُوا " وَهُوَ الْأَشْهر، وَهُوَ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما﴾ قد ذكرنَا الْمَعْنى. قَوْله: ﴿ليواطئوا﴾ ليوافقوا، والمواطأة: الْمُوَافقَة، وَمَعْنَاهُ: ليوافقوا ﴿عدَّة مَا حرم الله﴾ يَعْنِي: عدد مَا حرم الله ﴿فيحلوا مَا حرم الله﴾ فيقولوا: أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة. قَوْله: ﴿زين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن النسىء: تَأْخِير الْحَج كل عَام شهرا. قَالُوا: وَحج أَبُو بكر سنة تسع فِي ذِي الْقعدَة، وَحج رَسُول الله سنة عشر فِي ذِي الْحجَّة، وَهُوَ معنى قَوْله: " أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته " الْخَبَر الَّذِي ذكرنَا.
9:38Page 193
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨
O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مالكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾ نزلت الْآيَة فِي غَزْوَة تَبُوك، وَكَانَت الْغَزْوَة فِي حارة القيظ حِين أينعت الثِّمَار وَطَابَتْ الظلال فشق على الْمُسلمين مشقة شَدِيدَة وتخلف بَعضهم بالعذر، وتخلف بَعضهم بِلَا عذر، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿اثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾ أَي: تثاقلتم؛ وَحَقِيقَة الْمَعْنى: قعدتم عَن الْغَزْو وكرهتم الْخُرُوج.
وَقَوله: ﴿إِلَى الأَرْض﴾ أَي: إِلَى الدُّنْيَا، وسمى الدُّنْيَا أَرضًا، لِأَنَّهَا فِي الأَرْض.
قَوْله: ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ أَي: بنعيم الدُّنْيَا من نعيم الْآخِرَة.
قَوْله ﴿فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل﴾ . روى عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: جَمِيع الدُّنْيَا جُمُعَة من جمع الْآخِرَة. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مثل مَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَا يرجع ".
9:39Page 193
إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ هَذَا تهديد ووعيد لمن ترك النَّفر فِي سَبِيل الله، والنفر ضد الهدوء والسكون.
قَوْله: ﴿ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ: إِن ضره رَاجع إِلَيْكُم لَا إِلَيْهِ ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
9:40Page 193
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠
If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله﴾ مَعْنَاهُ: إِن لم تنصروه فقد نَصره الله ﴿إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا﴾ قد بَينا قصَّة إخراجهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ﴾ مَعْنَاهُ: أحد اثْنَيْنِ، تَقول الْعَرَب: خَامِس خَمْسَة أَي: أحد الْخَمْسَة، ورابع أَرْبَعَة أَي: أحد الْأَرْبَعَة.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: عَاتب الله جَمِيع النَّاس بترك نصْرَة الرَّسُول سوى أبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - وَقيل: نصرته عَن خلقي إِلَّا عَن أبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - فَإِنَّهُ قد نَصره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ هما فِي الْغَار﴾ الْغَار: ثقب فِي الْجَبَل، وَهَذَا الْجَبَل هُوَ جبل ثَوْر، جبل قريب من مَكَّة.
﴿هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ وأيده﴾
قَوْله: ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه﴾ أَي: لأبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - بِاتِّفَاق أهل الْعلم.
وَرُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ: " أَبُو بكر صَاحِبي فِي الْغَار، وصاحبي على الْحَوْض ".
وَعَن الْحُسَيْن بن الْفضل البَجلِيّ أَنه قَالَ: من قَالَ: إِن أَبَا بكر لَيْسَ بِصَاحِب رَسُول الله فَهُوَ كَافِر، لإنكاره نَص الْقُرْآن، وَفِي سَائِر الصَّحَابَة إِذا أنكر يكون مبتدعا وَلَا يكون كَافِرًا.
قَوْله: ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ رُوِيَ " أَن النَّبِي لما خرج مَعَ أبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - أَمر عليا حَتَّى اضْطجع على فرَاشه، وَذكر لَهُ أَنه لَا يُصِيبهُ سوء، وَخرج مَعَ أبي بكر قبل الْغَار، وَجَاء الْمُشْركُونَ يقصدون النَّبِي فَقَامَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - من مضجعه فَقَالُوا لَهُ: أَيْن صَاحبك؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَخَرجُوا فِي طلبه يقتفون أَثَره حَتَّى وصلوا إِلَى الْغَار، فَلَمَّا أحس أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - بهم خَافَ خوفًا شَدِيدا، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن أقتل يهْلك وَاحِد، وَإِن تقتل تهْلك هَذِه الْأمة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: لَا تحزن إِن الله مَعنا ". وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا بكر! مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما ". وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى أنبت ثُمَامَة على فَم الْغَار، وَهِي شَجَرَة صَغِيرَة، وألهم حمامة حَتَّى فرخت، وألهم عنكبوتا حَتَّى نسجت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: على النَّبِي. وَهُوَ اخْتِيَار الزّجاج.
وَالْآخر: أَنه على أبي بكر، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين؛ لِأَن السكينَة هَاهُنَا مَا يسكن بِهِ الْقلب؛ وَأَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - كَانَ هُوَ الْخَائِف والحزين دون رَسُول الله.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: أَن السكينَة نزلت عَلَيْهِمَا؛ وَنقل فِي مصحف حَفْصَة - رَضِي الله عَنْهَا - " فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِمَا وأيدهما بِجُنُود لم تَرَوْهَا " قَوْله: ﴿وأيده بِجُنُود لم تَرَوْهَا﴾ الْجنُود هَاهُنَا: الْمَلَائِكَة، نزلُوا فَألْقوا الرعب فِي قُلُوب الْكفَّار حَتَّى رجعُوا. قَوْله: ﴿وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى﴾ كلمتهم: الشّرك؛ وَهِي السُّفْلى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ﴿وَكلمَة الله هِيَ الْعليا﴾ يَعْنِي: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَهِي الْعليا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ قد بَينا معنى الْعَزِيز الْحَكِيم.
9:41Page 194
ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١
Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.
قَوْله تَعَالَى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ يُقَال: إِن هَذِه الْآيَة أول آيَة أنزلت من سُورَة التَّوْبَة.
قَوْله: ﴿خفافا وثقالا﴾ فِيهِ أَقْوَال: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: نشاطا وَغير نشاط. قَالَ الْأَزْهَرِي: النشاط جمع النشيط.
وَالْقَوْل الثَّانِي: قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: انفروا فِي الْيُسْر والعسر. وَهَذَا قَول حسن. وَعَن الحكم بن عتيبة: مشاغيل وَغير مشاغيل. وَعَن أبي طَلْحَة صَاحب النَّبِي:
شُيُوخًا وشبابا. وَفِيه قَول خَامِس: رجالة وركبانا. ﴿وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل الله ٠٠٠﴾ إِلَى آخر الْآيَة، مَعْنَاهُ ظَاهر، وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة﴾ الْآيَة، وَالله أعلم.
9:42Page 194
لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢
Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ عرضا قَرِيبا وسفرا قَاصِدا لاتبعوك﴾ أَي: لَو كَانَت غنيمَة قريبَة المتناول ﴿وسفرا قَاصِدا﴾ أَي: سفرا قَصِيرا سهلا [قَرِيبا] ﴿لاتبعوك﴾ أَي: لخرجوا مَعَك ﴿وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة﴾ أَي: بعد عَلَيْهِم السّفر، والشقة فِي اللُّغَة: هِيَ الْغَايَة الَّتِي يقْصد إِلَيْهَا.
قَوْله ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يهْلكُونَ أنفسهم﴾ يَعْنِي: بِالْيَمِينِ الكاذبة. قَوْله: ﴿وَالله يعلم إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
9:43Page 194
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣
Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.
قَوْله تَعَالَى: ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ رُوِيَ عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي أَنه قَالَ: فعل رَسُول الله شَيْئَيْنِ بِغَيْر إِذن من الله: فدَاء أُسَارَى بدر، وَأذن للمتخلفين فِي غَزْوَة تَبُوك، فَعَاتَبَهُ الله تَعَالَى فيهمَا جَمِيعًا. وَفِي تَقْدِيم قَوْله تَعَالَى: ﴿عَفا الله عَنْك﴾ معنى لطيف فِي حفظ قلب النَّبِي.
قَوْله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لَك الَّذين صدقُوا وَتعلم الْكَاذِبين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
9:44Page 194
لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤
Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يستأذنك الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ مَعْنَاهُ: لَا يستأذنك فِي التَّخَلُّف.
قَوْله ﴿أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة، مَعْلُوم، ثمَّ قَالَ
9:45Page 194
إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥
Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.
: ﴿إِنَّمَا يستأذنك الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وارتابت قُلُوبهم﴾ أَي: شكت قُلُوبهم ﴿فهم فِي ريبهم يَتَرَدَّدُونَ﴾ يتحيرون.
ثمَّ قَالَ:
9:46Page 194
۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦
And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1
﴿وَلَو أَرَادوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة﴾ يَعْنِي: لَو قصدُوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة أَي: أهبة السّفر من الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَغَيرهمَا ﴿وَلَكِن كره الله انبعاثهم﴾ مَعْنَاهُ: خُرُوجهمْ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَعْنَاهُ: فكسلهم وكفهم عَن الْخُرُوج ﴿وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان: وَحيا إِلَى قُلُوبهم. وَقَالَ غَيره: قَالَ بَعضهم لبَعض: اقعدوا مَعَ القاعدين.
9:47Page 194
لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧
Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا﴾ هَذِه الْآيَة نزلت فِي شَأْن الْمُنَافِقين الَّذين تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك، وَمعنى قَوْله: ﴿خبالا﴾ أَي: فَسَادًا وشرا، وَمعنى الْفساد: هُوَ إِيقَاع الْجُبْن والفشل بَين الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ الإيضاع: هُوَ سرعَة السّير. قَالَ الراجز شعر:
(يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع)
قَالَ الزّجاج: معنى الْآيَة: أَسْرعُوا فِيمَا يخل بكم. وَقَالَ غَيره: أَسْرعُوا بَيْنكُم بايقاع الْبغضَاء والعداوة بالنميمة، وَنقل الحَدِيث من بعض إِلَى بعض، وعَلى هَذَا قَوْله: ﴿خلالكم﴾ : وسطكم ﴿يبغونكم الْفِتْنَة﴾ يطْلبُونَ لكم الْفِتْنَة، وَفِي الْفِتْنَة مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الشّرك، وَالْآخر: أَنَّهَا تَفْرِيق الْكَلِمَة.
﴿وَفِيكُمْ سماعون لَهُم﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن فِيكُم جواسيس لَهُم ينقلون الحَدِيث إِلَيْهِم، وَسُئِلَ ابْن عُيَيْنَة: هَل فِي الْقُرْآن ذكر للجواسيس؟ قَالَ: نعم. وَذكر هَذِه الْآيَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿وَفِيكُمْ سماعون لَهُم﴾ قَائِلُونَ لَهُم أَي: يقبل مَا يَقُولُونَ، وَمِنْه مَا ورد فِي الصَّلَاة: " سمع الله لمن حَمده " قبل الله لمن حَمده. وَعَن أبي عُبَيْدَة: وَفِيكُمْ سماعون لَهُم: مطيعون لَهُم. وَالْمعْنَى قريب من القَوْل الثَّانِي.
﴿وَالله عليم بالظالمين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم. فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ فِي أول الْآيَة: ﴿مازادوكم إِلَّا خبالا﴾ وَكَانَ النَّبِي وَأَصْحَابه فِي خبال حَتَّى يزِيدُوا؟
الْجَواب: إِن معنى الْآيَة: مازادوكم قُوَّة؛ بل طلبُوا لكم الخبال.
9:48Page 195
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨
They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد ابْتَغوا الْفِتْنَة من قبل﴾ الْآيَة، الابتغاء: الطّلب، والفتنة: إِيقَاع الِاخْتِلَاف الْمُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق الْكَلِمَة. وَقَوله ﴿وقلبوا لَك الْأُمُور﴾ وَمَعْنَاهُ: صرفُوا لَك الْأُمُور وأرادوها ظهرا لبطن وبطنا لظهر، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنهم طلبُوا بِكُل حِيلَة إِفْسَاد أَمرك ﴿حَتَّى جَاءَ الْحق وَظهر أَمر الله وهم كَارِهُون﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
9:49Page 195
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩
And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي رجل من الْمُنَافِقين يُقَال لَهُ: الْجد بن قيس قَالَ لَهُ رَسُول الله: " هَل لَك فِي جلاد بني الْأَصْفَر - يَعْنِي الرّوم - لَعَلَّك تصيب مِنْهُم سرارى. قَالَ رَسُول الله حثا لَهُ على الْخُرُوج، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، ائْذَنْ لي - يَعْنِي: فِي التَّخَلُّف - وَلَا تفتني - يَعْنِي: بنساء الرّوم - قَالَ: قومِي علمُوا أَنِّي بِالنسَاء مغرم، يَعْنِي: معجب ".
وَهَذَا أحد الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله: ﴿وَلَا تفتني﴾ .
وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن مَعْنَاهُ: لَا تؤثمني، قَالَ قَتَادَة، وَمَعْنَاهُ: لَا تسمنى لِلْخُرُوجِ، وَالْخُرُوج عسير عَليّ فأتخلف فأقع فِي الْإِثْم.
قَوْله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ فِيهِ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: أَلا فِي جَهَنَّم سقطوا، وَالْآخر: أَلا فِي الشّرك سقطوا.
﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ محدقة بالكافرين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences