As-SamarqandiAn‑Nahl · 16:43–78

As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:43–78

16:43–47Page 272

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2

ثم قال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ كما أوحي إليك. وذلك أن مشركي قريش لما بلغهم النبيّ ﷺ الرسالة، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى، أنكروا ذلك وقالوا:

لن يبعث الله رجلاً إلينا، ولو أراد الله أن يبعث إلينا رسولاً، لبعث إلينا من الملائكة الذين عنده، فنزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلى الأمم الماضية إِلَّا رِجالًا مثلك نُوحِي إِلَيْهِمْ كما نوحي إليك. قرأ عاصم في رواية حفص: نُوحِي بالنون وقرأ الباقون: بالياء.

قوله عز وجل: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أي: أهل التوراة والإنجيل إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وفي الآية تقديم وتأخير. أي: وما أرسلنا من قبلك إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ بالبينات، والزبر. وروى أسباط عن السدي قال: البينات: الحلال والحرام.

وَالزُّبُرِ: كتب الأنبياء. وقال الكلبي: بِالْبَيِّناتِ أي: بالآيات الحلال والحرام والأمر والنهي ما كانوا يأتون به قومهم منها، وهو كتاب النبوة. ويقال: بِالْبَيِّناتِ التي كانت تأتي بها الأنبياء مثل عصا موسى وناقة صالح. وقال مقاتل: وَالزُّبُرِ يعني: حديث الكتب.

ثم قال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ يعني: القرآن لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ لتقرأ للناس مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ أي: ما أمروا به في الكتاب وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يتفكروا فيه، ليؤمنوا به.

ثم خوّفهم فقال: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي: أشركوا بالله أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ يعني: أن تغور الأرض بهم، حتى يدخلوا فيها إلى الأرض السفلى أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أي: من حيث لا يعلمون بهلاكهم. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ أي: في سفرهم، في ذهابهم، ومجيئهم في تجارتهم فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: بفائتين أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي: على تنقص. ويقال: يأخذ قرية بالعذاب، ويترك أخرى قريبةً منها فيخوفها بمثل ذلك. وهذا قول مقاتل. وروى عن بعض التابعين: أن عمر سأل جلساءه عن قوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فقالوا: ما نرى إلا عند بعض ما يرون من الآيات يخوفهم، فقال عمر: «ما أراه إلا عند بعض ما يتنقصون من معاصي الله» ، فخرج رجل فلقي أعرابياً، فقال: يا فلان ما فعل دينك؟ تخوّفته: أي: تنقصته. فرجع إلى عمر فأخبره بذلك. ثم قال تعالى: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي: لا يعجل عليهم بالعقوبة.

16:48–50Page 272

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨

Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩

And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا قرأ حمزة والكسائي تَرَوْاْ بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون:

بالياء على معنى المغايبة يعني: أو لم يعتبروا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ عند طلوع الشمس وعند غروبها يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ يعني: يدور ظلاله عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ قال القتبي: أصل الفيء الرجوع، وتفيؤ الظلال: رجوعها من جانب إلى جانب سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ أي:

صاغرون ويقال: وهم مطيعون. وأصل السجود التطأطؤ والميل. يقال: سجد البعير إذا تطأطأ، وسجدت النخلة إذا مالت، ثم قد يستعار السجود ويوضع موضع الاستسلام والطاعة، ودوران الظل من جانب إلى جانب هو سجوده لأنه مستسلم، منقاد، مطيع. فذلك قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ.

ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ أي: يستسلم مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي: يسجد لله جميع ما في الارض من دآبة وَالْمَلائِكَةُ يعني: وما على الأرض من الملائكة. ويقال: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ما في السموات من الملائكة، وَمَا فِى الارض من دابة. ويقال: معناه يسجد له جميع ما في السَّموات وما في الارض يعني: الدواب، والملائكة يعني: الذين هم في السموات والأرض. وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ أي: لا يتعظمون عن السجود لله تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون الله تعالى. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إن لله تَعَالَى مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السّابعة سجودا مُذْ خَلَقَهُمُ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ الله تَعَالَى، فَإِذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَالُوا: ما عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون خوفا، معظمين، مجلّين. ويقال: خوفهم بالقهر والغلبة والسلطان. ويقال: معناه يخافون ربهم الذي على العرش كما وصف نفسه، والطريق الأول أصحّ كقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:

10] أي: بالقهر والغلبة والسلطان وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أي: لا يعصون الله تعالى طرفة عين.

قرأ أبو عمرو: يَتَفَيَّؤُا بالتاء بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون: بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث.

16:51–56Page 272

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١

And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."

وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?

وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣

And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤

Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥

So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.

وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦

And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.

قوله عز وجل: وَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ أي: لا تقولوا ولا تصفوا إلهين اثنين، أي: نفسه والأصنام. ويقال: نزلت الآية في صنف من المجوس وصفوا إلهين اثنين.

قال الله تعالى: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي: فاخشوني ووحدوني وأطيعوني، ولا تعبدوا غيري وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ من الملائكة وَالْأَرْضِ من الخلق: الجن والإنس، كلهم عبيده وإماؤه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي: دائماً خالصاً. ويقال: الألوهية والربوبية له خالصا.

ويقال: دينه واجبا أبداً لا يجوز لأحد أن يميل عنه. ويقال: معناه، وله الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به أو لم يرض، والوصب في اللغة: الشدة والتعب. أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ أي:

تعبدون غيره.

قوله عز وجل: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ يعني: إن الذي بكم من الغنى، وصحة الجسم، من قبل الله تعالى ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أي: الفقر والبلاء في جسدكم. فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ يعني: إليه تتضرعون ليكشف الضر عنكم، كما قال في سورة الدخان رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: 12] ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ أي: الكفار بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ أي: الكفار يعبدون غيره. لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أي: يجحدوا بما أعطيناهم من النعمة فَتَمَتَّعُوا بقية آجالكم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي: تعرفون في الآخرة ماذا نفعل بكم.

ثم قال: وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً أي: يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام، كقوله: فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [الأنعام: 136] وقوله: لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً [النحل: 56] قال بعضهم: يعني: الكفار جعلوا لأصنامهم نصيباً ولا يعلمون منهم ضراً ولا نفعا. وبعضهم قالوا: معناه يجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئاً نصيباً، أي: حظاً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحرث والأنعام. قال تعالى: تَاللَّهِ أي: والله لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ أي: تكذبون على الله، لأنهم كانوا يقولون إن الله أمرنا بهذا.

16:57–59Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧

And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨

And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩

He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.

قوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ يعني: يصفون لله ويقولون: الملائكة بنات الله فقال:

سُبْحانَهُ أي: تنزيهاً له عن الولد وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ يعني: الأولاد الذكور، أي: يصفون لغيرهم البنات، ولأنفسهم الذكور.

ثم وصف كراهتهم البنات لأنفسهم فقال: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى يقول: إذا بشر أحد الكفار بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أي: صار وجهه متغيراً من الحزن والخجل، وَهُوَ كَظِيمٌ أي: مكروباً مغموماً من الحزن، يتردد حزنه في جوفه.

ثم قال: يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ يعني: يكتم ما به من القوم ويستتر ويختفي من سوء مَا بُشّرَ بِهِ أي: ما ظهر على وجهه من الكراهية، ويدبر في نفسه كيف أصنع بها أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أي: الأنثى التي ولدت له على هوان، يعني: أيحفظه على هوان أَمْ يَدُسُّهُ أي: يدفنه فِي التُّرابِ أَلا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: بئسما يقضون به، لأنفسهم الذكور وله الإناث.

16:60–62Page 273

لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠

For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١

And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢

And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1

ثم قال عز وجل: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: المشركين مَثَلُ السَّوْءِ أي: جزاء السوء النار في الآخرة. ويقال: عاقبة السوء. ويقال: لآلهتهم صفة السوء صم بكم عمي ويقال للكفار: هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ. وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي: الصفة العليا، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 3- 4] فهذا وصفه الأعلى وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في أمره، أَمَرَ الخلق أن لا يعبدوا غيره.

قوله: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ أي: بشركهم ومعصيتهم، مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ أي: لم يترك على ظهر الأرض من دابة، ودل الإضمار على الأرض، لأن الدواب إنما هي على الأرض. يقول: أنا قادر على ذلك. وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي: إلى وقت معلوم، ويقال: مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ لأنه لو أخذهم بذنوبهم لمنع المطر، وإذا منع المطر لم يبق في الأرض دابة إلا أهلكت، ولكن يؤخر العذاب إلى أجل مسمى. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم، لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتى الْجُعْلاَن في جحرها، ولأمسكت السماء عن الأمطار، ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو» .

ثم قال: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ أي: أجل العذاب لاَ يَسْتَأْخِرُونَ أي: لا يتأخرون عن الوقت ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي: لا يتقدمون قبل الوقت.

قوله: وَيَجْعَلُونَ أي: يقولون ويصفون لله ما يكرهونه لأنفسهم من البنات وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أي: يقولون الكذب أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي: الذكور من الولد، ويقال: الجنة أي: يصفون لأنفسهم مع أعمالهم القبيحة أن لهم في الآخرة الجنة.

ثم قال عز وجل: لاَ جَرَمَ أي: حقاً، ويقال: لا بد، ولا محالة أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وهو كقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ

[الجاثية: 21] إلى قوله: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ

[الجاثية: 21] وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ قرأ نافع: بكسر الراء، يعني: أفرطوا في القول، وأفرطوا في المعصية. وقرأ الباقون: مُفْرَطُونَ بفتح الراء، أي: متروكون في النار. ويقال: منسيون في النار، وهو قول سعيد بن جبير. وقال قتادة: أي معلجون في النار. ويقال: الفارط في اللغة الذي يتقدم إلى الماء، وهذا قول يوافق قول قتادة.

16:63–64Page 273

تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣

By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.

وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤

And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

قوله تعالى: تَاللَّهِ يقول: والله لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ أي: بعثنا إلى أمم من قبلك الرسل، كما أرسلناك إلى قومك فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي: ضلالهم حتى أطاعوا الشيطان، وكذبوا الرسل فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي: قرينهم في النار وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فهذا تهديد لكفار مكة أنه يصيبهم مثل ما أصابهم، وهو تعزية للنبي ﷺ ليصبر على أذاهم.

ثم قال: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي: القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من الدين، لأنهم كانوا في طرق مختلفة: اليهودية، والنصرانية، والمجوسية وغير ذلك. فأمر النبيّ ﷺ بأن يبيّن لهم طريق الهدى. وَهُدىً وَرَحْمَةً أي: أنزلنا القرآن بياناً من الضلالة، ونعمة من العذاب لمن آمن به لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بالقرآن.

16:65–67Page 274

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥

And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦

And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧

And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.

قوله عز وجل: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي: بعد يبسها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: علامة لوحدانيته، وعلموا أن معبودهم لا يستطيع شيئاً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ

أي: يطيعون ويصدقون ويعتبرون ويبصرون.

قوله عز وجل: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: نُسْقِيكُمْ بنصب النون، وقرأ الباقون: بضم النون، ومعناهما واحد. يقال: سقيته وأسقيته بمعنى واحد مِمَّا فِي بُطُونِهِ ولم يقل مما في بطونها، والأنعام جماعة مؤنثة، وفي هذا قولان: إن شئت رددت إلى واحد من الأنعام، وواحدها نعم، والنعم تذكر، وتؤنث، كقوله: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ [البقرة: 74] أي: من الحجر.

وإن شئت قلت على تأويل آخر نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي: بطون ما ذكرنا، وهذا مثل قوله:

جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى آخره [الأنعام: 141] وقال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى آخره [المائدة: 90] ولم يقل فاجتنبوها، أي: فاجتنبوا ما ذكرنا.

ثم قال تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ يعني: يخرج اللبن من بين الفرث والدم. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «إن الدابة تأكل العلف، فإذا استقر في كرشها، طحنه الكبد فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما، والكبد مسلط على هذه الأصناف الثلاثة. فيقسم الدم فيجري في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو في الكرش» . وقال بعضهم: إذا استقر العلف في الكرش، صار دماً بحرارة الكبد، ثم ينصرف الدم في العروق، فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار لبناً لبرودة الضرع، بدليل أنَّ الضرع إذا كانت فيه آفة، يخرج منه الدم مكان اللبن. لَبَناً خالِصاً صار اللبن نصباً على معنى التفسير سائِغاً لِلشَّارِبِينَ أي:

سهلاً في الشرب لا يغص به شاربه. ويقال: ليشتهي شاربه.

ثم قال تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أي: من الثمرات سكرا. ويقال: مِنْهُ كناية عن الأول وهو قوله وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ من ذلك سَكَراً والسكر: هو نقيع التمر إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ. ويقال: يعني: خمراً. قال ابن عباس: «نزلت هذه الآية وهي يومئذ لهم حلال» ، وهكذا قال الحسن والقتبي: إن هذه الآية نزلت في الخمر وَرِزْقاً حَسَناً يعني: الخل والزبيب والرُّبُّ. وروي عن ابن عباس أنه قال:

تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً «يعني: ما حرم منه» وَرِزْقاً حَسَناً «ما أحل منه» . وقال الشعبي: السكر هو: النبيذ والخل. والرزق الحسن: التمر، والزبيب. وقال الضحاك: السكر الحرام، والرزق الحسن: الحلال. وهؤلاء كلهم قالوا: كان هذا قبل تحريم الخمر. وقال الأخفش: سَكَراً طعاماً. يقال: هذا سكر لك أي: طعام لك. وقال القتبي: لست أدري هذا.

ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ توحيد الله تعالى.

16:68–69Page 274

وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨

And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.

ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩

Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

قوله عز وجل: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أي: ألهمها إلهاماً مثل قوله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي: مسكناً وَمِنَ الشَّجَرِ يعني: أن اتخذى من الجبال ومن الشجر مسكناً وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر:

يَعْرِشُونَ بضم الراء، والباقون بالكسر، ومعناهما واحد. أي: ومما يبنون من سقوف البيت مسكنا ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي من ألوان الثمرات، أي: ألهمها بأكل الثمرات، فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا أي: ادخلي الطريق الذي يسهل عليك. ويقال: خذي طرق ربك مذللاً، أي مسخراً لك. وقال مقاتل: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ يعني: ادخلي طرق ربك في الجبال، وفي خلال الشجر ذُلُلًا لأنَّ الله تعالى ذلل لها طرقها حيثما توجهت. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها أي: من بطون النحل، من قبل أفواهها مثل اللعاب شَرابٌ أي: العسل مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أي العسل: أبيض، وأصفر، وأحمر. ويقال: يخرج من أفواه الشبان من النحل الأبيض، ومن الكهول الأصفر، ومن الشيوخ الأحمر فِيهِ أي: في العسل شِفاءٌ لِلنَّاسِ.

روى أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً» . فسقاه ثم جاء فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا.

فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً» ، فسقاه ثم جاءه فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا. فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً. صَدَقَ الله وَكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» . فسقاه فبرئ.

قال الفقيه أبو الليث: إنما يكون العسل شفاء إذا عرف الإنسان مقداره، ويعرف لأي داء هو. فإذا لم يعرف مقداره، ولم يعرف موضعه، فربما يكون فيه ضرر، كما إن الله تعالى جعل الماء حياة كل شيء، وربما يكون الماء سبباً للهلاك. وقال السدي: العسل شفاء الأوجاع التي يكون شفاؤها فيه. وقال مجاهد: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ أي: في القرآن بيان للناس من الضلالة.

وروى أبو الأحوص، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور» . وروى الأسود عن ابن مسعود أنه قال: «عليكم بالشفاءين القرآن، والعسل» .

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: فيما ذكر من أمر النحل لعلامة لوحدانيتي لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يعني: أن معبودهم لم يغنهم من شيء.

16:70–71Page 274

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠

And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١

And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ أي: يقبض أرواحكم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي: إلى أسفل العمر، وهو الهرم لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي: صار بحال لا يعلم ما علم من قبل. ويقال: لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً. ويقال: إن الهرم اسوأ العمر وشره. وقوله: لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ أي: حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئاً، لشدة هرمه، بعد ما كان يعلم الأمور قبل الهرم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم قَدِيرٌ على تحويلكم. ويقال: معناه وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ يعني: أنه يحولكم من حال إلى حال تكرهونه، ولا يقدر معبودكم أن يمنعني من تغيير ذلك، والله عليم قدير على ذلك.

قوله عز وجل: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أي: فضّل الموالي على العبيد في المال فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي: الموالي لا يرضون بدفع المال إلى المماليك فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أي: لا ترضون أن يكون عبيدكم معكم شركاء في أموالكم، فكيف ترضون لله تعالى أن تصفوا له شريكاً في ملكه وصفاته، وتصفوا له ولداً من عباده؟ وقال قتادة: هو الذي فضل في المال والولد لا يشرك عبيده في ماله، فقد رضيتم بذلك لله تعالى ولم ترضوا به لأنفسكم. وقال مجاهد: ضرب الله مثلاً للآلهة الباطلة مع الله تعالى. ويقال: نزلت الآية في وفد نجران حين قالوا في عيسى ما قالوا.

ثم قال تعالى: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ يقول: بوحدانية الله تعالى تكفرون وترضون له ما لا ترضون لأنفسكم.

16:72–74Page 274

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢

And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣

And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤

So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.

قوله عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي: خلق لكم من جنسكم إناثاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ أي: خلق لكم من نسائكم بَنِينَ وَحَفَدَةً أي: ولد الولد.

ويقال: هم الأَعوان والخدم والأصهار. وروي عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود أنه قال:

«الحفدة: الأختان» . وقال مجاهد: «الخدم وأنصاره وأعوانه» . وعن ابن مسعود أنه قال: «هم أصهاره» . وقال الربيع بن أنس: البنون ابن الرجل من امرأته. والحفدة ابن المرأة من غيره.

وقال زر بن حبيش: الحفدة: حشم الرجل. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: «الولد الصالح» . وقال أَهل اللغة: أصله في اللغة السرعة في المشي، ويقال في دعاء التوتر: ونحفد أي: ونجتهد في الخدمة والطاعة.

قوله تعالى: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ قال الكلبي: يعني، الحلال إن أخذتم به. وقال مقاتل: الطَّيِّباتِ الخبز والعسل وغيرهما من الأشياء الطيبة، بخلاف رزق البهائم والطيور.

ثم قال: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ قال الكلبي: يعني: الآلهة، وقال مقاتل: أَفَبِالْباطِلِ يقول: بالشيطان يصدقون بأن مع الله إلهاً آخر. ويقال أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يعني: أفيعبدون الأصنام التي لا تقدر على قوتهم، ولا على منفعتهم وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ أي: يجحدون بوحدانية الله تعالى ويقال: وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ فلا يؤمنون برب هذه النعمة.

قوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: الأصنام مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ أي: لا يقدر لهم رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ أي: من إنزال المطر وَالْأَرْضِ والنبات شَيْئاً يعني: لا يملكون شيئاً من ذلك. وقال القتبي: إنما نصب شَيْئاً بإيقاع الرزق عليه. ومعناه: يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئاً. كما تقول: ويخدم من لا يستطيع إِعطاءَه درهماً. وَلا يَسْتَطِيعُونَ ذلك فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ أي: لا تصفوا لله شريكاً فإنه لا إله إلا غيره إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنه لا شريك له، ويقال: إن الله يعلم ضرب الأمثال وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ضرب الأمثال.

16:75–76Page 275

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥

Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦

And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

ثم قال عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي: وصف الله شبهاً عَبْداً مَمْلُوكاً وهو الكافر لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ يقول: لا يقدر على مال ينفقه في طاعة الله وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً أي: مالاً حلالاً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ أي: يتصدق منه سِرًّا وَجَهْراً يقول: يتصدق خفية وعلانية وهو المؤمن هَلْ يَسْتَوُونَ في الطاعة مثلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ضرب المثل.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان والآخر أبو العيص بن أمية وهو كافر، لا يقدر أن ينفق خيراً لمعاده، وعثمان أنفق لآخرته فهل يستويان» ؟ أي: هل يستوي الكافر والمؤمن؟ ويقال ضرب المثل للآلهة، ومعناه: أن الاثنين المتساويين في الخلق، إذا كان أحدهما قادراً على الإنفاق، والآخر عاجزاً لا يستويان، فكيف يسوون بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل، وبين الذي هو على كل شىء قدير؟ فبيّن الله تعالى علامة ضلالتهم، ثم حمد نفسه، ودل خلقه على حمده، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.

ثم ضرب مثلاً آخر فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي أخرس وهو الصنم لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من مال ولا منفعة وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أي: ثقل على وليه وقرابته، يعني: الصنم عيال ووبال على عابده. أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ أي: حيث يبعثه لا يجيء بخير هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ يعني: بالتوحيد وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يدل الخلق إلى التوحيد. ويقال: هذا المثل للكافر مع النبيّ ﷺ يعني: الكافر الذي لا يتكلم بخير، هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي: التوحيد ويدعو الناس إليه وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يدعو الناس إليه وهو على دين الإسلام. وقال السدي: المثلان ضربهما الله لنفسه وللآلهة.

16:77–78Page 275

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧

And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.

وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨

And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.

ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: ما غاب عن العباد وَما أَمْرُ السَّاعَةِ أي: قيام الساعة إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أي: كرجع البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أي: بل هو أقرب، أي أسرع. قال الزجاج: أخبر الله تعالى أن البعث والإحياء في قدرة الله تعالى، ومشيئته كلمح البصر. ولم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، ولكنه وصف سرعة القدرة على الإتيان بها.

ويقال: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ الألف زائدة، ومعناه: وهو أَقْرَبُ. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: من البعث وغيره.

قوله عز وجل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ قرأ حمزة والكسائي أُمَّهاتِكُمْ بكسر الألف، وقرأ الباقون: بالضم، ومعناهما واحد. وقال الزجاج: الأصل في الأمهات أمّات، ولكن الهاء زيدت مؤكدة، كما زادوها في قولهم: أهرقت الماء، وأصله أرقت الماء.

لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً أي: لا تعقلون شيئاً. ويقال: لا تعلمون الأشياء كلها. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: لكي تشكروا النعمة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском