As-SamarqandiAn‑Nahl · 16:79–111

As-Samarqandi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:79–111

16:79–80Page 275

أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠

And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.

ثم بيّن لهم العبرة ليعتبروا بها، ويعرفوا بها وحدانيته فقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ يقول: مذللات فِي جَوِّ السَّماءِ أي: في الهواء مَا يُمْسِكُهُنَّ عند قبض الأَجنحة وعند بسطها إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعلامات لوحدانية الله تعالى، لمن علم أن معبوده لم يعنه في ذلك. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: لمن آمن به. قرأ ابن عامر وحمزة أَلَمْ تَرَوْاْ بالتاء على المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء.

ثم قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً أي: خلق لكم البيوت قراراً ومأوًى لكم، ويقال: معناه سخر لكم الأرض، لتبنوا فيها البيوت. ويقال: معناه وفقكم لبناء البيوت لسكناكم وقراركم، فذكر النعم والمنن والدلائل لوحدانيته.

وقال عز وجل: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ أي: من الشعر والصوف والوبر بُيُوتاً أي: الفساطيط والخيام تَسْتَخِفُّونَها أي: تستخفون حملها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ أي:

يوم انتقالكم وسفركم، ويوم نزولكم وَمِنْ أَصْوافِها أي: من أصواف الغنم وَأَوْبارِها أي: الإبل وَأَشْعارِها أي: أشعار المعز أَثاثاً متاع البيت أي من الأكسية والفرش. وقال قتادة والكلبي: أَثاثاً أي: المال. وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي: المنفعة تعيشون فيه إلى الموت.

ويقال: تنتفعون بها إلى حين تبلى. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو يَوْمَ ظَعْنِكُمْ بنصب العين، والباقون: بالجزم، ومعناهما واحد.

16:81–83Page 276

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١

And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢

But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.

يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣

They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.

قوله عز وجل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا أي: أشجاراً تستظلون بها. ويقال:

بيوتاً تسكنون فيها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً أي: الغيران والأسراب، واحدها كنّ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ أي: القمص تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد، اكتفى بذكر أحدهما إذا كان يدل على الآخر. وقال قتادة في قوله: مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا أي: من الشجر وغيره وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً قال: غيراناً في الجبال يسكن فيها تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي: من القطن والكتان والصوف. قال: وكانت تسمى هذه السورة سورة النعم. وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ وهي الدروع من الحديد تدفع عنكم قتال عدوكم. كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أي: ما ذكر من النعم في هذه السورة لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أي: تعرفون رب هذه النعم فتوحدوه، وتخلصوا له بالعبادة.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ بنصب التاء واللام، ومعناه: «تسلمون من الجراحات إذا لبستم الدروع، وتسلمون من الحر والبرد إذا لبستم القمص» .

ثم قال بعد ما بيّن العلامات: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ تبلغهم رسالتي، وتبيّن لهم الهدى من الضلالة.

قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها أي: يعرفون أن خالق هذه الأشياء هو الله تعالى، ثُمَّ يُنْكِرُونَها ويقولون: هي بشفاعة آلهتنا، وهذا قول الكلبي. وقال السدي: يعرفون محمدا ﷺ أنه نبي، وأنه صادق، ولا يؤمنون به. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها وسرابيل الحديد والثياب، يعرف هذا الكافرون ثُمَّ يُنْكِرُونَها أي البعث، وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ بالتوحيد. ويقال:

جاحدون بالنعم.

16:84–86Page 276

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤

And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥

And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦

And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."

قوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ أي: واذكر يوم نبعث فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: نبياً شاهداً على أمته بالرسالة أنه بلغها ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: في الكلام وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: لا يرجعون من الآخرة إلى الدنيا. وقال أهل اللغة: عَتَب يَعْتِب إذا وجد عليه، وأعْتَبَ يُعْتِبُ إذا رجع عن ذنبه، واستعتب يستعتب إذا طلب منهم الرجوع، أي: لا يطلب منهم الرجوع إلى الدنيا.

وقوله: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ أي: الكفار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي: العذاب حين رأوها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: لا يمهلون ولا يؤجلون ولا يتركون ساعة ليستريحوا.

وقوله عز وجل: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي: آلهتهم قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا يقولون: نعبد من دونك، وهم أمرونا بذلك. ويقال: يعني السفلة إذا رأوا شركاءهم. يعني: أمراءهم ورؤساءهم قالوا: ربنا هؤلاء الذين كنا ندعو من دونك، أي:

هم أَمرونا بالمعصية فأطعناهم فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ يعني: القادة والآلهة، وأجابوهم إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ما أمرناكم بذلك.

16:87–89Page 276

وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧

And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨

Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩

And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1

قوله عز وجل: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي: استسلموا وخضعوا وانقادوا. العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، خضعوا كلهم يومئذ لله تعالى وَضَلَّ عَنْهُمْ أي: اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي: يختلفون، ويقال: بطل عنهم مَّا كَانُواْ يقولون من الكذب في الدنيا.

ثم بين عذابهم فقال: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صرفوا الناس عن دين الإسلام زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ فوق عذاب السفلة. ويقال: التابع والمتبوع زدناهم في كل وقت عذاباً مع العذاب. وقال مقاتل: يجري الله عليهم خمسة أنهار من نحاس ذائب، ثلاثة أنهار في وقت الليل، واثنان في وقت النهار بِما كانُوا يُفْسِدُونَ في الدنيا. وقال الكلبي نحو هذا.

قال الفقيه أبو الليث: حدثنا محمد بن الفضل. قال: حدثنا محمد بن جعفر. قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ قال: «أفاعي في النار» . وعن ابن مسعود قال: «زيدوا عقارب في النار، أنيابها كالنخل الطوال» . وعن مجاهد قال: «في النار عقارب كالبغال، أنيابهن كالرماح، تضرب إحداهن على رأسه فيسقط لحمه على قدميه» . ويقال: يسألون الله تعالى المطر في ألف سنة ليسكن ما بهم من شدة الحر والغم، فتظهر لهم سحابة فيظنون أنها تمطر عليهم الغيث، فإذا هي تمطر عليهم الحيات والعقارب. ويقال: يسلط عليهم الجوع. ويقال: الجرب.

قوله عز وجل: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: رسولاً من الآدميين وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي: على أمتك وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي: القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ من الأمر والنهي. إلا أن بعضه مفسر، وبعضه مجمل يحتاج إلى الاستخراج والاستنباط. وقال مجاهد: ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب الله تبيانه، ثم قرأ:

تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وقال علي بن أبي طالب: «كل شيء علمه في الكتاب إلا أن آراء الرجال تعجز عنه» .

ثم قال: وَهُدىً وَرَحْمَةً أي هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً أي: نعمة من العذاب لمن آمن به وعمل بما فيه وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ بالجنة.

16:90Page 277

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠

Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ أي: بتوحيد الله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وَالْإِحْسانِ إلى الناس، والعفو عن الناس. وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى أي: صلة الرحم وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ أي: عن الزنى ويقال: جميع المعاصي وَالْمُنْكَرِ يعني: ما لا يعرف في شريعة ولا في سنة. ويقال: المنكر ما وعد الله عليه النار وَالْبَغْيِ يعني: الاستطالة والكبر. فقد أمر بثلاثة أشياء، ونهى عن ثلاثة أشياء، وجمع في هذه الأشياء الستة علم الأولين والآخرين، وجميع الخصال المحمودة.

وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال: ما أسلمت يوم أسلمت إلا حياءً من رسول الله ﷺ، وذلك أنه كان يدعوني فيعرض عليَّ الإِسلام، فاستحييت منه فأسلمت، ولم يقر الإِسلام في قلبي، فمررت به ذات يوم وهو بفناء داره جالساً محتبياً فدعاني، فجلست إليه، فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع، ثم رأيته خفضه عن يمينه، ثم ولاَّني وركه ينفض رأسه كأنه يستفهم شيئاً يقال له: ثم دعا فرفع رأسه إلى السماء ثم خفضه حتى وضعه عن يساره، ثم أقبل عليَّ محمراً وجهه يفيض عرقاً، فقلت: يا رسول الله ما رأيتك صنعت هذا في طول ما كنت أجالسك فقال: «وَلَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ» ؟ قلت: نعم. قال: «بَيْنَمَا أُحَدِّثُكَ إذْ رَفَعْتُ بَصَرِي إلى السَّمَاءِ، فَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ عَلَيَّ، فَلَمْ تَكُنْ لِي هِمَّةٌ غَيْرَهُ حَتَّى نَزَلَ عَنْ يَمِينِي فقال: يا محمد إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى إلى آخر الآية» . قال عثمان: فوقر الإيمان في قلبي، فآمنت به وصدقته. فأتيت أبا طالب فأخبرته بما نزل على رسول الله ﷺ فقال: يا معشر قريش، اتبعوا ابن أخي ترشدوا وتفلحوا، ولئن كان محمد صادقاً أو كاذباً، ما يأمركم إلاَّ بمكارم الأخلاق. فلما رأى النبيّ ﷺ من عمه اللين قال: «يا عَمَّاهُ أَتَأْمُرُ النَّاسَ أَنْ يَتَّبِعُونِي وَتَدَعُ نَفْسَكَ» ؟ وجهد عليه، فأبى أن يسلم [[عزاه السيوطي: 5/ 159 إلى أحمد والبخاري في الأدب وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس.]] فنزل إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: 56] إلى آخر الآية.

قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو منصور عبد الله الفرائضي بسمرقند بإسناده عن عكرمة، أن النبي ﷺ قرأ على الوليد بن المغيرة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ إلى آخر الآية. فقال له: يا ابن أخي أعد عليَّ، فأعاد عليه، فقال: «والله يا ابن أخي إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هذا بقول البشر» . وقال قتادة في قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يستحسنونه بينهم إلا أمر الله به، وليس من خلق سيّئ يتعايرونه بينهم إلاَّ نهى الله عنه.

ثم قال تعالى: يَعِظُكُمْ أي: يأمركم وينهاكم عن هذه الأَشياء التي ذكرها الله في الآية لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: تتعظون.

16:91–93Page 277

وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١

And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢

And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣

And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.

قوله عز وجل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ يقول: إذا حلفتم بالله فأتموا له بالفعل.

ويقال: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ أي: العهود التي بينكم وبين الله تعالى، والعهود التي بينكم وبين الناس.

ثم قال: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها أي: لا تنكثوا العهود بَعْدَ تغليظها، وتشديدها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي: شهيداً على إتمام العهود والوفاء بها. ويقال:

حفيظاً على ما قال الفريقان إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ في وفاء العهد والنقض.

ثم ضرب الله تعالى مثلا آخر فقال: وَلا تَكُونُوا في نقض العهد كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها وهي ريطة الحمقاء بنت عمرو بن كعب بن سعد وهي أم الأخنس بن شريف الزهري مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً أي: من بعد ما أبرمته وأحكمته، كانت إذا غزلت الشعر والكتان نقضته، ثم غزلته.

فقال: ولا تنقضوا العهد بعد توكيده، كما نقضت المرأة غزلها، وقال القتبي: أي لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثاً، والأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها نكث.

ثم قال: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي: دغلاً وخيانة أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أي: فريقا منكم هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ أي: هي أكثر وأغنى من أمة. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كندة ومراد، وذلك أنه كان بينهم قتال حتى كَلَّ الظهر، ثم تواعدوا لستة أشهر حتى يصلح الظهر أي: الدواب، ولحم الخيل. فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معد يكرب بالجهاد إليهم، فقالوا: قد بقي من الأجل شهر، فمكث حتى علم أنه يأتيهم بعد انقضاء الأجل، فقتلوه وهزموا قومه، فذلك قوله: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ [النحل: 94] أي: عهودكم بالله دَخَلًا أي: مكراً وخديعة بينكم أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ يعني: أن تكون أمة أكثر من أمة، فينقضون العهد لأجل كثرتهم، فلا تحملنكم الكثرة على نقض العهد إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ يعني: إنما يبتليكم الله بالكثرة، لنقض العهد والوفاء. وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فإِذا وجدوا أكثر منهم وأعز، نقضوا وحالفوا الأعز، فنزل إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي: يختبركم بنقض العهود وبالكثرة وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين، ويبيّن لكم ما نقضتم من العهود، ويجازيكم به.

قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي: على ملة واحدة وهي الإسلام وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي: يخذل من علم أنه ليس من أهل الإسلام وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي: يكرم بالإِسلام من هو أهل لذلك وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهذه اللام لام القسم والتأكيد، أي:

يسألكم عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الوفاء، والنقض بالعهد.

16:94–97Page 278

وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤

And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.

وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥

And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.

مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦

Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧

Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.

قوله عز وجل: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها أي: إنّ ناقض العهد يزل عن الطاعة، كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة وَتَذُوقُوا السُّوءَ أي: تتجرعوا العقوبة بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صرفتم الناس عن دين الله وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي:

شديد في الآخرة.

وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي: لا تختاروا على عهد الله، والحلف به عرضاً يسيراً من الدنيا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ في الآخرة من الثواب الدائم هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي: ثواب الجنة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَن الآخرة خير من الدنيا. ويقال: إن كنتم تصدقون بثوابه. قال الكلبي: نزلت الآية في رجل من حضر موت يقال له: عبدان بن الأشوع. قال: يا رسول الله إنّ امرأ القيس الكندي جاورني في الأرض، فاقتطع أرضي فذهب بها وغلبني عليها، فقال له رسول الله ﷺ:

«أَيَشْهَدُ لَكَ أَحَدٌ عَلَى ما تَقُولُ» ؟ قال: يا رسول الله إِنَّ القوم كلهم يعلمون أنِّي صادق فيما أقول، ولكنه أكرم عليهم مني عليهم، فقال رسول الله ﷺ لامرئ القيس «مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ» ؟

قال: الباطل والكذب. فأمره رسول الله ﷺ بأن يحلف. فقال عبدان: إنه لفاجر وما يبالي أن يحلف. فقال له رسول الله ﷺ: «إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ شهود فخذ يمينه س فقال عبدان: وما لِي يا رسول الله ألا يمينه؟ فقال: «لا» فأمره رسول الله ﷺ أن يحلف. فلما قام ليحلف، أخره رسول الله ﷺ وقال له: «انْصَرِفْ» ، فانصرف من عنده. فنزلت هذه الآية وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إلى قوله: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ أي: ما عندكم من أمر الدنيا يفنى وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ أي: ثواب الله في الجنة دائم لأَهلها وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا عن اليمين وأقروا بالحق.

ويقال: الذين صبروا على الإيمان، وأقروا بالحق أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني:

بالإحسان الذي كانوا يعملون في الدنيا. ويقال: يجزيهم بأحسن أعمالهم، ويبقى سائر الأعمال فضلاً. قال الكلبي: فلما نزلت هاتان الآيتان، قال امرؤ القيس: أَمَّا ما عندي فينفد، وأمَّا صاحبي فيجزى بأَحسن ما كان يعمل. اللَّهم إنه صادق فيما قال، لقد اقتطعت أرضه، والله ما أدري كم هي، ولكنه يأخذ ما يشاء من أرضي ومثلها معها بما أكلت من ثمارها، فنزلت: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي: لا يقبل العمل منه ما لم يكن مؤمناً، فإذا كان مؤمناً وعمل صالحا، يقبل منه.

وقال: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الجنة. ويقال: يجعل حياته في طاعة الله. ويقال:

فلنقنعنّه باليسير من الدنيا. وروي عن ابن عباس أنه قال: «الكسب الطيب، والعمل الصالح» .

وعن عليّ قال: «القناعة» . وقال الحسن: «لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة» . وقال الضحاك: «الرزق الحلال، وعبادة الله تعالى» .

ثم قال: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ أي: ثوابهم بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ أي: ليثيبهم بإحسانهم، ويعفو عن سيئاتهم. قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر في إحدى الروايتين وَلَنَجْزِيَنَّ بالنون. وقرأ الباقون: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ بالياء.

16:98–101Page 278

فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨

So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].

إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.

وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

قوله عز وجل: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يعني: إذا أردت أن تقرأ القرآن في الصلاة وغير الصلاة، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي تعوذ بالله. وهذا كقولك: إذا أكلت فقل بسم الله، يعني: إذا أردت أن تأكل، وهذا مثل قوله إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] يعني: إذا أردتم القيام للصلاة.

وقوله: مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني: اللعين الخبيث. ويقال: الرَّجِيمِ يعني:

المرجوم. ويقال: فيه تقديم، ومعناه: فاستعذ بالله، إذا قرأت القرآن.

ثم قال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ يقال: ليس له غلبة ولا حجة. ويقال: ليس له نفاذ الأمر عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا بتوحيد الله تعالى وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: يثقون به ولا يثقون بغيره.

قوله عز وجل: إِنَّما سُلْطانُهُ أي غلبته وحجته عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي: يطيعونه من دون الله تعالى. فمن أطاعه فقد تولاه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ أي: بالله. وقال القتبي:

وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ لم يرد أنهم بإبليس كافرون، ولو كانوا هكذا لكانوا مؤمنين، وإنَّما أراد به الذين هم من أجله مشركون بالله تعالى، كما يقال: صار فلان بك عالماً أي: من أجلك.

قوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً أي: ناسخة مَكانَ آيَةٍ منسوخة، أي: نسخنا آية بآية. قال ابن عباس: «إن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية فيها شدة، أخذ الناس بها، وعملوا ما شاء الله أن يعملوا، فيشق ذلك عليهم، فينسخ الله تعالى هذه الشدة، ويأتيهم بما هو ألين منها وأهون عليهم منها» ، قالوا: أي كفار قريش: ما يعلمه إلا عابس غلام حويطب بن عبد العزى، ويسار بن فكيهة مولى ابن الحضرمي وكانا قد أسلما، وكان رسول الله ﷺ يأتيهما فيحدثهما ويعلمهما، وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية. فنزل وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ يعني: بما يصلح للخلق قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ أي: مختلق من تلقاء نفسك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن الله أمرك بما شاء، نظراً لصلاح العباد. وقال مقاتل: في الآية تقديم، ومعناه:

وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ فتقول على الله تعالى الكذب. قلت: كذا ثم نقضته، فجئت بغيره، ثم قال في التقديم: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ.

16:102–103Page 278

قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢

Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.

قال عز وجل: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ أي: قل يا محمد، نزل جبريل بالقرآن، والتشديد لكثرة نزوله. ويقال: نزّله بمعنى تَنَزَّلَ. كما يقال: قَدَّمَ بمعنى تَقَدَّمَ، وَبَيَّنَ: بمعنى تَبَيَّنَ.

ويقال: نَزَّلَهُ بمعنى: تلاه والوحي بلغه. ويقال: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ يعني: جبريل الذي يأتيك بالناسخ والمنسوخ مِنْ رَبِّكَ أي: من عند ربك. ويقال: من كلام ربك بِالْحَقِّ أي: بالوحي. ويقال: بالصدق. ويقال: للحق. ويقال: لصلاح الخلق لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا أي: ليحفظ قلوب الذين آمنوا على الإسلام. ويقال: لِتَطمئن إليه قلوب الذين آمنوا وَهُدىً من الضلالة وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ بالجنة.

وقال: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ يعني: أن كفار قريش يقولون: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ يعنون: جبراً ويساراً. وروى حصين عن عبد الله بن مسلم قال: كان لنا غلامان من أهل اليمن نصرانيان، اسم أحدهما يسار، والآخر جبر، صيقليان، وكانا يقرآن بلسانهما، فكان رسول الله ﷺ يمر عليهما ويستمع منهما. فقال المشركون: إنما يتعلم منهما، فأكذبهم الله تعالى حيث قال: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ أي: رومي اللسان. وقال مقاتل: كان غلام لابن الحضرمي اسمه يسار، وهو يهودي أعجمي اللسان، فكان النبيّ ﷺ إذا آذاه كفار قريش يدخل عليه ويحدثه، فقال المشركون: إنما يعلمه يسار. فقال الله تعالى رداً عليهم:

لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ أي: يميلون إليه ويزعمون أنه يعلمه أعجمي، أي:

عبراني. وأصل الإلحاد: الميل وَهذا يعني: القرآن لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ يعني: مفقه بلغتهم.

وروي عن طلحة بن عمير أنه كان يقول: بلغني أن خديجة كانت تختلف إلى غلام ابن الحضرمي وكان نصرانيا صاحب كتب، يقال له: جبر وكانت قريش تقول: إنّ عبد الحضرمي يعلم خديجة، وخديجة تعلم محمدا ﷺ، فنزل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ثم أسلم جبر بعد ذلك، وحسن إسلامه، وهاجر مع سيده. قرأ ابن كثير رُوحُ القدس بجزم الدال، وقرأ الباقون: الْقُدُسِ بالضم وقرأ حمزة والكسائي يُلْحِدُونَ بنصب الياء والحاء، وقرأ الباقون: يُلْحِدُونَ بضم الياء وكسر الحاء ومعناهما واحد.

16:104–107Page 279

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤

Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.

إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي: القرآن لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أي: لا يوفقهم الله ولا يكرمهم لقلة رغبتهم في الإيمان. ويقال: لا ينجيهم في الآخرة من النار وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.

ثم قال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلاَّ الله كذبوا بها، وهؤلاء أكذب الكذبة. مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ فعليهم غضب من الله على معنى التقديم.

ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ أي: أكره على الكفر، وتكلم بالكفر مكرهاً وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ يقول: قلبه معتقد عليه، وهو عمار بن ياسر، وأصحابه. وذلك أن ناساً من أهل مكة آمنوا، فخرجوا مهاجرين، فأدركتهم قريش بالطريق فعذبوهم، فكفروا مكرهين، فنزلت هذه الآية فيهم. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله. وروي عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة، فطرحوه في بئر ميمونة حتى أمسى، فقالوا له: اكفر بمحمد وأشرك بالله، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فنزلت الآية. وذكر أن النبيّ ﷺ رأى عمار بن ياسر وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع من عينيه، ويقول: «أخذني الكفار ولم يتركوني حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير» . فقال: «كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ» ؟ قال: مطمئن بالإيمان. فقال: «إنْ عَادُوا فَعُدْ» . وقال مقاتل: أسلم جبر مولى ابن الحضرمي، فأخذه مولاه وعذبه حتى رجع إلى اليهودية، ثم رجع إلى هؤلاء النفر، فنزلت الآية إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.

ثم بيّن حال الذين ثبتوا على الكفر فقال: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي: فتح صدره بالقبول. يعني: قبل الكفر طائعاً وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتدّ ولحق بمكة فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي: شديد في الآخرة ذلِكَ العذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا أي: اختاروا الدنيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي أي: لا يرشد إلى دينه الْقَوْمَ الْكافِرِينَ مجازاة لهم.

16:108–110Page 279

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ أي: ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم، وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي: التاركون لأمر الله تعالى.

ثم قال: لاَ جَرَمَ أي: حقاً أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا قال ابن عباس: «نزلت في عمار بن ياسر وأبويه وبلال، وصهيب، وخباب بن الأرت حيث عذبهم المشركون، ثم هاجروا إلى المدينة، فأخبروا رسول الله ﷺ فنزل» ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا يقول: عذبهم أهل مكة ثُمَّ جاهَدُوا مع النبيّ ﷺ وَصَبَرُوا على البلاء، وَصَبَرُوا على دينهم، وَصَبَرُوا مع النبيّ ﷺ على طاعة الله تعالى إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي: من بعد الفتن، ويقال: من بعد الهجرة لَغَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ. ويقال: نزلت الآية في عياش بن أبي ربيعة، وقد ذكرناه في سورة النساء. قرأ ابن عامر مَا فُتِنُوا بفتح الفاء والتاء، أي: أصابتهم الفتنة. وقرأ الباقون فُتِنُوا على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

16:111Page 280

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

قوله عز وجل: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ، أي: تحضر. تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها يعني: كل إنسان يخاصم عن نفسه، ويذبُّ عنها، ويقول: نفسي نفسي، وذلك حين زفرت جهنم زفرة، فلا يبقى ملك مقرَّب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه وقال: ربِّ نفسي نفسي، أي: أريد نجاة نفسي. وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي: توفّى كل نفس برة أو فاجرة جزاء ما عملت في دار الدنيا من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أي: لا ينقصون من حسناتهم، ولا يُزادون على سيئاتهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском